الدفء الذي لا يصل والغرفة الباردة
أطلّ النهار بشعاعه الدافئ، مرسلاً ضوءاً أحمر ناريّاً انعكس على عينيها وهي تفتح نافذة غرفتها ببطء. لقد نامت في الليل ولا تدري كيف، لكنها استيقظت على إعياء غريب يسري في أطرافها كأنه نذير صامت. لوهلة، ثقُلت خطوتها، لكن وتيرة ذلك التعب خفتت وهي تسمع ضحكات صاخبة على الدرج المؤدي للأسفل أين يأتي صوت أمها الحنون وهي تنادي على شقيقيها " معاذ وطارق "لتناول الفطور..لكن ... لم تنادِها هي.
زفرت بيأس صامت؛ لقد اعتادت هذا التجاهل اليومي حتى ما عاد يلسعها كما كان يفعل في المرات الأولى.
دخلت الحمام الملحق بغرفتها، واستحمت بهدوء، تاركة الماء البارد _ والذي لا يتناسب مع حال الجو الشتوي في الخارج _ ينسكب على جسدها حتى أتلف مستشعرات الألم فيه. حمام غرفتها هو الوحيد في المنزل الذي لا يحتوي على مسخن ماء، فالجميع يحظى بالدفء، أما هي فمن يهتم لأمرها؟ عطست بألم وهي تمسح وجهها المتورد، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل انعكاس وجهها الشاحب، وتسأل السكون في سرها بحسرة:
«لماذا؟ ماذا فعلتُ لأكون الغريبة الوحيدة هنا؟»
غيرت ملابسها ونزلت الدرج بخطوات خفوتة، لتلمح عبر النافذة والدها يركب سيارته ومعه شقيقاها. وكالعادة، عليها أن تُعدّ فطورها بنفسها إن أرادت. ألقت تحية الصباح بودٍّ شاحب لأمها التي لم ترفع عينيها ملياً، بل ابتسمت بجفاف وهي تنحني لتنتعل حذاءها على عجل، قائلة بنبرة عتاب جافة:
- "ما كان عليك النوم كل هذا الوقت، تعلمين كيف يغضب والدك من التأخير! على كل حال، جهزي نفسك بسرعة، والدك سيقلني للحضانة وفي طريقه سيوصل إخوتك."
ثم تنهدت الأم بتعب وهي تعدل هندامها وأضافت وهي تتجه نحو الباب لتفتحه:
- "آمل ألا تحتجي كالعادة.. تعلمين أن الجامعة قريبة من هنا ولطالما عبرتِ عن رغبتكِ في المشي والخروج، أليس كذلك؟"
ارتسمت في سرّ "أماندا" ابتسامة تهكمية مريرة وهي تقول :
«كيف تسمين هذا خروجاً يا أمي؟ جامعتي أقرب من حضانتك ومدرسة أخويّ، ولا توجد في طريقي سوى الأرصفة المهجورة، فوق أنني ممنوعة من استخدام منحة جامعتي أصلاً!»
حبست دموعها بصعوبة، واكتفت بالإيماء برأسها صامتة بعد أن انتظرت أمها الإجابة، لتخرج الأم وتغلق الباب خلفها، تاركة البيت يطبخ في صمته.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!