معدل 17 وفتات الفرح
في خضام ذلك عادت "أماندا" بذاكرتها إلى ذلك الجرح المفتوح.. إلى عام البكالوريا.
كانت في السابعة عشرة من عمرها، ليلة أن حبست أنفاسها أمام شاشة الحاسوب المحمول، ليشعّ من الشاشة المعدلُ الذهبي: (17.00). معدلٌ مبهر يفتح أبواب كلية الطب على مصراعيها، وتتويجٌ لعامٍ كامل من طحن النفس وسهر الليالي.
ظنت في تلك اللحظة أن سقف المنزل سيطير فرحاً، وأن بيتها سيزهو بفخر لا ينتهي. لكن الإنجاز مرّ كأنه حدثٌ عادي لا يستحق حتى الالتفات. لا أحضان، لا ثناء، ولا كلمة مباركة واحدة. بل إن المنزل غرق فوراً في ظلامٍ دامس وسكونٍ مرعب، كأن جنازة هي التي تُقام في الداخل.
وفي الخارج، كان الشارع يمتلئ بالصخب؛ صليل ألعاب نارية تضيء السماء، زغاريد مدوية تتصاعد من البيوت المجاورة، وأبواق السيارات تعزف ألحان الفرح في موكبٍ لا يتوقف احتفالاً بجيرانها، رغم أن أماندا كانت تعلم يقيناً أن معدلاتهم كانت دونية تماماً ولا تقارن بجهدها ومعدلها.
تذكرت أسئلة صديقاتها الجارحة التي كانت كالسهام في قلبها بعد إعلان النتائج:
-"أماندا! والدكِ طبيب نفسي شهير وثري، لا ريب أنه سيقيم لكِ ليلة احتفال في قصر!"
-"هل سيشتري لكِ سيارة جديدة؟ أم سيأخذكم في رحلة على متن سفينة سياحية إلى أوروبا؟"
-"أكيد سيمنحكِ هاتفاً أحدث طراز وميزانية مفتوحة للتسوق!"
كم شعرت بالقهر وهي تبتسم لهن زيفاً! لم تكن تريد قصراً ولا سفينة، بل كان طلبها مقتصراً على لمسة تقدير بسيطة، على "نظرة" تقرأ فيها أنها غالية.
تذكرت كيف انكسرت كبرياؤها وهي تترجى والدها وتتوسل إليه، والدموع تتحجر في عينيها، لمجرد أن يشتري لها كعكة صغيرة تحتفل بها. وبعد توسلات جافة، أحضر والدها كعكة صغيرة لا تتعدى كف اليد، ألقاها على الطاولة بجفاف ودون ابتسامة أو نظرة فخر واحدة، كأنه يرى أن نتيجتها هي التحصيل الحاصل المتوقع لا أكثر، ودون أن تكلف نفسها حتى التساؤل عن المصير الذي كان ينتظرها لو نالت معدلاً أدنى!
كانت كعكة باردة، بلا طعم ولا روح. أكلتها أماندا وحدها في غرفتها المغلقة، بقرارٍ حازم من أبيها ألا يشاركها أحد قطعة منها...لماذا ؟ لاتدري ... انزوت تأكلها والدموع تحرق وجنتيها وتتأرجح في حلقها، بينما كانت القرارات الحاسمة تتشكل في البيت:
"اللابورص" (المنحة الجامعية) محبوسة بأمر أبيها، الخروج ممنوع، وشراء ما تحب حلمٌ مؤجل تحت مسمى "التربية والتحفظ".
منذ ذلك اليوم، تعلمت أماندا كيف تدرس في صمت، تطحن نفسها بين مجلدات الطب، لتقف اليوم في المرتبة الأولى بين دفعتها في سنتها الأولى، لا لتثبت لهم شيئاً-فقد فقدت الأمل-بل لتثبت لنفسها فقط أنها ما زالت على قيد الحياة.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!