قلب طفلة..|06
"تمضي نصف عمرك في مدينة تسمى...بيتُك"
•
" هل هذا البيت يكون رحمةً لك أم عذاب "
•
"هل ذكراه سعيدة أم حزينة !؟"
امتدت خيوطٌ حريرية من الشمس، صفراءُ مفتحة ممزوجة بلون النار لتخبر أهل المدينة بحلول وقت الغروب.
بدأ أهل البلدة بالخروج من بيوتهم لينعموا بهواءٍ عليل، ومنهم من كان له متجرٌ فبدأ بإدخال أغراضهِ إلى داخله ليغلقه..
كان هنالك أطفالٌ لا تتجاوز أعمارهم السبع سنوات، يلهون ويمرحون في الهواء الطلق، ويلعبون الحَجْلة لتكون لعبتهم المفضلة.
أما في مكانٍ آخر، زاويةٌ من بيتٍ عتيق تضمُ فتاةً صغيرة.. بهية المظهر، تجلسُ وحدها على عتبةِ منزلهم، تنظرُ إلى الأطفال وهم يلعبون وفي قلبها حسرةٌ على حالها بأنها لا تستطيع مشاركتهم، إذ قامت أُمُها بتوبيخها على ألا تلعب رفقتهم مرةً أخرى، لأنها تظن أنهم سيفسدون أخلاقها، أيضاً الفتيات لسن كالصبية لا يلعبن في الحي، بل يبقين في المنزل...
اقترب منها غُلامٌ ينظر لها بعينيه الضيقتين، أثار اشمئزازَه شامتها التي تُزين خدها الأيسر.
أخذ يضحك وهو يشير لها باستهزاء وقال:
_ أهنالك حمامةٌ قضت حاجتها على وجهكِ؟ هههه ياللقرف يا صاحبة براز الوجه!!
نظرت له سوليت بقلة حيلة وهي تشفق على الكائن الذي أمامها،
طفلةٌ بهذا العمر تتعرض للتنمر بشأن خلقة أتت بها وليس بيدها!!
كم هذا وقح... لم تهتم له إذ تركته يحدث نفسه لتذهب إلى منزلها، وقفت أمام الباب تأخذ الصعداء من نفسها لتستعد لاستقبال إعصار أمها، أدارت مقبض الباب ببطء شديد وهي تتمنى أن يتوقف الوقت، فتحته لتدلف، وجدته هادئاً وكأنما لا أحد هنا، والدُها بعمله لا يعود حتى التاسعة مساءً.
نظرت إلى غرفة المعيشة.. فارغة، غرفة نوم والديها مثل التي قبلها، وجدتها في المطبخ... أُمُها، كانت تقطع الخضار لتصنع سلطة للعشاء، ذهبت إليها والتردد يتسارع بها، وقفت قبالتها.
رفعت أطراف جفونها لترى ابنتها البالغة من العمر ثماني سنوات، لتتحدث دون روحٍ لها:
_ماذا أيتها الساحرة؟
اغرورقت عيناها بالدموع رغماً عنها، لقد اعتادت ندائها هذا؛ كلُ هذا بسبب شامتِها كم باتت تكرهُها،
حاولت الحفاظ على رباط جأشها وعلى ما تبقى لها من كبرياء، لتهمس باحتقان:
_حقاً أنا بشعة؟ هل هذا صحيح بسبب النقطة البنية التي تترأس خدي؟ أهذا قبيح؟
ضحكت أُمُها بصوتٍ عالٍ لتقول بتفاخر مشمئز:
_نعم أنتِ على حق، غير أنكِ بشعة وقبيحة وساحرة أيضاً بل إنكِ تشبهين جدتكِ أمُ والدكِ ورثتِ من وجهها علامة الساحرات، أترين تلك النقطة هي برهانٌ على هذا، وأزيد لكِ بأن لا أحد سينظر لكِ أو حتى يفكر بالزواجِ منكِ...
صاعقةٌ ضربت سمعها في لمح البصر، أصبحت دموعُها تنسكب دون توقف، لا تدري أين تذهب وإلى أي حضنٍ سيأوي جرحها العميق هذا، وكم كان الموت راحةً لها ونجاة من أُمِها.
خرجت الكلمات من ثغرها بصعوبة وكأنها فقدت قدرتها على النطق:
كم أنتِ قاسية، من أين لكِ بهذه الوحشية؟ أهيَ من والدتكِ؟!!
(تنويه: هذا اللي قالته عقوق صراحة، بس ما لقيت شي ثاني أحكيه عشان تعصب وتقوم لها لهيك لا تتعلموه بكتلكم!!!)
أحدجت عيناها تنظر لها بوعيد غليل، احمر وجهها، ضربت يديها بطاولة الطعام لتقوم باندفاع عن كرسيها وتمسك بسوليت.
نزلَ أول كفٍ على خدها الممتلئ بقوة جعلت منها ترتد إلى الجهة المعاكسة، وأمُها تقول:
"لقد تساهلتُ معكِ كثيراً والآن سأربيكِ من جديد"
ضربتها على خدها الثاني لتصرخ من الألم الذي سُكب عليها، أمسكت السكين وجرتها من شعرها إلى موقد النار.
أصبحت تصرخ أكثر وهي ترجوها ألا تفعلها، أشعلته لتحمي السكين عليه حتى أضحى لونُها أحمر من شدة نارِها، ووضعتها على جلد كتِفيها، لتصرخ سوليت بأقوى صوتٍ لديها، كادت أحبالُها الصوتية تتقطع من كثرة عويلها وعيناها سكبتا ما بهما من فائض حتى جفتا تماماً، كانت أمها تضغطُ السكين بقوة حتى أصبح مكانُها لونه... أسود.
حاولت سوليت الإفلات منها لتدفعها على الموقد، نجحت بذلك وهربت إلى ملجأها... بيري.
ركضت بأقصى ما لديها من قوة متبقية، كانت تحترق وجعاً وروحاً، لم تخال لها نفسها أن يحصل بها هكذا يوماً، وصلت إلى بيت بيري، لتطرق بابه بسرعة، خرجت بيري لتشهد حالتها المؤلمة، لم تستطع احتضانها لأن ألمها يفتك بها.
_أر...جوكِ أنقذيني، أمي حرقَتني!!
تجمدت أوصالها عن الحركة، حُصرت الكلمات بحلقَها، وخُطف لونها إلى الصفار المُبيض، رفعت يديها تضعُهما على فمِها تكتم شهقتها بها.
مرت بضع لحظات وتصاعدت أصوات بكاء الطفلة التي أمامها، تداركت الموقف لتسحبها إلى مستوصفها حيث يوجد العلاج، أجلسَتها على الكرسي المخصص وجعلتها تتمدد على بطنها، أخذت المقص وقصت ملابسها لتظهر لها أثر الحرق، لونه أسودٌ متفحم وصلت درجته إلى الثالثة من الحروق، الأنسجة العصبية متضررة شبه ميتة.
تحركت من مجلسها لتأتي بدلو ماء بارد، غطست به خرقة من القماش، ثم وضعتها على الحرق، كانت هادئة على عادتها، لم تنبس ببنت شفة وهي تعمل بتركيز فيما تفعله.
فتحت الخزانة بجانب السرير لتخرج منها علبة زرقاء اللون، أتت بسرنجة لتخرج منها قدر ثلاث مل، اتجهت إلى التي تئن بصمتٍ وحرقة، أشربتها إياه لتهدأ، بعد عدة دقائق بدأت جفونُها بالارتخاء وغطت في سباتٍ عميق، كان ذلك مخدرًا ومهدئاً لحرقها.
أتت بمرهمٍ في زجاجة مكون من الكافور والأنيمون، وضعته على مكان حرقها وعلى جوانبه التي تضرُّها أكثر من مركزه وهذا لأن خلاياه قد ماتت..
أسرعت بجلب قماش الكتان لتلف به كتفها حتى تمنع تلوثه، انتهت من هذا لتتركها حتى تستفيق من تلقاء نفسها.
حين خرجت من الغرفة طُرق الباب، لتتقدم إليه تفتحه ليظهر أمامها والد سوليت.
تكلم بنبرةٍ ملهوفة على رؤيته لابنته:
_ مرحباً أنسة بيري..، هل سوليت في حوزتكِ؟
نظرت بيري له وعينها تبرق بدموع خفية، لتهمس:
_ نعم إنها هنا، لكنها نائمة...
اعتلت الغرابة ملامحه، وعقد حاجبيه ليتساءل:
_ ولمَ هيَ نائمة!؟ أليس لديها منزل ترقد به!
فاجأته بيري بجوابها:
_ حين يكون البيت الذي تعيش به ليس ملاذاً آمناً، لن تستطيع النوم به أو الجلوس بسلام.
سيدي عذراً منك، ابنتكِ أتت لي محروقة بكتفِها!! أهذا منطقي!؟
حافظ على أمنِ منزلكَ رجاءً!
صُعق مما قالته ليتوتر خوفاً على ابنته الوحيدة، خرجت كلماته بقلق:
_ ماذا؟؟ أهيَ بخير الآن!؟ واهٍ يا ابنتي!
أوسعت فتحها لباب المنزل لتعجله يدخل، دلف خلفها متجهاً إلى مستوصفها حيث ترقد ابنته.
وصلت لها لتكشف عن كتفها وتريه حجم حرقِها وقوته، لتتسع عيناه بصدمة كبيرة وهو ينافي فعلها:
_ يا إلهي من فعل هذا!؟
خرج صوت أفكاره بقوة واضحة، لتلتفت له بيري وتقول:
_ إنها زوجتك....!
لقد أتت لي هذه الطفلة وهي تقول "ساعديني أمي حرقَتني".
✧——————❁——————✧
وفي واجهةٍ أخرى...
كان يلعب لياندر هو ووالده على سطح المنزل كرة القدم، أصواتهم تخرج بفرحٍ شديد.
تقدم والده وهو يقول:
_ لطالما أحببتُ هذه الرياضة، إنها ممتعة بشكل غير متوقع.
نظر لهُ لياندر يبتسم على حديث والده، وأكد لهُ أيضاً حبه المشترك لها.
تراجع لياندر إلى الخلف قليلاً ليسدد ركلة إلى والده ليتصدى لها ويراوغ له حتى يسدد هدفاً في مرماه.
لكن لياندر لم يسمح له بذلك إذ تراجع أكثر قليلاً، اتجهت الكرة لديه، ليقفز ويلتقطها.
لكنه حين نزل إلى الأرض لم يستطع التوازن وارتطم بسياج السطح ليدفعه إلى الخلف حيث أرضية الحديقة.
سقط لياندر من أقصى سطح منزلهم إلى أدناه، ليرتطم رأسه بالأرض بقوة.... فاقداً وعيه..
أسرع والده بالنزول من السطح بمساعدة قواه الخارقة، التي تكمن بالانتقال.
ذهب إلى بُنيه ليقيس مؤشر تنفسه ونبضه وإذ به... لا يوجد أي منهما!!!
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!