08:00
08:00
جزء 6 من 8
وضع القراءة:

سوليت!؟|04

~ ماذا لو كان الخلاص على يدي! هل سيكون مؤلماً أم رحيماً؟ ~
~ هل سررت برؤيتي أيها المثقف؟ ~
~ لو أنني رأيتُ الموتَ ولا رأيتُكِ ~
أرتعد خوفاً من فكرة أن هنالك من تنبأ بشيءٍ لم يفكر به من قبل، كان ذلك بمثابةِ لُغزٍ وقع على مخازنِ عقله.
بدأ يردد بصوتٍ مسموع:
~ لا تكن عبده...! بل كن سلطانه...! ~
لاحظت بيري غفلته عما حوله، فبعد عودة أهل القرية إلى أعمالهم وكأنهم لم يسمعوا ترهاتِ رجلٍ مهترئ مرَّ على هذه القرية، كان هدوؤها مريباً وكأن هنالك انفجاراً مهيباً سيحصل، لكن أكان هذا مقدراً أم مخططاً؟
لم يكن لبيري الوقت للتفكير بمثل هذا، ذهبت تتمشى في الحديقة الأمامية، تحوي في أرجائها نباتاتٍ جميلة وخضراء تمنح شعور الانتعاش، اقتربت من نبتةٍ تتدلى منها أزهار وردية، أمسكت بطرفٍ منها وخالجتها ذكريات ابنتها:
كم كانت تهوى هذه الأزهار...
أمي بيري كيف حالُكِ؟ هل اشتقتِ لي؟
التفتت بيري لترى من كانت تعتني بها وهي صغيرة، أهملتها أُمها لتأخذها بيري وترعاها وها هي الآن أصبحت شابة فاتنة بكل معنى الكلمة.
سوليت!! يا حبيبة قلبي وكم اشتياقي لك يضاهي معانٍ كثيرة!
هرولتا إلى بعضهما البعض لتأخذ كل واحدةٍ منهن عناقاً من الأخرى، كانت مشاهدتهما لطيفة للغاية لكن لم تكن كذلك لذو العينين الكرمليتين.
يراقبهما من الشرفة المطلة على الحديقة، وكأنه صقرٌ ينتظرُ فريسته، مقلتاه تشعانِ بوهجٍ غامض ولهذا قوةٌ سحرية يخفيها تحت رمشاته.
كانت سوليت فتاةً شغوفةً طموحة، وكذلك قوية ويأتي معها عنادُ كُلِ بنت في صغرها، إلى أن أتت الانقلابات السياسية وهدمت ما يسمى بالطفولة لدى صغار هذه المدينة، هنالك من تهجّر منها، من فقد أحداً
من أبويه أو عائلته كاملة، من خسر ماله، هبط بشتى أنواعه على المدينة لتصبح موطناً للمعاناةِ.
تهجرت من بلادها بعمر العشرين سنوات عمها وعائلته، لتبقى والدتُها بجانب أباها المريض.
عاشت خارج باث مدة لا تقل عن السبع سنوات، كانت حياتُها بالكاملِ خارجها، درست وتعلمت علم الآثار لتكون أول فتاةٍ تدخلُ عليهم بهذه العلوم، خاطت حياتها على منهجٍ عتيق (من يُريد المساعدة أمد يدي له، ومن لا يريد لا بأس لتأكلك الذئاب البشرية).
وهكذا تكونت صفيحة سوليت، خلطت بها معادن الحياة لتخرج لها سبيكة المعالجة لهذه الحياة.
كان تناديهُما شديد التماسك كأُمٍ التقت بابنتها بعد فراقها من الحياة، حتى دمعت عينا بيري الرقيقة التي لم يتلاشَ حُزنها من بعد تلك الليلة.
لاحظت سوليت هذا وكادت أن تسأل إلا أن أوقفها مجيء السيد
لاسكاريس، الذي كان يراقِبُهُما كالغراب من شرفةِ القصر.
وجه نظراتِه الباردة والمتفحصة لسوليت وكأنها غريبة تُشكل خطراً عليهما، لم يكن مرحباً بها، مشمئزاً من وجود يتيمة تدور حول عمته، أهذا سببٌ لموت والدها الذي انتهك المرض جسده الهش وفتك به إلى الهاوية، أم لأن أُمها شبه تخلت عنها!!!
أهكذا يكون قلبك يا لياندر عند ملاقاة شخوص تتشابه معهم بنفسِ الألم تنبذهم وكأن لا أحدٌ غيرك يفتك الألم بقلبه؟؟
لم تكن هذه نيته، بل إنهُ قد وصلته حمامةٌ زاجلة تحمل ما خُطَّ له... مجهول الهوية، مستخلصُها أن سوليت أثناء تغربها وإقامتها ببيت
عمها قد افتعلت مشاكل كثيرة وأخطرُها هو الشروع بالقتل...
وكزتهُ عمته ليعود إلى الحاضر وترك ما يفكر به.
تنحنحت بيري متقدمة من التي تحملُ فصوصاً من القهوة بعينيها:
لياندري، أُعرفك بسوليت ابنة السيد آرس نوريون... ألا تعرفها؟ إنها تسكن على بُعد بيتين من منزلنا.
أحدَجَ عينيه بها وكأنه يقرأُها من ركادة عينها به، لفتت حدقتيه شامةٌ
تضفي سحراً جذاباً لوجهها البريء، ثم فرج بين شفتيه لتخرج
كلماته المُثلجة:
أهلاً بكِ آنسة، ابتهجَ وجهي عند لقائكِ الغير متوقع..
لا أقول لكم عن تعابير وجهه التي لم تتزحزح لمجاملته السيئة بحقها! وهي كذلك اكتفت بابتسامة صغيرة.
لم تنطق عمته بكلمة، دره أفقدها الألم بأن يتزوج ويكون عائلة... أم أن هذا طباعٌ متوارث بعائلته؟؟
✧——————❁——————✧
أكثر ما يزعجني أن يتدخل رجلٌ بين حديث امرأتين، لماذا يحشر
نفسه بيننا أيظن نفسه امرأة عند تدخله؟ أم أن هذا جذاب؟ مقزز..
هذا ما فعله المدعو... أوه لا أعرف اسمه حتى، حسناً سألقبه سيد فضول... جيد....
توجه سيد فضول بالوقوف أمامي وقاطع عناقي مع أمي بيري... ياله من وقح، أحتاج للكمه وعلى ما يبدو أن هذا قريب لا محالة.
يا إلهي إنه ينظر لي نظرةً مستحقرة..!! قلت لكم إنه يريد ضربة على وجهه لكن لا بأس سينالُها، أظهر بين طياتِ حديثه عدم
الارتياح لي أو أنني سأجعله مريضاً إذا بقيت هنا لحظة واحدة.
أوه أمي إنها تحاول معه بأن يكون لطيفاً، هذا ليس جيداً وأشعر بالخزي من هذا، بكل تأكيد سأذهب لكن لن أريحه...
أمي سأذهب الآن، أريد تفقد حال أمي، سأعود لكِ لا محالة..
تنهدت أمي بيري قبل حديثها، وكأنها تنفث عنها غبار الحزن...
ـ سوليت أوصلي سلامي لها، أيضاً أدعوكِ اليوم على العشاء، إنكِ تنعشيني بابنتي الراحلة.
عزائي لكِ على ما حصل بها، وبكل تأكيد سآتي على العشاء لأنه لا يُفوّت.
أبتسمت عيناها على ذلك، ثم هممتُ بسير خطواتٍ بسيطة حتى
أصل لبوابةِ الحديقة الأمامية. ترجلتُ على عتباتها حتى أصل
للشارع مشيتُ إلى بيتي حيث تقطن المرأة التي تكون أمي الحقيقية، لا أعتبرها كذلك لأنها تخلت عني في ومضةِ عين.
حتى إنها لم تخبرني بوفاة أبي إلا بعد ثلاثة أشهر!!!
وصلت إلى المنزل المشؤوم، لم أجدها في المنزل وكانت هذه أكبر راحةٍ لي، وضعت حقيبة ظهري عند فجوة الباب لأبحث عن شربةِ ماءٍ أروِي بها حطب حلقي... لكن ويالهُ من حظٍ سعيدٍ؛ لم أجد قطرة واحدة من المياه.
آه، حوتٌ يعيشُ هنا ليبتلع الكم هذا من الماء، جميل جداً أحب الحيتان!!
أمسكت يدي بالدلو لأذهب حتى أرْوي ظمئي، خرجت من المنزل متوجهة حيث يأخذ أهل القرية هنا الماء حيثُ القصبة!
"أوه انظر من وجدنا هنا، سيد فضولي"
أدحجتُ عيناي به حتى يكف عن إلقاء الجليد بي بنظراته، وكأنه دبٌ قطبي جرى إلى هنا، اقتربت من منهل المياه لأضع الدلو تحته حتى يمتلئ.
رفعت رأسي باتجاهه وإذ به يناظرني!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!! ما هذه الوقاحة!؟؟
هل فقدت شيئاً ولقيتُه بوجهي!؟
ناظرني بنرجسيةٍ مغرورة ليقول:
وماذا سألقى بوجهك المتجهم هذا، فقط عبوس!
أوه لقد قال عن وجهي متجهم، سأقتله!!!
من يتكلم سيد غرور!؟
انفرجت عيناه منصدمة من حديثي، كانت هيئته مضحكة جداً، سحبتُ الدلو أريد الرحيل، أتركه هكذا.
جيد له سينشط خلاياه العصبية قليلاً....
عدتُ أدراجي حيثُ منزلي، كان عليَّ الاستعداد لموعد العشاء إنه
على مقربة....
✧——————❁——————✧
كانت غريبة كعادتها، لكن هنالك ما هو ملفةٌ بها، شيءٌ لا أستطيع تمييزه. أوه لياندر استفق أتتذكر ماذا نعتتك!؟ سيد غرور!!!
يا إلهي سأتعامل معها.
بدأت شُعيراتُ الشمسِ بالانسحابِ من باث ممتدة إلى مكانٍ بعيد، لِتتوارى خلف عتمةٍ ظليلة تمتزج مع ضوء الغروب...
كان هذا المساء مُنعشاً بطريقةٍ أخرى، لم يكن دموياً بل كان رقيقاً.
يعطي انطباع الرقة والهدوء الذي يأتي بعد عاصفةٍ غبِرة.
لا تسودُها سكينةٌ هشة.
طرقت سوليت الباب طرقاتٍ بسيطة لتعلن للذين يكتنفون به أن مدعوتهم وصلت في وقتها، فتحت بيري الباب لتأخذها بحضنها مرةً أخرى لم تكتفِ بالأولى.
ظهر من وراء بيري لياندر، لتمسك العمة بيد سوليت وتتحدث بابتسامة حانية:
سوليت ابنتي التي لم ألدها، روحي المنشقة عن قلبي، أعرفك بلياندر ابني أيضاً الذي لم ألده وروحٌ ودمٌ يصِلاننا.
لياندر أعرفك بسوليت، لم تلحقها لأنك كنت خارج هذه القرية.
أعربت سوليت عن ابتسامة خاصة لوالدتها، من ثمَّ نظرت له
وعيناها تُخرجان شراراً لتقول:
سررت بمعرفتك.. لياندر.
رمقها بنظرةٍ جدية، حتى همس:
وأنا أيضاً سوليت.
أوه لاحظتُ انسجامكُما مع بعضكُما، إذاً سأذهب حتى أرى الذي في الفرن أخشى أن يحترق.
ذهبت بيري لتتركها مع كومة الجليد، وكأنه لا يُعامل نساءً بحياته.
من أين أخذ طباعه!؟
هذا ما قالته سوليت برأسها.
انتظر لياندر ابتعاد عمته عنهم، حتى اقترب منها يريد السلام بيده عليها، مدها لتبسُطَها تلقائياً...
هنا اغتنم فرصته وسحبها إلى الحائط ليحاصرها واضعاً يديه عند رقبتها، أخرج من جيبه خنجراً منقوشاً عليه ختمُ العائلة ، وضع حافتهُ الحادة عن حدِ حنجرتِها .
ثبت نظراته الحادة كنصلِ سيفٍ بعينيها البنيتين، أنفاسه تضرب بوجهها وعنُقِها، زفر آخر أنفاسه ليخرج ما بداخله:
لماذا عدتِ!؟ أتتهربين من العقوبة أم أن هنالك هدفاً جديداً!؟
ومن أين تعرفين عمتي!؟ ولماذا تدعينها بأمي أليس لديكِ أمٌ حيةٌ ترزق!؟
أي مكيدة تخططين لها!؟ أنطقي!
خرج صوته كفحيحٍ مفخخ، يرعب من حوله..
✧——————❁——————✧
حين ابتعدت عن طريقي لم أرَ أي شيءٍ غريب، لكن عُنُقِها عليه ندبة!؟ أهذه علامة على الاعتداء!؟
عدتُ إلى القصر لأرى الرسالة القديمة، فتحتُ الباب بقوةٍ جعلت عمتي مندهشة، صعدت السلالم بسرعةٍ فائقة.
توجهتُ إلى رُكني المعتاد غرفة الملك كورانس السابق، أخرجتُ الورقة من الدرج كانت معتقة، أزحتُ الغبار عنها لأقرأ محتواها:
{~ ألقي خالص سلامي إلى المدعو لياندر لاسكاريس }
^ أخطُ لك هذا الرسول لأعلمك عما يمر به أهل مدينة أوس كريوس، انتشرت المجاعة، وزادت معدلات الإصابة بمرض الطاعون، حتى أن الماء أصبح ملوثاً لا يمكن شربه، وارتفعت جرائم القتل، حتى أنني أذكر أن هنالك شخصاً من بلدتِكِ ملتبسٌ بقضية "الشروع بالقتل".
إلى حد الآن لم يُعلن عن السبب، أظن أن اسمه سوليت لكن ما اسم العائلة لم يُذكر بعد.
شكراً لك على قراءتك لهذه الرسالة.
{ صديقك العزيز هيلكوناش ~}
لم يكن لياندر يمتلك أصدقاء ...!
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.