المجهول|03
لَصَقَ اللَّيْلُ خَتْمَهُ عَلى تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِشَجَنٍ يَلْوي الصُّدورَ، مِنْ قَهْرٍ أَفْضى إِلى حُرْقَةِ الفِقْدانِ؛ لِيَتَجَسَّدَ الضَّياعُ عَلى صورَةِ إِنْسانٍ حَيٍّ، جَسَّدَتْهُ امْرَأَةٌ قَوِيَّةٌ لَمْ يَعُدْ لِقُوَّتِها فائِدَةٌ بَعْدَ الآنَ وكأَنَّها هَباءٌ مَنْثورٌ. أَعْرَبَتْ عَنْ انْتِقامِها بِقِصاصٍ عادِلٍ، سَيَكونُ قِصَّةً لا تُنْسى لِأَجْيالٍ قادِمَةٍ. كانَتْ تَجْلِسُ عَلى الأَرْضِ بِالقُرْبِ مِنْ أَرِيكَةٍ تَقْبَعُ بِجانِبِها، وَعَيناها المُحَمْلِقَتانِ فِي الفَراغِ تَمْلَؤُهُما الدُّموعُ، مُتَزَيِّنَةً بِلَوْنٍ أَحْمَرَ كأَنَّ بِهِما دَماً كاوِياً لا دَمْعاً صافِياً. يَداها تَرْتَجِفانِ، لَيْسَ خَوْفاً وَلا بَرْداً؛ فَهذا هُوَ حالُ مَنْ يَحْمِلُ قِوى (كونارا). بُطْءُ عَقارِبِ السّاعَةِ يُصيبُها بِالجُنونِ، وكأَنَّ الظَّلامَ يُريدُ البَقاءَ مَعَها وَلا يُعْجِبُهُ أَنْ تَرى الضَّوءَ. لَيْلَتُها هذِهِ صَعْبَةٌ عَلى كُلِّ فاقِدٍ، لا يَزُورُهُ النَّوْمُ فيها وكأَنَّهُ أَبْرَمَ صَفْقَةً مَعَ الرَّحيلِ، لِيَنْتَهِيَ بِهِ المَطافُ بِقَتْلِ نَفْسِهِ لِيَحْصُلَ عَلَيْهِ طَوالَ الدَّهْرِ.
تَدَفَّقَ أَلَمُ قَلْبِها إِلى سائِرِ جَسَدِها، فَلَمْ تَعُدْ تُحَدِّدُ مَواضِعَ الوَجَعِ مِنْ "كِلامِ" فُؤادِها المُنْكَسِرِ. وَداعُ ابْنَتِها كانَ قاسِياً... كَيْفَ حَدَثَ هَذا وَهِيَ الَّتي عاهَدَتْ نَفْسَها عَلى حِمايَتِها؟ كَيْفَ وَهِيَ الَّتي أَقْسَمَتْ بِالتَّضْحِيَةِ مِنْ أَجْلِها وَحارَبَتِ الجَميعَ لِأَجْلِها؟ تَساؤُلاتُ عَقْلِها أَضافَتْ جُرْحاً عَميقاً، وَلَمْ تَفُقْ عَلى سَجِيَّتِها إِلّا وَهِيَ تُمْسِكُ بِسِكّينٍ لِتَضَعَ أَثَرَ دِمائِها عَلَيْها، تسببتْ في إِصابَةٍ لِيَدِها لَكِنَّها وَعَتْ لِروحِها لِتُوقِفَ النَّزيفَ بِرَبْطِها بِقِطْعَةِ قُماشٍ رَثَّةٍ. كانَ ذلِكَ مَعَ أَوَّلِ بُزوغِ نَفَحاتِ الفَجْرِ بِرائِحَةٍ رَطْبَةٍ تَمْنَحُ انْتِعاشاً لِلنَّفْسِ، حَيْثُ تَسابَقَتْ خُصْلاتُ الشَّمْسِ إِلى داخِلِ القَصْرِ، تَحْديداً الغُرْفَةَ الَّتي تَقْطُنُها (بِيري). كانَتْ نَوافِذُها ضَخْمَةً تُتيحُ لِلنّاظِرِ أَنْ يَرى "قَصْبَةَ باث"، عاصِمَةَ (أُرتيسترا).
في تِلْكَ الأَثْناءِ، خَطَتْ قَدَمُهُ إِلى أَطْرافِ المَدينَةِ حَيْثُ خَيَّمَ الهُدوءُ، والسَّكِينَةُ تَجولُ في زَواياها بِرِقَّةٍ غَيْرِ مَألوفَةٍ. عَصَفَتْ رياحٌ قَوِيَّةٌ عَلى صاحِبِ الخُطواتِ الرَّزينَةِ، الَّذي أَخَذَ يَخْطو نَحْوَ وَسَطِ "القَصْبَةِ" حَيْثُ مَنْهَلُ الصَّليبِ، يَتَأَمَّلُ تَضاريسَ مَدينَتِهِ القَديمَةِ إِلى أَنْ تَداوَلَتْها لَحْظَتُهُ هذِهِ. لَمْ يَعْتَدْ أَنْ تَكونَ "باث" بِهذا السُّكونِ، خالِيَةً مِنَ الضَّجيجِ الَّذي لَمْ تَخْلُ مِنْهُ يَوْماً أَصْواتُ المارَّةِ أَوِ التُّجّارِ الَّذينَ يَسْتَرْزِقونَ. تَقَدَّمَ بِخُطواتِهِ إِلى أَنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَهْلُ المَدينَةِ مُتَجَمْهِرينَ حَوْلَ بَعْضِهِمْ وكأَنَّ فاجِعَةً قَدْ أَصابَتْهُمْ؛ كانَ يَعْتَقِدُ أَنَّ الماءَ نَفِدَ، لَكِنَّ الأَمْرَ كانَ أَعْظَمَ مِنْ بَعْضِ قَطَراتٍ، فَعِنْدَما تَدَاخَلَ بَيْنَ الحُشودِ انْتابَهُ الذُّهولُ وَدَبَّ بَقَلْبِهِ الرُّعْبُ حينَ رَأى شَخْصاً "مُجْرَماً بِهِ" بِشَكْلٍ يُقَشْعِرُ لَهُ الأَبْدانُ.
كانَ جَسَدُهُ مَصْبوغاً بِلَوْنٍ أَبْيَضَ مائِلٍ إِلى الفِضِّيِّ، وَعُروقُهُ ظاهِرَةٌ بِلَوْنٍ أُرْجُوانِيٍّ وَأَزْرَقَ، لَكِنْ لَحْظَة.. حاجِباهُ وَرُموشُهُ أَيْنَ سُرِقَتْ؟! عَلاماتُ الحَرْقِ تَمْتَدُّ مِنْ أَسْفَلِ خَصْرِهِ إِلى بِدايَةِ بَطْنِهِ
. "يا إِلهي ما هَذا العَذابُ؟! مَنْ يَفْعَلُ هَذا؟ أَتَمَنّى أَلّا تَكونَ هِيَ". كانَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بَيْنَ الحُشودِ الَّتي سادَتْها رَهْبَةُ هَذا المَخْلوقِ شِبْهِ المُتَفَحِّمِ، يَدَاهُ كُسورُها ظاهِرَةٌ وَأَصَابِعُهُ المُتَحَطِّمَةُ كأَنَّها فُتاتٌ.
يَكادُ الدُّودُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْها.. "يا إِلهي لا يُمْكِنُني أَنْ أُكْمِلَ هَذا لأَنِّي أَشْعُرُ بِالتَّقَزُّزِ". ابْتَعَدَ (لِيانْدِر) عَنِ المَشْهَدِ المُريعِ لِلْمَدْعُوِّ (هيلْكُوان).
أَخَذَتْهُ أَقْدامُهُ إِلى أَدْراجِ القَصْرِ المَلَكِيِّ، لِيَدُبَّ في نَفْسِهِ الحَنينُ المَمْزوجُ بِرَهْبَةِ المَكانِ. لَمْ يَكُنْ يَأْبَهُ لِلْخَوْفِ؛ فَمنْ يَسْكُنُهُ الآنَ هُوَ مِنْ لَحْمِهِ وَدَمِهِ. (بِيري) العَمَّةُ الَّتي حَصَلَتْ عَلى قُوَّةٍ غَيْرِ مَأْلوفَةٍ تُساعِدُ بِها النّاسَ في قَلْبِ (أُرتيسترا). "أَلْكوتاك مَريكَات" كانَتْ هذِهِ الأَحْرُفُ نَصْلاً لِنَسْفٍ جَماعِيٍّ، حينَ يُخَطِّطُ أَحَدٌ لِلِاقْتِرابِ مِمَّنْ يَخُصُّها؛ فَتُغْمى عَيْناهُ بِضَبابٍ دامِسٍ، وَتُحَلِّقُ بِهِ رياحٌ قَوِيَّةٌ قَبْلَ أَنْ تَنْهِيَهُ نِيرانٌ حامِيَةٌ.
تَقَدَّمَ الشّابُّ ذو الخَمْسَةِ وَعِشْرينَ عاماً، دَخَلَ القَصْرَ مِنَ الجَناحِ الغَرْبِيِّ، وَطَرَقَ البابَ لِيَسْمَعَ صَوْتَ بيري: "البابُ مَفْتُوحٌ..
تَفَضَّلْ".
جالَتْ عَيْناهُ في المَساحَةِ الدّاخِلِيَّةِ الَّتي بَدَتْ أَكْبَرَ مِنَ الجَناحِ الشَّرْقِيِّ المَدَمَّرِ. خَرَجَتْ (بِيري) وَحالتُها يُرْثى لَها، الحُزْنُ يَمْلَأُ وَجْهَها وَهالاتٌ سَوْداءُ تُحاصِرُ عَيْنَيْها. نَعَمْ، فالحُزْنُ لا يَعْرِفُ زَماناً، حينَ يَأْتي يَهزُّ كَيانَكَ لِتَهْوِيَ دونَ نَجاةٍ. أَقْرَبَ لِيانْدِرُ بِرَزانَتِهِ والقَلَقُ يَعْلوهُ: "عَمَّتي! ما الَّذي حَلَّ بِكِ؟".
ضَمَّها إِلى حِضْنِهِ لِيَحْتَوِيَ شَتاتَها، فَأَجْهَشَتْ بِالبُكاءِ كَطِفْلَةٍ حُطِّمَتْ دُمْيَتُها. هَمَسَتْ: "لَقَدْ قَتَلوها يا لِيانْدِر.. قَتَلوا ابْنَتي وَحيدَتي.. لِمَ قُدِّرَ لَنا هَذا؟".
تَنَهَّدَ لِيانْدِرُ مُواسِياً: "قُولِي وَداعاً لِروحِها الطَّيِّبَةِ، سَتَبْقى ذِكْراها نُوراً في قُلوبِنا.
مَقاديرُ هَذا الكَوْنِ بِيَدِ الخالِقِ، فَلا تَيْأَسي؛ لأَنَّ هُنالِكَ طَريقاً لَهُ بِدايَةٌ، وَنِهايَتُهُ تَحْتاجُ مَشَقَّةً عَتِيَّةً".
زَادَتْ شَهَقاتُها، وَبَعْدَ مُدَّةٍ هَدَأَتْ رُوحُها بَيْنَ ضِلْعَيْهِ. ابْتَعَدَتْ عَنْهُ لِتَنْظُرَ إِلى عَدَسَتَيْهِ، فَتَرى فيهِما قَهْوَةً داكِنَةً تَنْسَكِبُ مُمْتَزِجَةً بِذَرّاتِ كَرامِيلٍ صُهِرَ لِتَوِّهِ؛ لِتَسْتَشْعِرَ الدِّفْءَ والرَّأْفَةَ الَّتي افْتَقَدَتْها.
قَالَتْ بِنَبْرَةٍ حانِيَةٍ: "لَقَدْ كَبُرْتَ يا لِيانْدِر، وَأَصْبَحْتَ رَجُلاً ذا رَجاجَةٍ.. كَمْ مَضى مِنَ السِّنينَ وَأَنْتَ خارِجَ (أُرتيسترا)؟ هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟".
أَخَذَ نَفَساً عَميقاً، وَاكْتَسى وَجْهُهُ شَجَنٌ دَفينٌ كأَنَّ سُؤالَها نَزَعَ ضِمادَةً عَنْ جُرْحٍ لَمْ يَلْتَئِمْ. اسْتَدارَ لِيُخْفِيَ اضْطِرابَهُ، لَكِنَّ فِطْرَةَ الأُمومَةِ نَطَقَتْ: "لِيانْدِر.. هَلْ هُناكَ مَكْروهٌ أَصابَكَ؟ هَلْ أَجْبَروكَ عَلى شَيْءٍ؟".
أُغْرورِقَتْ عَيناها بِالدُّموعِ خَوْفاً عَلَيْهِ؛ فَقَدْ أَوْصاها والِداهُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِما الغامِضِ.
تَخَبَّطَتْ أَفْكارُ لِيانْدِرَ كَسِرْبِ طُيورٍ مُشَوَّشٍ، يَتَذَكَّرُ القَليلَ مِنَ المُعاناةِ، لَكِنَّ ثَمَّةَ شَيْئاً يَمْنَعُهُ مِنَ اسْتِرْجاعِ الحَقيقَةِ.
نَظَرَ إِلَيْها بِرِقَّةٍ وَابْتِسامَةٍ هادِئَةٍ: "عَمَّتي.. ما بِكِ أَصْبَحْتِ حَسّاسَةً هكذا؟ عَهْدِي بِكِ قَوِيَّةً في أَيّامِكِ الخَوالي. ها أَنا بِخَيْرٍ، وَأَكْبَرُ بُرْهانٍ أَنِّي واقِفٌ أَمامَكِ".
ابْتَعَدَتْ (بِيري) لِتَمْسَحَ دُموعَها، بَيْنَما كِبْرِياؤُها يُصارِعُ لَحْظَةَ السُّرورِ الَّتي دَخَلَتْ قَلْبَها. كانَتْ لَحْظَةَ بَهْجَةٍ، لَكِنَّ حُزْنَها لَمْ يُطْمَسْ بَعْدُ؛ لأَنَّ المَقْتولَةَ في البِدايَةِ وَالنِّهايَةِ هِيَ ابْنَتُها.
مرحبا قيرلززز ...
كيفكنن !؟؟
الزبدة نزلت هذا الفصل تحت التهديد كان لازم يكون اطول من هيك
بسسسس طولت على بعض ناس لهيك نزل هذا عشان ما اموتش
لسا في جزء ثاني له 🤡🤡
اتوقع بمشي بهذا التسلسل 🌚👈👉
الزبدة
بدي رأيكم فيه شو كان توقعكم اول ؟؟
ظهور لياندر ؟؟
علاقته بيري ؟؟
هل عائلته ماتت او اختفت بظروف غامضة ؟
شو ممكن صار معه وهو خارج أُرتيسترا ؟؟
اعطوني رأيكم وتوقعاتكم 💋💋💋
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!