Callum
Callum
جزء 6 من 6
وضع القراءة:

6 - وجـهُ الـخَــديـعـة

POV - ماريا
​أشرقت شمس سمرقند الدافئة لتنسكب أشعتها الذهبية عبر شقوق النافذة الخشبية العتيقة معلنةً بداية يومٍ جديد لم يختلف في ثقله عن ليلتي السابقة كثيرا، لم يكن نومي هادئاً ولا مريحًا بل كان كتلة من الأفكار المشتعلة بفوضى أفكار مظلمة تحاصر عقلي من جميع الزوايا.
كانت الحرارة الخفية التي تسللت إلى عروقي الليلة الماضية لا تزال تنبض تحت جلدي تذكرني في كل لحظة بالرعب الذي قاسيته الليلة الماضية، كأن لعنة مظلمة أصابتني.
​جلستُ على طرف السرير الخشبي، والهواء البارد يلامس وجنتيّ...تنفستُ ببطء ورفعتُ كمّ قميصي الكتان الأبيض الناعم بحذر شديد...كنت أخشى أن أستفز الحرق القابع تحت جلدي وكان الوشم المتقن للذئب الأسود يمتد على ساعدي الأيمن كرسمة جميلة ليس وكأنه كان يرسل آلامًا حارقة بالأمس.
تلك التي كادت تقتلتني في البداية...بفضل ذلك الكائن الأسطوري الذي ظهر من غياهب العتمة ليلعق جراحي ويتلاشى الألم ثم يتلاشى هو ايضًا...لم أعد أشعر بالخوف القاتل منه، بل برهبة عميقة وتساؤلات تجعل عقلي المجهد عاجزاً عن الاستيعاب.
​سرتُ بخطوات متريثة نحو ساحة التدريب الملحقة ببيت ماغنوس...كان النسيج الصباحي للبلدة يكتسي برائحة الخشب المشتعل والأعشاب الجبلية.
هناك، كان ماغنوس يقف بثباته المعهود كجبلٍ لا تهزه الرياح يمسك بسيفه الخشبي الثقيل ويراقب الأفق البعيد بعينين ناعستين تحملان همومًا كبيرة...
​"صباح الخير، قائد ماغنوس..." همستُ بصوتٍ خفيض يملؤه التردد، القلق ينخر عظامي من الداخل ويتوسل لي لأن اخبره بما حدث بالأمس...
​التفت إليّ بعينيه الباردتين، لكن نبرته كانت تحمل حنواً أبورياً أفتقده منذ زمن "صباح النور يا ماريا.. أراكِ مجهدة وشاحبة هل أنت بخير؟ إذا كنت تشعرين بالتوعك عودي إلى سريركِ لأن التدرب على السحر يحتاج قوة وتركيز كبيرين..."
​أخذتُ نفساً عميقاً يتردد في صدري المجهد وحسمتُ أمري...بلعتُ ريقي وشمرتُ عن ساعدي الأيمن لأكشف له عن الوشم الأسود الداكن "حدث شيءٌ لا أستطيع تفسيره الليلة الماضية يا قائدي...بدأ الأمر بألمٍ يمزق صدري وساعدي كأن سيخًا من نار تطعنني، ثم... تجسد في عتمة الغرفة طيف ثعبانٍ أسود ضخم...التف حول جسدي برفق ولعق هذا الوشم بلسانه الخشن...وقبل أن يختفي ترك في أذني فحيحاً مهيباً يقول بركة ناجا."
​في تلك اللحظة، حلت حالة من الذهول المطلق على ملامح ماغنوس الصارمة، سقط السيف الخشبي من يده ليحدث صوتاً خافتاً ومكتوماً على الأرض الترابية وتراجعت خطواته إلى الوراء بحذر وهو ينظر إلى ساعدي الموشوم وكأنه ينظر إلى معجزة إلهية أو حدثًا لم يحدث من قبل ويجب ان يدون في كتب التاريخ...وفي الحقيقة لو كنت مكانه لدونته.
​"تجلي الإله ناجا؟!" قالها بصوت متهدج ومصدوم وعيناه تتسعان بذهول قاطع. "إن روح الناجا العظيمة لا تتجسد في عالمنا المادي ولا تمنح بركتها المباشرة إلا لقائد العشيرة فقط...هو من يملي إرادته ويهب القوة ويدير مقدرات شعبنا عبر العصور! كيف لروح إلهية بهذا الثقل أن تتجسد لبشرية لم يدوم قدمها إلى ديارنا إلا يوماً واحداً؟"
​اقترب مني بخطوات ثقيلة ومحسوبة، وجمع كفيه الخشنتين حول يدي الموشومة المرتجفة ينظر إلى الخطوط السحرية السوداء بكثير من الإجلال والخوف "هذا يعني شيئاً واحداً لا يقبل الشك يا ماريا...السحر والقدر المكتوب اختاراكِ لتكوني المختارة الثانية في هذه القبيلة من بعدي...هناك قوة في دمائكِ استجاب لها إله العشيرة."
​لم ينتظر مني مجاوبات ولا أعتقد أنني كنتُ أمتلك القدرة على التحدث تحت ثقل هذه الصدمة...مسك معصمي بقوة وثبات وقال "اتبعيني... تدريب اليوم لن يكون بالسيوف والخناجر."
​سار بي عبر ممرات سمرقند الصخرية الضيقة صاعداً بنا نحو قمة تلّة معزولة يلفها الضباب والهدوء المطلق، حيث يقبع معبد ناجا العتيق.
كان المعبد جليلاً ومخيفاً مبنياً من حجارة سوداء مصقولة تنبعث منها هالة برودة غريبة، وفي منتصفه تماماً يربض تمثالٌ ضخم لثعبان الناجا الملفوف بجسده الحجري وعيناه المصنوعتان من حجر الزمرّد المتوهج تسكبان نظراتٍ خافقة في عتمة المعبد.
​وقف ماغنوس أمام التمثال العظيم وجعلني أقف إلى جواره مباشرةً ثم قال بنبرة هادئة وعميقة تتنكر لثقل المشهد "للتواصل مع روح الناجا واستدعاء قوته السحرية لحمايتكِ وتفعيل هذا الوشم الذي كسبتِ بركته، عليكِ أن تتعلَّمي تقنية استدعاء الأرواح...إنه سحر لنقل الأرواح عبر العوالم...أغلقي عينيكِ، استشعري السحر الدفين في عروقكِ وجردي عقلكِ تماماً من صور الماضي...صفي ذهنك جيدًا ووجهي كل سحرك للتواصل مع ناجا..."
​أغلقُت عينيّ وبدأتُ أتنفس ببطء محاولةً عزل صدى الذكريات المؤلمة عن عقلي...غُصتُ في أعماق ظلامي الداخلي، وفجأة... شعرتُ بحرارة في مكان الوشم وسحري يتجاوب مع هالة المعبد وكأن الثعبان الأسود يستيقظ مجدداً ليحيط بجسدي الضعيف بدرعٍ ناري حارق يمهد لي طريقاً جديداً لم أكن أتخيله.
​POV - كالوم
​كانت قاعة العرش تغلي بالهيبة والاضطراب المكتوم والهدوء الذي يسبق العاصفة يلف كل زاوية من زوايا قلعتي المظلمة.
​كنت أقف بجانب الطاولة الحجرية الضخمة، ذكريات الليلة الماضية تحرقني وتحرمني من النوم...لم يكن الألم في صدري قد خمد بل كان ينبض بقسوة كأن خنجراً حارقًا غُرس في أيسر صدري ويأبى الخروج...ماريا... تلك البشرية الشاحبة التي ظننتها مجرد عابرة في قصري اتضحت أنها رفيقتي المقدرة التي أودع القدر في دمائها خلاصي من هذه اللعنة الأزلية...وأنا... بغبائي ضننت أنني أحميها...طعنتها بيدي وألقيتُ لها بالترياق كأنها غريبة وأبعدتها عن عالمي لأدفع خلاصي بيدي إلى الجحيم.
جج
​"اسمعوني جيداً!" زمجرتُ بصوت هادر كالرعد هز أركان القاعة الصخرية فركع القادة والجنود المستذئبين أمامي على ركبهم برعبٍ وهيبة وتأهب.
​ضربتُ بيدي الموشومة على الطاولة الحجرية وألقيتُ أمامهم عشرات الرقاقات الجلدية التي أمرتُ برسمها في الصباح الباكر؛ كانت تحمل رسمةً دقيقة لوجه ماريا... عيناها البنيتان الحزينتان الجميلتان، وشعرها الأشقر، وملامحها الشاحبة المتمردة التي غاصت مخالبي فيها ذات يوم.
​"انشروا القوات والفرسان في كل شبر من هذه الأراضي اللعينة!" هتفتُ ونبرتي الذئبية تحترق بالوعيد والغضب الساطع. "من الغابات الشمالية المظلمة إلى أطراف الممالك المجاورة وبلاد سمرقند! ابحثوا عن هذه اللونا البشرية...أعيدوها إليّ حية ودون أن تمسوا شعرة واحدة من رأسها! من يتجرأ على إيذائها أو النظر إليها بقلة احترام سيكون رأسه قرباناً لي وسأطعنه بيدي قبل أن يرتد إليه طرفه!"
​في زاوية الغرفة المظلمة، كانت تقف ايليني العرافة العجوز ذات الوشاح الرمادي المتهالك...كانت تتكئ على عصاها الخشبية وتومئ برأسها بأحترام، تتابع جنوني واضطرابي بعينين معتمتين...اقتربت بخطواتها المتهادية وانطلق صوتها المتهدج المتعب "القدر ينسج خيوطه يا ملك المستذئبين...أثر رفيقتك يبتعد والزمن يتسرب من بين أصابعك كالرمال...ابحث عنها قبل أن يلتهمك الندم."
​"سأجدها يا ايليني..." همستُ لنفسي بصوتٍ منخفض، صوتٍ ذئبيٍ خالي من أي رحمة تحركه ظلمه متمردة ووعيد قاطع وهو ينظر إلى الخارطة المبتلة بعرقي.
" سأجدها...ولو على جثتي..."
​انطلق الجنود كالسيل الجارف خارج أروقة القلعة تنفيذاً لأوامري، تصاعدت أصوات حوافر خيولهم وزئير ذئابهم في ليلة البحث الطويلة بينما بقيتُ أتردد في مكاني أقبض بقسوة على القمّيص عند موضع قلبي النابض أسترجِع لقطة طعنها ودمائها التي لطخت يدي والحرارة التي تحرق ساعدي عند وشمي.
الكاتبة - pov
​عادت العرافة العجوز ايليني بخطواتها المتباعدة والمتعبة نحو حجرتها السفلى القابعة في دهارير القلعة المعتمة.
كانت تسير ببطء، وتتكئ على عصاها الخشبية، دخلت الغرفة الممتلئة برائحة البخور العتيق والأعشاب المشتعلة وأغلقت الباب الثقيل خلفها ببطء ليسمع صوت قفله الحديدي يرن في العتمة.
​وفي تلك اللحظة...تنفست العجوز بعمق، وانبعث وميضٌ سحري أخضر وساحر من جسدها المتهاوي!
​بدأت حنيّة ظهرها تستقيم بثبات وقوة مفاجئة وتساقطت التجاعيد عن جلدها كأنها غبارٌ يطير في الهواء! اختفى الوشاح الرمادي المتهالك وتلاشى صوتها المتهدج المتكسر...
ليحل مكانه قوامٌ ممشوق وساهر لامرأة شديدة الفتنة والجمال يفيض جسدها بالسحر والقوة...​انسدل شعرها الأشقر الذهبي على كتفيها العاريين كشلال من ضوء وشمس وتفتحت عينان زمرديتان تلمعان بمكرٍ وخبث.
​ابتسمت كلوديا وهي تنظر إلى انعكاس كفيها الشابين الناصعين في المرآة العتيقة ونام على شفتيها عديم الشفقة هسيسٌ منخفض ​"استمر في البحث يا ملكي العزيز... ابحث عن رفيقتك الضائعة في جميع بقاع الأرض بينما أعبث بك أنا وأشكل مصيرك ولعنتك كما أشاء من خلف هذا القناع..."
3 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.