Callum
Callum
جزء 4 من 4
وضع القراءة:

4 - ماغــنوس

الكاتبة - pov
طال الدرب على ماريا وهي تطوي القفار القاسية تحت السماء الرمادية...كانت الريح العاتية تصفق بأطراف عباءتها السوداء الثقيلة بينما تحتك قدمها المنهكة بالحجارة الحادة المدببة...
كان الطريق نحو ' سمرقند ' يمر عبر ممرات جبلية ضيقة وغابات صامتة إلا من نعيب الغربان وكأن العالم بأكمله يتواطؤ لإبعاد العابرين عن تلك البقعة الملعونة.
عندما أشرفت الشمس على المغيب ووقفت ماريا عند مشارف الحدود، اتسعت عيناها بذهول وخيبة أمل...
لم تكن سمرقند التي أمامها سوى وادٍ محطّم تكسوه الخرائب والبيوت الطينية الآيلة للتقويض، تفوح منها رائحة العفن والدخان الرخيص.
كانت الأزقة المظلمة تعجّ بوجوهٍ شاحبة ومشردة، ومجرمين يتهامسون في الظلال، يرمقون العباءة الحريرية الفاخرة التي ترتديها بنظرات طامعة وجشعة.
توقفت ماريا في منتصف الأزقة المتربة وأمسكت الخريطة الجلدية بيدين مرتجفتين...هل يعقل أن أمها أرسلتها إلى مقبرة جديدة؟ هل هذا الوكر المظلم هو المكان الذي يختبئ فيه مجد عشيرة الناجا؟
وفجأة... سكن الضجيج حولها بشكل مريب، وتوقفت ألسنة اللهب المتراقصة في المشاعل الحجرية.
تراجعت أجساد المارة اللصوص إلى الخلف وركع بعضهم على ركبته في التراب بينما شقّ الضباب الرمادي رجلٌ فارع الطول، يلتف برداء ذي طراز قديم مطرز بخيوط حشفية تشبه حرشوف الثعابين.
كان يمتلك هيبة صارمة تعتصر القلوب، وعينين خضراوين حادتين كحجر الزمرد، ونظرة ثاقبة تنبض بالوقار والهيبة.
إنه الساحر ماغنوس.
وقف أمام ماريا يتفحص ملامحها الشاحبة ببرود تام
"لقد تأخرتِ يا ابنة كلوديا..." قالها ماغنوس بصوت عميق ومهيب يرنّ في أرجاء الزقاق البارد.
شخصت ماريا عينيها فيه وسألته بنبرة يمتزج فيها التحدي بالشك: "هل هذه هي سمرقند التي يتناقل السحرة مجدها؟ هذه مجرد خرائب تؤوي المجرمين وقطّاع الطرق!"
ابتسم ماغنوس ابتسامة باردة لا دفئ فيها، ثم رفع يده اليمنى واستحضر سحراً خفيفاً بين أنامله وهمس بتعويذة خافقة ألغت الحجاب الزائف.
​"أزراكـار... نــاجــا سِــثْــرِيــس... كَــالــادُورْ إِكْــسِــيــرِاثْ"
في تلك اللحظة... اهتزت الرؤية أمام عيني ماريا كصفحة ماء راكدة أُلقي فيها حجر!
تلاشى الغبار والخرائب كالدخان في الهواء ولأمت الأسقف المتهدمة جدراناً رخامية شاهقة، واستحالت الأزقة المظلمة إلى أسواق واسعة مفعمة بألوان الأزهار النادرة والأبنية الفاخرة المطعمة بالنحاس والزمرد.
كانت سمرقند الحقيقية تتجلى بكل مجدها الغابر واحة سحرية مبهرة اختبأت بذكاء خلف جدار من الوهم لحمايتها من مخالب وأعين أعدائها.
بدأ ماغنوس يسير ببطء في الممر الرخامي وأشار لماريا كي تتبعه وتبدأ جولتها في موطنها الجديد: "العين الضعيفة ترى ما يريده الساحر فقط...سحر الوهم يا ماريا هو الدرع الأول الذي أبقى شعبنا حياً بعد المذبحة."
وبينما كانا يتمشيان في أروقة المدينة الفاخرة كان أهل سمرقند يستقبلون ماغنوس بإجلال ومحبة عميقة؛ فكلما مرّ بشخصٍ أو عائلة انحنوا بحفاوة يحاولون طأطأة رؤوسهم لتقبيل يده، لكنه كان يوقفهم برفق بليغ، يمسك بأيديهم، ويضمهم إلى صدره بدفء...
قالت ماريا وهي تتأمل النور المتلألئ في عيون الناس من حوله "يبدو أنهم يرون فيك مخلصهم الوحيد..."
أجابها ماغنوس بنبرة جادة وهو يستأنف سيره "ليس السحر أو الوهم ما يحفظ هذه العشيرة يا ماريا...بل 'بركة ناجا'."
توقفت ماريا ونظرت إليه بتسائل، فتابعت عينا ماغنوس الصارمتان التحديق في جدران المدينة الساحرة وهو يشرح لها سر القوة العظمى:
"إله الثعابين 'ناجا' يقطع عهداً أزلياً مع قائد القبيلة... وفي المقابل، يمنحنا البركة؛ يزرع بذور السحر النقية في أجساد أبناء العشيرة فور ولادتهم، ليتحولوا إلى سحرة قادرين على استيعاب التعاويذ المحرمة وغيرها وبدون هذه البركة، يصبح السحر مجرد طقوس فارغة لا روح فيها...لايمكن ان يمارس ساحر السحر دون بركة ناجا لأنه سيكون بلا قوة سحرية...بشري عادي وضعيف "
التفت إليها ماغنوس كلياً، وثبّت نظرته الحادة في عينيها البنيتين:"لقد أتيتِ إلى هنا لتطلقي العنان لسحرك المكبوت داخل بذور سحركِ ولتتعلمي كيف تسخرين قوة أجدادكِ...والآن، أخبريني يا ماريا هل أنتِ مستعدة لتقديم ولائك لناجا؟"
ساد الصمت بينهما للحظات وكانت عينا ماغنوس الزمرديتان تغوصان في عمق عيني ماريا البنيتين تنظران بعين الفاحص والصارم لمدى جاهزيتها.
​رفعت ماريا رأسها بثباث وكأن الخيانة والجراح التي تجرعتها قد صهرت كل بقايا الضعف في روحها، وقالت بصوت هادئ يخلو من التردد "أنا هنا لأكون الساحرة التي يُخشى بأسها...سأقدم ولائي لناجا إن كان هو السلم الذي يعيد لي قوتي وكبرائي."
​انحنت شفة ماغنوس عن ابتسامة خفيفة ومقتضبة ثم أومأ برأسه إيجاباً "إذن اتبعيني... حان الوقت لتستريحي قبل أن تبدأ عثرات الطريق الحقيقي."
رمشت عدة مرات بارتباك " عثرات..عثرات؟"
ضحك ماغنوس بسخرية ومد يده على شعرها ليبعثره " لايمكنك ان تصبحي ساحرةً قوية في غمضة عين...ليس قبل أن تعاني على اي حال"
​سار بها عبر الأزقة المرصوفة بالحجارة المسطحة، نحو بيتٍ يقع في قلب المدينة.
لم يكن القصر المنيف الذي توقعته ماريا لقائد قبيلة عظيمة؛ بل كان بيتاً دافئاً مشيداً من حجارة متينة وأخشاب البلوط الداكنة يتكون من طابقين وبمساحة متواضعة تقارب مائتين وخمسين متراً مربعاً...
بيت أضخم قليلاً من بقية بيوت الرعية، لكنه ينبض بالبساطة والوقار ذاته.
​وقفت ماريا عند العتبة تتأمل البيت بذهول فتوقف ماغنوس وقبل أن يفتح الباب الخشبي الثقيل، التفت إليها ببرود وقال:​"القائد الحقيقي لا يحصن نفسه بالأسوار الشاهقة والذهب يا ماريا...من يحمي شعبه يسكن بينهم، لا فوقهم."
​دفع الباب ليتنفس المكان برائحة الأعشاب المجففة والخشب العتيق، مشيراً لها بالدخول لتضع أولى قدميها في المكان الذي سيشهد ولادتها الجديدة.
​دلتها أقدامها خلف ماغنوس إلى داخل البيت الدافيء لتجد نفسها في صالة واسعة أثاثها خشب عتيق وتغطي جدرانها رفوف مليئة بالأعشاب المجففة وقوارير زجاجية ومخطوطات جلدية قديمة.
​صعد بها ماغنوس إلى الطابق الثاني وأشار إلى غرفة بسيطة تحتوي على سرير خشبي ونافذة تطل على شوارع سمرقند الساحرة "هذه غرفتكِ... استريحي قليلاً فلن يكون هناك متسع للنوم ابتداءً من الغد."
​استدار ليرحل، لكن ماريا استوقفته بنبرة حادة يملؤها الفضول والشغف "لماذا ننتظر للغد؟ أريد أن أبدأ الآن."
​التفت إليها ماغنوس وتأمل الإصرار المشتعل في عينيها البنيتين. ثم هز رأسه ببطء وابتسامة غامضة ترتسم على شفتيه.
سحب من حزامه المجلد مخطوطة صغيرة ونثر على الأرض دائرة من الرماد الأسود.
​"حسناً يا ماريا..." قال بصرامة وهو يتراجع خطوة للورا. "سحر قبيلتنا محدد بدقة؛ باقي أفراد 'الناجا' يمتلكون تقنيات سحرية دفاعية وعادية فقط... كإطلاق سحر الوهم أو التسميم السحري أو نفخ الهواء السام في الجو عبر أجسادهم...أما تعاويذ القتال والهجوم المباشر فهي إرثٌ حصري للقائد فقط يمنحها له الإله ناجا."
​وقف ألوهياً أمامها واحتضن ذراعيه "قفِ في منتصف الدائرة، واستحضري بذور سحركِ المكبوتة... أريد أن أرى ما إذا كانت بركة ناجا تستجيب لدمائكِ لنبدأ بتدريبكِ على إطلاق السموم."
​خطت ماريا إلى منتصف الدائرة وأغلقت عينيها... بدأت تتنفس ببطء، محاولة الوصول إلى بذور السحر الرابضة في عروقها...لكن بمجرد أن غاصت في عتمة عقلها، تجسدت أمامها صورة كالوم... صوته البارد...الطريقة التي ابعدها با...طعنته الغادرة في صدرها...ونظرة الاحتقار في عينيه الذهبيتين حين نعتها بالمريضة...
شفقته عليها حينما قدم لها الترياق...
​غليان بركاني من الغضب والكبرياء المكسور انفجر فجأة في أعماق صدرها...
​اصطكت أسنانها، وترددت في أرجاء الغرفة المغلقة زمجرة ذئبية قوية ومرعبة صدرت من أعماق ماريا ذاتها...زمجرة لم تكن تمت لبطش السحرة بصلة!
​فتحت ماريا عينيها فجأة فشخص بصر ماغنوس بذهول وقشعريرة سحبت الدماء من وجهه...
​لم تكن عينان ماريا بنيتين كما اعتاد، بل انقلبتا إلى اللون الذهبي المتوهج...نفس صفرة عيون المستذئبين المفترسة.
​وفي تلك اللحظة المزلزلة لم ينبعث من جسدها هواء سام أو ضباب تعويذة سموم كما هو متوقع من ساحرة ناجا عادية...
بل انشقت الطاقة السحرية حولها بقسوة واندفعت هالة مظلمة شكلت في الهواء أسلحة حادة من السحر خالص! خناجر وسيوف سحرية مدببة طفت في الفراغ حول جسد ماريا، توحي بسحر قتالي فتاك لا يمتلكه سوى قائد القبيلة!
​تراجع ماغنوس خطوة إلى الخلف، وعيناه الزمرديتان تتسعان بذهول صامت وهو ينظر إلى الأسلحة الطافية والعيون الذهبية المتوهجة...هو يعلم أنها ذهبت لاغتيال ملك المستذئبين وفشلت، لكن ما الذي حدث لها هناك؟ ومن أين أتت هذه الزمجرة الملعونة وهذا السحر القتالي فجأة؟
​"ما هذا..." همس ماغنوس بصوت خفيض ينبض بالصدمة، وهو يرمق الأسلحة الحادة المتراقصة في الجو حولها.
" هل يعقل ان...لم يحدث هذا من قبل...وريثان لأرادة ناجا؟"
يتبع...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.