Callum
Callum
جزء 5 من 5
وضع القراءة:

5 - بَـرَكـة أم لَـعـنَـة

POV - كالوم
​كان الألم يعصر أيسر صدري بقسوة، لم أشعر هكذا من قبل...ألمٌ خافق ومظلم، لا يشبه جراح السيوف ولا طعنات الفضة الحارقة...ألم روحي...مختلف عن أية أداة حادة جرحت بها من قبل...
​كنت أقف بجانب نافذة عرشي العالية والليل يلقي بسدوله الأسود على أرجاء القلعة، قبضتُ بيدي على قميصي عند موضع قلبي وتنفسي يتسارع كمن يختنق.
لم يكن الأمر يقتصر على صدري؛ بل كانت النغزات الشديدة تكاد تحرق الجلد في موضع الوشم العتيق على ساعدي...الوشم الذي ظل باهتًا لسنوات، بات الآن ينبض بألم كأن عظامي تذوب.
​"تباً..." زمجرت بصوت منخفض ومرير، عيناي الذهبيتان تلمعان في عتمة الغرفة بحدة وثورة
​لم أعد أتحمل هذا الصخب النابض في دمي.
تحركت بخطوات حثيثة وثقيلة نحو الدهارير السفلى للقلعة حيث تقبع حجرة ايليني، عرافة القلعة العجوز.
​لم تكن ساحرة تُحضر الأرواح أو تغزل التعاويذ كما يفعل السحرة؛ بل كانت امرأة عجوز، تمتلك بصيرة غريبة تقرأ من خلالها سطور القدر وكفوف البشر والمستذئبين وتستجلي ما خفي في غياهب القادم.
​دفعت الباب الثقيل ليفوح صوت صريره الخشبي ورائحة البخور العتيق والأعشاب المشتعلة تملأ الفضاء المظلم.
كانت تجلس على كرسيها الخشبي المتهالك، تغطي عينيها المطفأتين بوشاح رمادي لكنها التفتت نحو اتجاهي وكأنها كانت تنتظرني.
​"ملك المستذئبين..." انطلق صوتها المتهدج كالرياح الجافة بين أوراق الشجر. "ما الذي أتى بك إلى حجرتي المظلمة؟" ​جلستُ أمامها بوقار مضطرب، ومددت يدي اليمنى الموشومة نحوها، وقاطعت طقوسها بنبرة حادة يكسوها ألم مكتوم "هناك نار تسري في عروقي يا ايليني... ألمٌ يمزق صدري، ونغزات حارقة عند موضع الوشم تحترق عظامي...ما هذا الذي يحدث معي؟"
​رفعت العرافة يديها المرتعشتين ولمست بأصابعها المجعدة خطوط كفي وموضع الوشم النامي في جلدي.
أغلقت عينيها المعتتمتين وساد صمت ثقيل في الغرفة...صمت جعل نبضات قلبي المجهدة تتضارب في أذنيّ.
​وفجأة... انقبضت ملامح العرافة وتنهدت بألم وكأنها رأت جحيماً يشتعل في الأفق!
​"إنها ليست لعنة جديدة يا كالوم..." قالتها بنبرة يملؤها الأسى الثقيل وقبضت على كفي بقوة غير متوقعة. "إنها الروح... روحك التي زُجرَت وانكسرت."
​ضاق مجرى تنفسي وسألتها بصرامة حذرة
" عن ماذا تتحدثين؟"
​رفعت العرافة رأسها نحوي وعلى الرغم من عماها شعرت وكأن بصيرتها تطعن أعماق روحي:
​"رفيقة روحك المقدرة... رفيقة الروح التي انتظرتها لقرون، كانت تقف أمامك مباشرةً...كانت بين يديك، تنظر في عينيك! هي الوحيدة التي أودع القدر في دمائها القوة لكسر لعنتك الأزلية وتحريرك من هذا الظلام... لكنك ضيعتها! جرحتها بقسوة ودفعتها بعيداً بيدك!" ​سقطت الكلمات كالصواعق المزلزلة على رأسي! اتسعت عيناي الذهبيتان بذهول صامت وشعرت ببرودة تسري في أطرافي...
​"من هي؟" سألتها بصوت خفيض ينبض بتهديد مضطرب. "أخبريني باسمها!"
​هزت العرافة رأسها بأسى وسحبت يديها للخلف: "القدر لا يمنح أسماءً لمن أعمى الغرور بصائرهم يا ملك المستذئبين...أبحث في ذاكرتك، بين الدماء التي سفكتها، وبين الأرواح التي كسرتها وحرمتها من شفقتك."
​نهضتُ من مقعدي كالمجنون وتراجعت خطوتين للوراء والذهول يعصف بعقلي.
​رفيقة روحي؟ كانت أمامي؟
​بدأت أسترجع الوجوه... الأحداث... الطعنات... وفجأة، تجسد وجهها أمام مخيلتي كشرارة لهب متفجرة!
​تلك الفتاة... الشاحبة، ذات العينين البنيتين الحزينتين...تلك الفتاة نفسها التي غاصت مخالبي في صدرها...وتجلى دمها على يدي...ونعتها بالمريضة قبل أن ألقي لها بالترياق وأبعدها عن عالمي...
​ماريا...
​كان وقع الأسم على عقلي ثقيلا جدا لدرجة ان ركبتي لم تعودا تحملاني...​اصطكت أسناني ورمشت بذهول قاطع، وأنا أضع يدي المرتجفة على صدري الذي كان يحترق بألم طعنتها وبُعدها...
​"هل يعقل... ماريا؟" همستُ بها لنفسي، والصدمة تعتصر حنجرتي.
​تلك البشرية التي ابعدتها عن ظلامي...لتبتعد عن مصير اللعنة المشؤومة التي تلاحق كل من أُحب... كانت هي رفيقتي المقدرة... والوحيدة القادرة على كسر لعنتي... وأنا من طعنها بيده...انا من دفعت خلاصي بيدي...وعلى أن ادفع ثمن ذلك غاليًا...
"سأجدكِ يا ماريا..." همستُ لنفسي بصوتٍ خفيض، صوتٍ ذئبيٍ خالي من الابتسام، تحركه ظلمه متمردة ووعيد قاطع، "لو اضطررتُ لنبش هذه الأرض حجرًا حجرًا... سأجدكِ، وسأعيدكِ إلى أحضاني."
ماريا - pov
​كان الليل في سمرقند هادئًا جدا، بلا ضجيج إلا من صوت الريح الناعمة التي تتسلل من شقوق نافذة الغرفة الخشبية.
​كنت أستلقي على السرير، أتقلب يمنة ويسرة، أبحث عن لحظة نوم واحدة تريح عقلي المجهد لكن جسدي كان يرفض الراحة.
كان هناك لهبٌ خفي يتسلل تحت جلدي وبدأت حرارة جارفة تنبعث من منتصف صدري، كأن خنجراً محشواً بالجمر ينغرس في قلبي ببطء.
​"آه..."
​تنهدتُ بصوت خفيض، وأمسكتُ الملاءة بيدين مرتجفتين. اشتد الألم فجأة ليتحول إلى نغزات حارقة وقاسية لا تطاق، انحصرت كأنها سياطٌ من نار تطعن ساعدي الأيمن.
​حاولت أن أصرخ، أن أنادي على ماغنوس، لكن صدمة الوجع كتمت صوتي، كأن اغلالًا من نار تقيد حنجرتي... تمنعني من التعبير عن وجعي.
كانت أنفاسي تتلاحق بصعوبة وصوتي مخنوق في صدري ولم أستطع إخراج جأرٍ واحد يقايض هذا العذاب.
​عصرتُ عينيّ بقوة، والألم يقطع نياط قلبي حتى لمحت وميض من الضوء ينبعث من ساعدي تحت قميصي القطني.
​رفعتُ أكمامي بيدٍ ترتجف كغصنٍ في عاصفة... فتفتح بؤبؤ عيني بذهول ورعب!
​لم يكن خطباً عابراً؛ بل كانت هناك خطوط سحرية سوداء تتشكل تحت جلدي مباشرة وكأن إبراً غير مرئية تحفر جلدي بالنار.
كانت الخطوط تتلوى وتنساب ببطء، تنقبض وتتسع مع كل ضربة من نبضات قلبي المتسارعة...
​حتى اكتمل المشهد على ساعدي...وشمٌ سحري متقن على هيئة ذئب أسود مهيب، ينبض بهالة مظلمة وداكنة!
​تراجعتُ إلى الخلف حتى اصطدم ظهري بطرف السرير الخشبي، وأنا أنظر إلى ساعدي بذهول يمتزج بالرعب.
​ذئب؟
لماذا يزرع السحر في ساعدي وشم ذئب أسود؟
​في تلك اللحظة، ومع تراقص ألم الوشم في صدري وساعدي، لم يمر بخاطري سوى وجه واحد... عينان ذهبيتان باردتان كالموت، ونبرة متكبرة لا ترحم.
​كالوم.
​أنفاسي المتقطعة كانت تحرق حلقي، وأنا ألمس الوشم الأسود بأطراف أصولي المرتجفة "ما الذي تفعله الأقدار معي... ما هذا السحر اللعين؟"
عجبًا...يا الهي...
تشكل امامي بشكل طبابي هيئة لثعبان أسود ضخمة، التف حول جسدي برفق...
كما لو انه لاينوي تحطيم عظامي...
لعق الثعبان وشمي الجديد على ساعدي فهدأ الألم فورا...
تردد فحيحه الخافت والمهيب في اذني " بركة ناجا.."
ثم اختفى فورا...زال الوعي من جسدي تدريجيا وغرقت في الظلام على الكتان الناعم الذي يغطي سريري...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.