3 - أمــي
الكاتبة - pov
اختفت أهداء خطاه الثقيلة بين أحضان الأشجار المتشابكة وأختفى صوته المبحوح في هفيف الريح الباردة تاركًا خلفه زجاجة الترياق البلورية تتلألأ فوق جذور الشجرة العتيقة كقطرة أمل زجاجية وسط الظلام الدامس.
امتدت يد ماريا المرتجفة من بين الظلال الفوسفورية المتوهجة التي حجبتها عن الأعين وأمسكت الزجاجة بحذرٍ شديد...تجرعت السائل الدافئ دفعة واحدة فشعرت بجرعة الشفاء الملكية تسري في عروقها كالكهرباء تطرد النمل والتخدر القاتل الذي بدأ يستوطن أطرافها بفعل سم المستذئبين
وتهدئ من نبض الجرح الغائر في
خصرها النحيل.
لم تنتظر كثيراً في تلك البقعة التي شهدت انكسارها، كفكفت دموعها الساخنة بأطراف كمها واستجمعت ما تبقى في جسدها النحيل من كبرياء ومقاومة جرحى واستدارت تعطي ظهرها لقصره العالي ورجاله المتربصين، ووعده الأخير الذي ظل يتردد في أرجاء مخيلتها كجمرة مسمومة تحرق حنجرتها "أن الذئب الذي غرز مخالبه في جسدكِ، لن ينبض قلبه لامرأةٍ غيركِ أبداً..."
سارت ماريا بخطوات متثاقلة مجهدة في عمق الغابة المظلمة، تقودها قدمها المنهكة نحو وجهة واحدة لم تكن تشتهي زيارتها يومًا... "أرض سحرة الناجا"
كانت هذه الأراضي في حكايات طفولتها القديمة تجسد مجدًا غابرًا وسحرًا أزلياً، مفعمة بعبق السحر الأخضر والأزهار النادرة ذات البتلات السامة وهمسات السحرة العظام الذين يتناقلون أسرار الطبيعة والكون.
ولكن مع كل خطوة تخطوها نحو الحدود الفاصلة كان الهواء من حولها يتغير بشكل مريب؛ يصبح أكثر ثقلاً وجثومًا ومحمل برائحة الرماد المحترق وزهم الدماء المتجمدة في التراب.
عندما وطأت قدمها مشارف الأراضي العتيقة، اتسعت عيناها البنيتان بأسىً شديد وجرحٍ جديد يضاف إلى آلامها.
كانت الأرض ميتة، ملعونة، تكسوها سحب الأسى وتتراكم فيها الأشجار المتفحمة الشبيهة بالأشباح الباكية ويعلوها ضباب رمادي كئيب وثقيل لا يتحرك مع حركة الريح...لم تكن هذه اللعنة الجاثمة سوى ثمرة المذبحة الشرسة والقتل الظالم الذي قاده كالوم وجنوده المستذئبون ضد عشيرتها وسلالتها.
كل شجرة متفحمة وحجر مكسور هنا كان شاهدًا صامتًا على صرخات سحرة ناجا قبل أن تلتهمهم النيران وتطحنهم المخالب بلا رحمة.
وقفت ماريا في منتصف الأطلال الميتة تنهشها مشاعر الخذلان والذنب العظيم...كيف أمكنها أن تحب الملك الذي حول موطن عشيرتها وسلالتها إلى مقبرة ملعونة؟
كيف غفرت له دماء أجدادها وعانقته بنفس الصدر الذي غرّز مخالبه فيه قبل ساعات معدودة؟
وفجأة...بينما كانت تخطو بوهن فوق التربة الرمادية شعرت بثقلٍ غريب وجاثم يضغط على مطوي رأسها.
لم يكن هذا شعور سم المستذئبين الذي شُفيت منه للتو، بل كان خدرًا سحريًا دافئًا ومألوفًا يلتف حول عقلها كأفعى متسلسة...بدأت أطرافها ترتخي بالتدريج، والضباب الرمادي من حولها يلتف في دوامات حلزونية تحجب النور.
تداعت ركبتها على الأرض الميتة وحاولت ماريا المقاومة بضراوة...أطبقت جفنيها بحرقة وحاولت استحضار تعويذة حماية، لكن التعويذة الموجهة إليها عن بُعد كانت أعتى وأقوى من طاقتها المجهدة...
انغلق السواد التام على عينيها، لتسقط فاقدة للوعي فوق الرماد المتفحم.
ماريا - pov
فتحتُ عينيّ ببطء، واستقبلتني غشاوة وردية ناعمة تحجب الضوء...كان رأسي يؤلمني وثقلٌ خفيف يتراقص خلف جبهتي كصدى لتعويذة التخدير التي أُلقيت عليّ عن بُعد.
عندما اتسعت حدقتاي واستعدتُ رؤيتي، وجدتُ نفسي مستلقية على سريرٍ ملكي عاجي ضخم بفرش حريري وردي وهياكل بيضاء...كانت الغرفة مشبعة باللون الوردي والستائر المخملية وتفوح منها رائحة الياسمين والعسل...
سجنٌ مخملي لطالما عرفتُه...تفحصتُ نفسي لأجد أن فستاني القرمزي المدمى قد أُزيل، وأُلبستُ بدلاً منه فستاناً زهرياً ناعماً يلتف حول جسدي ويغطي موضع الجرح في خصري والذي بات مجرد أثر.
ارتشفتُ القليل من الماء من الكأس البلوري الماليء بالطاولة المجاورة لأطرد الجفاف من حنجرتي...تأملتُ أركان الغرفة، وتنهدتُ تنهيدة عميقة ومحملة بالأسى...
لقد عادت بي الأقدار إلى البرج، وإلى قبضة أمي كلوديا...نزلتُ من السرير وخرجتُ أجرّ أطراف فستاني الزهري فوق الرخام البارد وسط بصمت في الأروقة المألوفة.
مشيت بخطوات متثاقلة الى القاعة الرئيسية حيث ربما تتواجد امي وقد كانت هناك فعلا...التفتت إليّ، وارتسمت على وجهها تلك النظرة المفعمة بالتملك واندفعت نحوي بلهفة لتطوقني بين ذراعيها:
"طفلتي الصغيرة... خفتُ أن أفقدكِ!"
ضمتني كلوديا بقوة، ودفنت وجهي في صدرها...كان عناقها دافئاً ورائحته تفوح بالمسك، لكنه كان أشبه بقفص يلتف حول أضلعي.
بقيتُ كالتمثال في حضنها، أتركها تمارس طقوسها النرجسية...سحبتني نحو طاولة الطعام العريضة وأجلستني بجانبها ثم بدأت تملأ طبقي بيديها وتجبرني على الأكل برقة اعرف انها مصطنعة:
"كلي يا ماريا... جسدكِ الشاحب يحتاج للقوة، لقد عدتِ إلى أمانكِ الوحيد."
أكلتُ بضع لقيمات ثم أطرقتُ رأسي وعيناي البنيتان تفيضان بدموع حبستُها طويلاً.
لم أكن اريد ان اشكو لها همي لكن جرحي كبير جدا...
"لقد طعنني يا أمي..." خرج صوتي مخنوقاً ومكسوراً وأنا أعتصر القماش بين يدي. "أحببتُه بكل جوارحي... أخفيتُ سحري، وضحيتُ بعشيرتي من أجله...لكنه غرز مخالبه في خصري... نعتني بالمريضة، أدعى ان ما أُخبئه من أسرار هو ماهدم علاقتنا وادعى أنه لمس امرأة أخرى ليقتل كل أمل في قلبي."
كانت كلوديا تنصت إليّ باهتمام بالغ، وعيناها الخضراوان تلمعان ببرود واستغلال مريب...بالطبع، نحن قطع شطرنج في لعبتها، اللاعبة لاتتعاطف مع قطع الشطرنج التي تلعب بها...لم تُظهر غضباً ساطعاً، بل مالت نحوي وتمتمت بنبرة مسمومة تغلفها بالرحمة:
"ألم أحذركِ يا طفلتي؟ المستذئبون وحوش بلا قلوب وكالوم ليس سوى ذئب أقام المذبحة التي أبادت أهلكِ...حبكِ له كان وهماً، وجرحكِ منه هو الثمن لتستيقظي من هذه الغفلة...عليكِ أن تتخطيه يا ماريا، يجب أن تكوني قوية."
اقتربت مني أكثر، ووضعت كفيها الدافئين حول وجنتيّ
"ابقِ معي هنا بضعة أيام حتى تستردي عافيتكِ... ثم سأرسلكِ إلى مدينة سمرقند." اتسعت عيناي بذهول فتابعت كلوديا بابتسامة مظلمة:
"هناك ينتظركِ الساحر ماغنوس...إنه أحد الناجين القلائل من المذبحة التي قادها كالوم ويحتفظ بأغلب مخطوطات سحر عشيرة 'الناجا' ستتتلمذين على يده وتتعلمين سحر أجدادكِ على أصوله... حتى تعودي محاربة قوية لا يكسرها أحد."
" لكنني بخير يا امي...يمكنني الذهاب الآن "
" لم أقصد جرح صدركٍ ياصغيرتي، بل جرح قلبكِ...فانا شفيت جرحكِ الذي سببه لكِ ذلك الوغد..."
" كيف؟ انت مختصة في صنع السموم..." كانت نبرتي متسائلة هذه المرة.
" من يصنع السموم ياماريا يمكنه صنع الترياق...ومن يداوي يمكنه ايضًا أن يجرح...إحفظي هذا الدرس جيدًا..."
ساد الصمت بيننا لثوانٍ معدودة، وكانت كلمات أمي عن السم والترياق تعاد في ذهني مرارا وتكرارا كالتعويذة...
نظرتُ إلى وجهها الحاد، إلى عينيها الخضراوين اللتين لا تُظهران أي أثرٍ للندم أو الشفقة، بل العظمة والتملك فقط...كانت تتوقع مني أن أنهي حديثي وأنساق لتعليماتها كالعادة، لكن شيئاً ما في داخلي كان يغلي بكبرياء مكسور.
"لا أريد البقاء هنا يا أمي..." قطعتُ الصمت بصوت هادئ ولكن حازم. "لا أريد أن أقضي يوماً واحداً إضافياً في هذا البرج بين هذه الجدران الوردية التي تخنقني."
ضيقت كلوديا عينيها قليلاً، وارتفعت حواجبها بذهول متخفٍّ قبل أن تعود ملامحها للهدوء المريب...اقتربت مني خطوة، ووضعت يدها الساخنة على كتفي، تضغط برفق مريب. "إذن أنتِ مستعدة للرحيل فوراً؟" سألتني بنبرة تحمل مزيجاً من الرضا والتحدي.
"أنا مستعدة لأي شيء يجعلني أقف على قدمي مجدداً... مستعدة لأكون المحاربة التي تمنيتِها دائماً، فقط كي لا أعود لعبة في يد أحد."
ابتسمت كلوديا ابتسامة حادة أضاءت وجهها الشاحب، وكأنها حصلت على ما أرادته تماماً منذ البداية.
استدارت ونشطت سحرها الخفيف لتستحضر خريطة جلدية قديمة ومطوية، وضعتها أمامي على الطاولة.
"هذه خريطة الطريق نحو مدينة سمرقند..."
مشت بسبابتها فوق الخطوط الذهبية الباهتة.
"مدينة السحرة المعزولة خلف الجبال الشاهقة. هناك، في أطراف القفر ستجدين ملاذاً مظلماً لا يجرؤ المستذئبون القذرون ولا رجال كالوم على الاقتراب منه."
رفعتُ عينيّ نحوها وسألتها "وكيف سأعرف الساحر ماغنوس عند وصولي؟"
"لن تحتاجي للبحث عنه يا طفلتي، هو من سيجدكِ بمجرد أن تطأ قدمكِ حدود المدينة..." أجابتني بصوت خفيض وشبه همس. "ماغنوس يحتفظ بآخر ما تبقى من مجد عشيرة 'الناجا' لديه المخطوطات السحرية المحرمة، والتعاويذ التي ستحول ضعفكِ الحالي إلى قوة يرتعد لها أعتى ساحر في القارة...إنه منتظر منذ سنوات من يحمل دماء العشيرة النقية لتجديد العهد."
" أي عهد"
" أساليه عندما تصلين " قالت بلا مبالاة.
أخذتُ الخريطة الجلدية وضمتتها إلى صدري...لم أكن أمتلك أدنى شعور بالخوف من المجهول فالخيانة التي تجرعتها من كالوم والاحتقار الصامت الذي أكنه لأمي وللعبتها جعلا قلبي بلورة من ثلج.
نظرَتْ إليّ امي كلوديا لآخر مرة، وعيناها تلمعان بتلك النرجسية المعتادة ثم قدمت لي عباءة سوداء ثقيلة لتغطية فستاني الوردي.
"اذهبي يا ماريا... اذهبي وتعلّمي كيف تصبحين ساحرة قوية يصعب كسرها...واجعلي اسم عشيرتنا يتردد كالكابوس في أحلام أعدائنا."
تلفحتُ بالعباءة وأعطيتها ظهري دون عناق ووداع آخر خرجتُ من أبواب البرج العالية نحو درب سمرقند المجهول وأنا أعلم تماماً أن ماريا الضعيفة والرقيقة قد سقطت صريعة مع رماد أرض الناجا...
وأن من ستعود مستقبلاً هي ساحرة لا ترحم.
يتبع...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!