2 - الـفُـراق
كالوم - pov
أطبقتُ يدي على صدرها، تحت ثديها تمامًا، وغرزتُ مخالبي الحادة في جلدها... لم تكن مجرد خدشٍ عابر بل كانت غرزة عميقة ومتحكمة، خطًا أحمر أرسمه بحد السكين بين عالمي المظلم ونقائها...
اتسعت عينا ماريا بذهولٍ شاحب وخذلان يقطع الأنفاس...شفتها المرتجفة حاولت صوغ الكلمات، حاولت أن تصرخ بوجهي، لكن لم يخرج من حنجرتها سوى آهة خفيفة ومكتومة.
بدأ الدم يتفجر بغزارة من تحت مخالبي، يسيل على خصرها النحيل ويلطخ ثوبها بقعًا قرمزيًا دافئة.
لم يكن جرحًا عميقًا بما يكفي للقتل، لكنه كان ينبض بوجعٍ حقيقي يثبت أن ذئبي أطلق مخالبه بلا رحمة.
تأملتُ حمرة خدودها التي تصاعدت رغماً عن الألم والنزيف...الحمرة التي جعلتني يوماً أطلق عليها "جُلناري" في ليالينا الدافئة...يوم وعدتها ألا أعود لمناداتها بالمجنونة أو الحمقاء.
بقيتُ أراقب انكسارها ونزيفها، متمسكًا بابتسامتي المستفزة القاسية وعيناي العسليتان تبرقان بشرارة مظلمة، وأنا أشدد قبضتي ببرودٍ ظاهري وأردف بصوتٍ حاد خفيض يخرج من بين أنيابي:
"أتظنين أن الدموع ستغير شيئًا يا ماريا؟ القصر لا يتسع لفتاة مريضة مثلكِ تبحث عن الاهتمام... ولا يتسع لأسرارِكِ التي
تخفينها عني... ليس لكِ مكان هنا..."
سكنتْ مخالبي في جلدها حين سمعتُ كلماتها المتهدجة:"كنتُ أظن أن الذئب الذي عاهدني على الحماية...لا يغرز مخالبه في الصدر الذي آواه يا كالوم."
رأيتُ وميض الذكريات يلمع في عينيها... ذلك البريق الذي عرفتُه جيدًا في الليالي التي ظننتُ فيها أنني استطعتُ ترويض حماقاتنا.
كلماتها كانت كقطعة ثلجٍ سقطت في جوف بركان تنزل على صدري العاري بتأثيرٍ أشد قسوة من أي سلاحٍ واجهتُه في حياتي.
انقبضت عضلة فكي بحدّة، وصرخ ذئبي القابع في الداخلي بزمجرة ذعرٍ مكتومة يطالبني بانتشالها... بمسح حمرة الدم عن خصرها النحيل ولعق الجرح قبل أن تسرق الحياة من بشرتها النضرة...لكن لا يمكن للوحش أن يلين، لا يمكنني أن ألين... ليس أمامها.
أرخيتُ قبضتي تدريجيًا وسحبتُ مخالبي الملطخة بدمائها مبتعدًا عنها خطوة قصيرة أعدتُ فيها حشد برودي القاسي، بينما يدي كانت ترتجف خفية خلف ظهري.
نظرتُ إلى قطرات الدم التي تتفجر بغزارة لتسيل على فستانها وتنسكب على الأرضية الرخامية، ثم رفعتُ نظري العسليّ أواجه كبرياءها الجريح ورسمتُ على شفتيّ أعتى ابتسامة مستفزة أملكها، أداري بها الشرخ الذي أحدثَتْه عبارتُها في قلبي.
"العهدُ يُقطع مع من يملك شجاعة الصدق يا ماريا... سئمتُ منكِ، من عقدكِ... من أسراركِ... أنانيتكِ وحبكِ اللئيم..."
خرج صوتي خفيضًا، حادًا ومسمومًا كأنني أغرس سكينًا أخرى.
"ولستُ الملك الذي يأوي في صدره أفعى تنبض بالأسرار، ثم ينتظر منها ألا تلدغه... ارحلي بأكاذيبكِ وأسراركِ... فما عاد لكِ مكانٌ بين أسوار قصري... الوداع يا ماريا."
قطعتْ الصمت بسؤالها الأخير:
"أجبني بصدق وسأرحل.. هل مارست الجنس معها؟"
توقف الزمن لبرهة، وشعرتُ بذئبي يتراجع إلى أعتى زوايا العتمة ليترك المجال للملك النرجسي القاسي ليحسم هذه المهزلة.
رأيتُ الترقب في عينيها، الشك الممزوج برجاءٍ أخير، ورغم الجرح الذي يواصل نسج قطرات الدم على خصرها، كانت تنتظر مني طوق نجاة.
لكنني كاذب... كاذب لعين محترف حين يتعلق الأمر بتهديم الجسور بيننا وحماية كبريائي الملعون.
ارتسمت على شفتيّ ببطء تلك الابتسامة المظلمة والمستفزة، الابتسامة التي أعلم أنها تذبح كل أملٍ داخلها...أملتُ رأسي بقليل من اللامبالاة المصطنعة وعيناي العسليتان تنظران إليها ببرودٍ كالجليد: "أتريدين الحقيقة يا ماريا؟"
خرج صوتي خفيضًا، ناعمًا كالسم وأنا أخطو نحوها خطوة صغيرة أفرض بها هيبتي وجسدي الضخم العاري أمامها:
"نعم... لمستُها... وكانت أطوع من أن
تخفي عني سرًا واحدًا، بخلافكِ تمامًا."
الكلمات كانت كذبة سوداء صريحة، خنجرًا غرزتُه في قلبها لأدفعها بعيدًا عن جحيم قصري وعن أسراري التي قد تقتلها.
تابعتُ وأنا أنظر إلى عينيها لتأمل أثر دموعها، غير مبالٍ بالشرخ الذي يتسع في صدري:
"أخذتِ جوابكِ الصادق كما طلبتِ... والآن ارحلي، فالأرض التي تقفين عليها لطختِها بدمائكِ النجسة... وبأسراركِ وأكاذيبكِ."
شاهدتُ أصابعها النحيلة وهي تلتف بحركة عصبية حول قطعة القماش، تضغط بها بأسى على خصرها المدمى لتوقف سيلان الدم الذي أسلته بمخالبي.
خطواتها المتثاقلة وهي تبتعد عني، وجسدها الذي يرتعش وهي تعتصر موضع الألم بيدها كانت المشهد الأشد إيلامًا لكرامتي.
لم تتحرك قدميّ إنشًا واحدًا، مسمّرًا في منتصف المطبخ الرخامي وصدري العاري يعلو ويهبط بأنفاسٍ حادة ومكتومة.
رائحة دمائها النحاسية القوية تفشت في أرجاء الجناح تثقل الهواء وتخترق حواسي الذئبية، تصرخ في الداخلي أن أركض خلفها أن أزيح قطعة القماش وألعق جرحها بلساني حتى يلتئم، أن أصرخ بها وأعترف لها بأن كلماتي عن تلك الفتاة لم تكن سوى كذبة مسمومة نسجها عقلي المجنون ليطردها من جحيمي.
لكنني اكتفيتُ بمراقبة ظلها وهو يغيب خلف الباب المفتوح، يترك وراءه أثرًا قانئًا من قطرات الدم على الأرضية.
أطبقتُ قبضتي بقوة حتى غرزت أظافري في راحتي، واشتعل وشم الأفعى على ذراعي مع انقباض عضلاتي.
عيناي العسليتان اللتان احتفظتا ببرودهما المستفز حتى آخر لحظة أمامها أظلمتا فجأة بحدقةٍ ذئبية متوحشة.
"ارحلي يا ماريا..." همستُ بها لصمت الغرفة الفسيحة، وصوتي المنخفض كان يرتجف بنبرة ندمٍ خفية لم يشهدها عرشي من قبل، "ارحلي... قبل أن يتغلب ذئبي على عقلي، ويحبسكِ في هذا القصر للأبد."
كان الجناح الملكي يغرق في صمتٍ مريب ورائحة الدم النحاسية التي تركتها ماريا خلفها في الممر بدأت تتلاشى تدريجيًا تحت تأثير رياح الليل.
كنت أقف أمام النافذة العريضة، مشبوك الذراعين أراقب ظلال الغابة المظلمة من بعيد وعيناي العسليتان تائهتان في العتمة، أحاول إقناع نفسي بأنني فعلتُ الصواب وأن حمايتها تتطلب هذا الفراق القاسي.
وفجأة... ضربتني الحقيقة كصاعقةٍ شطرت صدري.
تجمّدت الدماء في عروقي واستدارت حدقة ذئبي في الداخلي بجمودٍ مرعوب...رفعتُ يدي اليمنى ببطء شديد ونظرتُ إلى مخالبي الملطخة بقايا دماء جرحها... تلك المخالب التي غرزتُها في خصرها النحيل قبل ساعات.
"تبًا... السم!"
خرجت الكلمة من بين أنيابي كزمجرة ذعرٍ متوحشة لم أعرفها في حياتي...كيف نسيت؟ كيف أعمى النزاع اللعين عقلي إلى هذا الحد؟!
مخالب المستذئبين...ليست مجرد سلاحٍ جارح؛ إنها تحمل في أطرافها سمًا سميكًا ينساب في دماء البشر العاديين، سمًا يبدأ بتخدير الأطراف ويضعف الجسد بالتدريج ويؤدي إلى انهيار قوى الضحية وموتها إن لم يُعالج بالدواء فورًا!
جرحها لم يكن عميقًا ليقتلها بالنزيف...لكنه كان كافيًا ليدفق السم في جسدها الضئيل! انقبضت معدتي برعبٍ قاتل ومات كل برودٍ واستعلاء كنتُ أتظاهر به.
تخيلتُها الآن، تسير بمفردها في أعمق أجزاء الغابة الباردة ذاهبة إلى سَمَرْكَانْدا بشعرها الأشقر وجسدها الشاحب، وأطرافها تتخدر تدريجيًا دون أن تدري ما يحدث لها...تخيلتُها وهي تسقط في التراب لا تقوى على الحراك، فريسة سهلة للبرد أو للوحوش.
"ماريا!"
صرختُ باسمها بصوتٍ هادر زلزل جدران الجناح... تحول الذئب في الداخلي إلى وحشٍ كاسر يمزق أضلعي بالخوف والندم... لم أهتم بكرامتي، ولا بالملكية، ولا بأسرارها الخائبة... كل ما أردته في هذه اللحظة هو أن تكون حية.
اندفعتُ خارج الجناح كالسهم، أطوي الممرات بفرط سرعتي الذئبية، وخرجتُ أركض نحو الغابة المظلمة، وأنا أستنشق الهواء بلهفةٍ جنونية، أبحث عن رائحة دمائها النحاسية المألوفة لتعيدني إليها قبل أن يفوت الأوان.
الكاتبة - pov
كانت، بهيئتها غير المرئية، جالسةً تحت جذع الشجرة العتيقة وقد حلّ الظلام الدامس على الغابة...سمعت صوته وهو ينادي باسمها بجموح، فخبأت نفسها جيدًا وعانقت جسدها الشاحب، رغم معرفتها الأكيدة أنه لن يستطيع رؤيتها أو استشعار وجودها بفضل مفعول الأزهار السحرية.
توقف زئير خطواته عند أطراف تلك البقعة، وكانت أنفاسه الحادة تتصاعد في الهواء البارد كالدخان.
كافحت أذناه الذئبيتان لالتقاط أصغر حركة في هذا الصمت الثقيل، وعيناه العسليتان تتفحصان العتمة بين الأشجار بجنونٍ مرعب يبحث عن هيئتها النحيلة أو عن أثر شعرها الأشقر.
"ماريا!"
صرخ باسمها مجددًا، وصوته خرج مبحوحًا يختنق بنبرة ندمٍ خالية من أي كبرياء أو تعالٍ او قسوة كان يتمتع بهم سابقًا.
استنشق الهواء بلهفةٍ عارمة، يحاول التقاط رائحة دمائها النحاسية المميزة...لكنها اختفت تمامًا! طغت في المكان رائحة حادة وعطرية لأزهار الغابة السحرية، رائحة تُحجب الأثر وتخفي الجسد تمامًا عن الأعين المتربصة.
انقبض صدره برعبٍ أشد عندما أدرك أنها هنا، على مقربة منه، تحت تأثير السحر والبرد
"أعلم أنكِ تسمعينني... وأعلم أنكِ تُخفين نفسكِ بتأثير الأزهار يا ماريا!"
خطى خطوة ثقيلة باتجاه الشجرة، وجسده الضخم يرتجف بشكلٍ غير مألوف...رفع يديه الملطختين بدمائها السابقة وصوته خرج خفيضًا ينبض برجاءٍ مكسور يلقيه أمامها في العتمة:
"أرجوكِ... اسمعيني! المخالب... مخالبي تحمل سمًا يتدفق في دماء البشر! أطرافكِ تتخدر الآن، أليس كذلك؟! لن يقتلكِ الجرح بل السم هو ما سينهيكِ إن لم أداوكِ فورًا!"
جثا على ركبتيه فوق التراب الرطب غير مبالٍ بالطين أو الأوساخ، ونظر إلى الفراغ الظلامي أمامه بضياع وهو يردف بصوتٍ مرتجف.
"اكُرهيني، اشتميني، لا تسامحيني أبدًا... لكن أظهري نفسكِ لي، دعيني أُنقذ حياتكِ أولاً، ثم افعلي بي ما تشاءين!"
كانت هي تستمع إليه ودموعها تسيل على خدها... تعلم في أسرار روحها أنه لا يمكنهما البقاء سوياً؛ فالأسرار التي تُخفيها، والأسرار التي يُخفيها، وجدار الكبرياء بينهما جعل الصمود خيارها الوحيد...
لم تكن قادرة على إظهار ضعفها أمامه مجددًا.
انعصر صدر كالوم حين لم يصله منها أي صوت، سوى حفيف الأوراق الجافة وزفير الريح الباردة.
أطرق رأسه بأسى، وضغط بكفه الملطخة بدمائها على التراب الرطب، بينما كان ذئبه القابع في الداخلي ينحب في صمت.
"الأسرار..."
همس بها بصوتٍ خفيض، يخرج متهدجًا ومكسورًا بين ظلال الأشجار، وهو يتلفت بضياع نحو الفراغ الذي تحجبها فيه الأزهار
"تباً لكل الأسرار يا ماريا! تباً للعرش، وللقصر، ولماضيي الذي جعلني أدفعكِ بعيداً عني بكذبة مسمومة! لم ألمس امرأة غيركِ، الرب يعلم أنني كذبتُ فقط لأحميكِ من ظلامي... فإذا بي أغرس مخالبي في جسدكِ!"
مسح وجهه بيده المرتجفة، ورُصعت عيناه العسليتان بالدموع التي أباها دوماً...خفض جسده الضخم بالكامل، وجلس على أطراف الشجرة العتيقة، متباعداً بضع خطوات كي لا يثير خوفها.
"لن أجبركِ على العودة معي..." أردف بنبرة رجاءٍ خافقة، متجردة من كل سلطة
"ولن أطالبكِ بكشف أسراركِ إن كانت تُثقل روحكِ...لكنني لن أتحرك من هذه البقعة، تركتُ الترياق هنا فوق التراب..."
وضع زجاجة بلورية صغيرة تحتوي على السائل الشافي على جذر الشجرة العتيقة، ثم تراجع خطوتين للوراء وهو ينظر إلى الفراغ بشوقٍ يحرق صدره
"اشربيه يا شقرائي... اشربيه وابقِ قوية لتواجهي هذا العالم، حتى لو اخترتِ أن تغادري دون أن تريني مجدداً."
خرجت من بين أنفاسها المجهدة همسة أخيرة اخترقت العتمة "وداعاً كالوم..."
تجمّد كالوم في مكانه، وشعر بالكلمتين تنهويان على صدره كحجر مقبرة يُغلق للأبد.
تأمل الزجاجة البلورية الصغيرة، ثم نظر إلى الفراغ الذي تُخفيها الأزهار فيه.
لم يستطع رؤيتها، ولا لمس شعرها الأشقر لمرةٍ أخيرة، ولا مسح الدموع التي علم أنها بللت وجنتيها.
"وداعًا... يا شقرائي."
خرجت الكلمة من بين شفتيه مكسورة، خالية من أي قسوة...رفع يده الملطخة بدمائها ووضعها على صدره، فوق القلب الذي جعلته ينبض يوماً.
تراجع ببطءٍ شديد، خطوةً وراء خطوة، يبتعد عن الشجرة كي يترك لها المساحة لآخذ الترياق والنجاة.
أثبت عينيه العسليتين على البقعة التي يجزم أنها تجلس فيها، وأردف بنبرة وعدٍ يلفها الأسى:
"خذي الترياق وعيشي... قاتلي بعيداً عني، واحتفظي بأسراركِ...لكن اعلمي...أن الذئب الذي غرز مخالبه في جسدكِ، لن ينبض قلبه لامرأةٍ غيركِ أبداً."
استدار ببطء، وغادر الغابة بخطواتٍ ثقيلة، تاركًا خلفه حبه الوحيد يذوب في عتمة الأشجار.
يتبع...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!