Callum
Callum
جزء 1 من 1
وضع القراءة:

1 - جُرح في القلب

ماريا - pov
كانت أضواء القصر تُلقي بظلالٍ طويلة وباردة على الأثاث الخشبي الداكن في جناح الخلوة ورياح المساء تتسلل من الخرجة الرخامية العالية لتُحرك أطراف الستائر المخملية...أنفاسي كانت متسارعة، تتردد في صدري بخوفٍ حاولتُ دفنه...حاولت...لكن الصدمة والخوف أكبر من ان ادفنهما تحت أي انقاض.
الفتاة التي خرجت لتستوحي خطواتها العجلان من الغرفة أورثت في المكان صمتًا ثقيلًا، وشكًا أكل أطرافي...لم أصدق كلماته القاسية القريبة إلى الفأس الذي يضرب صدري، تلك التي نعتني فيها بالعامية والنرجسية ورماني بالمرض النفسي فقط ليحمي أسوار قلبه...قلتُ في نفسي إنها نوبة غضبٍ أخرى، أو تجربة قاسية يختبر بها إخلاصي...لكن قدمي قادتاني بخطى خفيفة نحو المطبخ الملحق بالجناح...وهناك كان يقف.
كان كالوم يتكئ بجسده الضخم على الحافة الرخامية، عاري الصدر بصلابة تُشبه الأسوار التي يحتمي بها، وبشرته الحنطية تلمع تحت الضوء الدافئ...وشم الأفعى الملتف على ذراعه البارزة العضلات يبدو حادًا وخطيرًا في العتمة، وشعره الأسود الفاحم المنسدل حتى رقبته يضفي عليه هيبة ملكية...جميل وقاسٍ...
رفعتُ رأسي أواجهه، وأنا أعدل شعري الأشقر الذي يتدلى تحت كتفي، محاولةً إخفاء حقيقة أن جسدي النحيل يكاد يرتجف.. التقيتُ بسبيل عينيه العسليتين الشبيهتين بالذهب المذاب، لكنهما كانتا باردتين كالثلج...كالشتاء...
وعلى شفتيه...ارتسمت تلك الابتسامة المستفزة والمظلمة، الابتسامة التي تلغي كل لحظة حب شهدها هذا القصر بيننا، وتتركني معلقة بين كبريائي وجرحي المفتوح...
توقفتُ في منتصف المكان وأطبقتُ قبضتي بقوة حتى غاصت أظافري في راحتي، رسمتُ على وجهي نظرة باردة تُماثل نظرته تمامًا...
أو حاولتُ...أن اكون باردة...لأحمي قلبي.
اقتربت منه بارتجاف، عيني الخائنة تلمع بالدموع...مددت يدي المرتجفة وامسكت صدره...الصدر الذي كنتُ أُسند إليه رأسي وأنام...ناسية كل همومي وأوجاعي...
أطبق يده تحت ثديي مباشرة، وغرز مخالبه الحادة في جلدي...لم يكن مجرد خدش عابر بل كان غرزة عميقة، طعنة مؤلمة حد الجحيم بمخالبه...
اتسعت عيناي بذهول...خذلان...ألم فضيع لايمكن وصفه...ليس ألمًا جسديًا...ذلك الشعور القبيح بكون الرجل الذي أمنته على نفسي، هو الذي طعنني - حرفيًا - لهو شعورٌ...لايوصف...
حاولت أن اصرخ بوجهه لكن لم يخرج من حنجرتي سوى آهة خفيفة ومكتومة.
بدأ الدم يتفجر بغزارة من تحت مخالبه، يسيل على خصري النحيل ويلطخ ثوبي بقعًا قرمزيًا دافئة....لم يكن جرحًا عميقا بما يكفي للقتل لكنه كان ينبض بوجعٍ حارق.
أردف بصوتٍ حاد خفيض يخرج من بين أنيابه:
"أتظنين أن الدموع ستغير شيئًا يا ماريا؟ القصر لا يتسع لفتاة مريضة مثلك، تبحث عن الأهتمام...ولا يتسع لأسرارِكِ التي تخفينها عني...ليس لك مكان هنا..."
مرّت أمامي في تلك اللحظة القاسية كل الذكريات كشريطٍ خاطفٍ يقطع أنفاسي...
ليلتنا الأولى تحت أضواء القصر الهادئة، لمساته التي كانت تفيض حنانًا ودفئًا، ووعوده الخافية بين أروقة الجناح بأن يظل درعي وسندي...
الحب الذي لم أجرؤ يومًا حتى على التفكير فيه، الحب الذي ظننتُ أنه ملجأي الأخير من أسراري الخانقة، كان الآن يذوب ويتحول إلى قطرات دمٍ حارة تسيل على خاصرتي من بين يديه.
اتسعت عيناي بتلك الذكريات المترامية، وامتزج بريق الحب القديم بذهول الخذلان الحاضر.
زفرتُ أنفاسًا متقطعة وعيناي البنيتان المثقلتان بالدموع تثبتان على عينيه العسليتين الشبيهتين بالذهب المذاب،
رغم برودة الجرح والنزيف الذي بدأ يلطخ فستاني، ورغم قبضته الشديدة على خاصرتي، رفعتُ رأسي بشموخٍ جريح.
كبريائي الذي يطال السماء رفض أن ينهار أمامه، رفض أن أظهر ضعفي أمامه ولو لثانية واحدة.
تأملتُ ابتسامته المستفزة والمظلمة ووشم الأفعى الملتف على ذراعه البارزة ثم أردفتُ بصوتٍ خفيض يخرج متهدجًا لكنه مشحون بكل ما بقي في صدري من كبرياء ومرارة "كنتُ أظن أن الذئب الذي عاهدني على الحماية...لا يغرز مخالبه في الصدر الذي آواه يا كالوم."
سحب مخالبه الملطخة بدمائي مبتعدًا عني خطوة قصيرة أعدتُ فيها حشد برودي القاسي.
"العهدُ يُقطع مع من يملك شجاعة الصدق يا ماريا...سئمتُ منكِ، من عقدكِ...من أسراركِ...أنانيتكِ وحبكِ اللئيم..." خرج صوته منخفضًا حادًا ومسمومًا كأنه يغرس سكينًا أخرى.
"ولستُ الملك الذي يأوي في صدره أفعى تنبض بالأسرار، ثم ينتظر منها ألا تلدغه... ارحلي بأكاذيبكِ وأسراركِ... فما عاد لكِ مكانٌ بين أسوار قصري...الوداع ياماريا"
" اجبني بصدق وسأرحل.. هل مارست الجنس معها؟"
ارتسمت على شفتيه ببطء تلك الابتسامة المظلمة والمستفزة، الابتسامة التي أعلم أنها تذبح كل أملٍ داخلي...أمال رأسه بقليل من اللامبالاة المصطنعة وعيناه العسليتان تنظران إلي ببرودٍ...أشد بردًا من جليد الشتاء...
"أتريدين الحقيقة يا ماريا؟"
انزلقت الكلمات من بين شفتيه بصوت منخفض، ناعم، مسموم، وهو أخطو نحوي خطوة صغيرة فرض بها هيبته وجسده الضخم العاري أمامي:
"نعم... لمستُها...وكانت أطوع من أن تخفي عني سرًا واحدًا، بخلافكِ تمامًا."
تابع وهو ينظر إلى عيني "أخذتِ جوابكِ الصادق كما طلبتِ... والآن ارحلي، فالأرض التي تقفين عليها لطختِها بدمائكِ النجسة... وبأسراركِ وأكاذيبكِ."
اخذت قطعة قماش وضغطتها على جرحي لايقاف النزيف، ثم غادرت بخطوات متثاقلة وانا اعتصر الجرح بيدي...غادرت الغرفة... القصر...المدينة...وعيناي يبتلعهما السواد... منذ غادرت...اختفى البياض من عيني فاكتسحها السواد الكامل...منذ أن كُسر قلبي...
تأملتُ الأثر القرمزي المتجمد على خاصرتي وأنفاسي الثقيلة تتصاعد كالبخار في هواء الغابة البارد...كل خطوة كانت تبدو كأنها الأخيرة جسدي النحيل المقوس من الوجع وأطرافي الباردة بدأت تفقد الإحساس بالتدريج...لم يكن مجرد إرهاقٍ من المشي الطويل بل كان زحفًا بطيئًا لسمٍّ مألوف... مخالب المستذئبين، تلك التي تترك أثرًا ينهك أجساد البشر العاديين.
توقفتُ مستندةً على جذع شجرةٍ عتيقة وشعري الأشقر يلتصق بوجنتي الشاحبة بفعل العرق البارد...رفعتُ رأسي أراقب ظلال الأشجار التي تتراقص كأشباحٍ تحيط بي.
كنتُ أعلم أن كالوم ورجاله قد يتبعون أثري، أو أن رائحة دمي النحاسية ستجذب وحوش الغابة إليّ كالفريسة السهلة.
وقفتُ أقاوم التخدر الذي يكاد يصرعني... وتذكرتُ...الزهرة التي ستنقذ حياتي لامحالة
جثوتُ على ركبتيّ فوق التراب الرطب وأصابعي المرتجفة قطفت باقةً من أزهار الغابة السحرية ذات البتلات الفوسفورية المتوهجة في العتمة...أطبقتُ عليها بكفي حتى سال عصيرها العطري النافذ ثم بدأتُ أفركه بقوة على بشرتي فوق جرحي، وعلى طيات ثوبي المدمى.
في لحظات، امتزجت رائحة الزهرة مع بشرتي لتخفي رائحة دمي تمامًا وتغطي جسدي ليحجب رؤيتي عن الأعين المتربصة.
اندمجتُ مع ظلال الغابة أعيش كأثرٍ لا يُرى، بكبرياءٍ مكسور لكنه يرفض السقوط...واصلتُ السير في أعمق أجزاء العتمة، بعيدًا عن الملك وذئابه.
يتبع...
9 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.