الفصل الخامس:حين تحترق الأجنحة
فأكمل فالير:
"فلن يبقى لأحدٍ منا مكان."
قال كاسيان ببرود يجمّد الدماء في العروق:
"وما الذي تقترحه؟"
ابتسم فالير ابتسامة خبيثة اتسعت بطريقة مريبة، ورسمت على وجهه أظلالًا داكنة تحت ضوء المشاعل المتراقصة، وقال: "لا داعي للعجلة..." ثم تحولت نظراته الثقيلة كالحجر نحو يونس، متفحصًا إياه بنظرة تحمل الكثير من المكر، قبل أن يتابع بصوت هادئ ومسموم: "الحرب القادمة... قد تحل كثيرًا من المشكلات التي استعصت علينا لسنوات."
ابتسم كاسيان ابتسامة خفيفة، لم تبلغ عينيه، واكتفى بتلك الإيماءة الغامضة دون أن ينطق ببنت شفة.
ولم ينتبه أحد من السادة والفرسان الملتفين حول موائد القصر إلى ذلك الحوار الخاطف... إلا الأميرة لورينا، التي كانت تقف في العتمة القريبة، ترتشف نبيذها ببطء شديد، وتراقبهما بصمت حذر وعينين تلمعان بذكاء حاد ومترقب.
نهاية الفصل
وبينما كانت الساعة تقترب من منتصف الليل، والهدوء الثقيل يخيم على أرجاء القلعة، انفتح باب القاعة الكبرى بعنف هز الجدران الحجرية.
ودخل أحد الكشافة الملكيين يجر قدميه جرًا، وكان درعه الخشبي مغطى بطبقات كثيفة من الغبار والرماد، وعباءته الحمراء ممزقة عند الأطراف كأنما مزقتها مخالب كاسرة، وأنفاسه المتسارعة تتصاعد كالدخان في هواء القاعة البارد.
انحنى بسرعة أمام العرش، وأنفاسه المقطوعة تكاد تخنقه، وقال بنبرة يملؤها الذعر:
"تقرير... تقرير عاجل من الحدود الشرقية!"
ساد صمت خناق في القاعة، وتوقفت كل الهمسات في لحظة واحدة.
تقدم القائد هارون بخطوات ثابتة تقرع الأرض الحجرية، وأخذ الرسالة الملتفة والمختومة بالشمع الأسود الثقيل. نظر إلى الختم المطبوع بعناية، ثم كسره ببطء أصاب الجميع بالتوتر، وبدأ يقرأ الكلمات السريعة المكتوبة بحبر مضطرب.
ومع كل سطر تدور فيه حدقتاه... كانت ملامح وجهه الصارم تتغير وتنهار. اختفت تلك الثقة الرهيبة التي طالما عرف بها، وتحولت عيناه التدريجيتان إلى نظرة صدمة وذهول لم يرهما أحد فيه من قبل.
لاحظ يونس هذا التحول المفاجئ، فتقدم خطوة نحو القائد، والاضطراب يقرض قلبه، وقال:
"ماذا حدث يا هارون؟ تحدث!"
رفع هارون رأسه ببطء شديد، وكأن رأسه بات يزن أطنانًا، وكان الصمت المطبق يخنق أنفاس الحاضرين جميعًا، ثم قال بصوتٍ ثقيل، يخرج بصعوبة من حشرجة حلقه:
"يا سمو الأمير... الأمر أخطر مما توقعنا جميعًا."
نهاية الفصل الثاني: صاحب الجلالة والظلام.
الفصل الثالث: حين تتذكّر الرماد النار
ساد الصمت في القاعة بعد كلمات هارون الثقيلة، صمتٌ أشبه بذاك الذي يسبق العواصف الهوجاء.
نظر يونس إليه، وعيناه تنطقان بقلق لا حدود له، وقال بنبرة حادة:
"ماذا حدث يا هارون؟ لا تتكتم عن شيء!"
طوى هارون الرسالة ببطء، وأصابعه ترتجف بفعل الصدمة، ثم رفع رأسه ونظر في عيون الحاضرين وقال:
"سقط أول حصن على الحدود الشرقية... وانهارت دفاعاته بالكامل. وجيش الشياطين يتقدم بنار ودمار أسرع بكثير مما توقعنا."
قبض يونس على مقبض سيفه حتى أبيضت مفاصاله، وقال بجسارة:
"إذن لا وقت للهدر... سنخرج فورًا لقتالهم وردعهم!"
هز هارون رأسه بأسى نافيًا، وقال بصوت خافت يعصره الجهد:
"لو كان النصر يُحسم بالسيوف والفرسان وحدها يا سمو الأمير... لما اجتمعنا هنا اليوم ولما أكلنا الخوف."
قطب يونس حاجبيه باستغراب وضيق، وقال:
"ماذا تقصد بكل هذا الغموض؟"
اقترب هارون بخطوات ثقيلة نحو النافذة المرتفعة، وظل ينظر إلى أضواء العاصمة الهادئة في الأسفل للحظات طويلة، ثم التفت وقال:
"هناك أسرار مظلمة دُفنت عميقًا تحت الأرض منذ آلاف السنين... وأقسم الملوك العظام ألا تُذكر أو تنبش إلا إذا أصبحت المملكة كلها على حافة السقوط والاندثار."
استمر الصمت يخيم على المكان، ثم سأل يونس بنبرة قاطعة:
"وما هذه الأسرار؟ وما علاقتها بما نمر به الآن؟"
ابتسم هارون ابتسامة باهتة خالية من أي روح، وقال:
"لو أخبرتك بها الآن مجرد إخبار... فلن تصدق كلمة واحدة مما سأقوله."
تقدم يونس خطوة أخرى نحوه، ونظر في عينيه بثبات:
"جرّبني... لم أعد الطفل الذي تخاف عليه."
استدار هارون بكامل جسده إليه، وحدق في عينيه طويلًا وهو يتأمل فيه ملامح السلالة القديمة، ثم قال:
"أخبرني يا يونس... هل تؤمن بحق بأن بعض الأساطير التي نرويها للأطفال ليست مجرد خيالات؟"
تردد يونس للحظة، وجال ببصره بين الوجوه الخائفة، ثم قال:
"لا أعلم... لكنني أعلم يقينًا أن ما نواجهه اليوم على الحدود لم يعد طبيعيًا ولا ينتمي لعالمنا هذا."
أومأ هارون ببطء شديد، ورسمت تجاعيد جبهته حزنًا عميقًا وقال:
"لهذا السبب بالتحديد... يجب أن تذهب الآن وقبل فوات الأوان إلى مكتبة الملوك."
سأله يونس بذهول:
"المكتبة؟ أفي هذا الوقت العصيب نلجأ للكتب؟"
قال هارون بصرامة:
"هناك، في أعمق أركانها، ستجد مخطوطات سحرية ومحرمة لم يقرأها أحد منذ قرون... وربما، بل بالتأكيد، ستجد فيها الإجابة الوحيدة التي نبحث عنها جميعًا لننجو."
نظر يونس إليه باستغراب شديد وسأل:
"ولماذا أنا؟ لماذا لا تذهب أنت أو أحد القضاة؟"
صمت هارون لحظة، وتغيرت نبرته إلى صوت خافت شبه همس:
"لأن بعض الأبواب المغلقة يا سمو الأمير... لا تُفتح بالحديد أو السحر، بل لا تُفتح إلا لمن كُتب اسمه بدماء أجداده قبل أن يولد."
اتسعت عينا يونس بدهشة، وقال:
"ماذا يعني ذلك؟ ما الذي تخفيه عني؟"
ابتعد هارون خطوتين نحو الخريطة المبسوطة دون أن يجيب عن السؤال مباشرة، ثم قال:
"عندما تنتهي من قراءة أول مخطوطة... ستفهم بنفسك لماذا كنت أنت بالذات من عاد إلى هذه المملكة في هذا التوقيت تحديدًا."
ظل يونس صامتًا، بينما كانت عشرات الأسئلة تتصارع وتدور في رأسه كالإعصار.
وقبل أن يغادر القاعة، أوقفه هارون بنبرة محذرة:
"وتذكر دائمًا... مهما وجدت هناك من حقائق مرعبة، لا تدع الخوف يسيطر على روحك."
توجه يونس بخطوات متسارعة نحو مكتبة الملوك الملكية، تلك البناية العتيقة ذات البوابات الضخمة المصنوعة من خشب الأرز المعتق، والتي تفوح منها رائحة القرون، وتقبع خلفها هيبة لا تتزعزع من تاريخ الحكم والسيادة.
عندما دخل، كانت الخطوات الهادئة لـ "كبير الأمناء" هي الصوت الوحيد الذي يكسر الصمت المهيب والعميق للمكان.
كان ينزل من الدرج الدائري أمين المكتبة، ووجهه المنحوت يحمل ملامح مزجت بين الحكمة الغابرة والهدوء المريب، وعيناه حادتان تلمعان بذكاء غير طبيعي ينافي كبر سنه. كان يمشي بخطوات هادئة تمامًا وخفيفة لا تسمع لها جلبة أو صوت، يرتدي معطفًا طويلًا وفاخرًا بلون الأزرق الحبري الداكن، أطرافه مطرزة بخيوط ذهبية برّاقة تمثل حركات الأبراج الفلكية، وقميصه مصنوع من أجود أنواع الحرير بياقة عالية كلاسيكية تزيد من هيبته.
وقف الأمين أمام يونس مباشرة، وبنظرة عين مستقرة ودافئة، ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها شعورًا مهيبًا وعميقًا.
قال بصوت رخيم:
"أهلًا بك يا سمو الأمير في ملاذ التاريخ... هل تحتاج شيئًا معينًا من رفوف المكتبة؟ أنا سوف أجلبه لك بنفسي."
رد يونس بثبات وهو ينظر حوله:
"أريد أن أذهب إلى جناح الحكم والسياسة... تحديدًا إلى القسم الذي يحتوي على أسرار الدولة والوثائق السياسية الحساسة، ذلك القسم الذي يُقال إنه لا يدخله إلا الملوك ورجال العرش... أريد أن أدخله الآن."
نظر أمين المكتبة في عيني يونس باستغراب، وسكنت ملامحه للحظة ثم قال:
"كما تشاء يا سمو الأمير... لكن دعني أعرفك بنفسي أولًا، أنا سادن، حارس هذه المجلدات."
رد يونس باحترام:
"وأنا أدعى يونس."
ابتسم سادن ابتسامة خفيفة وانحنى بجسده احترامًا وقال:
"تشرّفت بمعرفتك يا سمو الأمير."
ظل سادن ينظر إلى يونس لثوانٍ معدودات، وكأنه يحاول قراءة شيءٍ مخفي في تفاصيل ملامحه وتقاطيع وجهه، ثم قال بصوتٍ هادئ ورزين:
"جناح الحكم والسياسة العادي يقع في الطابق الثاني... أما القسم الذي يسأل عنه سموك، والذي يضم أسرار الدولة المحرمة... فهو أعمق وأعتك من ذلك بكثير."
قطب يونس حاجبيه وقال بنبرة مستعجلة:
"أخبرني القائد هارون أنني سأجد هناك بالذات الإجابات التي أبحث عنها طوال حياتي."
اختفت الابتسامة تدريجيًا عن وجه سادن، وحلت مكانها نبرة جادة امتزج فيها الاحترام الخالص بالحذر الشديد، وقال:
"إذن... لقد حان الوقت الموعود."
استدار سادن ببطء، واتجه نحو أعمق نقطة في نهاية المكتبة، بينما تبعه يونس بخطوات حذرة وصامتة.
كانا يعبران بين عشرات الرفوف الخشبية العملاقة المليئة بالمجلدات الضخمة والكتب التالدة التي يكسوها الغبار، حتى وصلا إلى جدارٍ حجري أملس بدا للوهلة الأولى وكأنه نهاية الممر والباب المسدود.
توقف سادن أمامه، ثم مد يده الدقيقة إلى شمعدانٍ نحاسي قديم مثبت على الحائط الحجري، وأداره ببطء وحرفية.
وما إن توقف الشمعدان عن الدوران وحثيث الحركة...
حتى دوّى صوتٌ عميق ومكتوم في أنحاء المكتبة الكبيرة، وبدأ الجدار الحجري الضخم يهتز وتتساقط منه الأتربة، ثم انشق ببطء من منتصفه، ليكشف عن ممرٍ ضيقٍ تبتلعه الظلال ولا تُرى نهايته.
نظر يونس إلى الممر بدهشة كبيرة انطبعت على وجهه، وقال:
"لم يخبرني أحد طوال حياتي بوجود هذا المكان المظلم!"
ابتسم سادن بهدوء وقال:
"لأن وجوده نفسه يا سمو الأمير... كان سرًا يُقطع لسان من يتفوه به."
سارا داخل الممر الرطب في هدوء تام، والبرودة تلامس أجسادهما، حتى وصلا إلى بابٍ حجري هائل ومرتفع، نُحتت على سطحه الخشن بصورة بارزة ومتقنة صورة عنقاء باسطة جناحيها العريضين، وقد التف حولها نقشٌ دائري معقد كُتب بلغةٍ قديمة ومجهولة لم يستطع يونس الماهر باللغات قراءتها.
اقترب يونس بخطوات بطيئة من الباب، ومد يده المرتجفة ليلمس الحجر.
وفجأة...
أضاءت النقوش المحفورة بلونٍ ذهبي خافت وساحر، واهتز الباب العظيم اهتزازًا خفيفًا أطلق صريرًا عاليًا، قبل أن يُفتح إلى الداخل ببطء شديد، دون أن تمسه يد أو تحركه رافعة!
تراجع سادن خطوة كاملة إلى الخلف، واتسعت عيناه الشائبتان في دهشة بالغة، ثم همس بصوتٍ خافت يكاد لا يُسمع من شدة الذهول:
"إذن... كانت الروايات والأساطير صحيحة بكل تفاصيلها!"
التفت إليه يونس باستغراب وتوجس:
"أي روايات تحكي عنها يا سادن؟"
أخفض سادن رأسه بإجلال وقال:
"على مدى مئات السنين، حاول ملوكٌ عظام وأمراءٌ أقوياء فتح هذا الباب وتجاوزه، لكنه لم يستجب لأي منهم... أما اليوم، فقد فُتح الباب وانقاد بمجرد اقترابك منه."
ساد الصمت للحظات ثقيلة بينهما.
ثم رفع سادن بصره ونظر نحو يونس بنبرةٍ عجيبة امتزج فيها الخوف الصريح بالإجلال العظيم:
"ادخل يا سمو الأمير... فما ينتظرك خلف هذا الباب الحجري قد يغيّر تاريخ المملكة برمتها إلى الأبد."
أخذ يونس نفسًا عميقًا يملأ به رئتيه، ثم عبر عتبة الباب المظلم بخطواتٍ ثابتة ومقدامة، غير مدركٍ على الإطلاق أن أول مخطوطة سيقع بصره عليها خلف الباب ستكشف له سرًا مظلمًا ظل مدفونًا تحت الأرض منذ آلاف السنين... وأن اسمه الحقيقي كان مكتوبًا في صفحاتها المنسية قبل أن يولد بأحقاب.
ظل سادن ينظر إلى يونس للحظات، وكأنه يقارن في ذهنه بين ملامح الأمير الشاب وبين صورةٍ قديمة باهتة يحتفظ بها في أعمق طبقات ذاكرته، ثم استدار وقال:
"اتبعني بحذر."
سار الاثنان بين ممرات ذلك القسم السري، وكانت الرفوف الخشبية العملاقة المصنوعة من السنديان تمتد على جانبيهما بارتفاع شاهق حتى تكاد تلامس السقف المرتفع، وقد امتلأت بآلاف الكتب الجلدية والمخطوطات النادرة التي كُتب بعضها بلغاتٍ مبهمة اندثرت منذ قرون طويلة، بينما علتها طبقات كثيفة جدا من الغبار، وكأن الزمن نفسه توقف عن الدوران داخل هذا المكان المهجور.
وبعد دقائق من السير في الممرات المتشابكة، وصلا إلى نهاية القاعة.
لم يكن هناك سوى جدارٍ حجري أسود وضخم، لا يحمل أي باب أو نافذة تشي بما خلفه.
توقف سادن أمامه، ثم رفع يده العروق ووضعها فوق حجرٍ دائري صغير ومصقول كان يختلف تمامًا عن بقية أحجار الجدار.
وفي اللحظة التالية...
اهتز الجدار كله اهتزازًا خفيفًا أحدث حفيفًا غريبًا.
ثم انشقت الأحجار الضخمة ببطء، وبدأ ممرٌ سري آخر يظهر من خلفها، بينما تصاعدت منه رائحة نافذة تجمع بين الورق القديم والحجارة الرطبة والمعادن الصدئة.
نظر يونس بدهشة عارمة وقال:
"لم أكن أعلم إطلاقًا أن هذا القصر يحوي كل هذه الخفايا!"
أجابه سادن بنبرة هادئة ورزينة:
"ولا ينبغي لأحدٍ على وجه الأرض أن يعلم... فهذا القسم بالذات لم يُفتح منذ زمنٍ بعيد جدًا، ولا يُسمح بدخوله إلا لملوك المملكة وورثة العرش الشرعيين."
دخل الاثنان الممر المحمي.
وكانت المشاعل المثبتة على الجدران الحجرية تشتعل وحدها سحرًا بلهب أزرق كلما تقدما خطوة إلى الأمام، حتى وصلا في النهاية إلى قاعةٍ دائرية واسعة للغاية، تتوسطها منضدة حجرية ضخمة للغاية، وأمامها عشرات الخزائن المغلقة بأقفالٍ حديدية قديمة ومصمتة، وقد نُقش فوق كل خزانة بخط جلي اسم أحد ملوك المملكة الذين حكموا البلاد عبر العصور الغابرة.
تقدم يونس ببطء وهو يتأمل الهيبة الممتدة في المكان، ثم قال:
"كل هذه المخطوطات والوثائق... هل بقيت محفوظة ومصونة طوال كل هذه السنين؟"
ابتسم سادن ابتسامة وقورة وقال:
"هذه ليست مجرد مخطوطات أوراق يا سمو الأمير... إنها روح ذاكرة المملكة وتاريخها الحي، ولو احترقت هذه القاعة لا سمح الله، لاحترق معها تاريخنا وهويتنا بالكامل."
ظل يونس يتجول ببطء بين الخزائن الحجرية، يتفحص الأسماء والنقوش، حتى توقفت عيناه فجأة عند خزانةٍ فريدة تختلف شكلًا ومضمونًا عن جميع ما حولها.
كانت الخزانة مصنوعة من حجرٍ أسود مصقول ولامع كأنه البركان الميت، يتوسطها نقشٌ مذهل لعنقاء باسطة جناحيها الثائرين وسط ألسنة متصاعدة من اللهب، وقد كُتب أسفلها بخط بارز بلغة المملكة القديمة:
"لا يفتح هذا الأثر المحرم إلا وريث الدم."
اقترب يونس منها في صمت تام، والوجوم يلفه، ومد يده بثبات نحو القفل الحديدي الضخم.
وقبل أن تلامس طرف أصابعه سطح الحجر الأسود...
صدر صوتٌ خافت كالصفير، ثم بدأ النقش المحفور يضيء بوهجٍ ذهبي ساطع أضاء عتمة المكان، وانفتح القفل تلقائيًا من تلقاء نفسه دون أن يمسه مفتاح!
تراجع سادن خطوة سريعة إلى الخلف، واتسعت عيناه من شدة الذهول والصدمة، وهمس بصوتٍ مرتجف ومذعور:
"مستحيل... هذا لا يمكن أن يحدث!"
التفت إليه يونس بسرعة وقال:
"ما الأمر يا سادن؟ لم أنت مذعور؟"
أجاب سادن وهو لا يزال يثبت نظراته المذعورة على الخزانة المفتوحة:
"منذ وفاة الملك السابق... حاول عشرات العلماء والأمراء فتح هذه الخزانة بالذات، لكنها لم تستجب لأحد قط وظلت مغلقة كالجبل." ثم نظر إلى عيني يونس مباشرة ومتابعًا: "أما اليوم... فقد فُتحت وسلّمت انقيادها بمجرد أن اقتربت يدك منها!"
ساد صمت عميق ورهيب في القاعة الدائرية.
فتح يونس باب الخزانة الأسود ببطء شديد، فاحت منه رائحة بخور قديم وعتق. وجد بداخلها صندوقًا خشبيًا عتيقًا من أبنوس فاخر، التفّت حوله سلاسل حديدية صدئة، وعلى غطائه المزين خُتمٌ ذهبي صريح يحمل شعار العنقاء الثائرة.
مد يده نحو الصندوق، وفك الختم الذهبي بحذر شديد، ثم رفع الغطاء الخشبي الثقيل ببطء...
لتظهر أمامه لفافة جلدية قديمة جدًا، تتلألأ بحبر ذهبي باهت كُتب على طرفها:
"النبوءة الأولى."
اقترب يونس من الصندوق العتيق، ثم مد يده نحو اللفافة الجلدية بحذر بالغ، وكأنه يخشى أن تتفتت وتتحول إلى رماد بين أصابعه من شدة قدمها وتآكل أطرافها. وما إن أمسك بها وأحكم قبضته عليها، حتى شعر بفقاعات من الدفء الغريب والتسارعات تسري في كفه وتصعد إلى دراعه، فألقى نظرةً سريعة ومستغربًا على سادن، الذي كان يراقبه في صمتٍ مريب وقد ارتسمت على ملامح وجهه علامات الترقب والرهبة.
أزال يونس الشريط الجلدي الأسود الذي يحيط بالمخطوطة، ثم فتحها ببطء شديد وحرص، حتى لا تتمزق أوراقها الهشة والعتيقة.
وفي اللحظة التي استقرت فيها حدقتاه على السطر الأول المكتوب...
تغيرت تعابير ملامحه تمامًا وانعقدت جبهته.
كانت الكلمات مكتوبة بحروفٍ ذهبية قديمة براقة، ورغم القرون الطويلة، كانت ما زالت واضحة وجلية، وكأن الزمن لم يستطع أن يمحو حبرها.
قرأ يونس بصوتٍ منخفض ومتردد:
"عندما تسقط السلسلة الأولى، ويعود وريث الدم المحجوب، ستولد نار العنقاء من جديد في جسده، وإلا ستبتلع الشياطين الممالك والعباد."
ساد صمت خناق ومطبق داخل القاعة الحجرية.
ظل يونس يعيد قراءة أسطر النبوءة مرةً بعد أخرى في سريره الذهني، بينما كان يحاول جاهدًا أن يفهم الغرض والمقصود من كل كلمة وحرف.
ثم رفع رأسه الحائر ونظر إلى الأمين وقال:
"ما المقصود بالسلسلة الأولى هنا؟"
تنهد سادن تنهيدة حارة ومثقلة بالهموم، ثم اقترب بخطوات متباطئة من المنضدة الحجرية، وقال بصوتٍ امتزجت فيه الهيبة العالية بالحزن الدفين:
"منذ آلاف السنين يا سمو الأمير، لم تعتمد هذه المملكة على الجيوش والأسوار وحدها لحماية حدودها ورعاياها، بل أقام الملوك الأوائل والعظماء سلاسل سحرية وموانع عظيمة، كانت تفصل بحد فاصل بين عالم البشر وعالم الشياطين المظلم، وجعلوا كل سلسلة تحرس وتصون جزءًا محددًا من حدود المملكة المترامية... فإذا سقطت السلسلة الأولى واختلت... بدأت بقية السلاسل بالتداعي والتفكك تدريجيًا، حتى يصبح الطريق سالكًا ومفتوحًا على مصراعيه أمام جيوش الظلام لتلتهم الأرض."
نظر يونس إليه باهتمام وتركيز بالغان، بينما أكمل سادن حديثه الشارح:
"أما وريث الدم المذكور... فهو السليل النقي للعائلة المالكة، الذي يجري في عروقه ونبضه العهد القديم الذي قطعه أحد أجداد الملوك الأوائل مع العنقاء الأخيرة، وهو العهد الذي حُظر وحُرم على الجميع معرفته، حتى لا يسعى صاحب نفس أمارة إلى استغلال قوته المدمرة."
قطب يونس حاجبيه بشدة وقال والتوجس يأكله:
"وهل تقصد بكلامك هذا أنني أنا..."
قاطعه سادن بهدوء ورزانة:
"أنا لا أقصد ولا أدعي شيئًا يا سمو الأمير... بل حروف النبوءة والتاريخ هي التي تنطق بذلك جهارًا."
ظل يونس صامتًا لعدة لحظات، وأفكاره تتضارب، ثم أعاد لف المخطوطة الجلدية بحذر، لكن أثنائها لمح ببريق عينيه شيئًا غريبًا يقبع في قاع الصندوق الأبنوسي.
كانت هناك قطعة خشبية صغيرة ومنحوتة، بدت لعين الخبرة وكأنها تخفي تجويفًا سريًا أسفل الصندوق.
أزاح القطعة الخشبية ببطء ورفق.
فوجد تحتها مخبأة مخطوطةً أخرى، أصغر حجمًا بكثير، لكنها كانت أكثر قِدمًا وتآكلًا، وقد اسودت أطرافها الهشة بفعل الزمن والدخان.
رفعها بين أصابعه بحذر شديد، ثم فتح اللفافة.
لم يجد فيها سوى سطرٍ واحد مكتوب بحبر أحمر كالدم:
"حين تحترق أجنحة العنقاء... سيولد الملك الحقيقي."
قرأها يونس مرة بعقل متأمل.
ثم قرأها ثانية بصوت جهر.
ثم نظر إلى سادن باستغراب وحيرة بالغة وقال:
"لا أفهم الشفرة... كيف يمكن لأجنحة العنقاء أن تحترق وتتلاشى، وهي بالأساس طائر أسطوري يولد وينبعث من قلب النار؟ وما علاقة هذا الاحتراق بظهور الملك الحقيقي؟"
ظل سادن صامتًا يتأمل الكلمات، ثم هز رأسه ببطء وأسى وقال:
"لا أعلم سرها يا سمو الأمير... فقد عجز جميع الملوك والحكماء والعلماء الذين سبقونا عن تفسير هذه العبارة الغامضة، وظلت هذه المخطوطة بالذات لغزًا عصيًا لم يحل رموزه أحد منذ مئات السنين."
خفض يونس بصره نحو المخطوطتين القابعتين بين يديه مرةً أخرى، وأخذ يتفكر مليًا في كلمات النبوءة، بينما كانت عشرات الأسئلة الحارقة تدور وتتضارب في عقله وقلبه.
لكنه لم يكن يعلم حينها...
أن الوقت والزمن لم يعودا يسمحان بالرفاهية والبحث الهادئ عن الإجابات...
فالحرب الطاحنة التي تحدثت عنها سطور النبوءة...
كانت قد بدأت وقرعت طبولها بالفعل!
لم يكد يونس يغلق المخطوطتين ويجمعهما، حتى سمع الحاضرون دقاتٍ سريعة وعنيفة تضرب باب القسم السري الحجري.
التفت سادن بسرعة نحو الباب، ثم تقدم بخطواتٍ هادئة وفتحه بحذر.
وقف أحد الحراس الملكيين أمامه، والدماء والعرق يتصببان من جبهته، وقد بدت على ملامح وجهه المتعبة علامات الذعر الشديد.
قال الحارس وهو يلهث وينقبض صدره:
"يا سادن... القائد هارون يطلب حضور سمو الأمير فورًا ودون تأخير إلى قاعة الحرب!"
نظر سادن بسكون إلى يونس، ثم قال:
"يبدو أن الأخبار السيئة التي وصلتنا لم تكن سوى البداية."
أعاد يونس المخطوطتين متحرّكًا لوضعهما في الصندوق، لكنه توقف للحظة حاسمة، ثم قال بصرامة:
"لا... سأحملهما معي، لن أتركهما هنا."
نظر سادن إليه باستغراب، ثم هز رأسه موافقًا وداعمًا.
غادر يونس القسم السري بخطوات مسرعة، بينما كانت كلمات النبوءة الغامضة تتردد في أصداء ذهنه بلا توقف:
"عندما تسقط السلسلة الأولى، ويعود وريث الدم، ستولد نار العنقاء من جديد..."
و...
"حين تحترق أجنحة العنقاء، سيولد الملك الحقيقي."
لم يكن يعرف أو يفهم لماذا شعر بأعماقه أن هاتين العبارتين ليستا مجرد كلمات مدونة على جلد قديم، بل تحذيرٌ حارق وصريح من خطر ماحس يقترب منه ومن المملكة بسرعة الصاعقة.
خرج يونس مسرعًا من أبواب مكتبة الملوك، واتجه مباشرة عبر الممرات الطويلة نحو قاعة الحرب الكبرى.
كانت القاعة تعج وتضج بالقادة والفرسان والضباط، وخريطة المملكة الجلدية الضخمة ممدودة ومثبتة فوق الطاولة الحجرية الوسطى، بينما بدت علامات التوتر والوجوم والذعر جلية على وجوه الجميع.
رفع القائد هارون رأسه الجاد فور دخول يونس القاعة.
وقال بصوتٍ حازم قاطع الصمت:
"لقد وصل للتو تقرير استطلاع جديد وأخير من الحدود!"
اقترب يونس بخطوات واسعة من الطاولة وسأل بلهفة:
"ماذا حدث؟ ما هي المستجدات؟"
أشار هارون بيده التي ترتجف قليلًا إلى الخريطة، ثم قال بنبرة قاتمة:
"جيش الشياطين لم يعد يرابط على الحدود... لقد اخترقها وتجاوز خطوطنا!"
ساد صمت رهيب في القاعة، ثم تابع هارون:
"لقد سقطت السلسلة السحرية الأولى بالكامل."
اتسعت عينا يونس بذهول، وسقط بصره فورًا على المخطوطة القديمة التي كان يحملها ويضغط عليها بين يديه.
بدأت أنفاسه تتسارع وضربات قلبه تخفق بقوة، ثم فتح المخطوطة بسرعة خاطفة، وأعاد قراءة السطر الأول من جديد:
"عندما تسقط السلسلة الأولى، ويعود وريث الدم، ستولد نار العنقاء من جديد..."
رفع رأسه ببطء شديد، ونظر في عيني هارون المليئتين بالخوف.
ثم قال بصوتٍ خافت يرتجف:
"إذن... لم تكن هذه النبوءة تتحدث عن ماضٍ غابر وانتهى."
اقترب هارون منه خطوة، ونظر إلى المخطوطة الجلدية بين يديه طويلًا، ثم قال بصوت كحفيف الشجر:
"بل كانت تتحدث... عن هذه الحرب الدائرة الآن."
ساد صمتٌ ثقيل يقطع الأنفاس داخل القاعة.
وفي تلك اللحظة الحرجة...
دخل رسولٌ ملكي آخر مسرعًا، يترنح في خطاه، وقد غطى الغبار والدم درعه، وقال بصوتٍ مرتفع يجأر بالخوف:
"يا سمو الأمير... ويا أيها القادة... جيش الشياطين أصبح على مرمى البصر من السهول!"
نظر هارون إلى جميع القادة الحاضرين بنظرة حاسمة، ثم سحب سيفه الفولاذي الثقيل من غمده بصرخة مدوية.
وقال بثبات يبعث الشجاعة:
"إذن... حان وقت القتال وحماية أرواحنا!"
ساد صمتٌ ثقيل وقاطر بالرهبة داخل القاعة.
ثم بدأ جميع الفرسان يستعدون لأول معركة طاحنة... المعركة التي ستحدد وتحدد مصير المملكة بأكملها بين البقاء والاندثار.
ما إن أنهى القائد هارون كلماته المشحونة، حتى دوّت أبواق الحرب النحاسية في كل أنحاء العاصمة، وتعالت أصوات الأجراس التحذيرية فوق أسوار نوفاريس العالية، بينما أخذ الجنود والفرسان يركضون في كل اتجاه بنظام واضطراب استعدادًا للمعركة المصيرية التي طالما تحسبوا لها وشهدوا أهوالها في الكوابيس.
خرج هارون من قاعة الحرب بخطواتٍ جبارة وثابتة، وهو يستل سيفه البرّاق من غمده، ثم صاح بصوتٍ جهوري دوّى واهتزت له أرجاء القصر الملكي:
"ليتجه كل قائد إلى موقعه فورًا... لا تسمحوا لزحف الشياطين بتجاوز البوابات والحدود!"
انطلق القادة والضباط فورًا لتنفيذ الأوامر الصارمة.
تولى القائد الصلب باسل قيادة المدافعين والمقاتلين فوق الأسوار المرتفعة، وأمر رماة السهام بالاستعداد وشحذ السهام، بينما قاد القائد مراد مجموعةً كبيرة من الجنود لإخلاء الأحياء السكنية القريبة من البوابات الرئيسية وحماية المدنيين والأطفال، أما يونس فقد وقف في المقدمة بين صفوف الفرسان والخيالة، يقبض على سيفه الذهبي بقوة وتركيز، وقد كانت هذه هي المرة الأولى في حياته التي يقف فيها وسط معمعة ساحة حربٍ حقيقية ومصرفية.
وفي الجهة الشرقية المترامية من المملكة...
بدأت الأرض الصلبة تهتز وترتجف تحت وقع ضربات آلاف الأقدام والحوافر الزاحفة.
ثم ارتفع في السماء غبارٌ كثيف وسحابة سوداء غطت الأفق والشمس.
ولم تمضِ سوى لحظات قليلة القسوة...
حتى ظهرت للعيان أهوال جيوش الشياطين.
كانت صفوفهم المرعبة تمتد على مد البصر إلى ما لا نهاية، يحملون راياتٍ سوداء قاتمة تتوسطها رسمة عينٍ حمراء متوهجة كالجمر، بينما كانت صرخاتهم وزمجرتهم البربرية تهز الجبال المجاورة.
لكن ما أثار الذعر الحقيقي والرعب الخالص في نفوس الجنود البشريين...
لم يكن منظر الشياطين القبيحة وحدهم.
فقد خرجت تدريجيًا من بين الصفوف الخلفية مخلوقاتٌ ضخمة ومهيبة تشبه الذئاب المفترسة، إلا أنها كانت تسير على قدمين كالبشر، وأجسادها العضلية مغطاة بالفراء الأسود الكثيف، ومخالبها الطويلة الحادة تلمع كشفرات تحت ضوء الشمس الباهت.
همس أحد الجنود الشباب بجوار يونس وهو يرتجف خوفًا:
" إنهم... المستذئبون الضواري!"
وبينما كانت أنظار ورعب الجميع تتجه نحو الحدود الخارجية المشتعلة...
كانت مجموعاتٌ أخرى خبيثة من مصاصي الدماء قد تسللت بالفعل إلى داخل أحياء العاصمة تحت جنح الظلام والضباب، متخفين بين زحام الناس، ينشرون الفوضى والقتل والذعر في الشوارع الضيقة، ويهاجمون بشراسة كل من يعترض طريقهم المظلم.
صرخ أحد الحراس الملكيين وهو يدافع عن نفسه:
"خطر! مصاصو الدماء يتسللون داخل المدينة! احموا المدنيين والأطفال!"
التفت القائد مراد فورًا إلى جنوده وصاح بنبرة حازمة:
"لا تتركوا إنسانًا واحدًا خلفكم! أخرجوا النساء والأطفال فورًا ونقلوهم إلى الملاجئ الآمنة!"
وفي اللحظة الحاسمة نفسها...
رفع القائد هارون سيفه اللامع عاليًا في السماء.
ثم صاح بأعلى ما أوتي من صوت وشدة:
"من أجل أرض نوفاريس والعرش... هجوم!"
انطلقت صفوف الفرسان البواسل كالسيل الجارف المتلاطم، بينما انطلقت آلاف السهام المشتعلة من فوق الأسوار العالية، لتغطي السماء كسحابةٍ سوداء قطرت نارًا قبل أن تسقط وتسحق صفوف الشياطين المتقدمة.
دوّى صوت اصطدام الحديد بالحديد والسيوف بالدروع.
وامتلأت ساحة القتال الفسيحة بصراخ الرعب والنيران المشتعلة والدخان الأسود الذي يعمي الأبصار.
اندفع يونس بكل شجاعته إلى قلب المعركة المشتعلة، وقلبه يخفق بعنف وشدة في صدره، ثم واجه أول شيطان مرعب في حياته، وتبادل معه الضربات السريعة والشريرة، قبل أن يتمكن بمهارة وسرعة من إسقاطه قتيلًا بضربةٍ قاطعة من سيفه.
نظر يونس إلى جثة الشيطان المتهاوية على الأرض للحظة خاطفة.
ثم أدرك بأعماقه وشعوره...
أن هذه الحرب القاسية ليست مجرد تدريب ساحات أو مناورة...
وأن الخطأ والسهو الواحد فيها يعني الموت المحقق والمشين.
وبينما كانت المعركة تشتد وتتحول إلى مجزرة دموية...
كان أحد نبلاء المملكة الخونة يقف في خفاء داخل أبراج القلعة العالية، يراقب المأساة وكل ما يحدث ببرود من خلف نافذةٍ مظلمة.
نظر الخائن حوله ليتأكد بخبث أن لا أحد يراه أو يلاحظ وجوده.
ثم أخرج من عباءته مفتاحًا أسود قديمًا ومعقد النقوش.
واتجه بخطوات خفيفة نحو البوابة الداخلية السحرية للقلعة.
أدار المفتاح الأسود ببطء ومكر...
فانفتح الباب العملاق المصنوع من الحديد دون أن يشعر أو ينتبه له أحد من المشغولين بالقتال.
وفي اللحظة التالية...
اندفعت عشرات الشياطين والمفترسين كالموج إلى داخل صحن العاصمة!
صرخ أحد الجنود المصدومين وهو يرى الأهوال:
" خيانة! خيانة! لقد فُتحت البوابات الداخلية!"
تبدلت موازين المعركة وسيطرت الفوضى في لحظات معدودة.
وسقط أحد قادة الجيش الملكي البواسل مضرجًا بدمائه الغزيرة، بعدما أحاطت به مجموعةٌ غادرة من الشياطين والمستذئبين وسحقته.
تراجع الجنود البشريون بذعر، وانتشرت المأساة والهرج في كل شارع وزاوية.
حاول يونس المستميت الوصول إلى القائد مالك، بعدما شاهده بعينيه محاصرًا ومصابًا من جميع الجهات، لكنه وجد نفسه في طريقه محاطًا هو الآخر بعشرات الشياطين والمستذئبين الضواري الذين تكالبوا عليه.
أصيب يونس بعدة جروح قاسية وسائت حالته، وسقط سيفه الذهبي من يده المدماة على الأرض الحجرية.
ثم اندفع أحد المستذئبين الضخام نحوه بشرس، رافعًا مخالبه الفولاذية ليستقر بها في صدر يونس المكشوف.
أغلق يونس عينيه واستسلم لمصيره، وظن يقينًا أن النهاية المحتومة قد حانت لا محالة.
وفي تلك اللحظة الفاصلة بين الحياة والموت...
ترددت كلمات النبوءة الجلدية داخل عقله وكيانه مرةً أخرى كالرعد:
"عندما تسقط السلسلة الأولى، ويعود وريث الدم، ستولد نار العنقاء من جديد..."
وفجأة وبلا مقدمات...
اشتعل جسد يونس بالكامل بنيرانٍ ذهبية ساطعة ومقادسة أضاءت ساحة المعركة المظلمة بأكملها!
تراجع الشياطين والمستذئبون في ذعر ورعب عظيمين وهم يصرخون من هول المشهد.
وارتفعت من خلف ظهره أجنحةٌ هائلة وعظيمة مصنوعة من اللهب الصافي، بينما تحولت حدقتا عينيه المظلمتان إلى لونٍ ذهبي متوهج كالمرجل!
رفع يونس يده العارية دون أن يدرك أو يستوعب القوة التي تحركه.
فانطلقت من كفه موجةٌ مدمرة من لهب العنقاء القديم، اجتاحت وبطشت بصفوف الشياطين، وأجبرتهم على التراجع والموت المباشر.
ساد الصمت المظلم والسكون الساحر المكان.
وقف جميع من في الساحة، بشرًا وشياطين، ينظرون إلى يونس الذهبي في ذهول ورعب لا يوصف.
أما يونس...
فلم يكن يفهم مطلقًا طبيعة هذا البركان الذي استيقظ فجأة في أعماقه.
لكن هذه القوة الخارقة لم تستمر طويلًا.
بدأت ألسنة اللهب الذهبي تخفت وتتلاشى شيئًا فشيئًا.
وشعر يونس بألمٍ شديد وممزق يسري في عظام جسده وجلده بالكامل.
ثم سقط على ركبتيه المجهدتين على الأرض، وهو يلهث بعنف شديد، بعدما استنزفت هذه القوة المفاجئة معظم طاقته وحياته.
حاول بقايا جيش الشياطين استغلال ضعفه وسقوطه، لكنهم تلقوا فجأة أمرًا صددًا وغريبًا بالانسحاب الفوري!
بدأت صفوف الشياطين تتراجع ببطء وحذر، حتى اختفوا بالكامل خلف سحب الدخان والرماد المتصاعدة.
تنفس الجنود البشريون الصعداء بعد الأهوال، وظن الجميع في تلك اللحظة...
أنهم حققوا النصر ونجوا من الموت.
وفجأة...
خيم صمتٌ غريب، ثقيل ومقلق، على ساحة المعركة والمملكة بأكملها.
وانشقت السماء الملبدة بالدخان والغيوم عن دوامةٍ سوداء كبيرة ومرعبة، خرج منها ببطء رجلٌ طويل القامة، مهيب وجليل، يرتدي درعًا أسود مصقولًا كظلمة الليل السرمدي، وعيناه تتوهجان بلونٍ أحمر قانٍ كدماء الضحايا.
لم يتحرك جندي واحد، ولم يجرؤ أي فارس على رفع سلاحه أمام هذه الهيبة المظلمة.
ابتسم الرجل الغامض ابتسامةً باردة ومستخفة، ثم وجّه حدقتيه الحمراوين مباشرةً نحو يونس الجالي على ركبتيه، وقال بصوت عميق هز الأركان:
"إذن... استيقظت روح العنقاء أخيرًا في هذا الجسد."
ثم اختفى الرجل في الدوامة فورًا كما ظهر بلمح البصر.
وبقيت كلماته الصارخة تتردد في أرجاء ساحة المعركة المعتمة...
معلنةً للجميع بداية حربٍ حقيقية ومظلمة لم تبدأ أهوالها بعد.
ساد الصمت الشديد والموحش في ساحة المعركة المدمة بعد اختفاء ذلك الرجل الغامض والمرعب.
كانت الأنفاس متقطعة ومجهدة، والدخان الأسود لا يزال يتصاعد بكثافة من الأرض المحترقة، بينما وقف باقي الجنود والفرسان ينظرون إلى الأمير يونس في ذهول ورعب متداخلين، وكأنهم يرون شخصًا أسطوريًا آخر غير الأمير الهادئ الذي خرج معهم قبل ساعات قليلة.
تقدم القائد هارون بخطواتٍ سريعة ومضطربة حتى وصل إلى يونس الملقى، ثم أمسكه بيديه القويتين وسنده قبل أن يسقط وجهه أرضًا من الإعياء.
وقال القائد بنبرة قلقة وخائفة:
"يا سمو الأمير... هل تسمعني؟ أفق أرجوك!"
فتح يونس عينيه الذهبيتين بصعوبة بالغة، وكانت الرؤية أمامه مشوشة ومليئة بالنقاط السوداء.
قال بصوتٍ متعب، خافت وممتلئ بالألم:
"ما... ماذا حدث هنا؟ أين هم؟"
نظر هارون إلى بقايا الأجنحة النارية التي كانت تتلاشى تدريجيًا كالبخار خلف ظهره، ثم قال بصوت هزته العاطفة:
"لقد أنقذت العاصمة والمملكة بأكملها من دمار محقق يا سمو الأمير."
أدار يونس رأسه بصعوبة ومواجد.
شاهد آثار الدمار والخراب الهائل في كل شبر حوله.
الأرض مليئة بالحفر العملاقة والمحترقة، وألسنة اللهب الذهبي والأسود ما زالت مشتعلة في بعض أبراج القلعة، وعشرات الجنود الجرحى يصرخون ألمًا بينما يحملهم رفاقهم، وأخرون يجمعون جثث قتلى المعركة الشرسة.
ثم سأل يونس بصوتٍ خافت، يملؤه التوجس:
"من... من كان ذلك الرجل المرعب الذي انشقت له السماء؟"
ساد الصمت الحزين بين هارون والفرسان المحيطين.
ثم أجاب هارون بنبرة منخفضة ومثقلة:
"إنه... ملك الشياطين بنفسه."
اتسعت عينا يونس بدهشة رغم ألمه شديد:
"ملك... الشياطين؟"
أومأ هارون برأسه الحزين أسهل وقال:
"لم يظهر ملك الظلام بنفسه في أي معركة منذ مئات السنين والغزوات القديمة... واليوم خرج بنفسه من مخبئه المظلم بسبلك أنت فقط."
قطب يونس حاجبيه وقال بضعف:
"بسببي أنا؟ كيف هذا؟"
قال هارون وهو يتناول وينظر إلى المخطوطتين الجلدية اللتين سقطتا بجوار يونس أثناء وطيس القتال المباشر:
"لأن قوة العنقاء المقدسة التي تحدثت عنها النبوءة المنسية... استيقظت واشتعلت داخلك."
ظل يونس صامتًا تمامًا، غير قادر على الاستيعاب.
كان يحاول جاهدًا تذكر ما حدث له أثناء القتال.
لكنه لم يستطع تذكر سوى لحظة ألم واحدة شنيعة...
لحظة اشتعال النار الذهبية في عروقه.
ثم الظلام الدامس.
قال بصوتٍ يكاد لا يُسمع من التعب:
"صدقني يا هارون... لم أكن أنا من يتحكم بهذه القوة الغاشمة، بل هي من تحكمت بي..."
اقترب كبير الأمناء سادن، الذي وصل للتو إلى ساحة المعركة برفقة مجموعة من الحراس لحماية الوثائق، ثم انحنى بوقار والتقط المخطوطتين من الأرض الترابية، ونظر إليهما بتمعن طويل قبل أن يقول بنبرة محذرة:
"هذا هو السر المحرم الذي كانت تحذر منه أسطر النبوءة."
نظر الجميع من حوله إليه بانتظار التوضيح.
فقال سادن بجدية حازمة:
"العنقاء الأسطورية اختارت وريث دمها... لكنها لم تمنحه قوتها النارية كاملة ومترابطة."
سأل القائد باسل المتعب:
"وما معنى هذا التفسير يا سادن؟ أفصح!"
أغلق سادن المخطوطتين ببطء وحذر، ثم أجاب وعيناه تتأملان يونس المتألم:
"كلما ظهرت نار العنقاء واشتعلت في جسد صاحبها قبل أن يكتمل عهد الدم والميثاق... كلما استنزفت وعصرت جزءًا من حياته وعمره الباقي."
ساد صمت رهيب وقاتل بين الحضور.
نظر يونس إلى يديه الممدودتين.
كانت آثار الحروق الذهبية العميقة ما تزال تغطي كفيه وذراعيه بشكل يخوف.
قبض يونس على يديه ببطء وقوة رغم الألم المميت.
ثم قال بنبرة جادة وقاطعة:
"إذا كانت هذه القوة الشرسة، وهذا الثمن الغالي، هما السبيل الوحيد لحماية رعايا هذه المملكة وشعبها... فسأتحمل هذا الثمن بنفسي حتى النهاية."
ابتسم هارون ابتسامة خفيفة ومحبة، لكنها لم تخلُ إطلاقًا من القلق الشديد على مصير الأمير.
ثم رفع بصره ونظر نحو الأفق المظلم.
كانت هناك سحبٌ سوداء كثيفة ومرعبة تتجمع من جديد وتهب فوق الحدود الشرقية.
وقال هارون بصوتٍ منخفض يحمل نبرة استشهاد:
" المعركة الأولى المروعة انتهت..."
ثم أضاف وهو يحدق بعمق في الظلام البارز بعيدًا:
"لكن الحرب الحقيقية والمصيرية... قد بدأت للتو."
نهاية الفصل الثالث.
الفصل الرابع: عرش الرماد ونار الخيانة
بعد انتهاء تلك المعركة الأولى الدامية، وعودة بقية جيش نوفاريس المنهك إلى داخل أسوار العاصمة، عاد الأمير يونس إلى القصر الملكي الكبير وسط هالة ونظرات مختلفة ومتضاربة من جميع العيون التي رمقته؛ فقد أصبح اسمه وهويته مرتبطين كليًا بعودة نار العنقاء الأسطورية، تلك القوة التي ظلت لآلاف السنين مجرد حكاية منسية يرويها القصاصون.
فبينما كان بعض الجنود والمواطنين وعامة الشعب يهرعون لرؤيته ويعتبرونه المخلص ونبي النصر الذي أرسلته الأقدار لإنقاذ نوفاريس وسكانها من السقوط والاندثار المأساوي، كان فريق آخر من النبلاء والحراس ينظرون إليه بتوجس ملحوظ وخوف خفي، متسائلين بحذر عن حقيقة السحر والشرر الذي استيقظ فجأة داخل أحشائه، وهل ستكون هذه النار سببًا حقيقيًا لنجاة المملكة، أم أنها مجرد بداية لشؤم وخطر جديد ومظلم لا يمكن للبشر السيطرة عليه أو إيقاف اندلاعه.
جلس يونس في ساعات الليل وحيدًا في غرفته الشاسعة داخل القصر، متكئًا على فراشه وساكنًا يتأمل يديه اللتين لم تغادرهما آثار اللهب الذهبي الشاحب والحروق الغريبة التي أطبقت على جلده. كان يحاول مرارًا وتكرارًا استرجاع تلك اللحظة الحرجة التي فقد فيها الوعي والسيطرة على جسده وأفكاره عندما انبثقت أجنحة العنقاء من ظهره؛ فقد شعر وللمرة الأولى في حياته أن ثمة كيانًا أو قوة هائلة وقائمة بذاتها تتغذى في داخله، طاقة عاتية وجبارة لا يعلم أصلها ولا مدركًا لمدى حدودها المخيفة، وبدأ في أعماقه يخشى بصمت أن يأتي ذلك اليوم الشؤم الذي تغدو فيه هذه القوة أعتى منه وتستعبده، فتلتهم عقله وتحوله إلى أداة للدمار.
وفي منتصف تلك الليلة العاصفة، حدث أمر مفاجئ؛ حيث عاد المحارب القديم محمود إلى أروقة القصر الملكي بعد غياب طويل ومريب استمر لأشهر، وكان ظهوره خاطفًا ومباغتًا للغاية بالنسبة ليونس. فقد جاء محمود يحمل معه جفابًا وأسرارًا لم يكن يعلم عنها أحد شيئًا، واتجه مباشرة إلى غرفة يونس المظلمة ليخبره بأن عائلته وسلالته لم تكن أبدًا ببعيدة عن حقيقة العنقاء وعهدها كما كان يظن طوال سنوات صباه، وأن والده الراحل قبل اختفائه الغامض والمريب قد ترك له رسالة قديمة مخبأة تحت بلاط القلعة، حفر فيها تحذيرًا حادًا ومستعجلًا يقول:
"يا بني... إذا عادت نار العنقاء واشتعلت في عروقك... فلا تثق مطلقًا بكل من يقف بجانبك في السراء والضراء."
توقف يونس طويلاً عند تفاصيل وكلمات هذه الرسالة الأخيرة، وأخذت أفكاره تتضارب وتعيد ترتيب المشهد؛ إذ بدأ يدرك تدريجيًا أن الصراع الدائر لم يكن مجرد ميدان حرب ونزاع بين جيش من البشر وجيش من الشياطين والمستذئبين على أطراف الحدود، بل إن هناك أسرارًا أحلك وخيانات متجذرة تنمو كالأعشاب السامة داخل أروقة المملكة وأسوار القصر الملكي نفسه، وأن ثمة أطرافًا نافذة كانت تترقب وتنتظر بعيون طماعة لحظة انبعاث نار العنقاء من جديد منذ أزمنة بعيدة.
وفي صبيحة اليوم التالي، عقد الملك اجتماعًا طارئًا ومغلقًا مع القائد هارون وأمين المكتبة سادن وكبار قادة الجيش الملكي داخل قاعة الحرب لمناقشة مصير المملكة والتحديات القادمة. وهناك، وأمام الجميع، كشف سادن بجرأة عن حقيقة خطيرة؛ مبيّنًا أن سقوط السلسلة السحرية الأولى لم يكن حادثًا عابرًا أو مجرد هجوم عسكري منظم، بل كان إشارة وتنبيهًا شؤمًا على أن الحاجز القديم المحرم الذي كان يفصل عالم البشر عن عالم الظلام قد بدأ بالتداعي والتفكر، وأن السلاسل المتبقية ستتهاوى وتفقد قوتها واحدة تلو الأخرى إذا لم يجدوا وسيلة قديمة لإعادة شحذها وإيقاف هذا الانهيار.
وبينما كان الاجتماع محتدمًا والآراء تتضارب حول التصرف الأمثل، وقع حدث مروع لم يكن بحسبان أحد؛ إذ تسلل شخص مجهول ومتلثم، وحاول اغتيال الملك بشكل غادر ومباشر وسط حراسه، مستخدمًا خنجرًا مسمومًا وقيمًا نُقشت عليه طلاسم وشعارات شيطانية ترتبط بجيوش الظلام. لكن يونس، وبفضل رُدوده السريعة، حدس الخطر وتدخل بفدائية في اللحظة الأخيرة، دافعًا الملك بعيدًا ومتلقيًا جرحًا سطحيًا بدلاً عنه. وقبل أن يتمكن الحراس والفرسان من تطويق القاتل والإمساك به حيًا، استخدم آليات غريبة واختفى كالطيف داخل الممرات المظلمة للقصر، تاركًا خلفه على الأرض حجرًا أسود حُفرت عليه علامة غامضة ومريبة لم يستطع أحد من قادة الحرس فهم معناها أو فك رموزها.
وعلى أثر هذه الحادثة الخاطفة، خيم الرعب على نوفاريس، وبدأ الناس والحراس يتهامسون برعب عن وجود قاتل مأجور وغامض يتحرك كالظل داخل أروقة القلعة، أطلقوا عليه اسم "شبح الليل"؛ شخص ملثم لا يعرف أحد وجهه أو هويته، يلاحق ويستهدف بدم بارد كل من يملك معلومة أو طرف خيط يتعلق بأسرار العنقاء أو مدونات النبوءة القديمة. والأخطر والأشد رعبًا من ذلك كله، أنه كان يتحرك بدقة وأسلوب يشي بأنه يعرف أسرارًا وتفاصيل دقيقة عن تاريخ عائلة يونس وسلالته أكثر مما يعرفه يونس عن نفسه.
وأمام هذا التهديد المباشر والداخلي، عاد يونس برفقة سادن مجددًا إلى القاع المظلم لمكتبة الملوك بحثًا عن أي أمل أو إجابة؛ وهناك، وبعد بحث مضنٍ بين الكتب المغبرة والجدران الحجرية، اكتشفا بالصدفة تجويفًا حجريًا يحوي مخطوطات سحرية مخفية لم تظهر لأي عين من قبل. كشفت هذه المخطوطات أن تاريخ مملكة نوفاريس يتضمن حقائق وأسرارًا أصعب وأبشع مما تخيله الجميع؛ حيث علم يونس للوهلة الأولى أن العنقاء الأسطورية لم تختفِ وتنقرض مجرد انقراض طبيعي بعد انتهاء المعارك القديمة، بل سقطت وغدر بها بفضل خيانة بشعة اقترفها أحد حماة العهد المقربين، وأن أحد أجداده الملوك كان طرفًا مباشرًا ومشاركًا في سر اختفاء ومصرع آخر عنقاء شهدها العالم.
وخلال تلك الأيام العصيبة التي سبقت الرحلة، تولى سادن تدريب يونس بشكل سرّي على كيفية التحكم بنار العنقاء والتأمل في تدفقها؛ واكتشف يونس خلال هذه الجلسات الشاقة أن القوة القابعة في دماغه ليست مجرد نار عادية تحرق ما تلمسه، بل هي طاقة قديمة حية ذات درجات ومراحل متطورة؛ تبدأ أولاً بـ "لهب العنقاء" الساطع، ثم تتطور إلى "درع الرماد" الصلب الذي يحمي الجسد من الضربات والسحر، تليها قدرات تحكم وتجسيد أعتى لم تظهر لديه بعد. غير أنه أدرك أيضًا، ومن خلال تجربة كادت تودي بحياته، أن أي اندفاع أو استخدام خاطئ وغير متزن لهذه الطاقة قد يؤدي فورًا إلى فقدان العقل واحتراق الجسد، مما يجعله خطرًا داهمًا ومميتًا على أصدقائه وحلفائه قبل أعدائه.
وفي المقابل، وعلى الجانب الآخر من العالم المظلم، وتحديدًا داخل قلعة الظلام الشاهقة المبنية من العظام والحجارة البركانية، ظهر ملك الشياطين مجددًا بمهابة ورعب أمام قادته وجيوشه الجمعاء. وأعلن بصوت أهتزت له القلعة أن غايته الحقيقية النهائية من هذه الحرب لم تكن لمجرد غزو أراضي نوفاريس وقتل بشرها، بل كان يهدف للوصول إلى أثر سحري أسطوري اختفى واندثر منذ آلاف السنين، أثر أزلي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بجوهر قوة العنقاء الأولى. وقال لقادته بابتسامة خبيثة إن ظهور وريث الدم الشاب يونس واشتعال ناره يعنيان أن الساعة قد حانت أخيرًا لاستعادة القوة المطلقة التي سُلبت منه منذ العصور الغابرة.
وبعد تقصٍّ مكثف ومضنٍ في نصوص المخطوطات القديمة التي عثر عليها سادن، كُشف النقاب عن وجود ذلك الأثر الأسطوري القديم المسمى بـ "رماد العنقاء الأول"؛ وهو أثر مقاطس يُقال إنه يحفظ في جوهره جزءًا حيًا من ذاكرة وروح آخر عنقاء عاشت على الأرض، ويملك القدرة على كشف الحقيقة الكاملة المحرمة عن خفايا الحرب القديمة والعهد الأول. ولذا، اتخذ يونس قرارًا حاسمًا لا رجعة عنه بالخروج فورًا في رحلة استكشافية خطيرة للبحث عن هذا الأثر وجلبه قبل أن تقع عليه أيدي ملك الشياطين وقواته.
انطلق يونس في رحلته المصيرية يرافقه القائد الصلب هارون، والمحارب الخبير محمود، وأمين المكتبة سادن، بالإضافة إلى نخبة من أفضل فرسان نوفاريس البواسل. وسافروا عبر دروب مجهولة ووعرة لم تطأها قدم بشر منذ قرون طويلة، متوجهين نحو المقصد الأول: "جبال التنهدات"، تلك السلسلة الجبلية الموحشة التي يلفها ضباب دائم لا تكسره أشعة الشمس.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!