وضع القراءة:

الفصل الرابع:

ابتسم أحد الكهنة وقال:
"هذه النار لا تحرق إلا من امتلأ قلبه بالخيانة."
نظر مالك إلى يده ثم ابتسم في ارتياح.
تابعوا السير حتى وصلوا إلى منصةٍ مرتفعة، تعلوها قبةٌ زجاجية ضخمة.
وفي منتصفها...
استقرت ريشةٌ واحدة.
كانت أكبر من ذراع الإنسان، يغطيها ريشٌ أسود تتخلله خيوطٌ ذهبية، وكلما لامسها الضوء انعكس منها بريقٌ أحمر يشبه وهج الغروب.
شعر يونس بقشعريرةٍ تسري في جسده.
وقال بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
"هل هذه...؟"
أجاب آسر:
"ريشة العنقاء الأولى."
ساد الصمت.
اقترب أحد الكهنة وقال:
"وفقًا لكتب التاريخ، سقطت هذه الريشة يوم ظهرت العنقاء الأولى لمؤسس المملكة، ومنها صُنعت راية نوفاريس، وخُتم بها أول ميثاقٍ ملكي."
ظل يونس ينظر إليها، وكأنه يشعر بنداءٍ خفي ينبعث منها.
ثم واصلوا السير عبر ممرٍ طويل، اصطفت على جانبيه تماثيل جميع ملوك نوفاريس، وتحت كل تمثال لوحةٌ حجرية تحكي أعظم إنجازاته.
توقف يونس أمام تمثال الملك الأول.
كان يرفع سيفًا نحو السماء، وتقف فوق كتفه عنقاء باسطة جناحيها.
قال آسر:
"هذا هو الملك أوريان... مؤسس نوفاريس."
وأشار إلى التماثيل التالية.
"وهؤلاء هم الملوك الذين وحدوا الأعراق، وبنوا العاصمة، وشيدوا القلاع، وهزموا جيوش الظلام، حتى وصلت المملكة إلى ما هي عليه اليوم."
كان يونس يقرأ أسماءهم واحدًا تلو الآخر، وقد شعر لأول مرة بأنه أصبح جزءًا من تاريخٍ عريق يمتد عبر القرون.
وفجأة...
تقدم رجلٌ مسن يرتدي عباءةً بيضاء مطرزة بخيوطٍ ذهبية، يتدلى من عنقه رمز العنقاء.
كان شعره ناصع البياض، ولحيته طويلة، أما عيناه فكانتا هادئتين على نحوٍ يبعث الطمأنينة.
انحنى له جميع الكهنة.
وقال آسر:
"يا سمو الأمير... أقدم إليك كبير كهنة معبد العنقاء... الكاهن الأعظم سيرافيون."
اقترب سيرافيون، ثم انحنى احترامًا.
وقال بصوتٍ وقور:
"مرحبًا بعودتك إلى نوفاريس، يا وريث العهد."
رد يونس بانحناءةٍ خفيفة.
ثم قال:
"يشرفني لقاؤك."
ابتسم الكاهن.
"لقد انتظرك هذا المعبد سبعة عشر عامًا."
نظر يونس إليه بدهشة.
لكن الكاهن لم يزد شيئًا.
بل أشار إلى الشعلة الأبدية.
وقال:
"اقترب."
تقدم يونس حتى وقف أمامها.
أما الكهنة...
فاصطفوا في دائرةٍ واسعة، وأحنوا رؤوسهم.
رفع سيرافيون يديه نحو السماء.
وقال بصوتٍ عميق:
"يا عنقاء النور... يا شاهدة العهد... احفظي هذه المملكة، وألهمي قائدها الحكمة، وثبتي قلوب جنودها، وأعد أبناءها سالمين من الحرب القادمة."
ردد الكهنة الدعاء بصوتٍ واحد، حتى امتلأ المعبد بأصداء كلماتهم.
أغلق يونس عينيه دون أن يشعر.
وفي تلك اللحظة...
شعر بطاقةٍ دافئة تسري في جسده من رأسه حتى قدميه.
ثم خُيل إليه لثانيةٍ واحدة أنه سمع خفقة جناحين هائلين فوقه.
فتح عينيه بسرعة.
ونظر إلى الشعلة.
فرأى ألسنة اللهب ترتفع فجأةً، لتتشكل للحظة في هيئة عنقاءٍ من نور، قبل أن تعود كما كانت.
نظر إليه الكاهن سيرافيون، وابتسم ابتسامةً خفيفة، لكنه لم يعلق بكلمة.
أما يونس...
فبقي واقفًا أمام الشعلة، وقلبه يخبره أن رحلته في نوفاريس لم تبدأ بعد، وأن شيئًا أعظم ينتظره في الأيام القادمة.
ساحة البوابات السحرية
خرج يونس ومالك ومعاذ وآسر من معبد العنقاء المقدسة، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، فتلألأت أبراج العاصمة بألوان الذهب والنحاس، وانعكست أشعتها على القباب البلورية والأنهار التي تشق المدينة.
سار الأربعة عبر شارع ملكي واسع، تحيط به تماثيل ملوك نوفاريس، حتى وصلوا إلى ساحة ضخمة تحيط بها أسوار دائرية شاهقة، تعلوها أبراج يخرج من قممها ضوء أزرق يمتد نحو السماء كالأعمدة.
توقف يونس وقال:
"ما هذا المكان؟"
ابتسم آسر وقال:
"هذه ساحة البوابات الملكية... ومنها ترتبط جميع مقاطعات نوفاريس ببعضها."
فتح الحراس البوابة الحديدية العملاقة، وما إن دخلوا حتى وقف يونس مبهورًا.
كانت الساحة هائلة المساحة، تتوسطها دائرة رخامية عملاقة نُقشت عليها خريطة الإمبراطورية بالكامل، بينما انتصبت حولها عشرات البوابات السحرية في شكل دائرة منتظمة.بلغ ارتفاع كل بوابة أكثر من ثلاثين مترًا، وصُنعت من حجر أسود لامع، نُقشت عليه رموز سحرية قديمة تتوهج باستمرار، أما داخل كل بوابة فكانت دوامة من الضوء تدور ببطء، ولكل واحدة لون مختلف.
قال معاذ:
"كأنها أبواب تؤدي إلى عوالم أخرى."
ابتسم آسر وقال:
"بل تؤدي إلى كل بقعة في نوفاريس."
اقتربوا من أول بوابة.
كان الضوء داخلها أخضر زمرديًا، وفوقها لوحة حجرية كُتب عليها:
بوابة الغابات الفضية.في تلك اللحظة وصلت قافلة كبيرة محملة بالأخشاب والأعشاب الطبية، يقودها بشر وإلف معًا.
وقف الحراس يفحصون التصاريح، ثم لمس أحدهم بلورة زرقاء بجوار البوابة.
اشتعلت الرموز المنقوشة عليها.
وما هي إلا لحظة...
حتى اختفت القافلة بأكملها داخل الضوء.
شهق مالك.
"اختفوا!"
ضحك آسر.
"بل وصلوا إلى الغابات الفضية."
ثم ساروا نحو بوابة ثانية.كانت دوامة الضوء بداخلها حمراء كالحمم.
قال آسر:
"هذه بوابة جبال العنقاء."
ورأوا فرسانًا يحملون صناديق من خامات الحديد النادرة يدخلونها، لتختفي القافلة في لحظة.
ثم أشار إلى بوابة ثالثة.
كان نورها أزرق كالبحر.
"هذه تؤدي إلى بحر الحوريات."
كانت تمر عبرها سفن صغيرة مصممة خصيصًا للانتقال بين الموانئ.
ثم أشار إلى بوابة رابعة.
كان لونها أصفر ذهبيًا.
"بوابة صحراء الجماجم."
ومن خلالها تعبر قوافل الجمال العملاقة المحملة بالتوابل والأحجار الكريمة.
ثم إلى بوابة فضية.
"بوابة وادي العمالقة."
ورأى يونس عربات ضخمة لا يستطيع البشر جرها، لكنها تتحرك بقوة العمالقة.
ظل يونس يتأمل المشهد.
كل دقيقة كانت عشرات القوافل تدخل، وعشرات أخرى تخرج، حتى بدت البوابات وكأنها القلب النابض للإمبراطورية.
قال يونس:
"كم تستغرق الرحلة عبرها؟"
أجاب آسر:
"ثوانٍ فقط... مهما كانت المسافة."
اتسعت عينا يونس.
"إذن يستطيع جيشنا الوصول إلى أي مقاطعة بسرعة."
ابتسم آسر.
"ولهذا تُعد البوابات أهم منشأة في المملكة بعد القصر الملكي."
ثم ساروا حتى وصلوا إلى لوحة حجرية سوداء ضخمة، نُقشت عليها قوانين استخدام البوابات.
بدأ يونس يقرأ بصوت مرتفع:
"لا تُفتح أي بوابة إلا بإذن من التاج الملكي أو مجلس المملكة."
"يُمنع انتقال الجيوش عبر البوابات إلا أثناء الحروب أو بأمر مباشر من الملك."
"تُفتش جميع القوافل والبضائع قبل العبور."
"يُمنع استخدام السحر داخل البوابات أثناء الانتقال."
"يُسجل اسم كل مسافر ووجهته قبل العبور."
"كل من يحاول العبث بالبوابات أو استخدامها دون تصريح يُحكم عليه بالسجن المؤبد."
قال مالك:
"واضح أن المملكة تحرسها أكثر مما تحرس القصر."
أجاب آسر:
"لأن سقوط البوابات يعني انهيار الإمبراطورية كلها."
ثم قادهم إلى آخر الساحة.
وهناك...
توقفت خطوات يونس.
وقف أمامهم صف كامل من البوابات العملاقة، لكنها كانت مختلفة عن غيرها.
لم يكن بداخلها أي ضوء.كانت مغلقة بسلاسل سوداء سميكة، نُقشت عليها أختام ملكية قديمة، ووقف أمامها عشرات من فرسان العنقاء، يمنعون أي شخص من الاقتراب.
نظر يونس إليها باستغراب.
"لماذا هذه البوابات مغلقة؟"
خفض آسر صوته وقال:
"لأنها تؤدي إلى أماكن محظورة."
اقترب يونس خطوة.
"مثل ماذا؟"
أشار آسر إلى أول بوابة.
"هذه تقود إلى أرض الظلال... حيث دارت أول حرب ضد جيوش الظلام."
ثم أشار إلى الثانية."وهذه تؤدي إلى السجون السحيقة... حيث يُحتجز أخطر الخونة والسحرة الملعونين."
ثم رفع يده نحو أكبر بوابة في نهاية الصف.
كانت أضخم البوابات جميعًا، سوداء بالكامل، يتوسطها رمز قديم لم يعرفه يونس.
قال معاذ بصوت منخفض:
"وهذه؟"
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قال آسر:
"لا يعلم أحد إلى أين تقود."
نظر إليه يونس باستغراب.
أكمل آسر:
"لم تُفتح هذه البوابة منذ أكثر من أربعمائة عام، وحتى سجلات المملكة لا تذكر ما يوجد خلفها."
شعر يونس بقشعريرة تسري في جسده وهو ينظر إليها.
كان هناك شيء غامض يجذب انتباهه إليها، وكأنها تخفي سرًا قديمًا ينتظر من يكشفه.
لكن آسر وضع يده على كتفه وقال:
"لقد اقترب المساء... بقيت لك محطة أخيرة قبل أن تعود إلى القصر."
ألقى يونس نظرة أخيرة على البوابات السحرية، ثم استدار مع رفاقه، بينما بقيت البوابة السوداء صامتة خلفهم، كأنها تخفي مستقبلًا لم يحن موعد كشفه بعد.
غادر يونس ومالك ومعاذ وآسر ساحة البوابات السحرية، بينما كانت الشمس تختفي خلف جبال العنقاء، وأضاءت آلاف المصابيح البلورية شوارع العاصمة، حتى بدت المدينة وكأنها سماء امتلأت بالنجوم.
عادوا عبر الجسر الملكي العظيم المؤدي إلى القصر، وكانت أبراجه السوداء تلمع تحت ضوء القمر، بينما اصطف الحرس الملكي على جانبي الطريق.
وما إن دخل يونس قاعة العرش...
حتى وجد جميع أفراد العائلة الملكية مجتمعين.
ساد الصمت.
ثم أعلن كبير المراسم بصوتٍ جهوري:
"يدخل الآن... وريث عرش نوفاريس... الأمير يونس."
تقدّم يونس بخطوات ثابتة.
وكانت عشرات العيون تراقبه.
بعضها مليء بالترحيب…بعده نهضت فتاة في منتصف العشرينات.
كانت ترتدي عباءة زرقاء مطرزة بخيوط فضية، وشعرها الفضي الطويل ينسدل حتى خصرها، بينما كانت عيناها بلون الزمرد.
تقدمت بابتسامة هادئة.
وقالت:
"مرحبًا بك يا ابن خالي."
ابتسم يونس.
"تشرفت بمعرفتك."
قال آسر:
"الأميرة لورينا... مستشارة العائلة الملكية، وتُعرف بين الجميع بلقب الأميرة الحكيمة."
قالت لورينا:"لقد سمعت عن قراراتك اليوم."
نظر إليها يونس.
فابتسمت.
"أعجبني أنك فكرت في حماية المدنيين قبل الحرب."
شكرها يونس بابتسامة.وفجأة...
ارتفع صوت عصا خشبية تضرب الأرض.
دخل رجل تجاوز الستين.
يرتدي عباءة حمراء فاخرة، وعلى أصابعه عشرات الخواتم الذهبية.
كانت عيناه تمتلئان بالطمع.
قال آسر بصوتٍ منخفض:
"اللورد فالير... عمك."
نظر فالير إلى يونس.
ثم قال بابتسامة مصطنعة:
"من الرائع أن يعود وريث العرش."
توقف لحظة.ثم أكمل:
"رغم أن المملكة كانت مستقرة طوال سبعة عشر عامًا."
فهم يونس المقصود من كلماته.
لكنه اكتفى بالابتسام.
وقال:
"أتمنى أن تبقى مستقرة لسنواتٍ طويلة."
اختفت الابتسامة عن وجه فالير للحظة.
ثم جلس في مكانه.بعدها...
فُتحت أبواب جانبية ببطء.
ودخلت امرأة مسنة، لكنها كانت تسير بثباتٍ وهيبة.
شعرها أبيض بالكامل، تتكئ على عصا من خشبٍ أسود، بينما ترتدي تاجًا فضيًا بسيطًا.
وقف جميع أفراد العائلة احترامًا لها.
حتى الملكة الأم إليزار.
همس آسر:
"الجدة الملكية... الملكة أوريليا."
تقدمت حتى وقفت أمام يونس.
ثم وضعت يدها على كتفه.
وظلت تنظر إلى عينيه لثوانٍ طويلة.ثم ابتسمت.
وقالت:
"لقد عاد أخيرًا... نفس النظر... ونفس القلب."
لم يفهم يونس قصدها.
لكن كلماتها بثت داخله شعورًا غريبًا بالطمأنينة.ثم اقترب أبناء العم.
صافحه بعضهم بحرارة.
وقال أحدهم:
"أخيرًا أصبح لدينا أمير في مثل عمرنا."
وقال آخر ضاحكًا:
"سنريك أسرار القصر لاحقًا."
بينما اكتفى اثنان منهم بالنظر إليه ثم انصرفا دون كلمة.
لاحظ يونس ذلك.
لكنه لم يعلق.وبينما كانت الأحاديث مستمرة...
اقترب فالير ببطء من الأمير كاسيان.
وتحدث معه بصوتٍ منخفض، بعيدًا عن الجميع.
قال فالير:
"إذا استمر هذا الفتى في كسب ولاء الجيش والشعب..."
نظر كاسيان إلى يونس من بعيد.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.