الفصل الثالث :
خرج يونس وآسر ومالك ومعاذ من ساحة العدالة، بينما كانت العنقاء ما تزال رابضة فوق البرج الأعظم للقصر الملكي، تراقب العاصمة بصمتٍ مهيب.
سلك الأربعة شارعًا عريضًا مرصوفًا بالرخام الأبيض، وعلى جانبيه أشجار فضية تتدلى منها مصابيح بلورية مضيئة، حتى بدأت أصوات الباعة تعلو شيئًا فشيئًا، واختلطت برائحة الخبز الطازج والتوابل والحديد الساخن.
ابتسم آسر وقال:
"أهلاً بكم... في السوق الأعظم."
وما إن تجاوزوا البوابة الحجرية الضخمة، حتى اتسعت عينا يونس من جديد.
لم يكن سوقًا واحدًا...
بل مدينةً كاملة داخل العاصمة.
شوارعٌ طويلة تمتد في جميع الاتجاهات، تتوسطها نافورات رخامية، بينما ارتفعت فوقها مئات الرايات الملونة التي تحمل شعارات المقاطعات والأعراق المختلفة.كانت آلاف المتاجر مصطفة في صفوفٍ متناسقة، يفصل بينها ممرات واسعة تعج بالمواطنين والقوافل القادمة من أنحاء الإمبراطورية.
قال مالك وهو يدور حول نفسه:
"هذا السوق وحده... أكبر من مدينتنا كلها!"
ابتسم آسر وقال:
"لأن كل عِرقٍ في نوفاريس يملك سوقه الخاص."
وأشار إلى الجهة الغربية.
"هناك... سوق البشر."
نظر يونس فرأى عشرات الشوارع المزدحمة بالحدادين والنجارين والخبازين وباعة الأقمشة والعطور، وكانت العربات الخشبية تمر بين المتاجر محملةً بالبضائع القادمة من المقاطعات.
وفي الجهة الشمالية ارتفعت أبنية بيضاء رشيقة تلتف حولها الأشجار المزهرة.دارت العنقاء فوق العاصمة دورةً واسعة، كأنها تتفقد المدينة بأكملها.
ثم أطلقت صرخةً ثانية، كانت أعظم من الأولى، فتردد صداها بين الجبال المحيطة بالعاصمة.
بعدها...
بدأت تهبط ببطء.
راقبها يونس وهي تخترق طبقات الهواء بثبات، حتى اتجهت نحو القصر الملكي القابع فوق الهضبة الشاهقة.
وما إن اقتربت من البرج الأعظم...
حتى فردت جناحيها بالكامل.
ثم حطت فوق قمته في مشهدٍ مهيب، وأطبقت مخالبها على الحجارة السوداء، بينما انطوت أجنحتها ببطء، وأخذت عيناها الحمراوان تجولان فوق العاصمة كلها.
في تلك اللحظة…قال آسر:
"وسوق الإلف."
دخلوا إليه.
كان هادئًا على عكس بقية الأسواق.
تدلت أغصان الأشجار فوق الممرات، بينما بُنيت المتاجر من الخشب الأبيض والزجاج البلوري.
وقف الإلف يعرضون أقواسًا طويلة منحوتة بدقة، وعباءات حريرية تتغير ألوانها مع ضوء الشمس، وعطورًا استُخرجت من أزهار لا تنبت إلا في الغابات الفضية.
قال معاذ بإعجاب:
"حتى الهواء هنا مختلف."
ضحك أحد الإلف وهو يسمعه، ثم انحنى ليونس احترامًا.توقف كل شيء.
أغلق التجار متاجرهم.
أنزل الجنود رماحهم.
وتوقف الفرسان عن السير.
ثم...
انحنى الجميع احترامًا.
انحنى المواطنون.
وانحنى الحراس.
وانحنى القادة الذين كانوا يعبرون الساحة.
حتى الأطفال وقفوا في صمتٍ مهيب.نصله أسود لامعًا، وحافته زرقاء كأنها قطعة من السماء.
قال يونس:
"ما هذا المعدن؟"
أجاب القزم بفخر:
"حديد النجوم... لا يُستخرج إلا من جبال العنقاء."
قال مالك وهو يلمس درعًا فضيًا:
"أريد واحدًا من هذه."
فضحك القزم وقال:
"حين تصبح فارسًا حقيقيًا... سأصنعه لك."
ابتسم مالك في خجل.
ثم واصلوا السير حتى بلغوا بناءً دائريًا تحيط به بلورات مضيئة.
قال آسر:
"أكشاك السحرة."
كانت المتاجر تمتلئ بالكتب القديمة، والعصي السحرية، والبلورات الملونة، والزجاجات الصغيرة التي تدور داخلها سوائل مضيئة.
وقف ساحرٌ عجوز يحرك يده فوق كتابٍ مفتوح.فانطلقت من صفحاته طيورٌ زرقاء من الضوء، راحت تطير فوق رؤوس الأطفال قبل أن تعود إلى الكتاب مرةً أخرى.
قال يونس مبتسمًا:
"حتى الكتب هنا... حية."
ثم قادهم آسر إلى آخر أجزاء السوق.
وهناك...
توقف الثلاثة في دهشة.كانت أقفاص وحدائق واسعة تضم عشرات المخلوقات الغريبة.
قال آسر:
"سوق الوحوش الأليفة."
رأى يونس ذئابًا بيضاء بعيونٍ زرقاء، وثعالب فضية ذات ذيلين، وقططًا سوداء لها أجنحة صغيرة، وسلاحف عملاقة تحمل حدائق مصغرة فوق أصدافها، وعصافير كريستالية تشع بألوان قوس المطر، وغزلانًا بيضاء تتلألأ قرونها كالبلور.
أما أكثر ما لفت انتباهه…فكان تنينًا صغيرًا لا يتجاوز حجم كلبٍ كبير، يخرج من أنفه خيوطًا رفيعة من الدخان كلما تثاءب.
قال مالك وهو يبتعد خطوة إلى الخلف:
"لا تقل لي إن هذا أليف!"
ضحك البائع وقال:
"إذا أطعمته جيدًا... نعم."
ضحك يونس ومعاذ في الوقت نفسه.
وأثناء سيرهم لاحظ يونس أن الباعة لا يستخدمون عملةً واحدة.
أخرج أحد التجار عملاتٍ ذهبية تحمل شعار العنقاء.
وأخرج آخر عملاتٍ فضية نُقش عليها هلال.
بينما كان أحد الأقزام يدفع بقطعٍ معدنية سوداء ثقيلة.
سأل يونس:لماذا تختلف العملات؟"
أجاب آسر:
"العملة الذهبية هي العملة الملكية داخل نوفاريس، أما الأعراق الحليفة فتحتفظ بعملاتها الخاصة في تجارتها، ولهذا توجد دورٌ للصرافة في أنحاء السوق لتحويل العملات بين التجار."
وبينما كانوا يعبرون الساحة الرئيسية، رأى يونس بشرًا وإلفًا وأقزامًا وهوبيتًا وجنومًا يقفون جنبًا إلى جنب، يتبادلون البضائع ويعقدون الصفقات دون نزاع.
تأمل المشهد طويلًا.ثم قال بصوتٍ هادئ:
"لم أكن أظن أن هذا العدد من الأعراق يمكنه أن يعيش معًا."
ابتسم آسر وقال:
"قد تختلف لغاتهم وعاداتهم... لكنهم جميعًا يعرفون أن ازدهار نوفاريس لم يُبنَ بالسيف وحده."
أومأ يونس وهو ينظر إلى السوق الممتد حتى الأفق.وقال:
"بل بعمل كل من يعيش فيها."
واصل الأربعة السير بين أزقة السوق الأعظم، بينما كانت أصوات الحدادين، ورائحة الخبز، وضحكات الأطفال، وألوان البضائع، تمنح العاصمة حياةً نابضة تستحق أن تُدافع عنها.
غادر يونس ومالك ومعاذ وآسر السوق الأعظم، وساروا عبر شارعٍ عريض تحيط به الرايات السوداء التي تحمل شعار العنقاء، حتى بدأت أصواتٌ قوية تتردد في الأرجاء.
هاااااااه!
اضرب!
تقدّم!
ثم دوّى صوت مئات السيوف وهي تتصادم في وقتٍ واحد.
نظر يونس إلى آسر وقال:
"ما هذا؟"
ابتسم آسر وقال:
"وصلنا إلى قلب قوة نوفاريس... الثكنات الملكية."
أشار آسر إلى أول ساحة.
"هؤلاء... الرماة."
وقف مئات الرماة في صفوفٍ منتظمة، وكلهم يشدون أوتار أقواسهم في اللحظة نفسها.
صرخ قائدهم:
"أطلقوا!"
انطلقت آلاف السهام دفعةً واحدة، فغطت السماء للحظات، قبل أن تهبط جميعها في مركز الأهداف الخشبية.
قال معاذ بإعجاب:
"كأنها أمطار."
ثم اتجهوا إلى ساحة أخرى.
كان الفرسان يمتطون خيولًا سوداء ضخمة، يندفعون بسرعات هائلة بين الحواجز، بينما يخفضون رماحهم لإصابة أهداف متحركة.
قال آسر:
"سلاح الفرسان... أول من يصطدم بالعدو."
وفي اللحظة نفسها قفز أحد الفرسان بحصانه فوق حاجزٍ حجري، ثم أسقط ثلاثة أهداف برمحه قبل أن يهبط على الأرض بثبات.
صفق مالك بحماس.ثم أشار إلى مجموعةٍ ترتدي عباءاتٍ خضراء.
"الكشافة."
كانوا يتسلقون الجدران، ويختفون بين الأشجار، ثم يظهرون فجأة خلف أهدافهم دون أن يشعر بهم أحد.
قال آسر:
"لا أحد يعرف الطرق السرية للمملكة أكثر منهم."
ابتسم آسر.
"لا... العنقاء لا يركبها أحد، فهي أقدس من أن تُستعبد. هؤلاء يركبون الأسود المجنحة، أما فرسان العنقاء فهو لقبٌ يمنح لأعظم محاربي المملكة."
أدرك أنهم لم يكونوا مجرد جنود...
بل رجالًا وهبوا أعمارهم لحماية نوفاريس.
فقال بصوتٍ ثابت:
"أعدكم... أنني لن أرسل أحدًا منكم إلى معركةٍ إلا إذا كانت تستحق أن نقاتل من أجلها."
ساد الصمت للحظة.
ثم رفع الجنود سيوفهم في الهواء دفعةً واحدة.
وهتفوا بصوتٍ واحد اهتزت له الثكنات:
"عاشت نوفاريس!"
أكاديمية السحرة
غادر الأربعة الثكنات، واتجهوا نحو أعلى أحياء العاصمة.
وبعد دقائق...
ظهرت أمامهم أكاديميةٌ شامخة، بُنيت من الرخام الأبيض والبلور الأزرق، تعلوها سبعة أبراجٍ حلزونية، يدور حول قممها ضوءٌ أزرق كأنه نجوم صغيرة.
تقدّم يونس ببطء.
وقال:
"هذه... أجمل من القصر."
ابتسم آسر.
"هذه أكاديمية السحر الملكية."
دخلوا من بوابةٍ ضخمة نُقشت عليها رموزٌ سحرية، وما إن اجتازوها حتى انفتحت أمامهم ساحات واسعة، امتلأت بمئات الطلاب.كان بعضهم يطلق كراتٍ من النار نحو أهدافٍ حجرية.
وبعضهم يصنع أعمدةً من الماء.
وآخرون يحركون الصخور دون أن يلمسوها.
وقف يونس يراقبهم بإعجاب.وفي إحدى الساحات وقف عشرات الطلاب في دائرة.
رفع أحد الأساتذة عصاه وقال:
"ليبدأ الاختبار."
اقترب طالبٌ شاب.
أغلق عينيه.
فارتفعت خمس كراتٍ حجرية في الهواء.
ثم جعلها تدور بسرعةٍ حوله دون أن تسقط.
صفق الأستاذ.
وقال:نجحت"
دخلوا بعدها إلى مكتبة السحر.
كانت قاعةً هائلة تمتد أرففها حتى السقف، تضم آلاف الكتب والمخطوطات.
وكانت بعض الكتب تطير وحدها بين الرفوف، بينما تتحرك السلالم تلقائيًا لتصل إلى الرفوف العالية.
قال معاذ وهو ينظر حوله:
"لو دخلت هنا... فلن أخرج أبدًا."
ثم دخلوا قاعة البلورات.
كانت مئات البلورات المضيئة تطفو في الهواء.
كل واحدةٍ بلونٍ مختلف.
قال آسر:
"كل بلورة تخزن قدرًا هائلًا من الطاقة السحرية."
بعدها دخلوا قاعة العناصر.
في أحد الأركان اشتعلت أعمدة النار.
وفي الآخر تدفقت المياه في الهواء دون أوعية.
وعلى الجانب المقابل ارتفعت الصخور من الأرض.
بينما دارت الرياح في دواماتٍ صغيرة.
قال آسر:
"يدرس السحرة هنا سحر النار، والماء، والهواء، والأرض، والضوء، والظلال، والبرق، والجليد، والنبات، والشفاء، والحواجز، والاستدعاء، والوهم."
ظل يونس يتأمل القاعة بإعجاب.وفي نهاية الجولة...
وصلوا إلى ساحةٍ دائرية تحيط بها المدرجات.
وقف فيها أستاذان من كبار السحرة.
رفع الأول عصاه.
فانطلقت تنانين من اللهب.
ورد الآخر بحاجزٍ من البلور.
ثم تحولت الأرض بينهما إلى غابةٍ من الجليد.
وبحركةٍ واحدة من يده...
اختفت كل التعاويذ، وعادت الساحة كما كانت.
ساد التصفيق بين الطلاب.
أما يونس...
فنظر إلى آسر وقال بهدوء:
"الآن أدركت أن قوة نوفاريس ليست في جيشها وحده..."
ثم نظر إلى الأكاديمية الممتدة أمامه.
"...بل في العلم الذي يصنع تلك القوة.
غادر يونس ومالك ومعاذ وآسر أكاديمية السحرة، بينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، فتلونت سماء نوفاريس بدرجاتٍ من البرتقالي والذهبي، وانعكست أشعتها على الأبراج الرخامية للعاصمة.
سار الأربعة عبر طريقٍ مرصوفٍ بالحجر الأبيض، تحيط به أشجار شاهقة تتدلى من أغصانها فوانيس بلورية تشع نورًا دافئًا. ومع كل خطوة، بدأت أصوات المدينة تخفت شيئًا فشيئًا، حتى حل محلها صمتٌ مهيب لا يقطعه إلا خرير المياه القادمة من نوافيرٍ حجرية قديمة.
توقف آسر، ثم رفع يده مشيرًا إلى الأمام.
قال بصوتٍ خافت، كأن المكان نفسه يفرض عليه الهدوء:
"وصلنا... إلى أقدس بقعةٍ في نوفاريس."
رفع يونس رأسه.
فاتسعت عيناه.
كان أمامه معبدٌ أسطوري، يختلف عن أي بناء رآه منذ دخوله المملكة.
ارتفعت واجهته مئات الأمتار، وشُيدت من حجرٍ أبيض ناصع تتخلله عروقٌ ذهبية تلمع كلما لامستها أشعة الشمس. وقفت أمامه أربعة وعشرون عمودًا هائلًا، نُقشت عليها مشاهدٌ تحكي تاريخ ملوك نوفاريس، بينما زُينت قممها بتماثيل لعناقين باسطةٍ أجنحتها نحو السماء.أما القبة العظيمة...
فكانت مصنوعة من بلورٍ شفاف، تتراقص داخله خيوطٌ من نورٍ ذهبي، حتى بدا وكأن شمسًا صغيرة تستقر فوق المعبد.
امتدت أمام المدخل ساحةٌ واسعة من الرخام الأسود، تتوسطها بحيرة دائرية صافية، تطفو على سطحها زهورٌ بيضاء تتوهج بضوءٍ خافت.
قال معاذ وهو يهمس:
"هذا المكان... يجعل الإنسان يخفض صوته دون أن يشعر."
ابتسم آسر.
"لأن كل من يدخل هنا... يشعر بهيبة العنقاء."
صعدوا الدرجات الرخامية الطويلة.
وعند البوابة العملاقة، انحنى الكهنة الواقفون على الجانبين احترامًا، ثم فُتحت الأبواب ببطء، مصدرةً صوتًا عميقًا تردد صداه داخل المعبد.
دخل يونس.وفور أن وطأت قدماه الأرض...
شعر بدفءٍ غريب يسري في جسده.
رفع بصره.
فوجد القاعة الرئيسية تمتد أمامه بطولٍ هائل، وسقفها شاهقٌ حتى كاد يختفي في الظلام، بينما كانت أشعة الشمس تتسلل عبر نوافذ زجاجية ملونة، فترسم على الأرض أشكالًا لعناقين وألسنة لهب ذهبية.
وفي قلب القاعة...
اشتعلت شعلةٌ عظيمة داخل موقدٍ حجري أسود.
لم تكن نارًا عادية.
كان لونها ذهبيًا مائلًا إلى الأزرق، ترتفع في هدوء دون أن يصدر عنها دخان، ولا يبدو أنها تستهلك وقودًا.
وقف يونس أمامها طويلًا.
ثم قال:
"منذ متى وهي مشتعلة؟"
أجاب آسر باحترام:
"يسمونها الشعلة الأبدية... ويقال إنها لم تنطفئ منذ تأسيس مملكة نوفاريس قبل أكثر من ألف عام."
اقترب مالك بحذر.
ومد يده نحو اللهب.
لكنه تراجع بدهشة.
"لا أشعر بحرارة!"
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!