وضع القراءة:

البداية:

الفصل الأول: سمفونية النخاع الممزق
​في منتصف الليل، جفّ حلقه حتى شعر وكأن الهواء نفسه يخدشه. فتح عينيه بصعوبة، ثم نهض من فراشه متثاقلًا. تسلل بين أركان المنزل الغارق في الصمت والهدوء المفاجئ، وكانت برودة البلاط تتسلل إلى قدميه مع كل خطوة.
​أزاح باب المطبخ برفق، ومدّ يده نحو الكوب، فانساب الماء داخله بهدوء. ارتشف منه ببطء وتنفس بارتياح... وفجأة، تجمد في مكانه، وعقد حاجبيه؛ شعر بأن أحدًا يراقبه. التفت ببطء، فخفق قلبه بعنف وحبس أنفاسه. سرت قشعريرة في جسده، لم يكن هناك أحد... أو هكذا ظن!
​كان يقف أمامه، بينهما بضع خطوات فقط. ملامحه هي ملامح "يونس" بدقة، نفس تفاصيل وجهه... لكن عينيه غارقتان في سواد تام وكأنهما بئر بلا قاع. امتلأ المكان برائحة تشبه الحديد الصدئ والمسك العتيق. تحرك القرين بصوت خطوات خفيفة ومكتومة تشبه تمامًا وتيرة خطواته. أصبح ضوء المطبخ شاحبًا، لسقط كوب الماء من يد يونس وتنكسر، فتجمدت الدماء في عروقه وشعر ببرودة تسري من أطراف أصابعه حتى تغلغلت في عمق صدره.
​انقض عليه الرعب بقبضة حديدية باردة، وغرق المطبخ في بحر من الدماء التي تلطخت بها كل زاوية، من الرخام وحتى النوافذ. وقبل أن يستوعب الصدمة، غرز القرين في جسده حقنة غامضة، ليتلاشى العالم من حوله ويسقط غائبًا عن الوعي.
​استيقظ ليجد نفسه مثبّتًا على كرسي معدني وسط مسرح مظلم، بينما يحمل المكان هواءً باردًا برائحة احتراق، وجدرانًا متشققة وسقفًا منخفضًا. كان يقف أمامه "عازف" يرتدي قناعًا؛ لم يكن قناعًا عاديًا، بل كان وجهًا مسلوبًا عُجن بالبشاعة، قطعة من جلد بشري متهتك جُمعت أجزاؤها بخيوط جراحية غليظة وداكنة وكأنها عقارب تزحف على ملامحه. كانت الحواف مشرذمة ومتهدلة، تتدلى منها ألياف الأنسجة الميتة الجافة التي تحول لونها إلى رمادي كالح يميل للصفرة. أما فتحات العينين فكانت واسعة بشكل غير متناسق وممزقة الأطراف، تظهر من خلفها نظرات حية وباردة. كان القناع يفوح برائحة الحديد والتعفن، وكلما تحرك مرتاديه، انكمش الجلد الميت وتفسخ أكثر، مصدرًا صريرًا خافتا يثير الغثيان.
​بدلًا من أن يستخدم العازف آلات موسيقية، استعمل أدوات جراحية صدئة وبدأ في شق ظهر يونس، وانتزع أوتاره العصبية وعظامه وهي تتحرك، ليعزف بها لحنًا يصدر أصوات صراخ آدمي. لم يمت يونس، بل ظل واعيًا تمامًا، يسمع ويرى جسده وهو يُفكك ويتحول إلى آلة موسيقية تقطر دمًا وسط تصفيق جمهور غير مرئي في الظلام.
​لم يتردد العازف... اقترب حتى التقت عيناه الزجاجيتان الميتتان بعيني يونس المرعوبتين. أنفاسه الحارة العفنة المحملة برائحة الموت ضربت وجهه. ببرود سادي، رفع العازف منشارًا جراحيًا مسننًا متسخًا ببقايا لحم مفروم، وضغطه بقوة عند أعلى عظمة القص أسفل حنجرته.
​بدأ النصل يشق الصدر لأسفل... سُمع صوت تمزق الجلد وتفتت اللحم، متبوعًا بصوت قضم قبيح لأسنان المنشار وهي تطحن عظام القفص الصدري. تدفقت الدماء الساخنة كالشلال، متفجرة على وجه العازف الذي بدا منتشيًا. حاول يونس الصراخ، لكن الدماء القانية اندفعت بغزارة في حنجرته، ليتحول صراخه إلى غرغرة مكتومة ومؤلمة.
​بأصابع غليظة ملوثة، أمسك العازف ضلوع يونس المكسورة وجذبها إلى الخارج بقوة هائلة، فسمع دويّ تكسر العظام، لتنكشف الأحشاء الداخلية غارقة في بركة من السوائل القاتمة. مدّ العازف يده العارية داخل التجويف الصدري، وغرس أظافره في الشرايين التاجية، ثم قبض على القلب النابض بعنف وانتزعه بقسوة، ممزقًا الأوردة التي راحت تقذف الدماء في الهواء كالنوافير.
​رفع العازف القلب الغاضب والمليء بالثقوب أمام عيني يونس مباشرة... كان ينبض بتشنج هستيري، ويقطر دمًا لزجًا أسود على شفتيه المرتجفتين، بينما كان وعي يونس يتلاشى وهو يرى محرك حياته يُعصر أمام عينيه...
​وفجأة...!
​شهق يونس بعنف، وانتفض جالسًا فوق فراشه كأن يدًا خفية انتزعته من قلب الكابوس. كانت أنفاسه تتلاحق بصورة مؤلمة، وصدره يعلو ويبطئ بسرعة، بينما التصق قميصه بجسده من شدة العرق.
​رفع يده المرتجفة إلى صدره يتحسسه بجنون... لا أثر للجرح، ولا للمنشار، ولا للقلب الذي رآه يُنتزع أمام عينيه.
​ابتلع ريقه بصوبة، وأغمض عينيه للحظة محاولًا استعادة أنفاسه، لكن صورة العازف لم تفارق ذهنه، وتفاصيل وجهه ما تزال حاضرة وكأنه لم يكن حلمًا.
​التفت يونس ببطء إلى أنحاء غرفته؛ ساد الصمت، ولم يكن يسمع سوى دقات قلبه التي ترتطم بأضلعه كأنها تريد الفرار من صدره. مرر كفه على وجهه، ثم أطلق زفرة طويلة محاولًا إقناع نفسه بأنه مجرد كابوس... لكن شيئًا عميقًا في داخله كان يرفض تصديق ذلك.
​نهض مترنحًا واستند إلى الحائط، ثم اتجه ناحية الحمام. أثناء غسل وجهه اندفعت المياه الباردة لتصدم بجلده، تشبث بحافة المغسلة، ورفع رأسه ببطء نحو المرآة. حدق في انعكاسه طويلًا، وغسل وجهه مرة تلو أخرى بينما أصابعه ترتجف وتتناثر قطرات الماء على الأرض.
​سار ناحية غرفته، بدّل ملابس نومه بزيه المدرسي، ثم سرّح شعره على عجل أمام المرآة محاولًا السيطرة على خصلاته السوداء المبعثرة، وحمل حقيبته فوق كتفه. خرج متجهًا إلى المدرسة وقلبه مثقل بشعورٍ مريب لم يستطع تفسيره.
​شق طريقه ناحية بوابة المدرسة وانعكس ضوء الشمس على عينيه البنيتين. ضجّت ساحة المدرسة بأصوات الطلاب وتعالت الضحكات من كل جانب، بينما كان يونس يبحث بعينيه بين الوجوه المألوفة... حتى لمح "مالك" يلوح له من بعيد، وإلى جواره "معاذ" يقف مستندًا إلى سور الفناء.
​تقدم يونس نحوهما بخطوات ثابتة. وقف مالك ونظراته مليئة بالاستغراب، دقق في وجه يونس الشاحب ثم قال بتساؤل:
​«ماذا حدث لك يا يونس ليجعل وجهك بهذه الحالة؟ هل أنت مريض؟»
​رد يونس بأسى:
​«لقد رأيت كابوسًا مرعبًا لأقصى درجة... أنا لست مريضًا، إنني متعب نفسيًا من كوابيسي التي تلاحقني باستمرار، ومن معاملة أهلي وشجار أبي وأمي الدائم.»
​سخر منه مالك قائلًا:
​«إنك تُكبّر المواضيع دائما يا يونس!»
​قال يونس بحنق:
​«إنه ليس مجرد حلم! أتمنى أن تشعر بنفس إحساسي يا مالك وأن تحلم بنفس كابوسي... تباً لك.»
​احمرّ وجه مالك وبلع ريقه بصعوبة ثم قال:
​«أعتذر منك يا يونس، أنا آسف، لم أقصد مضايقتك... هل تسامحني؟»
​تنهد يونس وقال:
​«مسامحك، أنت ومعاذ إخوتي. هل تريدان أن أحكي لكما حلمي؟ أنتما تعشقان قصص الرعب والأشياء الغريبة.»
​رد معاذ بحماس:
​«هيا، احكِ لنا!»
​حكى لهما يونس ما حدث، وعن العازف الذي شق صدره وأخرج قلبه، وعن القرين الذي ظهر وأعطاه حقنة أفقده بها الوعي.
​استمع معاذ بصمت ثم قال:
​«إنه لحلم غريب جدًا ومفزع في آن واحد! كيف لك أن ترى قلبك يغادر جسدك على هذا النحو، وكيف تفقد وعيك داخل الحلم؟»
​ابتسم مالك ثم قال داعبًا:
​«لقد كان كابوسًا مفزعًا، تمنيت فيه لو كنت في موضعك لأضم قريني!»
​نظر إليه يونس بدهشة:
​«كنت تريد أن تضم قرينك؟! يا مالك، أنت شخص غريب الأطوار وذكي في الوقت نفسه... هيا غير الموضوع، فقد بدأت معدتي تؤلمني.»
​رن جرس المدرسة، فصعد الثلاثة إلى الفصل، وجلس يونس وصديقاه في مقاعدهم المفتضلة. دخل المدرس ووقف الطلاب لتأدية التحية. لم يستطع يونس التركيز في الشرح، وشرد بنظره نحو النافذة، فنادى المدرس باسمه ليوقظه من شروده. اعتذر يونس، بينما كان بعض طلاب الفصل ينظرون إليه باستغراب ودهشة من خوفه الزائد، وآخرون يتهامسون ويضحكون.
​انتهى اليوم الدراسي ورن الجرس الأخير. غادر الطلاب جميعًا، وسار يونس مع مالك ومعاذ حتى وصلوا إلى مفترق الطرق وودعاه.
​كان يونس يمشي في الشارع يراقب الأطفال يلعبون، والشمس تبدأ بلملمة أشيائها نحو الغروب، حتى وصل إلى باب منزله. فتح الباب وخلع حذاءه، ليصله صوت أبيه وهو يعلو بالصراخ. أدرك أن هناك شجارًا نشب كالعادة. اتجه ناحية الصالة ليرى والده "محمود" يصرخ، بينما تحاول أمه "خديجة" تهدئته، وشقيقاه -الصغير والكبير- واقفان في صمت.
​تجمد يونس في مكانه، وما إن خطا إلى داخل الصالة حتى دوّى صوت أبيه في أرجاء المنزل:
​«ألم أقل لكِ أن تتركي أغراضي كما هي؟!»
​وقفت خديجة في مكانها وقد تشابكت أصابعها من شدة التوتر، وقالت بصوت خافت:
​«لم ألمس شيئًا... أقسم لك.»
​زفر محمود بعنف وألقى المفتاح فوق الطاولة حتى ارتطم بها بقوة:
​«كل مرة تقولين الشيء نفسه!»
​ساد الصمت لثوانٍ ولم يجرؤ أحد على الكلام. خفض الأخ الأصغر رأسه، بينما بقي الأخ الأكبر واقفًا كأنه اعتاد هذا المشهد. أما يونس، فوقف عند مدخل الصالة يراقب كل شيء بصمت، وقد شعر بانقباض صدؤه المألوف.
​اشتعل غضب محمود أكثر وضرب بقبضته فوق الطاولة حتى ارتجفت الأكواب:
​«كل يوم المشكلة نفسها! لا راحة في هذا البيت!»
​خفضت خديجة رأسها والدموع تلمع في عينيها، لكنها تماسكت وقالت بصوت متقطع:
​«يكفي... الأولاد يسمعوننا.»
​نظر إليها بازدراء وصاح:
​«دائمًا تجعلينهم عذرًا لكل شيء!»
​ساد الصمت للحظة، ثم وقعت عينا خديجة على يونس الواقف عند الباب. لمعت في عينيها نظرة امتزج فيها الإرهاق بالحزن، وقالت دون أن تشعر بما تفعله:
​«لماذا تقف هكذا؟ اذهب إلى غرفتك... لا تزيد الأمر سوءًا.»
​تجمد يونس في مكانه؛ كانت تلك أول مرة يسمع أمه تخاطبه بذلك البرود. فتح فمه ليقول شيئًا لكنه تراجع، وأنزل رأسه في صمت وهو يشعر بأن كلماتها كانت أشد وقعًا عليه من الصراخ نفسه.
​أغمضت خديجة عينها لثوانٍ وكأنها أدركت أنها جرحته، لكنها لم تجد القوة لتعذر، فقد كان الانهيار يلتهمه من الداخل، بينما ظل محمود يرمق الجميع بنظرات حادة.
​هرول يونس ناحية غرفته وأغلق الباب بإحكام. غامت عيناه وأطلق زفرة ثقيلة، ثم انفجرت الدموع من عينيه ممتزجة بشهقات مكتومة يبلعها كي لا تصدر صوتًا. همس لنفسه كالمجنون:
​«لماذا كل شيء سيئ في حياتي؟ إنني أعامل جميع أهلي جيدًا، وأبي... لماذا هو عديم المسؤولية ولا يحبني؟ يتنمر علي لأني آخذ مهدئات من كثرة كوابيسي، وأنا لا أريد النوم أصلًا من شدة الرعب... والآن أتمنى لو أنام لأحلم بلك الكوابيس! أنا العابر في ممرات العائلة؛ لا كبيرُ يُستشار رأيه، ولا صغيرٌ تُدلل خطواته... مجرد هامش بين صفحتين.»
​ثم ضحك ضحكة هستيرية وتمتم:
​«بالنسبة لي، لم يكن أبي مجرد رجل قوي، كان البطل الخارق الذي يستطيع حل أي مشكلة في العالم بكلمة واحدة... ما لي بساذج! هذه هي الجملة التي كنت أقولها دائمًا في طفولتي لمالك ومعاذ... ليت أبي يعود كما كان.»
​مرت بضع دقائق، فنهض من سريره وارتدى ملابس نومه، ثم استلقى ليروح في نوم عميق.
​كان يونس يدق باب جاره "صادق"، وهو رجل في الستينيات من عمره، حكيم وذو أخلاق نبيلة، تحول شعره الأبيض إلى رمادي خفيف.
​فتح صادق الباب واستقبله بابتسامة دافئة:
​«أهلاً بك يا بني، نورت وشرفت البيت.»
​ترك الباب مواربًا خلفه، فقال يونس ببرود:
​«كيف حالك يا عم صادق؟ اشتقت إليك كثيرًا، جئت لأتسامر معك قليلاً. اجلس أنت وسأقوم أنا بتحضير الشاي والبسكويت.»
​قال صادق بحنان:
​«اجلس أنت على الأريكة يا بني، البيت بيتك واعتبرني مثل والدك، سأحضر الشاي بنفسي.»
​لكن يونس أصرّ ورافقه إلى المطبخ. وعبّرما كانا يتحدثان عن الشوق والذكريات القديمة، التفت "صادق" ليصب الشاي معطيًا ظهره تمامًا ليونس...
​وفي لحظة واحدة، استلّ يونس سكينًا وطعن العم "صادق" في ظهره وغدر به وهو في قمة صفائه وطيبته!
​انفجرت دماء العجوز في الهواء لتترك على قميصه الفاتح بقعة قانية صبغت المكان بلون الجحيم. وفجأة، تلاشى الجسد الهامد تحت يديه، وبدأت الجدران تضيق وتتحول الغرفة إلى دهاليز ملتوية وممرات مظلمة لا نهاية لها.
​وجد يونس نفسه يركض مطاردًا بجسد مجهول الهوية؛ مسخ مرعب تتجسد فيه أفظع الكوابيس. كلما زادت رغبته في الهروب، زاد ثقل أطرافه كأنه يتحرك تحت الماء، وعجز لسانه عن النطق بكلمة واحدة ليظل صراخه مكتومًا، ودقات قلبه هي الصوت الوحيد الذي يملأ الفراغ.
​وقبل أن يبتلعه الظلام تمامًا، انشق وجه المسخ عن ابتسامة الجار العجوز وهو يقول بنبرة مرعبة:
​«استيقظ... أنا خلفك الآن!»
​ليفتح يونس عينيه برعب يكتم أنفاسه...
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.