وضع القراءة:

الفصل الأول:

الجزء الأول: العهد الجديد
​فتح يونس عينيه بصراخ مكتوم، وجسده يتصبب عرقاً، ليجد أصابعه تتجمد ذهولاً فوق بقعة الدم القانية على قميصه.
​حاول يونس التقاط أنفاسه اللاهثة، كانت الغرفة غارقة في سكون تام، لكنه كان سكونًا زائفًا وخانقًا. فجأة، شقَّ عتمة الفجر صراخٌ حاد ومتقطع قادم من الرواق بالخارج؛ صوت الجارة وهي تصرخ بهستيرية ملتاعة: «يا إلهي! عم صادق المحامي... لقد قُتل الرجل!».
​تجمدت الدماء في عروق يونس. وبحركة لا إرادية، سحب هاتفه بكفٍّ ترتجف كالمحموم، ليجد شاشة المجموعات المحلية للبناية تشتعل بالرسائل العاجلة: «الجريمة وقعت قبل ساعة تقريبًا... طعنات غادرة في الظهر وهو يصب الشاي في المطبخ».
​سقط الهاتف من يده ليرتطم بالأرض، ونظر ببطء ورعب إلى صدره؛ بقعة الدم على قميصه لم تكن دافئة فحسب، بل كانت تتطابق تمامًا مع الطريقة التي نُحر بها جاره في الكابوس... لقد قتله بالفعل قبل أن يستيقظ!
​بعد ساعات طوال من التحقيقات والضوضاء، غادرت قوات الشرطة مسرح الجريمة وأغلقت الشقة بالشريط الأصفر المحظور. ومع حلول الليل، تسلل يونس بخطوات مرتعشة وقلب ينبض رعباً إلى شقة جاره الراحل؛ مدفوعاً بفضول جحيمي يحرق صدره.
​دلف إلى عتمة المكان، وبدأ ينبش في أغراض العجوز بنهم وخوف. وبينما كان يفتش في أدراج مكتبته الخشبية القديمة، عثر على صندوق معدني صدئ. فتحه، لتتغير ملامحه تماماً وتضربه صدمة ألجمت أنفاسه: لم تكن هناك صور عائلية، بل شبكة من الأوراق المصفرة المرسوم عليها طقوس لعبة «تشارلي» الشهيرة، وبجوارها كتيب قديم يشرح تفاصيل استدعاء الكيان.
​وفي الصفحة الأخيرة، صُعق يونس وهو يقرأ نصاً مكتوباً بخط يد العجوز المرتجف: «اللعنة تطلب جسداً جديداً، والتحرر لن يتم إلا بقربان يُسكب دمه، لتنتقل الروح عبر الدم إلى البديل. لن ينتهي الجحيم، ولن يُغلق الباب إلا إذا لُعبت اللعبة مجدداً وقُدمت الضحايا للكيان».
​في تلك اللحظة، أدرك يونس الحقيقة الصادمة؛ لم يكن الجار العجوز ضحية بريئة، بل كان اللاعب القديم للعبة تشارلي والمستدعي الخبيث للكيان، وأن بقعة الدم على قميصه هي العهد الجديد. أدرك يونس بمرارة أنه لا مفر له من هذا الجحيم، وأنه مضطر ومجبر الآن على أن يلعب لعبة تشارلي بنفسه ليفك هذه اللعنة، حتى وإن كان الثمن جرّ أصدقائه معه إلى هذا المستنقع المرعب.
​أغلق يونس الباب خلفه، ولم يكن يغلق خَشباً، بل كان يغلق فصلاً من حياته كُتب بالدموع والنبذ، ليخرج إلى العالم كجثةٍ مؤجلة الدفن.
​الجزء الثاني: طقوس الاستدعاء
​كان الليل قد أرخى سدوله، والمنزل غارق في صمت خانق. انزوى يونس في أظلم زاوية من غرفته، وجسده ينتفض من أثر الانهيار العصبي. كفه المرتجفة سحبت الهاتف، وبأصابع متشنجة ضغط على زر الاتصال الجماعي بمالك ومعاذ.
​رن الهاتف، وجاء صوت مالك الممتزج بالنعاس:
— «يونس؟ هل أنت بخير؟»
​لم يجبه يونس، بل خرجت منه شهقة مكتومة ومؤلمة. هنا دخل معاذ الخط بقلق:
— «يونس! تحدث.. ما بك؟»
​بصوت متقطع ومكسور، قال يونس والدموع تنفجر من عينيه:
— «مالك.. معاذ.. أنا لست بخير. أتذكرون عندما ودعتكم بعد المدرسة؟ دخلت البيت.. وكان والدي محمود يصرخ كالعادة، وأمي خديجة وقفت مكسورة. وعندما رأوني، لم أجد منهم نظرة حنان واحدة. أمي نظرت إليّ ببرود وقالت لي أمام إخوتي: "اذهب إلى غرفتك.. لا تزيد الأمر سوءاً". شعرت أنني مجرد هامش لا قيمة له في هذه العائلة.. نمت وأنا أدعو الله ألا أستيقظ.»
​قال معاذ في محاولة لتهدئته:
— «يا يونس، هون على نفسك، فشجارات العائلات تحدث دائمًا..»
​قاطعه يونس بنبرة مرعوبة ومبحوحة:
— «لا! لقد استيقظت في كابوس واقعي. ذهبت لعم صادق.. الجار الذي كنت أعتبره بمثابة والدي الحقيقي ليعوضني عن قسوة محمود. دخلت لأستأنس به، كان يقف في المطبخ يصب الشاي وظهره إليّ.. وفجأة.. لا أعلم كيف، رأيت نفسي ممسكًا بسكين وأطعنه في ظهره! انفجرت دماؤه وغرقت الغرفة في الجحيم.»
​قال مالك بصدمة:
— «يونس.. ماذا تقول؟! هل أنت مستيقظ؟!»
​رد يونس بنواح وبكاء مرير:
— «استيقظت لأجد صراخ الجارة بالخارج: "لقد قُتل عم صادق طعنًا في الظهر!". ونظرت إلى صدري.. بقعة الدم الحقيقية والدافئة تتطابق تمامًا مع جريمتي! أنا قتلته! تسللت إلى شقته بعد أن غادرت الشرطة.. وعثرت على صندوق معدني صدئ فيه أوراق لعبة تشارلي. صادق لم يكن يحبني.. لقد استغلني لسنوات ليرمي عليّ اللعنة ويجعلني البديل.. والأوراق تقول إن الباب لن يُغلق إلا إذا لعبت اللعبة مجددًا.. وقدمت ضحايا.»
​ساد صمت ثقيل عبر الهاتف، تداخلت فيه أنفاسهم، قبل أن يهمس مالك برعب:
— «أنت مريض نفسياً يا يونس بسبب المهدئات.. نحن قادمون إليك الآن.»
​لم تمضِ سوى نصف ساعة حتى التقى مالك ومعاذ بيونس أمام شقة عم صادق المغلقة بالشريط الأصفر. كانت ملامح يونس شاحبة كالموتى. قطع يونس الشريط ببرود بائس، ودخلوا إلى الشقة الغارقة في عتمة خانقة ورائحة حديد صدئ. تمركزوا في وسط الصالة. أحضر يونس ورقة بيضاء ورسم عليها شبكة المربعات وكلمتي (نعم / لا)، ثم وضع قلمين رصاص فوق بعضهما في المنتصف.
​جلس الثلاثة في حلقة، يتوسطهم دمار نفسي. شبكوا أيديهم، ونطق يونس بصوت ميت:
— «تشارلي.. تشارلي.. هل أنت هنا؟»
​ساد سكون تام. لم يتحرك القلم.
​نظر معاذ إلى الورقة بنفاد صبر وقال بنبرة ممتزجة بالخوف والسخرية:
— «يونس.. القلم لم يتحرك. لا يوجد شيء. أنت واهم، بقعة الدم هذه ربما تلوثت بها عندما حاولت مساعدة عم صادق دون أن تشعر، أو أنك مريض وتتخيل!»
​قال يونس وهو يرتجف، وعيناه مثبتتان على القلم:
— «أقسم لكم أنني لا أتخيل.. الأوراق لا تكذب!»
​أعاد يونس المحاولة بصوت أعلى يملأه البكاء والحشرجة:
— «تشارلي.. أرجوك استجب.. هل أنت هنا؟»
​ظل القلم ساكناً تماماً لدقيقة كاملة. بدأ مالك ينظر إلى يونس بنظرة غريبة.. نظرة شفقة ممزوجة بالخوف التام من الحالة العقلية لصديقه. همس مالك:
— «يونس.. أنت تنهار. البيت، وقسوة والدك محمود، والمهدئات التي تتناولها جعلتك تفقد عقلك وتظن أنك قاتل. اللعبة مجرد خرافة، والقلم لن يتحرك. دعنا نخرج من هنا قبل أن تأتي الشرطة وتجدنا في مسرح الجريمة.»
​حاول مالك وسحب يده، وفي اللحظة التي تشتت فيها انتباههم، وتأكدوا أن اللعبة «لم تستجب» وأن كل شيء تافه.. هبت فجأة نسمة هواء باردة وثقيلة من المطبخ المغلق، وأصدر الخشب صريراً حاداً.
​وقبل أن يخطو مالك خطوة واحدة، تحرك القلم العلوي ببطء شديد، ببطء واقعي مرعب، لينحرف مليمترات قليلة ويثبت في المنتصف تماماً بين «نعم» و«لا».. كأن الكيان يرفض الإجابة، لكنه يعلن عن وجوده.
​تسمرت عيون الثلاثة، وانقطع نَفَس معاذ، بينما أدرك يونس بالحزن المطلق أن عقله ليس مريضاً، وأن الجحيم حقيقي، وأنه قد جرّ أصدقاءه معه إلى مستنقع لن يخرجوا منه أبداً.
​الجزء الثالث: سيد الثالوث والتضحية
​بعد أن انحرف القلم مليمترات قليلة وثبت في المنتصف، تلاشت تلك النسمة الباردة ليحل محلها سكونٌ أثقل من الجبال. انطفأ الضوء الشاحب المتسلل من الشارع تماماً، وكأن الظلام قد ابتلع النوافذ.
​من قلب هذا السواد، بدأ الضباب والظلال يتجمعون في زاوية الغرفة، ليتشكل منهم حضورٌ طاغٍ مهيب، جعل أنفاس مالك ومعاذ وتأوهات يونس تتجمد في صدورهم.
​أمامهم تماماً، تجسد «سيد الثالوث – زاروك»!
​كان وجوده صدمة للحواس؛ هجين نادر ومحرم جمع ثلاث سلالات متعادية. انبعثت منه حرارة خانقة للهب أسود يلتهم الهواء من حوله، بينما تحركت من تحته ظلالٌ وضبابٌ منسوجٌ من قوى الجن، وفي عينيه ولمعان أنيابه برزت وحشية مصاصي الدماء الهائلة.
​نظر إليهم زاروك، وارتج المكان بهيبته المرعبة. بصوت بدا وكأنه ينبعث من جدران الشقة ومن تحت الأرض في آن واحد، قال:
— «لقد أيقظتم العهد.. والعهد لا يُغلق إلا بثمن.»
​تملك الرعب من مالك ومعاذ، لكن غريزة البقاء البشرية والبارانويا التي بلغت ذروتها جعلتهما يدركان أن هذا الكيان جاء لامتصاص طاقاتهم وإنهاء حياتهم. في لحظة جنون وانتحارية، صرخ معاذ ممسكاً بقطعة حديدية من بقايا أثاث عم صادق المكسور، واندفع مالك معه محاولين الهجوم على زاروك في محاولة يائسة لقتله أو إيجاد ثغرة للهروب.
​لكن مواجهة زاروك كانت أشبه بمحاولة طعن الإعصار.
​بلمحة عين، وبفضل السرعة الخارقة وردود الفعل التي يستمدها من دماء مصاصي الدماء، وتفاديه اللحظي بقدرات الجن، كان زاروك يطيح بهما يميناً ويساراً دون أن يلمساه.
​وعندما تجرأ يونس واندفع نحو الكيان ممسكاً بالسكين الملوث بدم عم صادق، اتحدت قوى زاروك الثلاث. في تلك اللحظة المرعبة، تغيرت عيناه لتشع بثلاثة ألوان متوهجة: الأحمر الدموي، البنفسجي الساحر، والذهبي الحارق.
​إنها القدرة الأسطورية: «تاج الثالوث».
​توقف الزمن في الغرفة تماماً لثلاث ثوانٍ. تجمد يونس في الهواء والسكين على بُعد بوصات من وجه الكيان، وتجمدت صرخات مالك ومعاذ.
​عندما عاد الزمن للحركة، وجد الثلاثة أنفسهم ملقيين على الأرض، ينزفون، بينما بدأ زاروك يمتص طاقتهم وحياتهم ببطء. لكن الضغط الهائل لاستخدام القوة الكاملة لزاروك جعل قواه الثلاث (الشيطان، والجن، ومصاص الدماء) تبدأ في الصراع والاصطدام داخل جسده، مما جعله يتراجع خطوة إلى الوراء متألماً ومضطرباً، وهي فرصة يونس والرفاق الوحيدة.
​صرخ زاروك بغضب وهو يحاول السيطرة على جسده المنهار مؤقتاً:
— «الباب لن يُغلق.. إلا بقربان صادق.. إنسان غالٍ على قلوبكم، أو تأكلكم الظلال جميعاً!»
​التفت الأصدقاء الثلاثة إلى بعضهم البعض وسط برك الدماء والدموع الشديدة. المواجهة الواقعية انتهت، والآن جاء دور المأساة الإنسانية التي حذر منها يونس. لكي يخرجوا أحياء من هذه الشقة الملعونة، يجب أن يموت أحدهم كقربان لزاروك.
​استقرت الأعين على بعضها البعض وسط تلك العتمة التي يتصاعد فيها لهب زاروك الأسود. الصدمة هنا لم تكن في شروط الكيان، بل في الحقيقة البشرية العارية التي انكشفت في تلك اللحظة؛ فالإنسان الغالي على قلب كل منهم لم يكن غريباً، بل كان قطعة من روحه وددمه.
​صاح زاروك، وعيناه الثلاثية الألوان تلمعان كالجمر، وقواه تتصادم داخله بعنف يُحدث صريراً في جدران الغرفة:
— «الوقت ينفد.. قَدّموا القرابين، أو ألتهم أرواحكم الثلاثة معًا!»
​أمام هذا الموت المحتم، انبعثت مأساة بشرية ثلاثية الأبعاد:
​قربان يونس (الأخ الأكبر): يونس، الذي طالما اعتبر نفسه «هامشًا» في عائلته وطُرد من الصالة ببرود أمه وقسوة أبيه محمود، لم يجد في حياته إنسانًا يدفعه للأمام سوى أخيه الكبير. كان أخوه هو الجدار الوحيد الذي يستند إليه، والشخص الوحيد الذي كان يربت على كتفه في خفاء الليل ويخبره أنه ليس عبئًا. والآن، لكي ينجو يونس من زاروك، عليه أن يهمس باسم أخيه الكبير، ليكون هو الثمن البشري الذي يُسفك دمه لغلق الباب.
​قربان مالك (الجد الحكيم): أما مالك، الذي حاول إظهار التماسك، فقد انهار تمامًا وهو يتذكر جده. الجد الذي مرباه وبث فيه العزيمة، وكان يرى فيه مستقبله وأمله في الحياة. تذكر مالك كلماته الدافئة وجلساتهما؛ كيف له أن ينطق باسم الرجل العجوز الذي ينتظره في البيت ليقدمه كقمة سائغة لـ «سيد الثالوث»؟
​قربان معاذ (الخال السند): وفي الزاوية الأخرى، كان معاذ ينتحب بصوت مكتوم وهو يفكر في خاله. الخال الذي لم يكن مجرد قريب، بل كان بمثابة الأب البديل، والصديق الذي يلجأ إليه في كل معضلة، والسند الذي يحميه من غدر الأيام. نطق اسمه كان يعني اقتلاع جزء من قلب معاذ بدم بارد.
​بينما كان زاروك يترنح جراء صراع قواه الداخلية، أدرك الثلاثة أن الكيان إذا استعاد السيطرة على جسده، فسيقضي عليهم جميعًا في ثلاث ثوانٍ عبر قدرة «تاج الثالوث».
​امتزجت الدموع بالدماء والنواح، وبأصوات مبحوحة ومحطمة، وتحت وطأة غريزة البقاء والخوف القاتل، تعالت الهمسات في رعب الصالة:
نطق يونس باسم أخيه.. ونطق مالك باسم جده.. وصرخ معاذ باسم خاله..
​في تلك اللحظة، ارتسمت على وجوه الأصدقاء الثلاثة ملامح مسوخ بشرية؛ لقد نجوا بأجسادهم من زاروك، لكنهم ذبحوا أغلى ما يملكون في الحياة بألسنتهم. تراجع الضباب الأسود ببطء، واختفى زاروك تاركًا الشقة في صمت مطبق، بينما جلس الثلاثة على الأرض، لا ينظر أحدهم في عين الآخر، بعد أن أدركوا أنهم عاشوا.. ولكن كجثث بلا أرواح.
​الجزء الرابع: الفاجعة وانهيار العائلة
​خرج الثلاثة من شقة عم صادق يجرّون أقدامهم كجثثٍ مؤجلة، لم يكن الصمت الذي يلفّهم صمت خوفٍ من العتمة، بل كان ذهولاً مرعباً من حقيقةِ أنهم تركوا أرواحهم بالداخل، ولم يخرجوا إلا بأجسادٍ فارغة ونفوسٍ مكسورة.
​دلف يونس إلى المنزل بخطواتٍ يملؤها توجسٌ خانق، قاده قلبه المرتجف مباشرةً إلى غرفة أخيه الأكبر؛ دفع الباب ليجده ممدداً بجسدٍ بارد لا حراك فيه وبلا أي أثرٍ للحياة، وفي تلك اللحظة، انشقت حنجرته عن صرخةٍ هستيرية مدوية ونواحٍ مزق سكون البيت، قبل أن تتحول الفاجعة إلى واقعٍ مرير وهم يوارون التراب ويقيمون له صيوان العزاء.
​امتد صيوان العزاء في الشارع أمام بيت يونس، الكراسي خشبية سوداء، وصوت القارئ يتلو آيات القرآن الكريم بوقار، الصوت يبدو في أذن يونس كأنه يأتي من بئر عميق ومظلم.
​نظرات الجيران وهمسهم: الجيران والأقارب لا يبكون فقط، بل يتهامسون في خفوت عن الجثة التي لم يظهر عليها مرض ولا حادث. تسمع أصواتاً تقول: «مات فجأة في سريره.. وجهه كان شاحباً كأنه سُحب منه دمه.. عائلة محمود وراءها سر ملعون!».
​كان يقف يونس في الصف الأول لتلقي العزاء، يرتدي ملابس سوداء، وملامحه البريئة النقية تبدو هذه المرة باهتة ومكسورة تماماً، وعيناه مائلتان للأرض من صدمة فقدان أخيه السند. يقف بجانبه أصدقاؤه مالك ومعاذ يشدان من أزره، لكن عيونهم تترقب الأب «محمود» بحذر وخوف، بعد اللعنة التي بدأت تلاحقهم منذ شقة عم صادق.
​أما الأب «محمود» (الذي سيكتشف يونس لاحقاً أنه قرين وليس بشراً)، فقد كان يجلس في العزاء ببرود قاتل، عيناه جامدتان ولا تذرفان دمعة واحدة على ابنه البكر، كأنه جسد بلا روح، مما يزرع الشك والبارانويا في قلب يونس.
​ومن وراء الجدران كانت الأم «خديجة» تبكي وتصرخ، ليس صراخها مجرد حزن، بل هو صراخ امرأة تعاني من جحيم مستمر وضغط مرعب من هذا الأب. سمع يونس نحيب أمه المتواصل، ثم اختفى الصوت تماماً!
​دخل يونس بخطوات خفيفة داخل المنزل، رأى غرفة أمه خديجة مقفلة، وقف أمام باب الغرفة، ونادى عليها قائلاً:
— «أمي، هل أنت هنا؟»
​مرت بضع دقائق وهو ينادي عليها دون أن تستجيب. بدأ القلق والتوتر ينهكان قلبه، وبدون تردد، قام بكسر باب الغرفة ليرى أمامه جثة أمه معلقة في نجفة الغرفة بحبل، والكرسي ملقى على الأرض. من شدة الصدمة لم يتحمل يونس رؤية أمّه منتحرة، فاختل توازنه وفقد الوعي.
​الجزء الخامس: السرداب والسر المقبور
​فتح يونس عينيه بصعوبة، وشعر بثقلٍ غريب يجثم فوق صدره، كأن يومين كاملين قد مُحيا من ذاكرته. اعتدل في فراشه مذعورًا، وأخذ يحدق في أركان الغرفة باحثًا عن أي دليل يخبره أن كل ما رآه لم يكن سوى كابوس. لكن الواقع كان أقسى من الأحلام.
​جلس مالك ومعاذ إلى جواره، وقد بدت آثار الإرهاق والحزن واضحة على وجهيهما. لم يتبادل الثلاثة أي كلمة لثوانٍ طويلة، حتى كسر مالك الصمت بصوتٍ خافت:
— «لقد غبت عن الوعي يومين يا يونس...»
​ثم أطرق برأسه وأضاف:
— «كل شيء انتهى... ودُفنت والدتك.»
​شعر يونس بأن الكلمات ارتطمت بقلبه قبل أن تصل إلى أذنيه. حاول النهوض، لكن ساقيه خانتاه، فعاد جالسًا وهو يلهث، بينما كان الصمت يبتلع الغرفة من جديد.
​ولم يكن ذلك أكثر ما أرعبه... فقد أخبره معاذ أن محمود اختفى منذ تلك الليلة، ولم يعثر له أحد على أثر، وكأن الأرض ابتلعته بلا رجعة.
​اتجه يونس إلى غرفة شقيقه الأصغر أحمد. دفع الباب ببطء، فتسللت رائحة الألوان والورق القديم إلى أنفه. كان أحمد يجلس في زاوية الغرفة، ممسكًا بقلمٍ أسود، يرسم بلا توقف.
​انتشرت الأوراق على الأرض، وكلها تحمل القلاع نفسها، والظلال نفسها، والوجوه التي لا ملامح لها. لكن أكثر ما شد انتباه يونس كلمة واحدة، كُتبت عشرات المرات بخطوط مختلفة: نوفاريس.
​اقترب منه وهمس:
— «أحمد... ما معنى نوفاريس؟»
​توقف الطفل عن الرسم ببطء، ثم رفع رأسًا ذي عينين جامدتين على نحوٍ لم يعتده يونس. خرج من فمه صوت غريب، لا يشبه صوته:
— «محمود ليس هاهنا... لقد مات الحاكم في الأسفل... والعرش ينادي وريثه قبل أن يلتهمه الغزاة.»
​وقف يونس أمام أحمد لثوانٍ طويلة، غير قادر على إبعاد عينيه عن تلك الكلمة التي ملأت الأوراق. «نوفاريس...» رددها في نفسه أكثر من مرة، وكأن حروفها توقظ ذكرى لم يعشها قط.
​مد يده ليلتقط إحدى الرسومات، فانتزعها أحمد بعنف، ثم حدق في أخيه بنظرة باردة لم يرها في عيني طفل من قبل.
​قال يونس بصوتٍ مرتجف:
— «أحمد... من علمك هذه الكلمة؟»
​لم يجب الطفل. ظل يحدق في الفراغ، ثم خرج من فمه صوت خافت كأنه صادر عن شخص آخر:
— «لا تبحث عنه فوق الأرض...»
​ابتلع يونس ريقه واقترب أكثر:
— «عمَّ تتحدث؟»
​ابتسم أحمد ابتسامة صغيرة، ثم همس:
— «الحاكم مات... لكن العرش لا يبقى فارغًا.»
​ارتجف جسد يونس، وقبل أن يسأله سؤالًا آخر، سقط القلم من يد أحمد، وعادت ملامحه طبيعية، وكأنه لا يتذكر شيئًا مما قاله. نظر إليه باستغراب وقال:
— «لماذا تنظر إليَّ هكذا يا يونس؟»
​تراجع يونس خطوة إلى الخلف، وهو يشعر أن شيئًا ما يختبئ داخل هذا البيت، شيئًا أكبر من كل ما تخيله.
​في تلك الليلة، اجتمع مع مالك ومعاذ داخل غرفته. قال مالك وهو يخفض صوته:
— «لا بد أن والدك كان يخفي شيئًا هنا.»
​أومأ معاذ موافقًا:
— «لو كان هناك سر... فسيكون داخل هذا المنزل.»
​ساد الصمت بينهم، قبل أن ينهض يونس فجأة:
— «سنفتش البيت كله.»
​بدأ الثلاثة يقلبون الأدراج والخزائن القديمة، لكنهم لم يجدوا سوى أغراض عادية غطاها الغبار. حتى وصلوا إلى الممر المؤدي إلى غرفة الأب. كانت هناك سجادة قديمة لم يسبق أن اهتم بها أحد.
​أزاحها يونس بقدمه. توقف، ثم طرق الأرض بكفه. (دق... دق...) كان الصوت مختلفًا؛ أجوف.
​نظر الثلاثة إلى بعضهم في صمت. قال معاذ:
— «تحتها شيء.»
​راحوا يرفعون ألواح الخشب بصعوبة، حتى ظهر أمامهم باب حديدي صدئ، تتدلى منه سلسلة سميكة وقفل قديم كأنه لم يُفتح منذ سنوات طويلة. أمسك يونس بالمقبض، تردد للحظة، ثم جذب الباب بكل قوته.
​صدر صرير حاد مزق سكون المنزل، واندفعت من الأسفل رائحة باردة ممزوجة برطوبة عتيقة، كأن الهواء القادم من ذلك المكان لم يلامس سطح الأرض منذ زمن بعيد.
​أضاء مالك كشاف هاتفه، فظهر سلم حجري يهبط إلى ظلام لا نهاية له. نظر يونس إلى صديقيه وقال بصوت خافت:
— «أظن... أن كل الإجابات تنتظرنا هناك.»
​ونزل أول درجة، ثم الثانية.. وكان الظلام يبتلعهم مع كل خطوة يخطونها نحو الأسفل.
​الجزء السادس: المخطوطة والوارث
​كلما هبطوا درجة، ازداد الهواء برودة، حتى بدأت أنفاسهم تتحول إلى بخارٍ أبيض أمام وجوههم. لم يكن السرداب طويلًا، لكنه بدا وكأنه يمتد إلى مكانٍ لا ينتمي لهذا العالم. كانت الجدران الحجرية مغطاة بخدوشٍ ورموزٍ غريبة، بعضها يشبه الكتابة، وبعضها الآخر بدا كأنه آثار مخالب ضخمة حفرتها في الصخر.
​همس مالك وهو يسلط ضوء هاتفه على الجدار:
— «هل ترى هذه العلامات؟»
​اقترب يونس، ومرر أصابعه فوق أحد النقوش، فإذا به يشعر بوخزة حادة في أطراف أصابعه، فسحب يده سريعًا. قال معاذ بقلق:
— «لا تلمس شيئًا... هذا المكان ليس طبيعيًا.»
​واصلوا السير حتى انتهى السلم إلى غرفة واسعة ذات سقف منخفض. في منتصفها طاولة خشبية عتيقة، تراكم فوقها الغبار، وحول الطاولة خزائن متهالكة وصناديق حديدية صدئة ورفوف تحمل كتبًا جلدية سوداء أكل الزمن أطرافها.
​لكن شيئًا واحدًا جذب أنظارهم جميعًا: صورة كبيرة معلقة على الجدار... صورة محمود. لم يكن يبتسم، بل كان ينظر مباشرة إلى من يقف أمامه بعينين ثابتتين تثيران القشعريرة.
​اقترب يونس ببطء، ثم وقع بصره على ورقة موضوعة أسفل إطار الصورة. رفعها بيد مرتجفة، وأخذ يقرأ سطورها.. وفجأة، اتسعت عيناه، وارتجفت يده حتى كادت الورقة تسقط.
​أسرع مالك نحوه:
— «ماذا وجدت؟»
​لم يستطع يونس الإجابة، فناول الورقة إلى صديقيه بصمت. قرأ معاذ السطر الأول فتجمد في مكانه:
​شهادة وفاة > الاسم: محمود كريم إياد
تاريخ الوفاة: عام 2008م.
​ساد صمت ثقيل. قال مالك بصوتٍ يكاد لا يُسمع:
— «مستحيل...»
​تمتم يونس وهو ينظر إلى الفراغ:
— «هذا... هو العام الذي تزوج فيه أبي بأمي...»
​إذا كان محمود قد مات قبل زواجه، فمن هو الرجل الذي عاش معهم طوال تلك السنوات؟
​وقبل أن ينطق أحد بكلمة أخرى… تجمد الثلاثة في أماكنهم. كان الظلام كثيفًا، ثم عاد ضوء هاتف مالك يشتعل وحده، تلاه هاتف معاذ، أما هاتف يونس فقد ظل مطفأً.
​وجه مالك الضوء نحو مصدر صوت غريب، فلم يجد سوى ممر ضيق لم يكن موجودًا قبل لحظات. قال معاذ بصوت متردد:
— «أقسم... لم يكن هذا الممر هنا.»
​حدق يونس في الممر، ثم قبض على شهادة الوفاة بقوة حتى تجعدت بين أصابعه:
— «لن أرجع قبل أن أعرف الحقيقة.»
​تقدم أولًا، وتبعه مالك ومعاذ في صمت. كل خطوة كانت تُحدث صدى غريبًا، حتى انتهى بهم الممر إلى باب خشبي أسود، نُقش في وسطه رمز دائري تحيط به كلمات بلغة مجهولة. ما إن اقترب يونس حتى صدر صوت طقطقة خفيف، وانفتح الباب من تلقاء نفسه.
​كانت الغرفة الأصغر تحتوي على رفوف تعلوها مخطوطات قديمة، وفي المنتصف منضدة حجرية تعلوها مخطوطة واحدة فقط. اقترب يونس، وما إن لامست أصابعه غلاف المخطوطة حتى اهتزت الغرفة كلها، وتساقط الغبار من السقف، وانطفأت الأنوار مرة أخرى.
​ثم انفتح الكتاب وحده.. كانت صفحاته تتقلب وكأن يدًا خفية تبحث عن صفحة معينة، حتى توقفت عند صفحة يتوسطها عنوان كبير:
​«سجل ورثة نوفاريس»
​انعقد حاجبا يونس وهامسًا:
— «نوفاريس…»
​وفي أسفل الصفحة، وجد اسمًا واحدًا مكتوبًا بحبر أسود لم يجف رغم مرور السنين: يونس محمود كريم.
​اتسعت عيناه وتراجع خطوة إلى الخلف. قال مالك مذهولًا:
— «اسمك... كيف يكون اسمك هنا؟»
​وقبل أن يجيب، ظهرت جملة جديدة على الورقة كأن الحبر يُكتب في التو واللحظة:
«إذا كنت تقرأ هذه الكلمات... فقد سقط آخر حاكم، ولم يبقَ سوى وريثه.»
​ساد الصمت، ثم جاء صوتٌ عميق من آخر الغرفة:
— «مرحبًا بك... يا وريث نوفاريس.»
​ومن خلف البوابة انطلقت أصوات آلاف الأشخاص يرددون بصوتٍ واحد:
— «عاد... وريث العرش!»
​الجزء السابع: السلاسل السبع والقرين
​تراجع مالك خطوة إلى الخلف وهو يحدق في البوابة الحجرية، قال بصوت مرتجف:
— «هل... سمعتما ما سمعته؟»
​كانت النقوش المحفورة على الباب تتوهج بضوء قرمزي خافت. امتدت شقوق رفيعة وتسرب منها ضباب أسود. ثم دوى صوت عميق خرج من خلف البوابة:
— «من يحمل دم نوفاريس... فليتقدم وحده.»
​نظر يونس إلى مالك ومعاذ. هز معاذ رأسه سريعًا: «لا تقترب»، وقال مالك وهو يمسك بذراعه: «لا نعرف ما ينتظرنا خلف هذا الباب».
​لكن كلمات المخطوطة تتردد في ذهن يونس. تقدم خطوة واحدة، وفي اللحظة التي لامست فيها قدمه الدائرة الحجرية، اهتز السرداب بأكمله، وارتفعت سلاسل حديدية ضخمة والتفت حول الباب. انطلقت شرارة سوداء من خاتم أسود وجده داخل صندوق الطاولة، واتجهت نحو إحدى السلاسل.. (طَق!) انكسرت أول سلسلة.
​ساد صمت مرعب، ثم انطلقت الأصوات:
— «اكسر السلسلة الأولى... لتبدأ الرحلة.»
​بدأت البوابة تصدر زفيرًا عميقًا، وظهر في منتصفها شق خرجت منه يد شاحبة تمسك لفافة جلدية قديمة، ثم عادت اليد وأُغلق الشق. فض يونس ختم اللفافة ليجد جملة:
«لا يدخل نوفاريس إلا من أثبت أنه يستحق العرش.»
​تحركت الحروف لتتحول إلى خريطة لسبعة أماكن بررموز مختلفة: عين، تاج، سيف، قمر، مرآة، بوابة، وسلسلة مكسورة. وفي أسفلها: «اكسر السلاسل السبع... واجمع أختام الملوك... وعندها فقط ستفتح أبواب نوفاريس.»
​وفجأة.. سمعوا صوت خطوات بطيئة قادمة من عمق السرداب، لتبدأ عشرات العيون الحمراء بالتوهج في الظلام. تقدمت ظلال مغطاة بعباءات سوداء، وسلاسلهم تصدر رنينًا. قال قائدهم بصوت أجش:
— «جنُّ العابرين... حراس الطريق إلى نوفاريس. لقد اعترف بك الخاتم... لكن الطريق لم يعترف بك بعد. لا يحق لأحد دخول نوفاريس قبل أن يمتلك قرينه.»
​سأله يونس:
— «قريني؟»
​أومأ الكائن:
— «كل وريثٍ يحمل نصف قوته فقط... أما النصف الآخر فيسكن داخل قرينه. عندما تجد قرينك... ستُفتح لك البوابة. أسرع... فالممالك السبع بدأت تتحرك، وإذا سبقك أحد إلى العرش... فلن يبقى شيء اسمه نوفاريس.»
​اختفت الظلال، واستدار يونس نحو صديقيه قائلاً بنبرة قاطعة:
— «لن أهرب. إذا كانت نوفاريس تنتظر وريثها... فسأذهب إليها، حتى لو كان الثمن حياتي.»
​الجزء الثامن: ظهور القرين واختبار الدم
​مرت الأيام بطيئة، والخاتم الأسود في يد يونس يزداد حرارة كل ليلة. بدأ يلاحظ أن ظله لا يتحرك معه أحيانًا، بل يتأخر عنه بخطوة! وفي إحدى الليالي، رأى انعكاسه في المرآة يبتسم له بينما هو واجم!
​في صباح اليوم التالي، وفي ساحة المدرسة، رأى يونس شابًا يرتدي معطفًا أسود يحدق فيه. كان يمتلك الملامح ذاتها، لكن عينيه كانت باللون الفضي الثلجي!
​تتبعه يونس إلى زقاق ضيق بين المباني، حتى سمع صوت الشاب من خلفه:
— «أسرع مما توقعت... يا وريث نوفاريس.»
​التفت يونس بحذر:
— «من أنت؟ وكيف تشبهني إلى هذا الحد؟»
​ابتسم الشاب ببرود:
— «الحقائق لا تُوهب يا يونس.. الحقائق تُنتزع، ونصفك الآخر لن يكتمل ما دمت تخاف الظل.»
​اشتعلت البارانويا في نفوس الأصدقاء. بحثوا عن هوية هذا الشاب في كل مكان، لكن لا أحد يعرفه؛ كان طيفاً لا يراه أحد سوى يونس!
​وفي ليلة عاصفة، ظهر الشاب في غرفة يونس مجدداً وقال:
— «أنا لست غريبًا عنك.. أنا قرينك. النصف الآخر من قوتك المستباحة التي سكنت الظلام طوال هذه السنوات. لكنني لن أنضم إليك طواعية، عليك أولًا أن تثبت لي أنك تستحق دم نوفاريس، ولست مجرد بشري فاشل يختبئ وراء مهدئاته.»
​تلاشت جدران الغرفة، ووجد يونس نفسه في وهم مظلم يواجه كوابيسه: صراخ أمه الراحلة، برود والده محمود، ودم جاره صادق. كان الاختبار يطالبه بمواجهة الخوف والذنب وعدم الهروب. وبصرخة مدوية من أعماق روحه، واجه يونس ماضيه بقلب ثابت، كاسرًا حاجز الخوف.
​انكسر الوهم، وقال القرين باحترام:
— «لقد نجحت.. أنت حقًا الوريث.»
​تقدم القرين، وما إن تلامست أيديهما حتى سرت طاقة هائلة حرقت عروق يونس بلذة مؤلمة، واتحدت قوة القرين بجسده. تغيرت حواسه، وصار قادرًا على رؤية هالات الطاقة والظلال الخفية في العالم.
​الجزء التاسع: أبواب المملكة العظيمة
​اجتمع يونس مع مالك ومعاذ مجددًا بصحبة القرين الذي صار يمشي كظل ملموس. توجه الأربعة نحو السرداب المظلم، وحين وطئت أقدامهم أرض الغرفة الحجرية، ظهر «جن العابرين»، لكنهم هذه المرة تراجعوا بوقار وانحنوا في صمت مطبق؛ فقد رأوا القرين يقف كتفًا بكتف مع الوريث الشرعي.
​تقدم يونس نحو البوابة الحجرية العملاقة ورفع يده بالخاتم الأسود. اهتزت السلاسل الضخمة وانكسرت واحدة تلو الأخرى تتساقط كالحطام، وانفتحت البوابة الحجرية العتيقة لأول مرة منذ عقود.
​عبر الأربعة العتبة ليدخلوا ممرًا خارقًا للقوانين؛ كانت السماء فيه تتلوى بألوان رمزية بين البنفسجي والأسود، والجاذبية تختل، وأصوات الملوك والجنود الراحلين تتردد في الأثير.
​ساروا حتى بدا ضوء قرمزي في نهاية الممر. ومع آخر خطوة خطوها إلى الخارج، وقفوا فوق مرتفع صخري، وأمامهم تمتد أسوار هائلة جبارة مصنوعة من الحجر الأسود والحديد، ترتفع لتلامس سماء عالم مظلم مهيب.. إنها مملكة نوفاريس العظيمة.
​شق سكون العالم السفلي دوي عاصف؛ إذ بدأت أجراس المملكة الضخمة المعلقة فوق الأبراج تدق بعنف وبإيقاع ملكي مهيب. وقف حراس الأسوار المدججون بالسلاح في ذهول تام، يتطلعون نحو المرتفع.
​وفي غضون لحظات، انتشر الهمس كالبرق ليتحول إلى صيحة واحدة هزت أركان المملكة:
​«عاد وريث العرش…»
​أُغلقت خلفهم بوابة الأرض، لتبدأ رحلة جديدة وصراع حقيقي داخل نوفاريس؛ حيث المؤامرات على العرش، البحث عن سر الوالد «محمود»، ومواجهة الممالك الست الأخرى في حرب لا ترحم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.