الفصل الثاني:
الفصل الثاني: صاحب الجلالة والظلام
سمع يونس دقات أجراسِ ضخمةٍ تهز المملكة كلها، فقال مالك بتساؤل وهو يصغي للصدى: «ماذا يحدث؟».
فأجابه أحد الحراس: «الأجراس لا تدق إلا عند عودة أحد أفراد العائلة الملكية».
شاهد يونس آلاف المواطنين يقفون على جانبي الطريق؛ بعضهم ينحني احترامًا، وآخرون ينظرون إليه بفضول، بينما رمقه فريقٌ آخر بكراهية. تمر بجانبهم عربات ملكية كلاسيكية ضخمة وفخمة للغاية، يطغى عليها اللون العنابي الداكن مع زخارف ونقوش ذهبية معقدة تغطي الحواف والزوايا بشكل ملكي مبهر، ويجر هذه العربات ثلاثة من مخلوقات «اليونيكورن» البيضاء الناصعة التي تبدو كأحصنة نبيلة يبرز من جبهة كل منها قرن حلزوني طويل. توقف يونس مبهوراً وهو يراها لأول مرة، ثم رفع رأسه ليرى القصر الملكي، وهمس لمعاذ: «أَهَذَا حُلْمٌ أَمْ مَمْلَكَةٌ؟».
قال معاذ: «لا أعلم».
دخل يونس القصر وبجانبه مالك ومعاذ، فوجد القاعات مغطاة بالرخام الأسود والذهب، والسقف مرصعًا ببلورات مضيئة بديلًا عن الثريات. اقترب منه خادم يرتدي سترة سوداء طويلة من الخلف مع قميص أبيض منشّى ورابطة عنق سوداء، وقف أمامه ثم نطق: «إن كل فرد من العائلة الملكية له جناح كامل داخل القصر، وليس مجرد غرفة».
وجهه الخادم إلى جناحه الملكي، فرفض يونس الدخول لأنه ظنه مخصصًا لشخص آخر، فأخبره الخادم: «هذا الجناح ظل مغلقاً سبعة عشر عاماً… انتظارًا لعودتك».
سمع خدم القصر ينادونه «سمو الأمير»، فالتفت خلفه معتقدًا أنهم يقصدون شخصًا آخر. دخل يونس ومن خلفه مالك ومعاذ الجناح ليصادفوا قاعة استقبال صغيرة مخصصة للاجتماعات الطارئة واستقبال الوزراء، ثم توجه إلى آخر القاعة ناحية غرفة النوم الرئيسية. كانت هناك غرفة واسعة جدًا مخصصة للملابس والمجوهرات والعباءات الملكية، فضحك يونس وقال بسخرية: «قبل أيام كنت راجعاً من المدرسة، والآن أعيش في قصر!».
دخل غرفة الملابس فوجد عشرات الملابس الملكية والدروع والسيوف. كان مالك ومعاذ في منتصف الغرفة وعلى وجهيهما ملامح الدهشة والصدمة، ثم قال مالك لمعاذ: «الغرفة واسعة وكبيرة جداً..»، ثم رفع صوته ونظراته ناحية يونس: «تقريباً يا معاذ، صاحبك يونس سيرمينا خارج القصر ويتكبر علينا بعدما أصبح ملكاً!».
خرج يونس من غرفة الملابس وسار ناحيتهما وقال: «لن أنساكما، أنتما أخواي وستعيشان معي وتبقيان بجانبي. الآن علينا أن نستريح لنفكر في حربنا القادمة ونكتشف المملكة».
ارتسمت الابتسامة على وجه مالك وقال: «نحن نعلم أنك لن تتركنا، هيا لنكمل تجولنا في الجناح.. ولقد رأيت سيوفًا في غرفة الملابس، فهل يجوز أن آخذ سيفاً؟».
قال يونس: «يجوز، وأعطيك معه درعاً هدية».
كانت أسقف الجناح مرتفعة جداً وتزدان بنقوش جبسية معقدة ولوحات زيتية مرسومة يدوياً. دخلوا بعدها المكتب الخاص بيونس حيث يدير الأمير شؤونه الخاصة؛ كانت الغرفة ذات سقف شاهق مدعوم بأعمدة من الخشب الداكن المنقوش، وتتدلى منها ثريا ضخمة من الكريستال تشتعل بالشموع لتعكس ظلالاً غامضة على الجدران، وتضم نوافذ فرنسية تطل على حدائق واسعة.
وقف يونس أمام شرفة غرفة نومه ليرى المدينة جميعها تحت قدميه، ولأول مرة شعر بثقل المسؤولية لا بفرحة العرش. وقبل أن يستوعب ما يحدث، دخل أحد القادة مسرعاً وقال: «مولاي… تعرضت الحدود الشرقية للهجوم!».
قال يونس وهو يبتلع ريقه: «أريد الآن اجتماعاً بقادة المملكة وأفراد العائلة الملكية».
قال القائد: «هم مجتمعون الآن في غرفة مجلس الحرب ينتظرونك، اتبعني لأرشدك إلى هناك يا سمو الأمير». انحنى القائد احتراماً وقال: «أهلاً بعودتك يا سمو الأمير».
ابتسم يونس ابتسامة خفيفة، ثم مد يده وقال: «اسمي يونس.. ما اسمك؟».
رفع القائد رأسه بدهشة ثم قال بتردد: «اسمي آسر يا مولاي».
قال يونس: «لا تقل لي يا مولاي ولا سمو الأمير.. نادني يونس».
ارتبك القائد وقال: «هذا يخالف تقاليد القصر يا سيدي».
فقال يونس: «ربما حان الوقت لتتغير بعض تقاليد القصر يا آسر، أنت بمثابة أخي، وأنا آمرك بمناداتي يونس، وقل لكل الخدم والقادة أن ينادوني يونس. هيا لنذهب إلى قاعة الحرب، سنتبعك أنا ومالك ومعاذ». ثم التفت ناحية مالك ومعاذ وقال: «هيا لنذهب إلى قاعة الحرب».
دخل يونس إلى غرفة الحرب لأول مرة وجلس حول الطاولة مع قادة المملكة وأفراد العائلة الملكية. قالت الملكة الأم إليزار —وهي في الخامسة والأربعين من عمرها، شعرها أسود طويل تتخلله خصلات فضية وعيناها ذهبيتان حادتان، وترتدي عباءة ملكية سوداء مطرزة بخيوط ذهبية— وهي تنظر ليونس بنبرة حكيمة: «كيف نثق بفتى جاء من عالم البشر وعمره 17 سنة؟».
قال القائد صفوان: «أترضون أن يقودنا شاب لم يحمل سيف نوفاريس يوماً؟».
ورد القائد مراد: «وربما يحمل شجاعة لم يحملها أحد منا».
صفوان: «إذن فليثبت أنه يستحق العرش».
وقال القائد باسل —وشعره بني قصير وعيناه زرقاوان—: «لننتظر، فالأيام ستكشف حقيقته».
نظر يونس ناحية السقف ليرى شعار العائلة الملكية: عنقاء سوداء باسطة جناحيها يتوسطها تاج ذهبي، وخلفها قمر فضي ويحيط بها سيفان متقاطعان. قال يونس: «سأجعلكم تثقون بي، وسأحمي مملكة نوفاريس. أريد أن أرى خريطة المملكة».
فتح قائد الجيش الذي يدعى (هارون) خريطة عملاقة؛ وقف أمام الطاولة الحجرية وضغط بيده فوق بلورة زرقاء تتوسطها، ينبعث منها ضوء قوي ما لبث أن تمدد فوق سطح الطاولة حتى تحولت إلى خريطة ثلاثية الأبعاد لنوفاريس. ساد الصمت، وحدق يونس في الخريطة واتسعت عيناه بدهشة؛ لم تكن نوفاريس مجرد مدينة كما تخيل… بل إمبراطورية مترامية الأفتق والأطراف.
أشار هارون إلى قلب الخريطة وقال: «هنا العاصمة الملكية، قلب الإمبراطورية». انتقل الضوء نحو الغرب: «وهذه الغابات الفضية… مصدر أخشابنا وأرض الرماة». ثم أشار إلى سلسلة جبال شاهقة تشتعل قممها بضوء أحمر: «جبال العنقاء، لا يدخلها إلا فرسان العنقاء». تحرك الضوء جنوباً: «بحر الحوريات… تحكمه قبائل البحر، وهم حلفاؤنا منذ مئات السنين». ثم انزلق إصبعه نحو صحراء صفراء واسعة: «صحراء الجماجم… لا يخرج منها حي إلا نادرًا». ثم إلى الشمال: «وادي العمالقة… موطن آخر العمالقة الأحرار». وأخيرا توقف عند أقصى الشرق، حيث كانت النيران تشتعل فوق الحصون المرسومة على الخريطة: «أما هنا، فهذه الحدود الشرقية».
ارتفعت سحب الدخان فوق الخريطة السحرية، وقال هارون بصوت ثقيل: «وهناك بدأت الحرب».
ساد الصمت في قاعة الحرب، بينما كانت ألسنة اللهب الصغيرة ترتفع فوق الحصون المرسومة على الخريطة، وكأنها تنقل ما يحدث على الحدود في تلك اللحظة. ظل يونس ينظر إلى الخريطة لثوانٍ طويلة دون أن ينطق بكلمة، ثم تقدم خطوة ووضع يده فوق الطاولة الحجرية.
قال صفوان بنبرة ساخرة: «لا وقت للتردد... علينا أن نهاجم فورًا قبل أن يتقدم العدو».
لكن يونس رفع يده طالبًا الصمت، ثم قال بهدوء: «لن أخوض حربًا وأنا أجهل عدوي».
تبادل القادة النظرات، بينما عقد صفوان ذراعيه باستياء.
تابع يونس وهو يشير إلى الحدود الشرقية: «أولًا... أريد إرسال أفضل الكشافة في المملكة. لن يتحرك جيشنا خطوة واحدة حتى نعرف عدد قوات العدو، وتسليحهم، وخط سيرهم».
أومأ القائد هارون برأسه وقال: «يمكن تنفيذ ذلك قبل غروب الشمس».
ثم تحرك إصبع يونس نحو القرى القريبة من الحدود: «ثانيًا... يتم إجلاء جميع المدنيين من القرى الشرقية فورًا. لا أريد أن يدفع الأبرياء ثمن هذه الحرب».
ساد الهدوء داخل القاعة، فقد اعتاد القادة أن يكون المدنيون آخر ما يُفكر فيه أثناء الحروب.
ثم قال يونس: «ثالثًا... عززوا جميع الحصون الشرقية بالرماة. إذا حاول العدو الاقتراب، فليستقبلوه بوابل من السهام قبل أن يصل إلى الأسوار».
قال باسل: «الرماة مستعدون يا... يونس».
ابتسم يونس ابتسامة خفيفة، ثم أكمل: «رابعًا... أرسلوا فرقة من أسرع الفرسان لحماية طرق الإمداد. إذا قطع العدو المؤن، فلن يصمد جيشنا طويلًا».
أومأ مراد موافقًا وقال: «سأتولى ذلك بنفسي».
تحرك الضوء فوق الخريطة مرة أخرى، بينما بدأ يونس يرسم خطوطًا بيده فوق مواقع الجيش: «أما الجيش... الجناح الأيمن يقوده القائد مراد، والجناح الأيسر يقوده القائد باسل، أما قلب الجيش... فسيقوده القائد صفوان».
رفع صفوان حاجبه باستغراب وقال: «وأين ستكون أنت؟».
نظر إليه يونس بثبات وقال: «لن أدفع جميع قواتي منذ بداية المعركة».
ساد الصمت من جديد، ثم أكمل: «سأحتفظ بقوة احتياطية خلف خطوط القتال؛ إذا انكسر أحد الأجنحة تدخل لإنقاذه، وإذا ظهر ضعف في صفوف العدو تكون هي الضربة الحاسمة».
بدأ بعض القادة يتهامسون فيما بينهم، بينما تغيرت ملامح صفوان للمرة الأولى.
قال مراد وهو ينظر إلى الخريطة: «هذه ليست خطة اندفاع... إنها خطة قائد يفكر قبل أن يقاتل».
أما الملكة الأم إليزار، فاكتفت بالنظر إلى يونس في صمت، ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة بالكاد لاحظها أحد.
اقترب صفوان من الطاولة، وحدق في الخريطة للحظات، ثم قال بصوت منخفض: «ربما... كنت مخطئًا عندما ظننت أنك لا تعرف شيئًا عن الحرب».
رفع يونس رأسه وقال بحزم: «لن ننتصر بالقوة وحدها... سننتصر لأننا سنجعل العدو يقاتل وفق خطتنا، لا وفق خطته».
ساد الهدوء داخل قاعة الحرب، ثم نهض القادة واحدًا تلو الآخر، وأدوا التحية العسكرية.
قال هارون بصوت جهوري: «لتبدأ التعبئة العامة... بأمر الأمير يونس».
قال يونس بعد لحظات من الصمت: «قبل أن أقود جيشًا للدفاع عن نوفاريس... أريد أن أعرف ما الذي سأدافع عنه».
ساد الهدوء القاعة، ونظر القادة إلى بعضهم باستغراب.
قال صفوان: «أتقصد أنك تريد تأجيل التحرك؟».
هز يونس رأسه نافيًا: «لن نؤجل شيئًا. الكشافة في طريقهم، والجنود يستعدون، ولن نتحرك حتى تصل تقارير الحدود. لدينا ساعات قليلة... وأريد أن أستغلها لأرى المملكة بعيني».
قالت الملكة الأم إليزار، وقد ارتسمت على وجهها نظرة إعجاب خفية: «القائد الذي لا يعرف شعبه... لا يستحق أن يقودهم». ثم التفتت إلى قائد الحرس الملكي: «آسر».
تقدم القائد وانحنى: «كما تأمرين يا مولاتي».
تلقى آسر الأمر بأخذ الأمير في جولة داخل العاصمة وإطلاعه على ما ينبغي لولي العهد معرفته. التفت يونس إلى مالك ومعاذ: «هيا... سنكتشف نوفاريس».
خرج الثلاثة من قاعة الحرب، بينما بقي القادة يواصلون الاستعدادات العسكرية. وما إن فُتحت الأبواب الحجرية العملاقة حتى انطلقت أمامهم العاصمة الملكية بكل عظمتها. خرج الأربعة من القصر عبر ممرات رخامية طويلة حتى بلغوا البوابة الغربية.
وما إن اجتازها يونس حتى توقف مكانه واتسعت عيناه بذهول. كان القصر الملكي لا يشبه أي قصر عرفه البشر؛ بُني فوق هضبة صخرية شاهقة ترتفع مئات الأمتار عن مستوى العاصمة حتى بدا وكأنه يلامس الغيوم. وكانت الهضبة محاطة بجروف عمودية سحيقة لا يمكن الوصول إليها إلا عبر ثلاثة جسور حجرية عملاقة تمتد فوق هوةٍ عميقة تتدفق في قاعها أنهار فضية تتلألأ كأنها ضوء القمر.
ارتفعت أسوار القصر عشرات الأمتار، شُيدت من حجر أسود لامع تتخلله عروق ذهبية تضيء كلما لامستها أشعة الشمس. وعلى امتداد الأسوار انتصبت عشرات الأبراج الهائلة تعلو قممها رايات سوداء تحمل شعار العنقاء الذهبية. أما قلب القصر فكان قلعةً أسطورية تتكون من سبعة أبراج رئيسية يلتف كل منها حول الآخر كأنها تيجان متشابكة، وفي منتصفها ارتفع البرج الأعظم حتى اختفى نصفه بين السحب.
وفوق أعلى قمة، وقف تمثال هائل لعنقاء سوداء باسطة جناحيها وعيناها من ياقوتٍ أحمر يتوهجان ليلًا ونهارًا. أمام القصر امتدت ساحة ملكية ضخمة تتوسطها نافورة أسطورية يرتفع منها تمثال أول ملوك نوفاريس وهو يغرس سيفه في الأرض، بينما يلتف حول السيف لهب أزرق لا ينطفئ منذ مئات السنين.
امتدت الحدائق الملكية في جميع الاتجاهات تتخللها أشجار بأوراق فضية وأخرى ذات أزهار زرقاء تبعث ضوءًا خافتًا. تقدم يونس ببطء حتى وصل إلى حافة الهضبة ونظر إلى الأسفل فرأى العاصمة الملكية كلها تمتد أمامه، مدينة هائلة تحيط بالقصر كالتَّاج حول الجوهرة؛ شوارعها مرصوفة بالحجر الأبيض، ومنازلها ذات أسقف زرقاء وذهبية، وأسواقها تعج بالبشر والأقزام والإلف.
ظل يونس صامتًا لدقائق ثم همس بصوت خافت: «الآن... فهمت لماذا يقاتلون حتى الموت من أجل هذه المملكة».
ابتسم آسر وقال: «وهذه... يا يونس... ليست سوى العاصمة». ثم أشار بيده نحو المدينة وقال: «إذا سمحت... سأبدأ بأهم مكان يجب أن يعرفه كل من سيحكم نوفاريس».
وانطلقوا جميعًا عبر الدرج الملكي العظيم نزولًا نحو قلب العاصمة... حيث كانت أولى محطات الجولة تنتظرهم.
وصل يونس وآسر ومالك ومعاذ إلى ساحةٍ دائريةٍ هائلة تتوسط العاصمة. كان رخامها الأبيض يلمع تحت أشعة الشمس، وفي قلبها ارتفعت مسلة سوداء شاهقة يزيد ارتفاعها على عشرين مترًا، منقوشة بالكامل بحروفٍ ذهبيةٍ قديمة، تعلوها عنقاءٌ مذهبةٌ باسطة جناحيها.
اللوحة الأولى: قانون العدل
(العدل فوق الجميع، ولا يقف أحد فوق القانون، مهما كان لقبه أو نسبه أو سلطانه).
قال يونس: «حتى الملك؟».
أجاب آسر: «حتى الملك».
نظر مالك إلى يونس وضحك: «يعني لو أخطأت... تتحاكم؟».
ابتسم يونس: «بل أكون أول من يتحاكم».
اللوحة الثانية: قانون التاج
(التاج شرفٌ ومسؤولية، وليس وسيلةً للسيطرة أو الظلم، ومن استغل سلطته خان العهد).
قال معاذ: «إذن الملك خادمٌ لشعبه».
هز آسر رأسه: «ولهذا بقيت نوفاريس قائمةً قرونًا».
اللوحة الثالثة: قانون الخيانة
(كل من يخون المملكة، أو يفشي أسرارها، أو يتحالف مع أعدائها، يُحاكم بتهمة الخيانة العظمى).
ساد الصمت، وقال يونس: «لا عجب أن تكون عقوبتها شديدة».
اللوحة الرابعة: قانون الحرب
(يُمنع قتل المدنيين، والأطفال، والشيوخ، والأسرى، ويحرم إحراق القرى دون ضرورة عسكرية قصوى).
قال مالك: «حتى في الحرب توجد رحمة».
قال آسر: «وإلا أصبحنا مثل أعدائنا».
اللوحة الخامسة: قانون الجيش
(الجندي يحمي الشعب قبل أن يحمي العرش، والفرار من ساحة القتال، أو خيانة الرفاق، جريمة يعاقب عليها القانون).
قال يونس: «إذن شرف الجندي أهم من حياته».
أجاب آسر: «هكذا تربى جيش نوفاريس».
اللوحة السادسة: قانون السحر
(لا يُستخدم السحر المحرم، ولا تُفتح بوابات العالم السفلي، ولا تُستدعى الأرواح الملعونة، ومن يفعل ذلك يُحاكم أمام مجلس السحرة والمحكمة الملكية).
قال معاذ وهو ينظر إلى النقوش: «حتى السحر له حدود».
اللوحة السابعة: قانون التجارة
(الغش، والاحتكار، وتزوير العملات، وبيع الآثار المقدسة أو المخلوقات المحمية جرائم يعاقب عليها القانون).
ضحك مالك وقال: «يعني حتى التجار لا يستطيعون التحايل!».
ابتسم آسر: «في نوفاريس... الجميع يخاف القانون».
اللوحة الثامنة: قانون الأعراق
(البشر، والإلف، والأقزام، والهوبيت، والجنوم، وجميع الأعراق الحليفة متساوون في الحقوق والواجبات داخل حدود المملكة).
قال يونس: «هذا ما يمنح المملكة قوتها».
اللوحة التاسعة: قانون البوابات
(لا يعبر أحد البوابات السحرية دون تسجيل اسمه ووجهته، ويُمنع استخدامها في زمن الطوارئ إلا بأمرٍ ملكي).
قال معاذ: «حتى السفر له قوانين».
اللوحة العاشرة: قانون المقدسات
(تحظر سرقة الآثار المقدسة، أو تدنيس المعابد، أو إيذاء العنقاء، أو دخول المقابر الملكية دون إذن).
رفع يونس رأسه إلى تمثال العنقاء وقال: «لهذا تحظى العنقاء بكل هذا الاحترام».
اللوحة الحادية عشرة: قانون المعرفة
(المعرفة إرث المملكة، ويحظر إحراق الكتب، أو إتلاف المخطوطات، أو إخفاء العلوم التي تنفع الشعب).
قال يونس مبتسمًا: «حتى الكتب يحميها القانون».
اللوحة الثانية عشرة: قانون العهد
كانت أكبر اللوحات جميعًا، وفي وسطها نُقش شعار العنقاء السوداء، وتحته كلمات عظيمة:
(أقسم كل من يحمل تاج نوفاريس أن يجعل العدل فوق القوة، والرحمة فوق الانتقام، والشعب فوق نفسه، وأن يدافع عن المملكة حتى آخر أنفاسه؛ فإن حفظ العهد حفظته العنقاء، وإن خانه سقط التاج قبل أن يسقط الملك).
وقف يونس صامتًا للحظات، ثم وضع يده اليمنى على المسلة وقال بصوتٍ ثابت: «أقسم بعهد العنقاء، وبشرف ملوك نوفاريس، أن أحمي هذه المملكة، وأصون قوانينها، وأحكم بالعدل، وأدافع عن شعبي، وألا أستغل التاج يومًا للظلم أو الطغيان، ما دام في صدري نفس».
وما إن انتهى حتى أضاءت الحروف الذهبية على المسلة دفعةً واحدة، وانطلقت أشعة نور نحو السماء، ودقت أجراس العاصمة من جديد بينما انحنى الحراس احترامًا.
نظر آسر إلى يونس وقال بابتسامةٍ هادئة: «من هذه اللحظة... لم تعد نوفاريس تنتظر أميرًا يعود إليها... بل أصبحت تنتظر الملك الذي سيقودها».
سار الأربعة بين آلاف المواطنين حتى وصلوا إلى مبنى شامخ يعلو فوق درجات رخامية عريضة؛ كان مبنى المحكمة الملكية أشبه بمعبدٍ عظيم تتقدمه اثنا عشر عمودًا أسود، نُقش على كل واحدٍ منها أحد قوانين نوفاريس، بينما ارتفع فوق المدخل تمثال ضخم لميزانٍ ذهبي تتوسطه عنقاء باسطة جناحيها. وعلى جانبي الباب وقف عشرات من فرسان العدالة بدروع فضية لامعة.
قال معاذ وهو يرفع رأسه: «حتى المحكمة تبدو كأنها قصر».
ابتسم آسر: «لأن العدالة... هي أعظم قصور المملكة».
فتح الحراس الأبواب العملاقة فأنفذت إلى الداخل نفحة هواء باردة. دخل يونس للمرة الأولى قاعة العدالة فاتسعت عيناه؛ كانت القاعة نصف دائرية تتدرج فيها مئات المقاعد الحجرية حتى السقف، وقد امتلأت بالمواطنين والنبلاء والجنود. وفي أقصى القاعة ارتفعت منصة القضاء، يتوسطها كرسي ضخم من الرخام الأبيض يجلس عليه كبير القضاة، وخلفه شعار نوفاريس.
أما في منتصف القاعة، فوقف رجل مكبل اليدين والقدمين بسلاسل سوداء يحيط به أربعة من فرسان العدالة. طرق كبير القضاة بمطرقته الحجرية ثلاث مرات: «لتبدأ جلسة محكمة مملكة نوفاريس».
ساد الصمت، ونهض أحد الحراس وأعلن بصوتٍ جهوري: «المتهم... اللورد كاسيان... أحد نبلاء المقاطعات الشرقية».
رفع الرجل رأسه ببطء، فقال كبير القضاة: «تُتهم بخيانة المملكة، وتسريب مواقع الحصون الشرقية إلى العدو مقابل الذهب».
هز الرجل رأسه بعنف: «أنا بريء... لم أخن أحدًا».
بدأت همسات المواطنين تعلو في القاعة، لكن كبير القضاة رفع يده فعاد الصمت في لحظة، ثم قال: «في مملكة نوفاريس... لا يُدان أحد بالاتهام وحده». أشار بعصاه نحو بلورة كريستالية ضخمة ترتفع فوق قاعدة من الرخام الأزرق.
قال آسر بصوتٍ منخفض: «بلورة الحقيقة».
تقدمت إحدى الساحرات ومدت يديها فوق البلورة؛ أخذت تدور ببطء ثم امتلأت بدخانٍ فضي. وفجأة بدأت المشاهد تتشكل: ظهر اللورد كاسيان وهو يقف ليلًا عند أطراف الغابة، ثم ظهر رجل يرتدي عباءة سوداء يناوله خريطة مختومة بختم نوفاريس، وبعدها كيس ثقيل من العملات الذهبية ينتقل إلى يديه.
ساد الذهول في القاعة، وشهق مالك وقال: «إنها تعرض ما حدث بالفعل!».
همس معاذ: «كأننا نشاهد الماضي».
ظل يونس صامتًا وعيناه معلقتان بالبلورة، أما المتهم فانخفض رأسه ولم يعد ينطق بكلمة. انطفأ ضوء البلورة ووقف كبير القضاة وقال بصوتٍ قوي: «ثبتت الخيانة بالأدلة والشهود، ووفقًا للمادة الأولى من قانون الخيانة في ميثاق نوفاريس... يحكم على اللورد كاسيان بتجريده من جميع ألقابه، ومصادرة ممتلكاته، وسجنه في حصن الظلال حتى نهاية حياته».
ضرب بمطرقته على المنصة: «صدر الحكم... باسم قانون نوفاريس».
وفي اللحظة نفسها تقدم فرسان العدالة واقتادوا المتهم إلى الخارج وسط صمتٍ مهيب. نظر يونس إلى آسر وقال بصوتٍ هادئ: «الآن فهمت... القوانين التي قرأتها على مسلة العهد ليست كلماتٍ منقوشة على الحجر فحسب، بل إنها تُطبق على الجميع... مهما كان منصبه أو نسبه».
ابتسم آسر باحترام وقال: «ولهذا بقيت نوفاريس صامدةً عبر القرون».
خرج يونس وآسر ومالك ومعاذ من أبواب المحكمة الملكية، وما زالت كلمات القاضي الأخيرة تتردد في أذهانهم. سار يونس بضع خطوات وهو يتأمل المباني الشاهقة المحيطة بالساحة، ثم قال بصوت هادئ: «لم أتخيل يومًا أن أرى العدالة تُطبق بهذه الهيبة».
ابتسم آسر وقال: «العدل هو ما حفظ نوفاريس قبل سيوفها».
وقبل أن يرد يونس، اخترق السماء صوتٌ حادٌ مهيب أشبه بصيحةٍ امتزجت فيها قوة العاصفة وزئير النار. توقف الجميع في أماكنهم، واهتزت نوافذ المباني، وتطايرت أسراب الطيور من فوق الأسطح.
رفع يونس رأسه بسرعة نحو السماء فاتسعت عيناه؛ كانت هناك عنقاء عملاقة تشق السحاب بجناحين هائلين يكسوهما ريش أسود تتخلله خيوط ذهبية متوهجة، حتى بدت وكأنها تحلق وسط ألسنة لهب لا تحرقها. امتد جناحاها عشرات الأمتار، وخلّف ذيلها الطويل شرارات ذهبية تذوب في الهواء كنجومٍ صغيرة.
قال مالك وهو يحدق إلى الأعلى: «يا إلهي... كم هي ضخمة!».
وقال معاذ بصوتٍ يكاد لا يُسمع: «أهذه... العنقاء؟».
لم يجب آسر، وكان ينظر إليها باحترام شديد. دارت العنقاء فوق العاصمة دورةً واسعة كأنها تتفقد المدينة بأكملها، ثم أطلقت صرخةً ثانية تردد صداها بين الجبال، وبدأت تهبط ببطء. راقبها يونس حتى اتجهت نحو القصر الملكي القابع فوق الهضبة، وحطت فوق قمة البرج الأعظم في مشهدٍ مهيب؛ أطبقت مخالبها على الحجارة السوداء، وأخذت عيناها الحمراوان تجولان فوق العاصمة.
في تلك اللحظة توقف كل شيء: أغلق التجار متاجرهم، وأنزل الجنود رماحهم، وانحنى الجميع احترامًا؛ المواطنون، والحراس، والقادة، وحتى الأطفال وقفوا في صمتٍ مهيب.
نظر يونس حوله بدهشة ثم التفت إلى آسر وقال: «لماذا انحنى الجميع؟».
رفع آسر بصره نحو العنقاء وقال بصوتٍ خافت يملؤه التوقير: «لأنها ليست مجرد مخلوقٍ أسطوري... العنقاء هي الرمز المقدس لمملكة نوفاريس، وحامية العهد منذ قيام المملكة. لا تهبط فوق البرج الأعظم إلا في مناسبتين: عندما تشهد المملكة حدثًا عظيمًا... أو عندما تشعر بأن حدثًا مصيريًا يقترب».
ظل يونس ينظر إلى العنقاء وهمس: «وهل تعتقد أنها جاءت من أجل عودتي؟».
أجاب آسر دون أن يحول نظره عنها: «لا أحد يستطيع أن يجزم بسبب اختيار العنقاء لموعد ظهورها... لكنها لا تخطئ أبدًا».
وفي أعلى البرج أطلقت العنقاء صرخةً ثالثة، فاهتزت رايات القصر مع هبوب ريحٍ قوية، وكأن السماء أعلنت أن أيامًا ستغيّر مصير نوفاريس قد بدأت.
خرج يونس وآسر ومالك ومعاذ من ساحة العدالة، بينما كانت العنقاء ما تزال رابضة فوق البرج الأعظم للقصر الملكي، تراقب العاصمة بصمتٍ مهيب.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!