وضع القراءة:

رهان

انتهت المحاضرة أخيرًا.
توجهتُ إلى التي تليها بخطوات بطيئة، وكأنني أجرّ خلفي ما حدث في القاعة السابقة. عندما دخلت، لمحتُ ميا تلوّح لي من بعيد، فجلستُ بجانبها.
ابتسمت فورًا، ابتسامة مصطنعة بعض الشيء، وقالت بنبرة ساخرة تحاول بها تخفيف الجو:
«حسنًا، على الأقل يمكنكِ الآن أن تقولي إنكِ فتاة متمرّدة... تم طردها من محاضرة رياضيات.»
أطلقتُ زفيرًا خفيفًا، ولم أعلّق.
مالت نحوي وهمست:
«بصراحة؟ كنتُ سأصفّق لكِ لو لم أكن خائفة من أن يطردني الأستاذ التالي أيضًا.»
كِدتُ أضحك، لكن الضحكة خرجت قصيرة وباهتة. كانت تحاول، وأنا أقدّر ذلك. ميا دائمًا تعرف متى تمزح، ومتى تصمت، حتى لو لم تُصب دائمًا.
جلستُ أحدّق في الأمام، أستمع إلى الشرح دون أن أستوعب كلمة واحدة. أفكاري كانت في مكان آخر، تعود مرارًا إلى تلك المعادلة، إلى نظرته، وإلى الرسالة التي تجاهلتُها.
ومع كل دقيقة تمر، كان يقين صغير ينمو داخلي:
ما حدث لم يكن صدفة...
وما سيحدث بعده لن يكون كذلك أيضًا.
اهتزّ هاتفي مرةً أخرى.
نظرتُ إلى الشاشة، وتجمّد الدم في عروقي.
«غيّري مقعدك. ستنكسر حجارة النافذة بجانبك بعد دقائق.»
رفعتُ رأسي ببطء.
النافذة كانت إلى يميني تمامًا، قريبة... قريبة أكثر مما يجب. الزجاج بدا عاديًا، ثابتًا، لا شيء يوحي بالخطر. المحاضرة مستمرة، صوت الأستاذ يملأ القاعة، والطلاب منشغلون بالكتابة.
همست ميا، دون أن تنظر إليّ:
«لا تقولي لي إن مجنون المستقبل عاد.»
أريتها الشاشة تحت الطاولة.
اختفت سخريتها فورًا.
قالت بسرعة، هذه المرة بجدية خالصة:
«آيريس... بدّلي مكانك. الآن.»
ترددتُ لثانية واحدة فقط.
ثانية كنتُ فيها على وشك أن أتمسّك بعنادي مرة أخرى.
ثم تحرّكت.
جمعتُ دفتري وحقيبتي وقلت بصوت خافت:
«سأجلس هناك... لا أرى السبورة جيدًا.»
لم يشكّ أحد.
انتقلتُ مقعدين إلى الخلف، جلست، وحاولت أن أبدو طبيعية، بينما قلبي كان يطرق صدري بعنف.
مرّت دقيقة.
ثم أخرى.
وفجأة—
تحطّمٌ حاد.
صوت انفجار زجاجي شقّ القاعة، تبعته صرخة جماعية. تطايرت شظايا الزجاج إلى الداخل، وسقطت حجارة صغيرة من الإطار الخارجي للنافذة، تمامًا... تمامًا حيث كنتُ أجلس قبل دقائق.
تجمّدتُ في مكاني.
ميا أمسكت بذراعي بقوة، وعيناها واسعتان:
«آيريس... لو لم تتحرّكي—»
لم تُكمل.
ساد الاضطراب، الأستاذ صرخ يطلب من الجميع الابتعاد، وبدأت الفوضى. لكنني لم أسمع شيئًا.
كنتُ أحدّق في النافذة المكسورة فقط، وفي المقعد الفارغ الذي كان لي.
ثم نظرتُ إلى هاتفي.
رسالة جديدة، قصيرة، باردة، وحاسمة:
«قلتُ لكِ. لا تُخالفي ما أقول.»
وفي تلك اللحظة، أدركتُ الحقيقة التي حاولتُ إنكارها طويلًا:
هذا الشخص...
لا يحذّرني فقط.
إنه ينقذ حياتي.
مرّ أسبوعٌ كامل.
أسبوع بلا اهتزازات مفاجئة للهاتف،
بلا أرقام طويلة،
بلا تحذيرات تُلقى في وجهي كأوامر عسكرية.
لم أعرف كيف يُفترض أن أشعر.
هل أبتَهج؟
لأن حياتي عادت لي أخيرًا، بلا صوتٍ يعرف أكثر مما يجب؟
أم أحزن؟
لأن الصمت بعد كل ذلك الضجيج بدا... كفقدٍ غير معلن؟
أم أخاف؟
لأنني تعلمتُ أن الهدوء لا يأتي دون ثمن؟
حاولتُ أن أعود إلى حياتي الطبيعية،
والمفاجأة أنني نجحت.
حضرتُ المحاضرات، جلستُ في أماكن عادية، ضحكتُ مع ميا، تشاجرتُ معها على أشياء تافهة، وشربنا القهوة وكأن العالم لم يحاول قتلي قبل أيام. حتى الأستاذ جون... أصبح مجرد أستاذ رياضيات مرة أخرى، أو هكذا أقنعتُ نفسي.
في بعض الليالي، كنتُ أفتح هاتفي دون سبب،
أحدّق في الشاشة المظلمة،
وأنتظر... لا شيئًا محددًا، فقط شيئًا.
ثم أضحك على نفسي وأضعه جانبًا.
بدأتُ أصدّق أن الأمر انتهى.
أن الشخص المجهول أدّى مهمته، ثم اختفى كما جاء.
لكن في أعماقي، كنتُ أعرف الحقيقة التي لم أرد الاعتراف بها:
من يراقب المستقبل...
لا يختفي.
هو فقط ينتظر اللحظة المناسبة ليعود.
كنا أنا وميا قد اتفقنا على الذهاب إلى الحديقة في ذلك الصباح.
كان يوم عطلتنا، يومًا يفترض أن يكون هادئًا وبعيدًا عن كل ما أربك حياتي في الأسابيع الماضية.
وكالعادة... تشاجرنا.
قالت ميا وهي تقف أمام المرآة وتُمسك معطفها:
«قلتُ لكِ إن علينا الخروج الآن، قبل أن تزدحم الحديقة بالناس.»
رفعتُ رأسي من على السرير بكسلٍ واضح وقلت:
«ما زال الوقت مبكرًا. الحديقة لن تختفي إن تأخرنا قليلًا.»
التفتت إليّ، وقد ارتسم الضيق على ملامحها:
«أنتِ بطيئة على نحو غير معقول، يا آيريس.»
اعتدلتُ في جلستي وقلت بهدوء مصطنع:
«وأنتِ متوترة حتى في أيام العطلة. ألا تستطيعين الاسترخاء قليلًا؟»
ضحكت بسخرية خفيفة وقالت:
«هذا كلام من فتاة كاد العالم أن ينهار من حولها أكثر من مرة الأسبوع الماضي.»
نظرتُ إليها بجدية:
«ميا.»
رفعت يديها باستسلام قائلة:
«حسنًا، حسنًا. لكن على الأقل بدّلي هذا القميص. تبدين وكأنكِ ذاهبة إلى محاضرة، لا إلى نزهة.»
نظرتُ إلى نفسي، ثم إليها، وقلت:
«وأنتِ تبدين وكأنكِ في طريقكِ إلى جلسة تصوير، لا إلى حديقة.»
اقتربت مني وربتت على كتفي بخفة:
«هذا يُسمّى ذوقًا، لا مبالغة.»
ابتسمتُ رغماً عني، ونهضت أخيرًا:
«دقيقتان فقط وسأكون جاهزة.»
قالت وهي تتجه نحو الباب:
«سمعتُ هذه الجملة قبل عشر دقائق.»
ورغم هذا الجدال السخيف، شعرتُ براحة غريبة.
شجار بسيط، عادي، بلا خوف، بلا رسائل، وبلا مستقبلٍ يتدخل في تفاصيل يومنا.
حياة طبيعية...
أو على الأقل، ما يُشبهها.
كان اليوم مثاليًا على نحوٍ أربكني.
خرجنا إلى الحديقة أخيرًا، والهواء كان عليلًا يحمل رائحة العشب المبتل، كأن المدينة قررت أن تكون لطيفة معي ليوم واحد. الأشجار كانت خضراء على نحوٍ مبالغ فيه، والسماء صافية بلا غيمة واحدة تُذكّرني بأن شيئًا قد يسقط فجأة من الأعلى. مشينا بلا وجهة محددة، نتحدث عن أمور لا قيمة لها، ونضحك على تفاصيل صغيرة لم تكن لتضحكني قبل أسابيع.
جلسنا على مقعد خشبي قرب البحيرة، أراقب انعكاس الضوء على الماء، وأفكر أن هذا الهدوء هو ما كنت أفتقده دون أن أدرك. اشتريت قهوة ساخنة رغم دفء الطقس، فقط لأنني أردت أن أمسك شيئًا بيدي، شيئًا عاديًا لا يحمل إنذارًا ولا توقيتًا دقيقًا. ميا لم تتوقف عن الحديث، وأنا لم أمانع، بل تركت صوتها يملأ الفراغ الذي اعتدتُ أن يشغله القلق.
أكلنا، مشينا، عدنا، وكل شيء سار كما يجب أن يسير. لم يهتز هاتفي، لم ألتفت خلفي، ولم أشعر بأنني مراقبة. وللمرة الأولى منذ زمن، لم أفكر في الغد ولا في الاحتمالات ولا في الطرق التي يجب أن أتجنبها.
ومع ذلك، في أعماقي، كان هناك إحساس خافت، كظلّ لا يُرى بوضوح، يهمس لي بأن الأيام المثالية لا تأتي مجانًا. تجاهلتُه، وتمسّكتُ باللحظة، وقررتُ أن أعيش هذا اليوم كما هو.
لأنني، ببساطة، كنت أحتاج إلى يومٍ واحد...
أشعر فيه أن حياتي ملكي من جديد.
تمنّيتُ من كلّ قلبي أن أبقى على ذلك الحال، أن يمتدّ الهدوء يومًا آخر على الأقل. لكن يومي التالي في الجامعة كان الأسوأ دون منازع.
الطقس كان خانقًا، والبرد المفاجئ نشر الفيروسات في كل مكان، لذلك غاب معظم الأساتذة بدعوى المرض. لم يحضر سوى أستاذ واحد فقط: جون. الرجل الذي يكفي حضوره لتحويل يومٍ عادي إلى اختبار صبر طويل. وبحكم غياب البقية، تقرّر أن يتولّى هو المحاضرات الستّ كاملة دفعةً واحدة.
ستّ محاضرات.
ستّ ساعات.
صوت واحد.
لا رحمة.
دخل القاعة بنظرة منتصرة، كأن هذا الوضع قد خُلق خصيصًا له. أعلن بابتسامة باردة أننا "محظوظون" لأنه لن يتركنا دون علم، ثم بدأ الحديث دون توقف. لا استراحة، لا أسئلة، ولا حتى فرصة لالتقاط الأنفاس. القاعة امتلأت بالتنهّدات المكتومة، والطلاب بدأوا يتساقطون معنويًا واحدًا تلو الآخر.
جلستُ بجانب ميا، أحاول التركيز، لكن رأسي كان مثقلًا، وعيناي تؤلماني من السهر. الكلمات كانت تمرّ من أذنيّ دون أن تستقر. كل دقيقة كانت أطول من التي قبلها، وكل نظرة إلى الساعة كانت خيانة جديدة للأمل.
جون كان يشرح، يكتب، يمسح، ثم يشرح من جديد، وكأن الزمن لا يعنيه. وعندما انتهت المحاضرة الثالثة، شعرتُ أنني استنفدتُ كل طاقتي، ومع ذلك لم نكن حتى في منتصف اليوم.
في تلك اللحظة فقط، أدركتُ أن الأيام المثالية لا تختفي فجأة...
بل تُعاقَب.
بدأت ميا بالسخرية، وكأنها وجدت في هذا اليوم البائس مسرحًا مثاليًا لتهكمها المعتاد.
مالت نحوي وهمست، وهي تنظر إلى الأستاذ جون الذي كان لا يزال يكتب على السبورة بلا توقف:
«أتعلمين، آيريس؟ أظنّ أننا انتقلنا من جامعة إلى معسكر تأديبي. ينقصنا فقط أن يوزّع علينا أرقامًا.»
كتمتُ ابتسامة رغماً عني.
تابعت، وهي تقلّب قلمها بين أصابعها:
«ستّ محاضرات دفعة واحدة... هذا ليس تعليمًا، هذا انتقام. لا بدّ أنّ أحدًا كسر له قلبه هذا الصباح.»
ألقيتُ نظرة سريعة حولي لأتأكد أن أحدًا لم يسمعها، ثم همست:
«اخفضي صوتك، إن سمعكِ سنحصل على محاضرة سابعة مكافأة.»
اتسعت ابتسامتها، واقتربت أكثر:
«رائع! كنتُ أخشى أن أملّ.»
ثم أشارت برأسها إلى الساعة وقالت بنبرة درامية:
«انظري... خمس دقائق مرّت. إن استمرّ هذا المعدّل، سنغادر القاعة مع أحفادنا.»
ضحكتُ بصمت، للمرة الأولى منذ الصباح، وشعرتُ أن سخرية ميا—رغم كل شيء—كانت طوق النجاة الوحيد في بحر هذا اليوم الخانق.
وفجأة، شقّ صوته القاعة:
«آيريس... وميا.»
ساد صمت ثقيل، وتوقفت الأقلام عن الحركة لثانية واحدة. التفتُّ نحو ميا، فوجدتها ترفع حاجبيها بدهشة مصحوبة بابتسامة ساخرة لم تستطع إخفاءها.
همست وهي تنهض ببطء:
«يبدو أننا الثنائي المختار اليوم.»
وقفتُ أنا أيضًا، وتقدّمنا معًا نحو اللوح. كان الأستاذ جون يقف ويداه خلف ظهره، يراقبنا بنظرة لا تخلو من التوتر. كتب مسألتين منفصلتين، متباعدتين على اللوح، ثم قال بنبرة صارمة:
«كل واحدة منكما ستحلّ مسألة مختلفة. لا تشاور، ولا أخطاء.»
أشار إلى المسألة اليمنى:
«آيريس، هذه لكِ.»
ثم إلى اليسرى:
«وميا، تلك لكِ.»
ابتلعتُ ريقي وبدأتُ الحلّ، أحاول أن أعزل نفسي عن كل شيء: نظرات الطلاب، أنفاسي المتسارعة، ووجوده خلفي. إلى جانبي، كانت ميا تتمتم بين الحين والآخر، ثم تتوقف، ثم تعود للكتابة بعصبية واضحة.
مرّت الدقائق ثقيلة.
انتهيتُ أولًا، وتراجعت خطوة، أنظر إلى ما كتبت. لم أكن واثقة، لكنني لم أجد خطأً واضحًا. في تلك اللحظة، أطلقت ميا زفرة حادة وقالت بصوت منخفض:
«انتهيت... أو هكذا أظن.»
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.