وضع القراءة:

خفاء

رفع رأسه فجأة، وكأنّه شعر بنظري. التقت أعيننا لثانية واحدة. لم يبعد نظره فورًا هذه المرة، بل تأخّر جزءًا من الثانية... ثم تابع الشرح.
ذلك التأخير الصغير كان كافيًا.
لم يعد السؤال:
هل أعرفه؟
بل أصبح:
من أين أعرفه؟
انتهت المحاضرة الأولى دون أن أشعر بمرور الوقت، وتلتها الثانية على النحو نفسه. كان صوته يتراجع في أذني، كأنني أسمعه من خلف جدار سميك، بينما ظلّ بصري عالقًا بتفاصيل وجهه وحركاته. في نهاية الشرح، توقّف فجأة، وضع الطباشير على الحافة الخشبية، وزفر زفرة قصيرة لم يحاول إخفاءها.
قال بنبرة أقل صرامة من المعتاد:
«سنأخذ عشر دقائق استراحة.»
تحرّكت القاعة دفعة واحدة. كراسٍ تُسحب، أحاديث تُهمس، وضحكات خافتة تحاول كسر ثِقل المحاضرتين المتتاليتين. أمّا هو فبقي في مكانه لحظة أطول، أسند يده إلى الطاولة، وأغمض عينيه كمن يقاوم إرهاقًا قديمًا لا وليد اليوم.
راقبته من بعيد. بدا متعبًا... لا تعب أستاذ أنهكته الأرقام، بل تعب رجل يحمل أكثر مما ينبغي.
التفتت إليّ ميا وهي تمدّ ذراعيها بتكاسل.
«أقسم أنني سأحلم بالمعادلات اليوم.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة، ثم قلت دون تفكير:
«هل لاحظتِ... أنه يشبه أحدًا؟»
نظرت إليّ باستغراب.
«يشبه؟ من تقصدين؟»
هززتُ رأسي ببطء. «لا أعلم. هذا ما يزعجني.»
في تلك اللحظة، تحرّك من مكانه واتجه نحو باب القاعة، وكأنه يريد بعض الهواء. مرّ بالقرب من صفّنا، وحين أصبح على مسافة قريبة، التقط أنفه الرائحة الخفيفة التي لا تخطئها حواسي. رائحة صابون قديم... أعرفه. لم أستطع أن أربطها بذكرى واضحة، لكنها شدّت شيئًا عميقًا في صدري.
توقّف خطوة واحدة فقط، ثم قال بنبرة عابرة، كأنه يحدّث نفسه أكثر مما يحدّثنا:
«لا تنسوا أن تشربوا الماء... الإرهاق لا يظهر فجأة.»
جمُدت في مكاني.
كانت هذه الجملة... بذات الكلمات.
قالها لي أحدهم من قبل. منذ زمن بعيد.
وغادر.
تركني أحدّق في الفراغ، وأنا أدرك للمرة الأولى أن العشر دقائق القادمة لن تكون استراحة لي... بل بداية شيء لن أستطيع التراجع عنه.
مالتُ نحو ميا فجأة، وخفّضت صوتي كأن الجدران قد تسمعني.
«ميا... سنخرج من القاعة الآن.»
رمشت بدهشة. «ماذا؟ الاستراحة عشر دقائق فقط.»
شدَدتُ على حقيبتي، وشعرتُ بنبضي يتسارع. «يجب أن أعود إلى شقتي. فورًا.»
عقدت حاجبيها، ثم نظرت إلى وجهي بتمعّن. «آيريس، ما بكِ؟ أنتِ شاحبة.»
ابتلعتُ ريقي. لم أرد أن أشرح، لم أرد حتى أن أسمع نفسي أضع الفكرة في كلمات. قلت فقط، بصوت خرج أضعف مما أردت:
«أشكّ في شيء... شيء كبير. وإذا لم أتأكّد الآن، سأفقد عقلي.»
ترددت لثانية، ثم نهضت ميا وهي تزفر. «حسنًا، حسنًا. عندما تقولينها بهذه الطريقة أعرف أنه لا جدال.»
تسلّلنا بهدوء بين المقاعد بينما كان معظم الطلاب منشغلين بالهواتف أو الأحاديث. لم يلاحظنا أحد، أو هكذا أقنعتُ نفسي. عند الباب، توقّفت لحظة دون سبب واضح، شعور ثقيل شدّني إلى الخلف.
نظرتُ نحو المنصّة.
كان الأستاذ جون واقفًا عند النافذة الداخلية للقاعة، يحدّق إلى الخارج بلا تركيز. في اللحظة نفسها تقريبًا، التفت فجأة... والتقت أعيننا.
تجمّد كل شيء.
لم يكن في نظرته استغراب ولا انزعاج من خروج طالبة دون إذن. كان هناك شيء آخر، أعمق، أسرع من أن يُسمّى: قلق خاطف، غير معلن، ثم تداركه فورًا وأدار وجهه كأن شيئًا لم يكن.
ارتعشت يدي.
شدّتني ميا من كمّي. «آيريس، هيا.»
خرجنا إلى الممر. الهواء بدا أثقل، والضجيج أبعد، وكأن الجامعة بأكملها ابتعدت خطوة عني. بدأتُ أسير بسرعة، ثم أسرع، حتى كادت خطواتي تتحوّل إلى ركض.
«إلى شقتك؟» سألت ميا وهي تلهث قليلًا.
«نعم.»
ثم أضفت، وأنا أحدّق أمامي بعينين زائغتين:
«هناك شيء واحد فقط... إذا وجدته، سيتغيّر كل شيء.»
لم أسأل نفسي ماذا سأفعل إن كان شكي صحيحًا.
كنتُ أعرف فقط أن الحقيقة... أصبحت قريبة أكثر مما أحتمل.
أغلقتُ باب الغرفة خلفي في السكن الجامعي، وأسندتُ ظهري إليه لثوانٍ. كانت ميا تقف قرب النافذة، تعقد ذراعيها وتراقبني بصمت غير معتاد.
قلتُ فجأة، وكأن القرار اتُّخذ دون وعي:
«سأتصل بأمّي.»
رفعت ميا حاجبيها. «الآن؟»
أومأت. لم أشرح. لم أكن أملك الكلمات بعد.
جلستُ على طرف السرير، والهاتف بين يديّ بدا أثقل من المعتاد. ضغطتُ زر الاتصال، وانتظرت. رنّ مرة... مرتين... ثم جاء صوتها.
«آيريس؟ هل انتهيتِ من المحاضرات؟»
كان صوتها عاديًا، دافئًا، منزليًا إلى حدّ مؤلم.
«نعم،» قلت، ثم صمتُّ لحظة أطول مما ينبغي. «أمّي... أريد أن أسألك عن شيء غريب.»
«تفضّلي.»
ابتلعتُ ريقي. «هل تتذكرين... من كان يقول دائمًا: لا تنسوا أن تشربوا الماء... الإرهاق لا يظهر فجأة؟»
ساد صمت قصير في الطرف الآخر. لم يكن صمت انقطاع شبكة، بل صمت إنسان عاد فجأة إلى زمن آخر.
«لماذا تسألين؟» قالت أخيرًا.
أجبتُ بسرعة، وكأنني أخشى أن أتراجع: «سمعتها اليوم. وتذكّرتها دون سبب.»
تنفّست أمي بعمق. سمعتُ النفس بوضوح عبر الهاتف.
«هذه الجملة... كان يقولها والدك.»
تصلّبت أصابعي حول الهاتف.
«هل أنتِ متأكدة؟» سألتُ، رغم أنني لم أكن أبحث عن تأكيد.
«متأكدة تمامًا. كان يكرّرها علينا كثيرًا، خصوصًا في أيام الدراسة. كان يخاف من الإرهاق أكثر من أي شيء.»
لم أعلّق. شعرتُ بنظرات ميا تخترقني.
تابعت أمي، بنبرة أخفّ: «لماذا تعود هذه الأشياء فجأة؟»
قلتُ بهدوء مصطنع: «لا أعرف... ربما مجرد صدفة.»
أنهينا المكالمة بعد كلمات عابرة، لكن يدي بقيت معلّقة في الهواء، والهاتف لا يزال قرب أذني حتى بعد أن انقطع الصوت.
أنزلتُه ببطء.
ميا اقتربت خطوة واحدة فقط. «آيريس... وجهك تغيّر.»
نظرتُ إليها، ولم أستطع الابتسام. «هناك أشياء... لا يعرفها إلا شخص واحد.»
«ومن؟»
لم أجب مباشرة. صورة الأستاذ جون حضرت في ذهني دون استئذان: نبرة صوته، طريقته في التحذير، القلق الذي يتسلّل رغم صرامته.
قلتُ أخيرًا، بصوت خافت:
«أبي.»
وللمرة الأولى، لم يكن الشك صرخة في رأسي...
كان همسًا خطيرًا، هادئًا، يعرف طريقه جيدًا.
نظرت إليّ ميا طويلًا، وكأنها تعيد ترتيب كل ما قلته لها منذ سنوات في ذهنها. ثم قالت ببطء، وبنبرة لم يغب عنها التردّد:
«آيريس... ألم تقولي لي إنّ والدكِ توفّي؟»
أخفضتُ بصري إلى الأرض، وشعرتُ بأن الكلمات تثقل لساني.
«قالوا لي ذلك.»
رفعتُ رأسـي، والتقت عيناها بعينيّ.
«لكن الحقيقة... أنّ كل ما سمعته منهم هو أنّه اختفى فجأة.»
عقدت ميا حاجبيها. «اختفى؟ كيف يعني اختفى؟»
تنفّستُ بعمق، كأنني أفتح بابًا ظلّ مغلقًا سنوات.
«كنتُ صغيرة. لم يشرحوا لي شيئًا. قالوا إنّه رحل، وإنّ الحديث عنه لن يغيّر شيئًا. مع الوقت، تحوّلت كلمة اختفى إلى توفّي، دون قبر، دون وداع، دون حتى ذكرى واضحة.»
جلست ميا أمامي على السرير، وأسندت كفّيها إلى ركبتيها. لم تكن ساخرة هذه المرّة، ولا مازحة.
«آيريس... هذا فرق كبير.»
أومأتُ ببطء.
«أعرف. لكنني لم أجرؤ يومًا على التساؤل. حتى الآن.»
ساد الصمت بيننا. صمت ثقيل، لا يشبه صمت التعب، بل صمت اكتشاف شيء كان مختبئًا في العتمة طوال الوقت.
قالت ميا أخيرًا، بصوت أخفّ:
«وهذا... الأستاذ جون؟»
لم أنطق باسمه، لكن ملامحي كانت كافية.
«إن كان ما تفكّرين به صحيحًا،» تابعت ميا، «فهذا يعني أنّه لم يكن يراقبكِ من أجل العبث... بل لأنه لم يتوقّف يومًا عن أن يكون حاضرًا.»
شعرتُ بقشعريرة تسري في أطرافي.
لم أكن أعرف بعد إن كان هذا الاحتمال يبعث الطمأنينة أم الرعب.
كل ما عرفته في تلك اللحظة...
أنّ الماضي لم يمت.
وأنّ ما ظننته نهاية، كان مجرّد اختفاء.
رفعتُ رأسي بحزم، وكأن القرار تَشَكَّل داخلي أخيرًا بعد سنوات من التردّد.
«سأذهب وأتحدّث معه بعد انتهاء الدوام اليوم.»
نظرت إليّ ميا بدهشة خالصة. «هكذا؟ مباشرة؟»
أومأتُ، رغم أن قلبي كان يخون ثباتي.
«لا أعرف كيف، ولا ماذا سأقول، لكنني لم أعد أحتمل هذا الشعور. إن بقيتُ صامتة سأختنق.»
وقفتُ، بدأتُ أرتّب حقيبتي بلا وعي، أُغلق السحّاب ثم أفتحه، كأنني أهرب من أفكاري إلى حركة يديّ.
«إن كنتُ مخطئة، فسأخسر لحظة محرجة فقط. أمّا إن كنتُ على حق...»
توقّفتُ، ولم أُكمل.
اقتربت ميا منّي، وضعت يدها على كتفي. «سأكون قريبة. إن احتجتِ شيئًا، اتصلي بي فورًا.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة. «أعرف.»
عاد اليوم الدراسي يزحف ببطء قاتل. كنتُ أرى الأستاذ جون في الممرات، في الساحة، عند السلالم... وفي كل مرة كنتُ أشعر بأن المسافة بيننا ليست أمتارًا، بل سنوات كاملة من الأسئلة المؤجّلة.
انتهى الدوام أخيرًا.
رأيته يجمع أوراقه في القاعة، وحده. الطلاب غادروا، والضجيج خفَت. هذه هي اللحظة، قلت لنفسي. إن لم أتحرّك الآن، فلن أفعل أبدًا.
تقدّمتُ خطوة... ثم أخرى.
كان ظهري مشدودًا، وأنفاسي غير منتظمة. توقّف عن الكتابة، رفع رأسه، ورآني.
قال بهدوء معتاد: «نعم، يا آيريس؟ هل تحتاجين شيئًا؟»
سمعتُ اسمي من فمه، وشعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي.
ابتلعتُ ريقي، وتكلّمت، أخيرًا:
«نعم... أحتاج. لكن ليس كطالبة.»
ساد صمت قصير، صمت لم يكن عاديًا.
رأيتُ في عينيه شيئًا يتغيّر. حذر؟ توتّر؟ أم شيء أعمق من ذلك بكثير؟
وضع القلم جانبًا ببطء.
«تفضّلي،» قال. «أنا أستمع.»
وفي تلك اللحظة، أدركتُ أنّ كل ما سيأتي بعدها...
لن يُغيّر يومي فقط،
بل سيُعيد كتابة حياتي كاملة.
جلستُ، وشبكتُ يديّ فوق ركبتيّ كي لا يلاحظ ارتجافهما.
«لا أعرف إن كان ما سأقوله منطقيًا، وربما أكون أبالغ... لكن هناك شيء يزعجني منذ فترة.»
قال بهدوءه المعتاد: «اسمعك.»
تردّدتُ لحظة، ثم تابعت:
«أنتَ... تعرف عني أشياء لا يعرفها معظم الناس. أشياء صغيرة، لكنها دقيقة. اليوم، حين سألتني عن بخاخ الربو—»
رفعتُ عينيّ إليه.
«لم يكن سؤال شخصٍ عابر.»
لمعت نظرة سريعة في عينيه، واختفت فورًا.
«هذا استنتاجكِ.»
هززتُ رأسي. «لا. هذا شعوري.»
ساد صمت قصير، ثم قلتُ:
«هناك جملة... سمعتها كثيرًا في طفولتي. لم تكن شائعة، ولم أسمعها من أحد بعد ذلك.»
ابتلعتُ ريقي.
«اليوم، قلتَها بالحرف الواحد.»
تغيّر وجهه. هذه المرّة لم يستطع إخفاء ذلك. شدّ فكه، وكأنه نطق باسم لا يريد سماعه.
قال ببطء: «وما هذه الجملة؟»
«"لا تنسوا أن تشربوا الماء... الإرهاق لا يظهر فجأة."»
اتّسعت عيناه للحظة، ثم خفَض بصره. لم يُجب.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.