فجر
ساد الصمت بيننا.
ثم شعرتُ بشيءٍ غريب... ليس خوفًا هذه المرة، بل ثِقل فهمٍ متأخر.
لم يكن "مجنون المستقبل".
لم يكن شخصًا مجهولًا.
كان أبًا،
يراقب من بعيد،
يحذّر دون أن يظهر،
ينقذ دون أن يُنقذ نفسه.
ضحكتُ ضحكة باهتة. «يا للمفارقة... حتى حين كان ينقذني، كان يطلب مني ألا أثق به.»
قالت ميا بهدوء: «ربما لأنه يعرف نفسه جيدًا.»
أغلقتُ الهاتف، ووضعته إلى جانبي.
لم أشعر بالراحة.
ولم أشعر بالسلام.
لكنني أخيرًا فهمت.
الخطر لم يكن فقط في النوافذ، ولا في الطرق، ولا في المستقبل الذي كان يراه.
الخطر الحقيقي...
كان في حبٍّ لم يُعش،
وفي أبٍ قرر أن يحميني... بأن يبتعد.
وللمرة الأولى، سألتُ نفسي سؤالًا أخاف إجابته:
إذا عاد مجددًا...
هل سأثق به؟
لم أنم تلك الليلة.
تمدّدتُ على سريري في السكن الجامعي، أراقب ظلّ الستارة وهو يتحرّك مع هواء الليل، وأفكاري تتزاحم بلا نظام. كل جملة قالها كانت تعود إليّ بلهجة مختلفة، أكثر قسوة، أكثر وضوحًا.
«لا تثقي بي.»
لم تكن تحذيرًا... كانت اعترافًا.
في الصباح، بدا كل شيء طبيعيًا على نحوٍ مستفز. الطلاب، الضجيج، القاعة نفسها، المقعد نفسه. وحدي كنت أشعر أنني أحمل سرًّا أثقل من أن يُحتمل.
دخل هو.
الأستاذ جون.
وقف أمام السبورة، وضع حقيبته بهدوء، وبدأ يكتب وكأن شيئًا لم يحدث. وكأن الليلة الماضية لم تكن موجودة. وكأنني لست ابنته التي واجهته، ولا الطالبة التي طردها بيده.
رفعتُ عينيّ إليه دون قصد.
لم ينظر إليّ.
لكنني رأيت ما لم أره من قبل: التوتّر الخفيف في كتفيه، التوقّف القصير قبل كل جملة، الطريقة التي كان يتجنّب بها الجانب الذي أجلس فيه. لم يكن صارمًا اليوم... كان حذرًا.
همست ميا: «هل أنتِ بخير؟»
أومأتُ، كذبة صغيرة أخرى.
في منتصف المحاضرة، سقط قلم من يدي. انحنيتُ لالتقاطه، وحين رفعتُ رأسي، التقت عيناي بعينيه لثانية واحدة فقط.
ثانية كانت كافية.
لم يكن في نظرته خوف، ولا غضب...
كان فيها شيء واحد فقط: رجاء.
كأنه يقول لي بصمت: اتركيني أبتعد.
بعد انتهاء الدوام، خرجتُ من القاعة ببطء. لم ألحق به هذه المرة. لم أصرخ باسمه. لم أطالب بإجابات.
اكتفيتُ بالمشاهدة وهو يبتعد بين الناس، رجلًا عاديًا، يحمل سرًّا غير عادي.
وصلتني رسالة في المساء.
رقم مجهول.
جملة واحدة.
«هذا آخر ما سأكتبه لكِ. المستقبل الذي لا أكون فيه... هو الأكثر أمانًا لك.»
أغلقتُ الهاتف.
للمرة الأولى، لم أشعر بالحاجة إلى الرد.
لم أشعر بالحاجة إلى الفهم.
أدركتُ شيئًا أخيرًا:
بعض الحقائق لا تُعاش لتُصلَح،
بل لتُعرَف... ثم تُترك.
وقد تركته.
في اليوم التالي، دخلتُ القاعة وأنا أشعر بثِقلٍ غير مرئي فوق صدري.
جلستُ في مكاني المعتاد، لكنني هذه المرة كنتُ واعية لكل تفصيلة: لصوت الخطوات، لاحتكاك المقاعد، وحتى لنبضي الذي كان أعلى من اللازم.
دخل الأستاذ جون.
منذ اللحظة الأولى، شعرتُ بنظره عليّ. لم يكن ينظر مباشرة، بل كان يمرّ بعينيه فوق القاعة... ثم يعود إليّ، كأن شيئًا يشدّه رغماً عنه. حاولتُ أن أبدو طبيعية، أن أدوّن ما يكتبه، أن أكون مجرد طالبة بين عشرات، لكن نظراته كانت تُربكني.
كنتُ أعرف.
أنا سبب تشتّته.
توقّف فجأة عن الشرح، واستدار نحو السبورة، وبدأ يكتب.
معادلة طويلة، متشابكة، أسطر فوق أسطر، رموز لم نأخذها بعد، وتعقيد بدا متعمّدًا. ساد صمت ثقيل في القاعة.
استدار نحونا وقال بصوت ثابت أكثر مما ينبغي: «من يحلّها؟»
لم يرفع أحد يده.
نظر إليّ مباشرة هذه المرة، دون تردّد. «آيريس. تعالي.»
تجمّد الدم في عروقي.
وقفتُ ببطء، شعرتُ بكل الأنظار تلاحقني. اقتربتُ من السبورة، حدّقتُ في المعادلة. لم تكن صعبة فحسب... كانت غريبة. كأنها كُتبت لتُربك، لا لتُحل.
قال من خلفي: «لديكِ وقت. وإن لم تعرفي الحل... ستغادرين القاعة.»
لم يكن تهديد أستاذ لطالبة.
كان اختبارًا.
أمسكتُ الطباشير، وبدأتُ أكتب. حاولتُ أن أتذكّر، أن أربط، أن أستند إلى أي منطق أعرفه. خطوتان بدتا صحيحتين... ثم فراغ. تردّدتُ. مسحتُ سطرًا. أعدتُ الكتابة.
قال بصوت منخفض: «ركّزي.»
ارتجفت يدي.
كنتُ أعرف أنني لا أفشل لأنني لا أفهم، بل لأنني أفهم أكثر مما ينبغي. أفهم من يكون، وأفهم لماذا ينظر إليّ هكذا، وأفهم أن هذه المعادلة ليست المشكلة الحقيقية.
توقّفتُ.
استدار نحوي وقال، بنبرة حاول أن يجعلها قاسية: «يكفي. اجمعي أغراضك.»
ساد همس في القاعة.
أنزلتُ الطباشير ببطء، وعدتُ إلى مقعدي. لم أجادله. لم أحتجّ. كنتُ متأكدة الآن.
أنا لستُ تلميذته فقط.
أنا ضعفه.
خرجتُ من القاعة، وخلفي بابٌ أُغلق بصوتٍ بدا أعلى مما يجب.
وفي الممرّ، أدركتُ حقيقة واحدة مؤلمة:
لم يكن يطردني لأنني أخطأت...
كان يطردني لأنه لم يعد قادرًا على أن يراني.
خرجتُ من القاعة وأنا أشعر بفراغٍ غريب، لا يشبه الغضب ولا الحزن، بل شيئًا بينهما، كأن قلبي توقّف عن الاحتجاج واستسلم. جلستُ على أحد المقاعد في الممر، أحدّق في الأرض، أعدّ البلاطات دون وعي، محاوِلة أن أستعيد أنفاسي.
بعد نحو ساعة، خرجت ميا مسرعة تبحث بعينيها عني. ما إن رأتني حتى جلست إلى جانبي دون أن تقول شيئًا في البداية، ثم تنفّست بعمق وقالت بنبرة مترددة: «تعرفين... بعد خروجك، تغيّر تمامًا.»
رفعتُ رأسي ببطء. «كيف؟»
قالت وهي تعقد ذراعيها: «عاد يشرح بتركيز غريب، كأن شيئًا ثقيلاً أزيح عن صدره. حتى أنه...» توقّفت لحظة، ثم أضافت بدهشة «...مزح معنا. تخيّلي! أطلق نكتة عن المعادلة نفسها، وضحك الطلاب.»
ابتسمتُ ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيّ. «إذًا نجح الأمر.»
نظرت إليّ ميا باستغراب. «أيّ أمر؟»
«أن أخرج.»
سادت لحظة صمت. ثم قالت بصوت أخفض: «آيريس... هذا ليس طبيعيًا. لا أحد يطرد طالبة ثم يصبح أفضل حالًا بعدها.»
لم أجب. كنتُ أعرف الجواب، لكنني لم أعد أحتمله.
وجودي كان يربكه، وغيابي يريحه. فكرة بسيطة... وقاسية.
وقفتُ، حملتُ حقيبتي، وقلت: «هيا، لنذهب. لا أريد أن أبقى هنا اليوم.»
مشينا معًا في الممر الطويل، وكنتُ أشعر وكأن كل خطوة تُبعدني عنه، لا جسديًا فقط، بل عن تلك الصورة التي رسمتها له في داخلي. صورة الأب، المنقذ، الرجل الذي كان يراقبني من الظل ليحميني.
الآن، لم يبقَ سوى الحقيقة العارية:
أنا جزء من ماضيه الذي يحاول الهرب منه، وهو جزء من مستقبلي الذي لا أعرف كيف أعيشه.
وفي تلك اللحظة، تمنّيتُ لو عاد مجنون المستقبل، لو أرسل رسالة واحدة فقط، أي رسالة...
لكن هاتفي ظلّ صامتًا، كأنه يوافقه الرأي هذه المرة:
بعض الحقائق لا تحتاج تحذيرًا... لأنها تحدث على مهل، وتوجع أكثر.
في اليومين التاليين، عاد كل شيء إلى شكله الطبيعي... على الورق فقط.
المحاضرات، الممرات، الوجوه ذاتها، الضجيج ذاته. كنتُ أحضر، أجلس، أدوّن، أجيب أحيانًا، وأصمت كثيرًا. لا أحد لاحظ الشرخ الصغير الذي انفتح داخلي، ولا الفراغ الذي تركه صمت الرسائل. كأن العالم اتفق سرًّا على المضيّ قدمًا، بينما بقيتُ أنا عالقة في منتصف فكرة لم تكتمل.
جون—الأستاذ جون—لم ينظر إليّ.
ليس تجاهلًا فظًّا، بل تجاهل متقن، احترافي، كأنه تعلّم أخيرًا كيف يجعلني غير مرئية. كان يشرح بهدوء، يبتسم حين يلزم، ويمازح الطلاب بذكاء خفيف. الرجل نفسه الذي أربكني، أخافني، وأنقذني... بدا الآن مستقرًا، كأن شيئًا لم يحدث قط.
ميا، وحدها، كانت تراقبني أكثر مما تراقبه.
قالت لي ذات صباح ونحن ننتظر القاعة تُفتح:
«تعرفين؟ أنا أكره هذا الهدوء.»
رفعتُ حاجبيّ. «الهدوء أفضل من الفوضى.»
هزّت رأسها. «ليس حين يكون مصطنعًا. كأن الجميع يتظاهر بأن شيئًا لم ينكسر.»
لم أعلّق. لأنني كنتُ أعرف: الذي انكسر لم يكن مشهدًا... بل علاقة لم تبدأ أصلًا.
مرّ أسبوع.
ثم آخر.
ولا رسالة.
في البداية، كنتُ ألتقط هاتفي بلا وعي، أتحقق من الإشعارات، ثم أضعه جانبًا. بعد أيام، صرتُ أتجاهله عمدًا. أقنعت نفسي أنني لا أحتاج تحذيرات لأعيش. أنني قادرة على الاعتماد على حدسي، على عقلي، على الصدفة مثل الجميع.
لكن في مساء هادئ، وأنا أعبر الساحة الخارجية للحرم الجامعي وحدي، توقّفت فجأة.
شعورٌ غريب... ذلك الإحساس القديم، الذي كان يسبق دائمًا اهتزاز الهاتف.
نظرتُ حولي.
لا شيء.
خطوتُ خطوة أخرى، ثم توقّفت ثانية. قلبي تسارع بلا سبب واضح. التفتُّ إلى الوراء... وفي تلك اللحظة مرّت دراجة مسرعة على بعد سنتيمترات منّي، كادت تصطدم بي لولا أنني تجمّدت مكاني.
وقف صاحبها يصرخ معتذرًا، وأنا أومئ له دون أن أسمع كلماته حقًا.
ابتعد، وبقيتُ وحدي.
لم يحدث شيء كبير.
لم أُصب.
لم أسقط.
لكنني أدركتُ الحقيقة التي كنت أؤجّلها:
كنتُ أنجو سابقًا لأن أحدهم كان يرى قبل أن أرى.
عدتُ إلى غرفتي تلك الليلة، وجلستُ على سريري، والهاتف في يدي. لم أكتب له. لم أسأله. لم أعاتبه.
فقط همستُ، كأنّه يسمعني:
«إن كنتَ تراقب... فأنا بخير.
وإن كنتَ قد قرّرت الرحيل... فسأحاول أن أكون كذلك.»
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!