وضع القراءة:

لقاء

نهضت ميا بتردد، تقدّمت نحو اللوح وهي تحاول أن تبدو واثقة، لكن خطواتها كانت تفضح ارتباكها. أما أنا، فجلست أراقب المشهد بشعور غريب يتكوّن داخلي.
لم يكن إحراج ميا ما شغلني.
بل ذلك السؤال الذي لم أجد له جوابًا:
لماذا نظر إليّ... ثم تجاهلني؟
وبالطبع... كان حلّ ميا خاطئًا.
خاطئًا لدرجة مؤلمة.
توقفت أمام اللوح، ترددت، كتبت رقمًا، مسحته، ثم كتبت آخر بلا ثقة. حاولت أن تشرح، لكن كلماتها خرجت متقطعة، كأنها تبحث عن منقذ غير موجود.
قاطعها الأستاذ جون بحدة لم نعتدها منه.
قال بنبرة جافة، بلا ابتسامة ولا صبر:
«هذا خطأ من الأساس. لو ركّزتِ قليلًا للاحظتِ أن المعادلة لا تُحل بهذه الطريقة.»
ساد الصمت القاعة.
شعرتُ بميا تنكمش أمام اللوح، أذناها احمرّتا، وكتفاها انخفضا. حاولت أن تبتلع إحراجها وتعود إلى مكانها بأسرع ما يمكن، بينما كان هو يمحو ما كتبته بحركات عصبية.
جلست ميا بجانبي وهمست بغضب مكتوم:
«أقسم أنني كنت آكل بسلام.»
كدتُ أبتسم، لكن شيئًا في داخلي كان مشدودًا أكثر من اللازم.
لم يكن توبيخه هو ما أقلقني.
بل تلك القسوة المفاجئة...
وكأنه كان غاضبًا من شيء أكبر بكثير من إجابة خاطئة.
وفجأة، شقّ صوته أفكاري:
«آيريس، تعالي وحلّي هذه المسألة.»
رفعتُ رأسي فورًا، وكأن القاعة كلّها اختفت ما عدا اللوح وصوته. نهضتُ بهدوء وتقدّمت، شعرتُ بنظرات الطلبة تلاحقني، وميا تراقبني بترقّب صامت.
لكنّه لم يكتفِ بذلك.
قال، وهو ينظر إليّ نظرة لا أستطيع تفسيرها:
«وكوني واحدة من صنعك... واختاري أحدًا ليحلّها معك. لكن لا مجال للخطأ.»
توقفتُ للحظة.
واحدة من صنعك؟
العبارة علقت في ذهني أكثر من المسألة نفسها.
التفتُّ إلى الصف، عيني تمرّ على الوجوه، ثم اخترتُ اسمًا عشوائيًا تقريبًا. لم أرد إحراج ميا مرة أخرى.
بدأتُ الحل.
خطوة خطوة، بثبات أعرفه جيدًا. الأرقام انسجمت، المعادلة انفتحت كأنها تنتظرني. شرحتُ بهدوء، بلا تسرّع، بلا تردد.
لم أقع في خطأ واحد.
عندما انتهيت، ساد صمت قصير.
ثم أومأ الأستاذ جون برأسه، ببطء.
لكن بدل أن يقول صحيح، أو أحسنتِ، اكتفى بجملة واحدة أربكتني أكثر من أي توبيخ:
«هكذا... تمامًا كما توقّعت.»
عدتُ إلى مكاني، وقلبـي يدقّ أسرع من اللازم.
لأنني لم أكن متأكدة:
هل كان يتحدث عن الحل...
أم عني؟
خرج من القاعة قبل انتهاء الوقت، على غير عادته.
قال وهو يجمع أوراقه بسرعة:
«سأحضر شيئًا وأعود حالًا.»
أُغلق الباب خلفه، وبقينا جالسين، ضجيج خافت، بعض الطلبة أخرجوا هواتفهم، وآخرون بدأوا يتحدثون بلا اهتمام.
مالت ميا نحوي وقالت بسخرية خفيفة:
«هل لاحظتِ أنه يتصرف وكأننا في فيلم غموض رخيص؟»
كِدتُ أجيبها...
لكن هاتفي اهتز في يدي.
نظرتُ إلى الشاشة.
رقم غريب.
طويل.
غير محفوظ.
رسالة واحدة فقط، بلا مقدمات:
«اخرجي من القاعة وحدك. الآن.»
تجمّدت.
شعرتُ ببرودة تسري في أطرافي، وكأن الكلمات لم تكن مجرد تحذير هذه المرة، بل أمرًا. رفعتُ رأسي ببطء، نظرتُ حولي... لا شيء مختلف، لا خطر ظاهر، لا سبب مقنع.
همست ميا:
«ما بكِ؟ شحب وجهك.»
ابتلعتُ ريقي وقلتُ بسرعة، محاوِلةً أن أبدو طبيعية:
«سأخرج قليلًا... أحتاج هواء.»
عقدت حاجبيها:
«الآن؟»
أومأتُ.
لم أشرح. لم أستطع.
نهضتُ، التقطتُ حقيبتي، وتوجهتُ نحو الباب. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها، وكأن القاعة تحاول إبقائي داخلها.
وحين لامستُ المقبض، خطر لي سؤال واحد فقط، مرعب وبسيط:
ماذا لو لم أخرج؟
تراجعت.
سحبتُ يدي عن المقبض، وكأنني لم ألمسه أصلًا. شعرتُ فجأة بثقلٍ غريب في صدري، ثقل ليس خوفًا... بل سخط.
مللتُ.
مللتُ من التحذيرات، من الأوامر، من أن أتحرك وفق كلمات مجهولة تأتي من شاشة باردة.
عدتُ إلى مقعدي وجلست.
نظرت إليّ ميا باستغراب واضح، قبل أن أخرج هاتفي وأريها الرسالة. قرأت بصمت، ثم رفعت رأسها ببطء.
قالت، بنبرة أقل سخرية من المعتاد:
«آيريس... هذا ليس طبيعيًا.»
تنهدتُ، وقلت وأنا أحدق أمامي:
«أعلم. لكنني تعبت من تغيير طريقي كل مرة. تعبت من الهروب من أشياء لا أراها. إن كان سيحدث شيء... فليحدث.»
وضعت ميا يدها على ذراعي، محاولة أن تكون هادئة رغم القلق الذي لم تستطع إخفاءه:
«لكن إلى الآن، كل ما قاله كان صحيحًا.»
أدرتُ وجهي نحوها، وقلت بصوت منخفض لكنه حاسم:
«وهذا بالضبط ما يخيفني.»
ساد بيننا صمت قصير، ثقيل، كأن القاعة كلها تحبس أنفاسها معنا.
وفي داخلي، شعور غامض بدأ يتشكل... شعور بأن قراري هذا، بالذات، لن يمرّ بلا ثمن.
عاد الأستاذ بعد دقائق، دخل القاعة بخطوات سريعة، وأول ما فعله... أنه نظر إلى مكاني.
ليس نظرة عابرة.
بل نظرة دقيقة، كأنه يتأكد من شيء ما.
ثم التفت إلى اللوح وبدأ يكتب.
معادلة عملاقة، متشابكة، مليئة بالرموز التي لم أرَها مجتمعة من قبل. لم تكن مسألة من درس سابق، ولا حتى من المنهج الذي نعرفه. شعرتُ بانقباض في معدتي.
هذا ليس مما تعلّمناه.
أنا متأكدة.
تبادلتُ نظرة سريعة مع ميا، فهزّت رأسها نفيًا، بنفس الارتباك.
قال الأستاذ جون بصوت هادئ أكثر من اللازم:
«هذا... درس جديد.»
ثم استدار فجأة، ونطق اسمي:
«آيريس. تفضّلي.»
تجمّد الهواء في صدري.
أكمل، بنبرة لم تترك مجالًا للاعتراض:
«إن لم تعرفي الحل... ستغادرين القاعة.»
ساد الصمت.
لا همسات، لا حركة، فقط دقات قلبي التي شعرتُ بها أعلى من أي صوت آخر.
نظرتُ إلى اللوح مرة أخرى.
لم أعرف من أين أبدأ.
ولا لماذا أنا بالتحديد.
وفي تلك اللحظة، أدركتُ شيئًا مرعبًا:
هذا لم يكن اختبارًا في الرياضيات.
كان اختبارًا لي.
حاولتُ.
كتبتُ خطوة أولى، ثم ثانية، لكن الأرقام لم تنسجم. شيء ما كان مكسورًا في الحل، غير متوازن، غير منطقي. توقفتُ، نظرتُ إلى ما كتبتُه، وشعرتُ بذلك الإحساس المألوف حين أعرف أنني أسير في الاتجاه الخاطئ.
مسحتُ اللوح ببطء.
جربتُ مرةً أخرى. بدأتُ من زاوية مختلفة، حاولتُ أن أتعامل معها كمسألة أعرفها، كأنها تخفي نفسها خلف قناع معقّد. لكن النتيجة كانت أسوأ. الفراغ بين الخطوات كان واضحًا، والإجابة لم تقنعني قبل أن تقنع أي أحد آخر.
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه.
كان يراقبني بهدوء مزعج، بلا تعابير، بلا استعجال.
قال كلمة واحدة فقط:
«خطأ.»
ثم أضاف، وهو يشير بيده إلى مقعدي:
«اجمعي أغراضك... واخرجي.»
ساد صمت ثقيل في القاعة.
شعرتُ بعيون الجميع عليّ، وميا تنظر إليّ بصدمة لم تحاول إخفاءها.
لم أجادل.
لم أسأل لماذا.
لم أطلب فرصة أخرى.
عدتُ إلى مقعدي، جمعتُ حقيبتي بيدين ثابتتين على غير المتوقع، ووقفت. قبل أن أصل إلى الباب، خطر لي سؤال واحد فقط، واضح وقاسٍ:
هل عوقبتُ لأنني أخطأت في الحل...
أم لأنني لم أخرج عندما طُلب مني ذلك؟
توقفتُ قبل الباب.
استدرتُ نحوه، وجمعتُ ما تبقّى لديّ من جرأة، وقلتُ بصوت حاولتُ أن أجعله ثابتًا:
«لكننا لم نتعلّم هذا بعد. هذه ليست مسألة من المنهج، ولا من أي درس سابق.»
لم يرفع صوته.
لم يبدُ غاضبًا حتى.
نظر إليّ نظرة طويلة، ثم قال ببرود قاطع:
«هذا ليس محل نقاش، آنسة آيريس.»
خطوتُ خطوة أخرى إلى الداخل، وكدتُ أضيف شيئًا، لكنّه قاطعني فورًا:
«إن لم تخرجي الآن... فلن تحضري أي محاضرة أخرى لي طوال الفصل.»
تجمّدت الكلمات في حلقي.
ذلك لم يكن تهديدًا عابرًا.
كان قرارًا.
نظرتُ إلى ميا، التي كانت تهزّ رأسها بخفّة، ترجوني أن أخرج. لم أكن خائفة من الطرد، بل من السبب الحقيقي وراءه.
خفضتُ رأسي أخيرًا، وقلت بهدوء:
«حسنًا.»
فتحتُ الباب، وخرجت.
أُغلق الباب خلفي بصوت بدا أعلى مما ينبغي، وتركني في الممرّ الفارغ، وحدي...
جلستُ في الكافيتيريا أنتظر المحاضرة التالية.
كانت تلك المرة الأولى التي أُطرَد فيها من محاضرة، أو من أي حصة طوال حياتي الدراسية. لم أكن أعرف ماذا أفعل بوقتي، ولا أين أضع ذلك الشعور الثقيل الذي استقر في صدري.
من حولي، كانت الحياة تسير كالمعتاد.
ضحكات، فناجين قهوة، طلبة يشتكون من الواجبات وكأن شيئًا لم يحدث. أما أنا، فكنتُ أشعر وكأنني خرجتُ لتوّي من عالمٍ آخر، عالم لا يعرفه أحد سواي.
نظرتُ إلى ساعتي أكثر من مرة، لا لأن الوقت كان بطيئًا، بل لأنني لم أصدق أنني فعلت ذلك.
أن أُطرَد... أنا.
تساءلتُ إن كان عليّ أن أغضب، أو أن أبكي، أو أن أضحك بسخرية. لكنني لم أفعل شيئًا من ذلك. فقط جلست، أراقب انعكاس وجهي في زجاج النافذة، وأفكر:
هل كان هذا ثمن قراري؟
هل بدأتُ أخيرًا أدفع مقابل تجاهلي للرسائل؟
وضعتُ هاتفي أمامي على الطاولة.
ظل صامتًا.
وللمرة الأولى منذ زمن، لم أعرف إن كنتُ أريده أن يهتز...
أم أخشى أن يفعل.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.