وضع القراءة:

ظل

قلتُ وأنا أنظر إلى الهاتف في يدي:
«إن كان صادقًا هذه المرّة أيضًا... فلا بد أن شيئًا سيحدث في الشقة.»
قالت ميا بلهجة حاسمة:
«إذن لن نكون هناك.»
تابعتُ السير بجانبها، وأنا أدرك أمرًا واحدًا فقط:
مهما كان ما ينتظرنا،
فأنا لن أواجهه وحدي.
ذهبنا إلى مقهى قريب من الجامعة، واخترنا طاولة في الزاوية. فتحنا دفاترنا، وبدأنا بالدراسة بجدّ، وكأننا نحاول الهروب من كل شيء بالتركيز. الغريب أننا لم نشعر بالوقت وهو يمرّ. الأرقام والكلمات شغلتنا، وأصوات المقهى أصبحت خلفية بعيدة.
حتى اقترب منّا النادل أخيرًا وقال بلطفٍ متعب:
«نعتذر، سنغلق المقهى الآن. عليكم العودة إلى منازلكما.»
نظرتُ إلى الساعة.
كانت الثانية عشرة تمامًا.
رفعتُ رأسي ببطء، والتقت عيناي بعيني ميا. لم نتبادل كلمة واحدة، لكن كل شيء كان مفهومًا بيننا. جمعنا أغراضنا بسرعة، وخرجنا إلى الشارع.
كانت نيويورك مختلفة في منتصف الليل. أهدأ، أبرد، وأوسع مما يجب. فتاتان تسيران وحدهما، ثم نركضان حرفيًا، خطواتنا تتردّد في الشوارع شبه الفارغة، وكل واحدة منّا تفكّر في الشيء نفسه دون أن تنطق به.
عندما وصلنا إلى المجمع السكني، دخلنا ونحن نلهث... لنجد عمال الصيانة يخرجون من المدخل، يحملون أدواتهم ويتبادلون الحديث.
سألتهم ميا بقلق:
«ماذا حدث؟»
أجاب أحدهم ببساطة:
«انقطاع في مياه الشرب. كنّا نصلح الخلل.»
نظرتُ حولي.
لا فوضى.
لا شرطة.
ولا شيء مخيف.
لكن قلبي لم يهدأ.
لأن الرسالة لم تقل إن شيئًا كارثيًا سيحدث.
قالت فقط: لا تعودي قبل الثانية عشرة.
وقد التزمنا بها.
صعدت كلّ واحدةٍ منا إلى غرفتها.
توقّفنا عند الدرج لثوانٍ قصيرة، نظرت إليّ ميا وكأنها تريد أن تقول شيئًا، ثم تراجعت عن الفكرة. اكتفت بابتسامة صغيرة، متعبة، وقالت:
«تصبّحي على خير... حاولي أن تنامي.»
أومأتُ لها، رغم علمي أن النوم لم يعد قرارًا بيدي.
دخلتُ غرفتي وأغلقت الباب خلفي بهدوء. هذه المرّة، لم أُغلقه بدافع الخوف، بل بدافع الإرهاق. وضعت حقيبتي جانبًا، وجلست على حافة السرير، أستمع إلى الصمت. كان صمتًا مختلفًا... ليس مريحًا، لكنه ليس مهدِّدًا أيضًا.
كل شيء كان في مكانه.
لا أثر لفوضى، ولا ماء متسرّب، ولا شيء يدلّ على أن غيابي أنقذني من خطرٍ واضح. ومع ذلك، شعرتُ بأنني نجوتُ من شيءٍ لا أستطيع تسميته.
وضعتُ الهاتف على الطاولة، وتردّدت قبل أن أنظر إليه مرة أخرى.
لم تأتِ رسالة جديدة.
تمدّدتُ أخيرًا، ووجهي نحو السقف، أفكّر في أمرٍ واحد فقط:
إن كان يعرف متى لا أكون هنا...
فماذا يعرف أيضًا عن الأوقات التي أكون فيها؟
استيقظتُ في منتصف الليل على أثر كابوسٍ مزعج.
أنفاسي متسارعة، وقلبي يخفق بعنف، وقطرات العرق البارد تغطّي جبيني. جلستُ في السرير محاوِلةً استجماع قواي، وأنا أشعر بأن الحلم لم يتركني تمامًا، كأن جزءًا منه ما زال عالقًا في الغرفة.
نظرتُ إلى الظلام من حولي، ثم إلى الهاتف الملقى قرب الوسادة.
لم أكن أريد لمسه.
لكنني فعلت.
كتبتُ له، أصابعي ترتجف:
من أنت؟
لماذا تعرف ما سيحدث في المستقبل؟
كيف؟
تردّدتُ ثانيةً، ثم أرسلت الرسالة.
وما إن فعلت، حتى ظهر أمامها مباشرةً:
تمّت القراءة.
تجمّدتُ في مكاني.
كان الأمر كما لو أنه كان متصلًا، ينتظر سؤالي تحديدًا.
مرّت ثوانٍ.
ثم دقائق.
لم يصلني رد.
ظلّت الشاشة مضاءة، وكلمة مقروءة ثابتة في مكانها، كأنها تسخر مني. أغلقتُ الهاتف ببطء، وعدتُ أستلقي، لكن النوم كان قد هرب تمامًا.
إن كان يعرف المستقبل...
فلماذا يصمت الآن؟
كان الصمت في غرفتي خانقًا، وكل دقيقة تمرّ تجعل أفكاري أعلى. في النهاية، نهضتُ من سريري وخرجتُ إلى الممر، أسير على أطراف أصابعي. لم يكن هناك شخص واحد فقط أستطيع اللجوء إليه في تلك اللحظة.
غرفة ميا.
طرقتُ بابها طرقًا خفيفًا، متردّدًا، كأنني أعتذر مسبقًا. بعد لحظات، فُتح الباب قليلًا، وظهرت ميا بعينين نصف مغمضتين وشعرٍ فوضوي.
قالت بصوتٍ مبحوح من النوم:
«آيريس...؟»
شعرتُ بالذنب فورًا.
«أنا آسفة، أعلم أن الوقت متأخر... فقط—»
فتحت الباب أكثر، وتراجعت خطوة لتسمح لي بالدخول.
«ادخلي.»
دخلتُ وجلست على طرف سريرها، وأنا أضمّ يديّ معًا.
«أظنّكِ تكرهينني الآن. أيقظتكِ في منتصف الليل.»
تنهدت، ثم جلست مستندة إلى الوسادة.
«لا أكرهكِ. أنا فقط نائمة.»
رفعتُ نظري إليها، ولم أجد في ملامحها سوى التعب، لا الغضب.
قلتُ بصوتٍ منخفض:
«أرسلتُ له رسالة. سألته من يكون... ولم يجب.»
صمتت لثانية، ثم قالت:
«وهذا أخافكِ أكثر، أليس كذلك؟»
أومأت.
مدّت يدها وربتت على كتفي.
«آيريس، أنتِ لستِ مجنونة. إن كان أحد هنا يتصرّف بجنون... فهو من يعرف المستقبل ويرفض شرحه.»
ابتسمتُ ابتسامة ضعيفة.
وجودها وحده كان كافيًا ليخفف الحمل، حتى وإن لم يختفِ الخوف تمامًا.
نظرت إليّ ميا لثوانٍ، ثم تنهدت وهي تسحب الغطاء نحوها قليلًا، وعادت إليها تلك النبرة الساخرة التي أعرفها جيدًا.
قالت:
«والآن... ما رأيكِ أن تنامي؟»
رفعتُ حاجبيّ باستغراب خفيف.
«أنام؟»
أومأت وهي تغمض عينيها نصف إغماضة.
«نعم، وتدعيني أنا أنام أيضًا، حتى لا تستيقظي غدًا وتخترعي قانونًا جديدًا في الرياضيات بسبب قلة النوم.»
ضحكتُ أخيرًا، ضحكة قصيرة لكنها صادقة.
«وإن حدث ذلك، سأسمّيه باسمك.»
فتحت عينًا واحدة ونظرت إليّ.
«رجاءً لا. لا أريد أن أُخلَّد في كتاب رياضيات.»
نهضتُ من السرير وأنا أشعر بشيءٍ من الخفة.
«تصبّحي على خير، ميا.»
قالت بصوتٍ نعس:
«وأنتِ أيضًا... المستقبل ينتظر غدًا.»
أغلقتُ الباب خلفي بهدوء،
وللمرة الأولى تلك الليلة، شعرتُ أن النوم... قد يكون ممكنًا.
عدتُ إلى شقّتي بهدوء، أغلقتُ الباب خلفي، واستلقيتُ على سريري دون أن أطفئ الضوء. أمسكتُ هاتفي وبدأت أتنقّل بلا تركيز، أحرّك الشاشة فقط لأُبقي عقلي مشغولًا بشيءٍ بسيط.
وفجأة، ظهرت لي ذكرى.
منذ خمسة عشر عامًا.
صورةٌ قديمة... لي وأنا طفلة، أقف بجانب رجلٍ طويل، يضع يده على كتفي.
أبي.
حدّقتُ في الصورة لثوانٍ طويلة. لم أشعر بصدمة، ولا بحزنٍ مفاجئ. لم يكن هناك ذلك الانقباض الذي يتحدّث عنه الناس حين يُذكر الفقد. الحقيقة أنني لا أتذكّر ملامحه إلا من الصور؛ ابتسامته، نظرة عينيه، حتى صوته... كلّها تفاصيل أعرفها لأنهم قالوا لي إنها له.
أغلقتُ الصورة ببطء، وكأنها مشهد من حياة شخصٍ آخر.
لم أشتق.
ولم أبكِ.
وضعتُ الهاتف جانبًا، وأغمضتُ عينيّ، غير مدركةٍ أن الماضي—مثل المستقبل—لم يكن قد قال كلمته الأخيرة بعد.
لم أستيقظ على صوت المنبّه هذه المرّة،
بل على ضجّة غير مألوفة... وضحك.
فتحتُ عينيّ ببطء، وما إن استوعبتُ المشهد حتى جلستُ فجأة.
ميا كانت في مقدّمة الغرفة، وبجانبها أليكس، وعدد من أصدقائنا من الجامعة، يحملون كعكة صغيرة تتوسّطها شموع مضيئة، وأصواتهم تختلط وهم يغنّون:
«عيد ميلاد سعيد لكِ...»
حدّقتُ بهم بدهشة صادقة.
ثم تذكّرت.
عيد ميلادي.
كنت قد نسيته تمامًا. كل ما حدث في الأيام الماضية محاه من ذهني كأنه تفصيل غير مهم. لكن ميا... لم تنسَ.
قالت وهي تبتسم ابتسامتها الواسعة:
«مفاجأة! لا تنظري إلينا هكذا، كدتِ تُفسدين اللحظة.»
ضحك أليكس وأضاف:
«كنا سنغنّي بهدوء، لكن ميا قالت إن هذا ضد روح الاحتفال.»
شعرتُ بشيءٍ دافئ يتسلّل إلى صدري، إحساس بسيط لكنه صادق.
نظرتُ إلى ميا تحديدًا، ولم أحتج أن أقول شيئًا. كانت تعرف.
اقتربت مني وهمست:
«مهما كان ما يربككِ... اليوم لكِ.»
ابتسمتُ أخيرًا، ابتسامة حقيقية هذه المرّة.
ربما كان المستقبل مخيفًا،
وربما كانت هناك أشياء لا أفهمها بعد،
لكن في تلك اللحظة...
كنت فقط فتاةً لم تُنسَ.
بعد أن انتهى الاحتفال المفاجئ، وهدأ الضجيج، وجدتُ نفسي أبتسم دون سبب واضح. كان صباحًا غريبًا؛ مزيجًا من فرحٍ بسيط وقلقٍ لم يختفِ تمامًا. بدّلتُ ملابسي بسرعة، رتّبتُ شعري على عجل، وحاولتُ أن أبدو كأي طالبةٍ عادية في يومٍ عادي... رغم أنني كنت أعرف أن الأيام العادية لم تعد تشبهني كثيرًا.
خرجتُ مع ميا، والطريق إلى الجامعة بدا مألوفًا على نحوٍ مطمئن. ضحكنا قليلًا، تبادلنا تعليقات سريعة عن الكعكة وعن الفوضى التي أحدثها أصدقاؤنا في الصباح، وكأننا نحاول إقناع أنفسنا بأن كل شيء تحت السيطرة.
كان اليوم عطلة في الأصل.
لكن العاصفة سرقت يومًا من دراستنا، والجامعة قررت أن تستعيده الآن.
دخلنا الحرم الجامعي، فوجدناه أقل ازدحامًا من المعتاد، لكن ليس فارغًا. طلاب متعبون، قاعات مفتوحة، وأساتذة يتصرّفون وكأن هذا اليوم لم يكن استثناءً أبدًا. جلستُ في مقعدي، وضعتُ حقيبتي جانبًا، وأخذتُ نفسًا عميقًا.
قلتُ لنفسي:
اليوم سأكون حاضرة. لا رسائل، لا مستقبل، لا كوارث.
لكن الهاتف في حقيبتي بدا أثقل من المعتاد،
وكأنّه يعرف...
أن هذا الوعد لن يدوم طويلًا.
ولأول مرة منذ فترة طويلة، كنتُ حاضرةً بحق.
أشارك في النقاش، أرفع يدي، أجيب، أناقش الأستاذ دون تردّد، وكأن الضباب الذي كان يملأ رأسي قد انقشع مؤقتًا. شعرتُ بنفسي أعود... أو أكتشف نفسي من جديد.
حتى ميا لاحظت ذلك. كانت تنظر إليّ بين الحين والآخر بابتسامة خفيفة، وكأنها لا تصدّق ما تراه.
وعندما انتهى الدوام، وجدتُ الكلمات تخرج من فمي قبل أن أفكّر فيها:
«ما رأيكِ أن نذهب إلى المطعم بعد الجامعة؟»
توقفت ميا في مكانها، وحدّقت بي بدهشة صريحة، ثم انفجرت ضاحكة.
فهذه الفكرة كانت دائمًا فكرتها هي، وكانت دائمًا تُقابل برفضي.
أما اليوم... فقد كنتُ أنا من اقترحها.
لم أعرف إن كان ذلك شجاعة، أم هروبًا، أم مجرد رغبة في التمسّك بلحظة طبيعية قبل أن يتدخّل المستقبل مرةً أخرى.
لكنني كنت متأكدة من شيء واحد:
هذا اليوم، على غير العادة، كان لي.
اهتزّ هاتفي على الطاولة بينما كنّا ننتظر طلبنا. نظرتُ إليه بلا اهتمام في البداية، ثم تجمّد كل شيء داخلي حين رأيت اسم ذلك الرقم الغريب من جديد.
فتحت الرسالة، وقرأت:
«لا تأكلي الخضار اليوم.
لم تُغسل جيدًا.
سيسبّب ذلك تسمّمًا لكل من في المطعم... عداك.»
ارتفع ضجيج المطعم فجأة في أذني، وكأن الأصوات تكاثفت دفعة واحدة. نظرتُ حولي: الوجوه الضاحكة، النادل الذي يدوّن الطلبات، ميا التي كانت تتحدّث بحماس عن شيء لم أعد أسمعه.
هذه المرة لم يكن تحذيرًا عامًا.
لم يكن "ابقَي في غرفتك" أو "لا تعودي قبل الساعة كذا".
كان دقيقًا... شخصيًا... مخيفًا.
هو لا يحذّرني فقط.
هو يُريني أنه يعرف كل شيء.
وضعتُ الهاتف مقلوبًا على الطاولة، وابتلعت ريقي بصعوبة.
سألتني ميا:
«ما بكِ؟ شحب وجهك فجأة.»
تردّدت. هل أخبرها؟ هل أضحك وأتجاهل؟
لكن عينيّ اتجهتا تلقائيًا إلى الأطباق التي بدأ النادل بوضعها على الطاولات المجاورة...
سلطات خضراء، ألوان زاهية، لا شيء يوحي بالخطر.
ومع ذلك، شعرتُ بقشعريرة تسري في ظهري.
إن كان مخطئًا هذه المرة... فسأعرف.
وإن كان محقًا... فكل القواعد التي أعيش بها ستنهار نهائيًا.
1 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.