وضع القراءة:

كلمات

«واضح أنني أحتاج نومًا أكثر»، تمتمتُ.
الطريق السريع كان أسرع، كعادته. كنت أسلكه كل يوم تقريبًا دون تفكير. رسالة واحدة من مجهول لن تغيّر روتينًا بنيته بعناية. ومع ذلك... توقّفتُ خطوة واحدة قبل أن أخرج من المبنى.
أعدتُ فتح الرسالة.
قرأتُها مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
لم يكن فيها تهديد.
ولا استعطاف.
فقط جملة تقريرية، كأن كاتبها متأكد مما سيحدث أكثر مما أنا متأكدة مما أراه أمامي.
شعرتُ بانقباض غريب في معدتي.
تردّد غير مبرّر.
ذلك النوع من التردّد الذي لا يعتمد على المنطق.
تنفّستُ بعمق، وأغلقتُ الهاتف مجددًا.
قلت لنفسي إن تجاهل رسالة مجهولة هو القرار الأذكى.
لكن قدماي... لم تتحرّكا فورًا.
في تلك اللحظة، لم أكن أعرف أن اختياري أيًّا كان لن يكون مجرّد طريق أعود به إلى السكن.
بل سيكون أول مرة أقرّر فيها:
هل أصدّق المجهول...
أم أثق بما اعتدتُ عليه؟
كانت ميا تجرّني معها نحو السوبرماركت القريب من سكننا الجامعي، تتحدث بلا توقّف عن قائمة طويلة من الأشياء التي "نحتاجها فورًا". كنت أضحك أحيانًا، وأهزّ رأسي أحيانًا أخرى، أتركها تقود الحديث كما تفعل دائمًا.
«نفد الحليب، والمعكرونة، وحتى القهوة... لا أعرف كيف نعيش هكذا»، قالت وهي تشير إلى الشارع أمامنا.
أخرجتُ هاتفي لحظة، فقط لأتأكد من الوقت.
ظهرت الرسالة مجددًا على الشاشة، كما لو أنها لم تغادرها منذ قرأتها أول مرة.
أغلقتُ الهاتف بسرعة، ولم أقل شيئًا.
اقتربنا من الطريق السريع. وقفنا عند الإشارة، ننتظر الضوء الأخضر لعبور الشارع. السيارات تمرّ بسرعة، صوتها مألوف، عادي، لا يحمل أي تحذير.
كانت ميا تشرح لي شيئًا عن عشاء الغد حين...
انقطع صوتها فجأة.
دوّى ارتطام قوي.
صوت معدني حاد جعلني أرفع رأسي دون وعي.
على بعد أمتار منا، انحرف باص نقل كبير بشكل مفاجئ، واصطدم بسيارة كبيرة كانت تسير أمامه. توقّفت السيارات دفعة واحدة. ارتفعت الأصوات، أبواق متلاحقة، وهرج غير مفهوم.
تراجعتُ خطوة إلى الخلف دون أن أشعر.
أمسكت ميا بيدي بقوة.
«يا آيريس...»
لم نكن في منتصف الطريق.
لم نكن قد عبرنا بعد.
لكن لو تحرّكنا ثوانٍ فقط أبكر...
نظرتُ إلى الإشارة. ما تزال حمراء.
كان قلبي يخفق بقوة، ليس بسبب ما رأيتُه، بل بسبب ما تذكّرته. أخرجتُ هاتفي بيد مرتجفة. الرسالة ما تزال هناك، كما لو أنها تنتظر هذه اللحظة تحديدًا.
نظرت ميا إليّ، وجهها شاحب.
«هذا كان قريبًا جدًا...»
أومأتُ بصمت.
لم أقل لها شيئًا عن الرسالة.
لم أشرح.
لكنني أدركتُ أمرًا واحدًا بوضوح مخيف:
لم يكن ذلك تحذيرًا عشوائيًا.
وكان تجاهله في المرة القادمة...
قد لا يترك لنا فرصة ثانية.
لم أفكّر بالأمر كثيرًا.
أو هكذا أقنعتُ نفسي.
قلت لنفسي إنها صدفة لا أكثر. الجامعة مليئة بالطلبة، والطرق السريعة تشهد حوادث كل يوم. ربما أحدهم كان في المكان الخطأ في الوقت الخطأ، وصادف أن وصلتني رسالة عبثية في اللحظة نفسها. لا رابط حقيقي، ولا معنى خفي.
«هل أنتِ بخير؟» سألتني ميا ونحن نبتعد عن المكان.
«نعم»، أجبتُ بسرعة. «مجرد صدمة.»
دخلنا السوبرماركت، واستقبلتنا الأضواء البيضاء والبرودة الخفيفة. أحببتُ ذلك. المتاجر لا تطلب منكِ التفكير، فقط الاختيار. دفعتُ العربة، وتركتُ ميا تقودنا بين الممرات.
«نحتاج معكرونة»، قالت.
«وأرز»، أضفتُ.
«ولا تنسي القهوة.»
بدأتُ أركّز على الرفوف، على الأسعار، على المقارنات الصغيرة التي تشغل العقل بأمان. كنت أبحث عن أي شيء يمنعني من العودة إلى تلك الرسالة، إلى ذلك الشعور غير المريح.
مررنا بقسم الخضار، ثم الألبان. ميا تتحدث، تضحك، تشتكي من المحاضرات، وأنا أشاركها الحديث بقدر ما أستطيع. الحياة عادت إلى حجمها الطبيعي. خطوات، سلال، أشياء نضعها في العربة ثم ننساها.
لم أفتح هاتفي.
لم أعد قراءة الرسالة.
لم أسمح للفكرة أن تكبر.
فبعض الصدف، إن فكّرتِ بها أكثر مما يجب، تتحوّل إلى أسئلة لا تريدين سماع إجاباتها.
وعند صندوق الدفع، بينما كانت ميا تخرج محفظتها، شعرتُ أخيرًا بأن التوتر غادر صدري. كدتُ أصدّق فعلًا أن كل ما حدث انتهى عند تلك الإشارة الحمراء.
لم أكن أعلم أن الصدف...
لا تكرّر نفسها بهذه الدقّة.
عدتُ إلى السكن مع حلول المساء.
كان يوم خميس، من تلك الأيام التي تشبه بعضها، لا ثقيلة ولا خفيفة. وضعنا الأغراض في المطبخ المشترك، رتّبناها سريعًا، ثم ودّعتني ميا واتجهت إلى شقتها في الطابق الآخر.
جلستُ وحدي على سريري، أخلع حذائي ببطء، وأحدّق في الحائط المقابل. الصمت هنا مختلف، ليس مزعجًا، لكنه لا يرحّب بك أيضًا.
رنّ هاتفي.
لم أحتج للنظر إلى الشاشة لأعرف من المتصل.
أمي.
كالعادة.
أجبتُ بعد الرنّة الثانية.
«مرحبًا، أمي.»
«آيريس، حبيبتي، كيف كان يومك؟»
صوتها بدا متعبًا... أو متعجّلًا، لم أعد أفرّق بين الأمرين.
«عادي»، قلت. «محاضرات، ثم خرجتُ أنا وميا قليلًا.»
«هل أكلتِ جيدًا؟»
«نعم.»
«لا تنسي أن الجو بارد هناك، ارتدي معطفك.»
«أمي، ما زلنا في الخريف.»
ضحكت ضحكة قصيرة.
«أعرف، أعرف... فقط أقلق.»
سكتنا لحظة.
ثم سألتني: «كيف تسير الجامعة؟»
«جيدة. الأساتذة... مختلفون.»
لم أعرف لماذا اخترت هذه الكلمة تحديدًا.
«هذا طبيعي»، قالت. «أنتِ قوية، وستتأقلمين.»
أجبتُها بإيماءة صامتة، رغم أنها لا تراني.
ثم سمعتُ صوته في الخلفية.
صوت لم أحتج لتذكّره.
«ميريانا؟» ناداها زوجها من غرفة أخرى.
بنبرة أعرفها جيدًا... نبرة استعجال.
تغيّر صوت أمي فورًا.
«نعم، لحظة.»
عادت إليّ بسرعة.
«آيريس، عليّ أن أُنهي المكالمة الآن. سنتحدث لاحقًا، حسنًا؟»
«حسنًا.»
«اعتني بنفسك.»
«وأنتِ أيضًا.»
أغلقت الخط.
بقيتُ أحدّق في الهاتف لثوانٍ بعد انتهاء المكالمة.
كنت أكرهه.
ليس لأنه تزوّج أمي...
بل لأنه كان دائمًا الصوت الذي يقطعها عني،
والاسم الذي حلّ مكان اسمٍ آخر.
وضعتُ الهاتف إلى جانبي، واستلقيتُ على السرير.
لم أفكّر في الحادث.
ولا في الرسالة.
ولا في اليوم بأكمله.
على الأقل...
هذا ما حاولتُ إقناع نفسي به.
غلبني النعاس أسرع مما توقعت.
لم أبدّل ملابسي، ولم أطفئ المصباح الصغير قرب السرير. أغمضتُ عينيّ وأنا أعد نفسي بأنني سأرتّب كل شيء في الصباح.
كان النوم عميقًا، بلا أحلام، ذلك النوع الذي لا يترك أثرًا حين تستيقظين منه.
ثم...
رنّ المنبّه.
الصوت المألوف نفسه.
النغمة التي اخترتها منذ بداية الفصل الدراسي، والتي أكرهها كل صباح، وأحتاجها في الوقت ذاته.
فتحتُ عينيّ ببطء. الضوء الخافت يتسلّل من النافذة، والساعة تشير إلى الوقت المعتاد. يوم جديد، لا شيء يختلف فيه عن سابقه.
مددتُ يدي وأطفأتُ المنبّه، وجلستُ على السرير للحظة، أستعيد وعيي. لم أفكّر في الأمس، ولا في ما حدث. كنتُ أركّز فقط على الروتين: محاضرات، ممرات الجامعة، قهوة سريعة قبل الدخول إلى القاعة.
نهضتُ، توضّأتُ، وارتديتُ ملابسي بهدوء. كل شيء كان طبيعيًا إلى درجة مريحة، كأن الأمس لم يحمل أي علامة تستحق التذكّر.
وقفتُ أمام المرآة، أصلح شعري، وأخبرتُ انعكاسي بما أحتاج سماعه:
اليوم... يوم عادي.
لم أكن أعلم أن بعض الأيام تبدأ عادية تمامًا،
فقط لأنها تُخفي ما سيأتي لاحقًا.
بقيتُ على هذا الروتين الهادئ الجميل.
أذهب إلى الجامعة، أتحدث مع ميا وبعض الأصدقاء الآخرين، نتناول الطعام معًا، وأحيانًا أنسى نفسي في الدراسة حتى يمرّ الوقت دون أن أشعر.
كان كل شيء... مثاليًا.
مريحًا أكثر مما ينبغي.
ومع ذلك، تسلّل إليّ شعور غريب لم أستطع تفسيره.
كأن هذا الهدوء مؤقت، كأنه لا ينتمي حقًا إلى الواقع. لم أؤمن يومًا بفكرة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وكنت أراها مجرد عبارة يكررها الناس عندما لا يجدون تفسيرًا لقلقهم.
لكنني، رغم إنكاري، كنت أشعر به.
شعور خفيف، لا يضغط ولا يصرخ، فقط يذكّرني بين الحين والآخر أن الأمور لا تبقى مثالية طويلًا.
كنت أتجاهله.
أبتسم، أتابع يومي، وأقنع نفسي أن الحياة أخيرًا قررت أن تكون لطيفة معي.
ولم أكن أعلم أن هذا الهدوء...
لم يكن وعدًا بالاستمرار،
بل فرصة أخيرة للاعتياد.
حتى جاء ذلك اليوم.
اليوم الذي حطّم فكرتي عن الحياة الهادئة، المثالية، التي كنت أعيشها كطالبة جامعية عادية.
في المساء، بينما كنت أراجع ملاحظاتي على السرير، اهتزّ هاتفي.
رسالة جديدة.
لم يكن الرقم نفسه.
كان مختلفًا... أطول، وأغرب، كأنه لا ينتمي لأي شبكة أعرفها.
فتحتُ الرسالة.
«اذهبي واشترِي احتياجاتك اليوم.
أنتِ وميا.
غدًا ستضرب عاصفة قوية نيويورك،
وسيتم تعطيل الطلاب.»
توقّفتُ عن التنفّس لثوانٍ.
ليست العاصفة ما أخافني.
ولا فكرة تعطيل الجامعة.
ما أفزعني حقًا...
أنه عرف.
عرف أن لديّ صديقة تُدعى ميا.
وعرف أننا قررنا تأجيل شراء احتياجاتنا للغد.
لم أكتب ذلك لأحد.
لم أنشره.
لم أتحدث به إلا معها.
أعدتُ قراءة الرسالة مرة، ثم أخرى.
كل كلمة كانت في مكانها، واثقة، كأنها ليست تحذيرًا... بل تذكيرًا.
حاولتُ أن أضحك.
أن أقول لنفسي إن نيويورك مدينة العواصف، وإن أي شخص يمكنه توقّع واحدة. لكن لا أحد يتوقّع الأسماء. ولا القرارات المؤجّلة.
نظرتُ إلى الباب، ثم إلى هاتفي، ثم إلى النافذة.
للمرة الأولى، لم أكن متأكدة إن كان تجاهل هذه الرسائل يعني أنني أعيش حياتي...
أم أنني أعرّضها للخطر.
وفي تلك اللحظة، فهمتُ شيئًا واحدًا فقط:
هذا الشخص لا يرسل رسائل عشوائية.
وهو لا يراقب المستقبل فقط...
بل يراقبني أنا.
لم أفتح أي تطبيق آخر.
اتصلتُ بميا فورًا.
رنّ الهاتف مرتين قبل أن تجيب، بصوتها المعتاد، الخالي من القلق.
«آيريس؟ ماذا هناك؟»
قلتُ بسرعة، قبل أن أتراجع:
«هل هذه مزحة؟»
ضحكت.
«أي مزحة؟»
«الرسالة...»
توقّفتُ لحظة. لم أقل كل شيء. «رسالة غريبة وصلتني الآن.»
ساد صمت قصير في الطرف الآخر.
«آيريس، أقسم أنني لم أرسل لكِ شيئًا. هل أنتِ بخير؟»
تنفّستُ ببطء. لم تكن تمثّل. ميا لا تجيد الكذب، ولا تهتم أصلًا بمزحات معقّدة.
«حسنًا... ظننتُ فقط.»
«من ماذا؟»
تردّدتُ. ثم قلتُ:
«من تأجيلنا للتسوّق. لا أعرف لماذا، لكن لديّ شعور سيئ تجاه الغد.»
ضحكت بخفة.
«شعور سيئ؟ بسبب الطقس؟»
«ربما»، قلتُ بسرعة. «سمعتُ نشرة جوية تتحدث عن اضطراب قوي. ولا أريد أن نعلق دون شيء.»
سكتت لثانية.
«آيريس، أنتِ لا تهتمين بالطقس عادة.»
«أعلم»، قلتُ. «ولهذا أطلب منكِ أن تثقي بي هذه المرة.»
صمت أطول.
ثم قالت:
«حسنًا. نذهب الآن، نشتري كل شيء، ونعود. إن لم يحدث شيء غدًا، ستدفعين ثمن القهوة لأسبوع.»
ابتسمتُ رغم التوتر.
«اتفقنا.»
أغلقتُ الهاتف، وجلستُ أنظر إليه للحظة.
لم أكن مرتاحة.
لكنني شعرتُ، لأول مرة، أنني لم أتجاهل التحذير.
ولم أكن أعلم أن هذا القرار البسيط الخروج في تلك الليلة
سيجعل من الغد يومًا لا يشبه أي يوم عادي مرّ عليّ من قبل.
وبالفعل، في اليوم التالي...
استيقظتُ على طرقٍ متواصل على الباب.
1 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.