تحذير المحتوى

هذا الفصل من رواية مصنفة بالغين +16 وقد يحتوي على محتوى غير مناسب لجميع الأعمار.

العودة
WHAT REMAINS OF US
WHAT REMAINS OF US
جزء 8 من 8
وضع القراءة:

الفصل الثامن | دم ورماد

أنا الذي لم يطرق القلق قلبه يومًا إلا على وطنه، ها أنا أجول أزقة جنوى كالمجنون بعد أن أهلكته امرأة لا تعرف الرأفة به..
عشر ساعاتٍ مرّت دون أن يهدأ لي بال أو تتوقف قدمي عن التجوال هنا وهناك، لم أترك مكانًا إلا وبحثت فيه عنها.
ها أنا أستعيدُ غريزة المطاردة التي ظننت أنني دفنتها مع بزتي العسكرية تحت تراب الحدود، بعينين تمشط كل ما حولها ولا ترى سوى وجهها، وبذعر لم أذقه حتى حين وُصمتُ بعار الخيانة.
ها أنا أدفن كلّ ما عرفتُ من الحذرِ يومًا وأمشي بقلبي إليها، حين رأيتها على وشكِ الدخول إلى منزلها، أمشي إليها برئتين تمتلئان بغبار الخوف.
في حين غفلةٍ منّي خرج اسمها من بين شفتيَّ مهتزًا، لكنها أبت أن تنظر نحويِ، أبت أن توليني اهتمامًا، حرمتني من رؤية حسنها بعد طول تلهفٍ وتعب.
- أينَ كنتِ حتى الآن أورورا؟ جلتُ أنحاء جنوى بأكملها بحثًا عنكِ!
أقول ولا يُجدي قولي نفعًا، تأبى النظر لي، تأبى إزالة غبار الخوف عن قلبي بنظرةٍ واحدة فقط.
طال صمتها وسكونها فلم أعد أحتمله، إنه ينهش بي ذعرًا وقهرًا، أنا أنسكب لروحٍ لا تلتفت لي، لذا ما كان منّي إلا أن أقترب منها بغتة بالقبض على كتفها لتستدير لِي، لأرى أعين باتت كل موطني، أنا الذي وُصمَ بعار خيانة الوطن!
وليتني لم أفعل، ها أنا.. يُسلب مني آخر ذرة تماسكٍ أملكها، ها هو غبار خوفي يصّعد إلى حلقي لأختنق به، امرأتي بوجهٍ قد لُمِس..
وأنفي لا ينفك عن التقصّي لرائحةِ تبغٍ وقهوةٍ تحوم حولها..
بدون وعيّ منّي قبضتُ على ذقنها بقوةٍ أردَتْها إلى الخلف، بينما أحرك وجهها يمينًا ويسارًا
- من لمسك؟ من تجرأ وفعل؟
لا تُجيب، أقول ولا تُجيب، أُعيد قولي ولا أرى منها سوى الصمت ونظرات التعجب، لذا أعدتُ استفهامي.. لكن تلك المرة صاحب سؤالي دفعي لها إلى الخلف فاستندت على الجدار..
- أخبريني من فعل؟ من جَرَحكِ ومن ضمّده؟
لامس يدي هواءً ساخنًا حين أفرجتْ عن تنهيدة رقيقة تشبهها، امرأتي تشعر بالتعب، امرأتي سئمت الحياة، أرى هذا جليًّا في عينيها..
أمسكتُ بكفّها دون أن أضيف شيئًا آخر، ثم سحبتها ناحية شقتي، تأكدتُ من إغلاق الباب جيدًا، ثم النوافذ والستائر..
حين التفتُّ إليها كانت جالسة بهدوء على طرف الأريكة، كانت ساكنة بشكلٍ لم أعهده، تخدش أظافرها وتتنهد مرارًا وتكرارًا.. وكلما تنهدت هي؛ ضاق صدري أنا وصغُرَ عالمي..
موطني مُهلَك..
خطوتُ إليها بهدوءٍ لا يشبه ما أشعر به بداخلي في تلك اللحظة، ثم ومن دون ترددٍ جثوتُ على ركبتيَّ أمامها واستندتُ على فخذيها؛ فسكنت أناملها عن الحركة ورفعت عينيها لي..
- أتوسلُ إليكِ..
نطقتُ أمسك بيديها
كانت صامتة.. متعجبة.. وخائفة!
رائحة التبغ الممزوجة بالقهوة تفوح منها وتخنقني، لم أعهدها تُدخن..
لا أظن أن تلك الرائحة تعود إليها وهذا ما سيفقدني صوابي..
حين لم أجد منها إجابة أفلتُّ يدها واتجهتُ ناحية غرفتي.. في أقل من دقيقةٍ كنت قد عدتُ إليها لأجدها على حالها تنظر نحويِ تارة وإلى ما بين يديَ تارة أخرى..
جثوتُ أمامها مُجددًا، ومن دون إذنٍ منها رششتُ من عطري على عنقها.
- تفوح منكِ رائحة تجعل دمي يغلي في عروقي.
سحبتْ يدها من بين يدي بعنفٍ وأزاحت بها كفّي الممدود ناحية عنقها، ثم قبضت على ياقة قميصي وتفوهت أخيرًا
- لأي أرضٍ تنتمي؟
عقدتُ حاجبيَّ متعجبًا، كان سؤالها مباغتًا، وقبل أن ينطق لساني باستفهامٍ أكملت هي
- لمَ كل ما يحوم حولكَ غريبًا، وما تلك الوشوم يا ليوند؟
لمَ لا تتركني وشأني؟ لأي أرضٍ تنتمي يا رجل!
قبضتُ على معصمها لتفلت ياقتي لكنها أبت هذا، فوقفتُ في مكاني ثم دنوتُ من وجهها أجيبها
- لا أنتمي لأرض..
ألقيتُ العطر أرضًا وبذات اليد عدتُ إلى عنقها وقبضتُ عليه فاحتدت نظراتها..
- لكنني أنتمي إلى روحٍ تأبى الاعتراف بهذا.
- تنتمي إلى روحٍ ليست ملككَ إذن.
- بئسًا لتلك الروح التي ما زالت تجهل مالكها!
زدتُ قوة ضغطي على عنقها فزاد تشبثها بمعصمي، لكن عينيها لم تتزحزحا عن عيني.. كانت تحدق إليهما بثباتٍ جليِّ.. بثباتٍ عهدته على وجه امرأتي..
- وبئسًا لمالكٍ يظن أن عطره قد يعيد ما سلبه آخر.
قالت قولها دون الإكتراث لما قد يتسبب به، وها أنا أكاد أفقد صوابي بسبب غريبٍ لا أعرف ماهيته حتى.
أفرج فاهي عن ضحكة ساخرة أثر كلماتها، ودنوت من وجهها مُجددًا، ألصق جبهتي بجبهتها، أحدق إلى عينيها الثائرتين بقلبٍ محترق..
- الروح التي تجهل مالكها.. تبقى تائهة إلى أن تعود إليه.
حررتُ عنقها وعوضًا عنه دفعتُ ذقنها بسبابتي إلى الأعلى فتلامس أنفينا..
- ملابسكِ في الغرفة المجاورة لغرفتي، بدّلي ما ترتدينه وعودي، يجب علينا التحدث.
بانت على سحنتها أمارات التعجب وانعقد حاجبيها، ولكن قبل أن تتفوه بأي اعتراضٍ أفلتّها ونطقتُ بينما أتجه ناحية باب المنزل أوصده
- لا تجادليني..، نفّذي.
وقفت تتجه نحوي دون تردد، وقالت بتعجبٍ يشبه ما يظهر على ملامحها
- ما خطبها ملابسي؟
- لا يعجبني ما ينبعث منها من رائحة.
أجبتها أكتّف ذراعاي فزادت عقدة حاجبيها تحدق إلى وجهي.
- ومن خدعكَ بأنني قد أهتم لما يعجبك؟
فصلتُ المسافة بيننا حين قولها، وحين أدركته قبضتُ على ياقتها أسحبها نحوي
- لا مجال للاختيار أو الالتفات لأمورٍ لا طائل منها، نفّذي حتى لا أمزقها بنفسي، أنتِ لا تدركين كم تثير تلك الرائحة جنوني.
ببطء رفعت أناملها إلى صدري في تصرفٍ لم أتوقعه منها البتّة، تحدق إلى عيني بثباتٍ وترسم بسمة على شفتيها.. وزادت دهشتي بقولها
- يثير شفقتي وقوفي أمام رجلٍ وجلٍ وهشّ، تهز ثقته رائحة يجهل مصدرها.
كانت أناملها كالجمرات على صدري تحرقه، لكن كان لكلماتها الرماد الأخير..
شددتُ قبضتي على ياقتها أزيد قرب وجهها من وجهي، وبنبرةٍ تشبه الحريق في صدري أخرجتُ حروفي
- حذارِ من شفقةٍ تقودكِ لحتفك؛ غيّري ملابسكِ.. علَّ ستر جسدكِ يستر ما تفضحه عيناكِ من كذب.. إلى الغرفةِ الآن.
نزعت أناملها عن صدري وأمسكتْ بمعصمي تبعد قبضتي عن ياقتها بحدة
- سأتغاضى عن أوهامك وعن عبثكَ في أغراضي وإحضار ملابسي دون إذني للمرة الثالثة، فقط لأنني بحاجةٍ لبعض الراحة.
ثم عدّلت ملابسها وذهبت من أمامي متجهة إلى الغرفة كما أمرتها.
شعرتُ وكأن منزلي يضيق بي، تلك الرائحة تخنقني، وزاد اختناقي عُريّيِ الواضح أمامها.. رأت ما عِشتُ دهرًا أخفيه.
نظرتُ إلى زجاجة العطر الملقاةِ أرضًا وسط سائلها المسكوب، يشبه دموعًا باردة لم أذرفها يومًا.. لكن عيني التي تحجرت في الحروب كانت على استعدادٍ اليوم لتمطر.. حين شَعرتْ أنها سُتحرم من رؤية موطنها مرة أخرى.
بتلقائية تحركت يدي ونزعتُ قميصي بحدة، أنا أختنق.. أشعر برائحة ذلك الغريب تخنقني، تلك الياقة التي كانت قيدًا بين يديها قبل لحظاتٍ باتت تخنقني.
وما إن ألقيتُ قميصي أرضًا حتى أبصرتُ وشومي.. اسمها المحفور على يسار ترقوتي، Аврора.
أحرف روسية حادة لا تفقهها هي، تراها طلاسمَ لرجلٍ وجلٍ هش لا أرض له، وأراها صك ملكيتي الذي لا يقرأه سواي.
أنا ديمتري سوكلوف، مَن لُقّبَ بخائن الوطن حين سلخ نفسه من أرضٍ لا تحتويه، أرض جعلت منه شيطانًا لا يرحم، ها أنا أجد نفسي سجينًا لامرأةٍ ومحاصرًا برائحة غريبٍ سلبني وطني.. دون رصاصة واحدة!
ألقيتُ جسدي على الأريكة أُرخي رأسي عليها.. أتنهد مرارًا وتكرارًا دون جدوى، شددتُ قبضة يدي على صدري العاري، حيث كانت أناملها تسير..
وغرست أظافري حيث اسمها.. وكأنني أحاول اقتلاعه عنّي.. ولم ألقى سوى جروحٍ فوق جروحي الغائرة.
وها هو اسمها ينزف على جسدي..
مرَّ الكثير من الوقت دون أن أدركه.. لم يخرجني من تيهي سوى رائحتي التي تفوح منها وهي تقترب منّي ففتحت عينيَّ أنظر إليها.
كانت تقترب منّي بخطىً وئيدة، بعد أن بدّلت ملابسها إلى أخرى منزلية بيضاء من القطن، وجمعت شعرها القصير إلى الخلف بربطة شعر بيضاء صغيرة..
كانت عيناها ثابتتان على دماء صدري.. بحاجبين معقودين ومُقلة مرتعشة.
وقفتْ أمامي على بُعد خطوتين، ودون ترددٍ استفهمت.. ولكن نبرتها كانت مرتجفة..
- ما هذا؟
بسطتُ كفّي على دماء صدري، ووقفتُ أفصل ما خلقت بيننا من مسافة،
- هذا؟
أشرتُ بأناملي إلى جرحي.. وحين رأيت نظرة الشفقة في عينيها.. قبضتُ على ذقنها بيدي الملطخة بالدماء..
- هذه هي أرضي وروحي التي تأبى الاعتراف بي.
مُقلتيها تخبراني بأنها تعي ما أقوله تمامًا، تخبراني أن فؤادي مُعلقٌ على مرأى نظرها عارٍ من كل ما قد يخفيه عنها..
- لا شيء يؤخذ عنوةً يا ليوند.
كان هذا كل ما نطقت به.. كان هذا فقط ما استطاع أن يكسر ظهري..
دفعتها نحوي أكثر فارتطم كفّها بصدري
- الأرض التي تؤخذ عنوة.. لا تعود إلا بالحرب.
عيناها الثائرتان سكنتا، تنظر إلى عيني بحيرة بالغة، ومن دون إنذار رفعت كفها عن صدري تدفع بها يدي القابضة على ذقنها
- ابتعد.. لقد سئمتُ رائحة الدماء.
أفلتّها تلك المرة، ثم تجاوزتها متجهًا إلى دورة المياه لأنظف يدي وجرحي..
وآخر ما رأيته كان إمساكها بمنديلٍ سحبته من العلبة فوق الطاولة..
وقفتُ أمام المرآة أُحدق في سحنتي تائهًا، ساد صمتٌ عالٍ لا يقطعه سوى صوت صرير المياه وتنفسي، أنا هنا أحترق بِها.
كلما قالت شيئًا زاد احتراقي، وكلما اقربتْ.. تلهفتُ للاحتراق.
حين وضعتُ يدي الملطخة تحت المياه لم أشعر ببرودتها، أشعر بكلماتها تغلي داخل عروقي، تحرقني لتخبرني كم أنا خاسر.
وحين رفعتُ وجهي إلى المرآة مُجددًا..رأيتُ انعكاسها خلفي، تقف ثابتة تحدق في ظهري.. وشمي تحديدًا.
- هل تلك خريطة روسيا؟
سألتني.
حلّ محل صرير المياه صمت مدوٍ حين أغلقت الصنبور فجأة، التفتُّ نحوها ببطء عكس القطرات الهاربة من وجهي وشعري..
اقتربتُ منها وأجبت أحدق إلى عينيها الثابتتين على عيني
- مجرد وشمٍ لرجلٍ وجلٍ ضلَّ طريقه ولا يريد العودة.
كانت تقف مستندة على حافة الباب بكتفها، بينما تضم ذراعيها إلى صدرها.. ولا تنفك عن التحديق إلى وجهي بشكلٍ ثابت.
اقتربتُ منها أكثر ألغي المسافة بيننا وأكملت
- لا تبحثي عمّا خلف جلدي؛ فلن تجدي سوى بقايا لرمادِ ما أحرقته سَلَفًا.
بحركة لم أدركها رفعت أناملها إلى جرحي، مسحت بسبابتها قطرة دماءٍ سالت منه، وبنبرة خافتتة أجابت
- ولكن الرماد لا ينزف... دعني أساعدك.
ثم تخطتني متجهة ناحية الخزانة المعلقة بجوار المرآة خلفي!
أخرجت منها علبة الإسعافات الأولية.. وغادرتْ المكان.
لذا بهدوءٍ تبعتها حتى وصلنا إلى الأريكة، حيث كانت تجلس قبل قليل.
كنت بهوادة أفعل كل ما تأمر به، حتى حين أشارت لي بالجلوس جوارها.. امتثلتُ دون تردد.
وحين بدأتْ في تنظيف جرحي لم تبرح عيني حُسن وجهها، على الرغم من أنها لم ترفع نظرها إلى وجهي ولو لثانية، لكن لهفتي بلغت أشدها وهي بذلك القرب منّي.
وكأنني مجرد طريدة أرهقها الركض فاستسلمتْ لصيادٍ وها هو يداويها، أشعر بلهفة غبية تقود غريقًا للحياة.. هشٌ لدرجة مرعبة، أرغب في الاقتراب وأخشى التنفس بعمقٍ فتتبعثر وتتلاشى.
- ما هذه الكلمة؟
سألت بينما تضع الضمادة على اسمها.. دون أن ترفع عينيها نحوي.
- وطني.
تجمدت أصابعها فوق الضمادة لثوانٍ معدودة بدت أبدية، وحين تركت ما في يدها على الطاولة وقبل أن تقوم من مكانها.. أمسكت بمعصمها أثبتها
- أخبريني أنتِ.. أذلكَ لحنٌ أراد الهربَ منكِ فقيدتيه؟
كانت عيناي ثابتتان على وشمٍ رأيته منذ أول لقاء لنا.. عدة أكوادٍ موسيقية تملأ ذراعيها وساعديها
زاد ارتباكها وارتجفت مُقلتيها، بحدة سحبت ذراعها من بين أصابعي.. وبنبرة مختنقة نطقت
- بعض الألحان تُحبس في الجلد حين ترفض أن تُعزف.
مُجددًا كانت بصدد المغادرة.. إلا أن ما تفوهت به ثبتها في مكانها
- ما من ألحان ترفض العزف.. ولكن يوجد فنان شجاع بالقدر الكافي ليعزفها.. وآخرَ جبان، اختار دفنها تحت جلده.
استغرق الأمر منها عدة ثوانٍ لتلتفتَ لي، ثم ببطء اتجهت نحوي
- وبعض الألحان بُترت أصابع عازفها قبل أن تُعزف..
لكن برأيك.. مَن الجبان؟ مَن دفن لحنه كَرها أم من استأصل جذوره طوعًا؟
شعرتُ ببرودة غريبة تكتسح حريق صدري.. وكأن وطني الذي حفرته على جلدي بات وطنًا من ورق.. كنصلٍ آخر غُرزَ في صدري.
ضاق منزلي بي مُجددًا، كانت عينيها أقسى من رصاصات لسانها، دون أن تدركَ شيئًا تتفوه!
وقفتُ أقبضُ على معصمها أسحبها نحوي فارتطمت بِي.. وبحدة حديثها خرجت نبرتي
- هناكَ فرقًا بين جبانٍ ظنَّ أن هروبه سيجعله نقيًّا.. وهاربٌ استأصل جذوره حتى لا يقتات عليها الدود.. حتى تصبح ملكه وحده حتى بعد موتها..
كانت عيناها مثبتتان على وجهي.. لا تبدي أي رد فعلٍ إلا أنني شعرت بارتجافة يدها تحت يدي؛ فجذبتها نحوي أكثر أكمل حديثي..
- أنتِ تُسميه بترًا بالكراهية، فقط لتهربي من حقيقتكِ.. حقيقة أنكِ منحتِ ألحانكِ لمن لا يستحق.
حين حاولتْ فكَّ قيدها لتبتعد عنّي زدتُ قبضتي على معصمها.. واستفهمتُ بما يأكل رأسي
- والآن أخبريني.. من فعل بكِ هذا؟ من فعل هذا في وجهك؟
خرجت من ثغرها ضحكة ساخرة ما إن وقع على سمعها سؤالي.. وبحدة حررت نفسها من قبضتي تجيبني
- لا دخل لكَ بي يا ليوند، فقط ابتعد عنّي ودعني وشأني.
ثم التفتت لتغادر.. ظننتها ستذهب إلى الداخل لكنها فاجأتني بخطواتها المتجهة ناحية باب المنزل!
- أورورا!
لا جدوى من مناداتي! لم تأبه لها.. لذا تحركتُ سريعًا أعترض طريقها فتنهدتْ بضجر..
- في ذلك الوضع، لن تذهبي إلى مكانٍ لستُ فيه!
- توقف عن التصرف كوصي وابتعد عن طريقي يا ليوند، لن أمكثَ معكَ دقيقة أخرى!
- ألا تدركين ما أنتِ به من خطر؟
- أدرك جيدًا أن مكوثي معكَ لا يقل خطرًا.
ما زالت امرأتي تُلقي برصاصاتها في صدري.
تنهدتُ بخفة واقتربتُ منها فابتعدت؛ مما أوقفني في مكاني.
- تبدين كمناعةِ جسدٍ تكتشف للتو وجود القرنية!
لكن لا بأس، جنوى أصغر من أن تُخبئكِ عنّي.. اذهبي.
ثم تحركتُ جانبًا أفسح لها الطريق.. ستذهب إلى الشقة المقابلة عل كل حال! لا ضير من الجلوس أمام بابها حتى الصباح، إن كان هذا ما تريده.
حدقت إلى وجهي لثوانٍ معدودة بدا فيها التردد، ثم عدّلت شعرها وحرّكت أقدامها مغادرة..
لم تتردد في فتح الباب والخروج.. لكن ما استوقفني كان ثباتها في مكانها بعد أن خرجت، تنظر تحت أقدامها.. خائفة!
تقدمتُ منها أنظر حيث تنظر..
كانت رسالة ورقية مُلقاة أرضًا.. نُثرت عليها قطرات دمٍ جافّة!
أمسكت يدها أسحبها إلى الداخل، تلك المرة لم تعترضني، امتثلت تقف خلف الباب بينما تشاهدني أتجه إلى الرسالة أمسك بها.
"ونعتقد أننا بالدموع ندفع ثمن أخطائنا..
وعلى وسادة الشر يهدهد الشيطان روحنا المسحورة..
لنقترب خطوة من جهنم دون تقزز!"
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.