الفصل السابع | أزهار الشر
رأيتُ رجلين ملثمين يقتربان منّي بخطًى ساخرة حثيثة وأعينَ جاهزة للانقضاض عليَ.. ليس أمامي سوى مياه البحر..
إما أن أقفز بها وأموت غرقًا.. أو أرضى بما يتربص بِي..
شددتُ القبض على ما بين يدي في جيب معطفي، خلاصي الوحيد وفرصتي الوحيدة،
اعتدلتُ أقابل البحر بظهري، أنظر إليهما أنتظر وصولهما إليَ، وبينما يتسلل الخوف إلى أوردتي وقفتُ في مكاني ثابتة دون حراك..
سمعتُ ضحكة أحدهما حين اقتربا، ضحكة ساخرة تصف ما أنا مُقبلة عليه، تصف هلاكي!
خلقتُ مسافة بيني وبين الهاوية بالتقدم إلى الأمام خطوتين، وحين وقفا أمامي رسمتُ ابتسامة طفيفة على ثغري، ابتسامة تُظهر عكس ما يخالجني من شعورٍ في تلك اللحظة، وكأن لا خوف داخلي، وكأنني لم أعرف الخوف يومًا، على الرغم من أن الخوف كله هنا في قلبي، على أطراف أصابعي وبين أوردتي..
- ستُمَزقُ رقابكما قبل أن تقتربا خطوة أخرى!
نطقتُ بثباتٍ زائف لا أعي من أين جئتُ به، شددتُ الخناق على ما بين يدي داخل معطفي، وحاولت قدر المستطاع ألَّا تخونني ملامحي، وبصعوبة أبقيتها ثابتة
- وما الذي بإمكان تلك القطة الصغيرة الشرسة أن تفعله؟
تفوه أحدهما ساخرًا يزيد من خطواته، بينما الآخر لم يحرك ساكنًا ظل في مكانه يحدق بي..
ما إن فصل المسافة بيننا حتى أخرجتُ يدي من جيب معطفي، ومن دون ترددٍ دفعتُ الصاعق في جانبه الأيمن
- تقتلكَ إن أرادت!
دوت منه صرخة هزَّ صداها الأرجاء قبل أن يصمت ويسقط أرضًا، بينما ظل الآخر يراقبني بسكون..
يجول بعينيه جسدي والمكان حولي، ربما يفكر كيف يقترب مني دون أن تمسه الكهرباء التي في يدي!
ذلك المنظر أكسبني بعض القوة، بعض القوة التي خيّل لي بسببها أنني قد أتغلب على الآخر أيضًا، لكنه باغتني.. لم أدرك متى انتشل الصاعق من يدي حتى، انتشله ثم ضرب ساقي بقدمه فسقطتْ ركبتي أرضًا!
دنا بجذعه مني ووقف خلفي، ثم قبض على رقبتي يسحبني إلى الأعلى وبيده الأخرى يثبت سكّينًا على عنقي!
أمسكت بذراعه أحاول فك قيده..
الآن فقط جربتُ الاختناق الحقيقي المصاحب لرجفة الخوف المميتة!
ضربتُ على رسغه بكفّي ونطقت بصعوبة وتقطع
- أخبر من أرسلكَ أن جحيمه على يدي..
- أخبريه بنفسكِ حين آخُذكِ إليه.
نطق ساخرًا وحاول جرّي خلفه، إلا أنني أبقيت ركبتيَّ ملتصقة بالأرض فزادت صعوبة تحريكه لي.
كان البحر يقابلني بينما مستودع الميناء خلفي، والمكان شبه خالٍ.. ربما لو صرخت لن يسمعني أحد؛ لذا لا حل لي سوى التملص منه والقفز في المياه!
صمتَ العالم من حولي لوهلة واختفت جميع الأصوات دفعة واحدة، لا أدري ما حدث، كنت أنوي القفز في المياه، لكن عوضًا عن هذا شعرتُ بالآخر يهوي خلفي بعد أن أفلت عُنقي..
وأثناء ذلك ارتطم السكّين بوجنتي.. شعرتُ بالدماء تسير على وجهي وصولاً إلى عنقي.. شعرتُ بالألم حين أدركت ما يحدث..!
استدرتُ إلى الخلف فوقع بصري على من يتقدم نحوي مُسرعًا، ليس ضخمًا كليوند، لكنه يملك عقدة حاجبيه، وعينيه الثائرتين..
أعرفه جيدًا، الأقل ترهيبًا والأكثر جاذبية، أدريانو موريتّي!
نظرتُ إليه ثم إلى المستلقي أرضًا حيث ينزف فخذه الأيمن..
رصاصة من مسدسٍ مُزّود بكاتمٍ للصوت!
حين أشحت بوجهي عنه كان أدريانو قد دنا بجذعه أمامي وجثا على ركبةٍ واحدة، جال وجهي بأعينٍ متفحصة، ثم رفع كفّه إلى وجنتي يضع فوق جرحي منديلاً يمتص دمائي.
- أنتِ بخير؟
خارت قوايَ ما إن فاه مستفهمًا، خارت قوايَ وزاد شعوري بالألم فخرج من محراب شجني، بكيت.. بكيت حتى احترق صدري وجفَّ حلقي، ولم يكن منه سوى التحكم في نزيفي والتحديق في وجهي.. بينما إبهامه يسير أسفل شفتي تارة، وتارة أخرى يلتقط دموعي..
- توقفي عن البكاء، لا تعجبني الفتنة المشوهة!
لم أُلقِ بالاً لما نطق به، كنت في عالمٍ آخر.. عالمٌ خرجت فيه كل آلامي، كل ما أبقيته في لحده ها هو في مهده مرة بعد مرة!
لذا وبدون وعيٍ منّي اتكأت بجبيني على كتفه وأغمضتُ عيني..
وبكيتُ دون توقف.. بكيتُ خوفي ورجفتي..
بسبب فعلتي تراجعت يدهُ عن وجهي وسقط منديله، ولطخت دمائي قميصه ثم الأرض.. بينما يده شقّت طريقها إلى ظهري تتحسسه..
لثانية واحدة فتحت عيني فسقطتْ على تلك الدماء!
رأيتُ الأرض تملؤها دمائي، رأيتُ تلك الليلة مجددًا!
ليلة هروبي من روما.. ثم الغزالة المنحورة بجوار سريري!
عاد كل شيءٍ إلى رأسي وأمام عيني.. عاد فزاد من رهبتي ودار العالم بي..
توقفتُ عن البكاء بسبب ذلك الشعور بالدوار، ولحظة بعد لحظة.. ها هو وعيي يذهبُ بعيدًا عني.. إلى أن فقدته وأظلم كل شيءٍ حولي..
وما إن أبصرتُ حتى أدركتُ أين أنا.. في غرفةٍ لا أعلم صاحبها، غرفة ذات ألوان هادئةٍ، جدران خشبية باللون البني وأثاث يغطّيه السواد.
مقاعد جلدية سوداء، وطاولاتٍ خشبية تقابلها بلون السقف، ورفوف من الكتب تملأ جدران الغرفة، وعند حائطٍ زجاجي يطل على الميناء يقبع بار بعرض الحائط ويقف أدريانو أمامه.. يصب قهوة بيد وباليد الأخرى يحتضن كتابًا!
دققتُ مليًّا فيه حتى أبصرتُ عنوانه..
ديوان "أزهار الشر" لـ شارل بودلير..!
يا لرفعة عقله، يقرأ شعرًا فرنسيًّا ويمسك بفنجان قهوته بكل برودٍ بعد ما مررنا به، حتى أن دمائي ما زالت تلطخ قميصه!
بقعة قانية تتوسط صدره، وعلى الجانب الآخر يغرق هو في القهوة وأزهار بودلير!
فتحت عينيَ بالكامل أنظر إليه، وحين هممتُ بالتحدث اقتحم وجهي ألمٌ لا يحتمل.. الآن فقط تذكرت جرحي..
رفعتُ أناملي أتفقده برويّة.. إنّه مُضمّد!
نزعتُ يدي عنه وتفوهتُ بصوتٍ خفيض حتى لا أُجهد وجهي
- أنتَ فعلتَ هذا؟
ما إن وصل لسمعه استفهامي حتى استدار لي تاركًا كوب قهوته، اقتربَ بهدوءٍ يشبه ملامحه، ثم جلس على السرير يقابل استلقائي.. بينما ما يزال الكتاب بين يديه..
- أخبرتكِ.. لا تعجبني الفتنة المشوهة!
لم يعطني فرصة الرد عليه أو إدراك ما يتفوه به، أعاد فتح الكتاب بين يديه ونطق
- يقول بودلير " أنا المرآة المشؤومة التي تتملى
فيها المرأة الشرسة وجهها
أنا الجرح والسكين أنا الخدُّ والصّفعة
أنا الجسد ودولاب التعذيب
أنا الجلاد والضحية
أنا مصاص دماء قلبي.."
طوال الوقت لم تفارق نظراته الكتاب، بينما أنا كنت في عالم آخر، عقلي ما يزال متوقفًا عند شطرٍ ألقاه على سمعي دون أن يعلم ما فعله بي!
أنا الجرح والسكين.. ؟ أشعر وكأنني رأيتُ ذات الجملة قريبًا.. في مكانٍ ما..
كدفتر ليوند!
لم أنتبه أنه أنهى قراءة القصيدة، لم أنتبه أنه تركَ الكتاب من يده حتى، لم يخرجني من ذلك الشرود إلا الشعور بأنفاسه قريبة من وجهي..
رائحة القهوة والتبغ التي اخترقت أنفي لم تكن كافية لتخدير عقلي، لم تُغفلني عن شعوري بأنامله أسفل ذقني، ويده الأخرى أمسكت بيدي الموضوعة بجانب جسدي..
تحسس ذقني قليلاً قبل أن يحرك أنامله إلى الأسفل أكثر.. حيث عنقي..
بسط كفه بأكمله عليه، ثم ثبّتَّ نظراته على بؤبؤ عيني المتّسع.. وتفوه
- إذن.. هل تعرفين هُوية المطاردين؟
شعرتُ بإبهامه يتحسس منتصف عنقي، كانت نبرته هادئة كلمساته؛ لذا وببطءٍ قلَّ اتساع عينيَ وانتظمت أنفاسي..
- هدفهما؟
أعاد صياغة سؤاله فانتبهتُ إليه.. تحمحمتُ ودفعتُ رأسي إلى الخلف قليلاً أخلق بيننا مسافة تسمح لي بالتحدث بحرية..
- لا أعلم ما إن كان شكّي في محله..
- بمعنى ؟
لم يبرح مكانه ولم ينفك عن تحسس عنقي، بطريقة ما وبشكل غريب.. كان يبعث هذا الاسترخاء داخل أوردتي!
- ليسوا كقطّاع طُرق.. كانوا كمن يظن أنه يستعيد ملكية خاصّة!
رفع حاجبه الأيسر قليلاً وضغط على يدي بيده الأخرى..
- ملكية خاصة؟
- نعم.. والملكيات الخاصّة دائمًا ما تحمل أسماءً.. أو ربما أمور أخرى.
رأيتُ نظرة غريبة تعتلي عينيه حين قولي، نظرة لم أفهمها لكنها بثّت داخلي رهبة تجاهه!
زاد ضغطه على يدي وأجاب بصوتٍ خفيض..
- كالأرواح.. أو ربّما الألحان!
ضاقت بي الغرفة وتوقف الزمن ما إن نطق بتلك الكلمة، شعرتُ ببرودة تغزو أطرافي رغم دفء أنفاسه المنبعث من قربه، كعقدةٍ تخنق حنجرةٍ تمسدها يد غريب كمصاص دماءٍ جذّاب..
حاولت جمع شتات نفسي والإجابة عليه فخرجت نبرتي منخفضة، لكنها كانت ثابتة..
- ماذا عنكَ يا أدريانو؟ تبدو كمن يبحث عن شيءٍ ما..
رسمَ بسمة طفيفة على ثغرة تكاد تُرى..
- أنا؟
استفهم متهكمًا، ثم أزاح إبهامه عن حنجرتي قليلاً، بمقدار شعرةٍ فقط..
ودون سابق إنذارٍ دنا من عنقي، ولم أشعر سوى بشفاهه تطبع قبلة على حافة فكّي..
تجمد الدم في عروقي.. لم تكن قبلته حانية، كانت أشبه بنصلٍ باردٍ فوق جلدي! نصلٌ حفر مكانه دون أن يتركَ جرحًا..
- ماذا برأيك؟
نطق بالقرب من أذني..
بيدي الحرة أمسكتُ بكتفه أدفعه دفعًا خفيفًا بقدر طاقتي، واستجاب لي دون مقاومة، لكنه لم يبتعد كثيرًا.. ما زالت أنفاسه تضرب وجهي وعنقي..
وبقعة الدماء على القميص تقابلني كشاهدٍ على شيءٍ لم ولن ينتهي!
نظرتُ في عينيه أثناء إجابتي
- رأيي؟
سكنت أنفاسي وأنا أحدق في حدّة عينيه، كنت أحاول جمع ما تبقى مني أمام هذا الحصار..
- أراكَ تلمس ما تبحث عنه..
نطقتُ بوهنٍ وانعكس هذا على نظراته نحوي.. لكنه لم يتحدث، عوضًا عن هذا رأيت طيف ابتسامة على وجهه قبل أن يهم واقفًا..
قابلني بظهره وعلى حين غرة نزع قميصه الملطخ فاتسعت عيناي!
أشحتُ بوجهي بعيدًا عنه.. وحين اخترقت أذني قهقهته زاد إحراجي..
- لقد انتهيت..
أعدتُ وجهي إليه، كان قد استبدل قميصه بآخر.. قميص شتوي أسود ذو قلنسوة.. سرّح خصلاته الرمادية إلى الخلف بأنامله ثم نطق أثناء تحركه ناحية الباب..
- سأعود بعد دقائق..
لا أستطيع إنكار إعجابي بهذا الرجل.. إنه وبكل ما يحويه من خطرٍ يجذبني إليه! شيء خفي في حضوره يجعلني أقف على حافة هذا الخطر بابتسامة واسعة على وجهي!
حين أغلق الباب خلفه تنهدتُ بصخبٍ أخرج كل ما حبسته من هواء داخل صدري، نزعتُ الغطاء عنّي وبتريثٍ تحركت لأقوم من مكاني..
الألم في وجهي يتسبب في صداعٍ أشبه بطلقة في الرأس!
وحتّى الآن لم يغادرني الشعور بالدوار..
تجولت في الغرفة قليلاً..
وقفتُ عند البار حيث كان يقف وتفحصتُ كوب قهوته، لقد بردت..
أمسكتُ بالكتاب أفتحه بعشوائية، ثم أخذت أقرأ ما وقعت عينيَّ عليه..
"غالبًا ما تحملني الموسيقى كما يحملني موج البحر..
نحو نجمي الشاحب..
وتحت سقفٍ من الضباب أو في أثير واسع..
أبحر..
فأتسلق متن الأمواج المتراكمة التي يحجبها عني الليل..
إني لأشعر في داخلي بكل انفعالات..
مركب مشرف على الغرق!
وأشعر بالريح المواتية وبالعاصفة واختلاجاتها..
تهدهدني فوق اللجة المترامية..
وأحيانًا أخرى أسمعها هادئة ملساء..
كأنها مرآة يأسي الكبيرة.. "
تركتُ الكتاب من يدي على مضض..
الشعر يفتح جراحي؛ لذا لن أقرأ مُجددًا..
لو أن شارل بودلير كان مطلعًا على حياتي.. لَمَا كتب هذا..!
عدتُ إلى السرير أجلس على حافته بينما أستند بيدي على الطاولة الصغيرة بجواره، يتموضع عليها كوب ماءٍ فارغ، وبعض الأدوية التي ربما استخدمها في تضميد جرحي، ومصباح صغير..
أعلم أن فضولي سيتسبب في هلاكي يومًا..
أعلم أن هذا خطأ..
لكنني لم أستطع منع نفسي عن فتح درج الطاولة..
قطع صمت الغرفة صوت صرير خفيف صادر عن فتح ذلك الدرج، رجفة يدي ونبض قلبي كلاهما كان يتسابق.. من منهما سيغلب الآخر!
لا يحتوي على الكثير، بعض الأوراق المبعثرة..
مفتاح يبدو قديمًا..
نظارة، قلم..
ثم في الزاوية رأيتُ شيئًا مألوفًا.. قلادة تحوي قلبًا به رمز لحنٍ أسود..
أقسم أنني رأيتها من قبل.. لكن لا أذكر أين ومتى!
أمسكت بها بين أناملي وأخذت أحدق به عدة دقائق أحاول تذكره.. لكن عقلي لم يساعدني.. لا أذكر متى رأيته، ولا أذكر أنني أمتلكتُ واحدًا مثله يومًا..
عدة ثوانٍ أخرى ثم أفلتّه من يدي وأعدته إلى مكانه قبل أن يعود أدريانو..
وما هي إلا دقائق معدودةٍ حتى كان يطرق الباب يطلب الإذن للدخول فامتثلت له..
حين تراءى لي كان يمسك بطبقِ طعامٍ بين يديه.. لقد كان يجلب لي الطعام!
ناولني الطبق في يدي، ثم اتجه ناحية طاولة خشبية صغيرة كانت في زاوية الغرفة سحبها وثبّتها أمامي، وأخيرًا أخذ الطبق من يدي ووضعه فوق الطاولة..
كان طبقًا من تورتيليني الدجاج!
جلس على المقعد يقابلني ثم ناولني الملعقة ونطق
- تناولي..
نظرتُ إليه متعجبة بينما ألتقطها منه.. متى حضّره حتّى!
- متى فعلت هذا؟
- قبل استيقاظك..
أجاب بعد أن أراح ظهره إلى الوراء وضمَّ ذراعيه إلى صدره..
قبل أن أستيقظ..
كنت مترددة في فكرة تناول ذلك الطعام، كيف لي أن أثق به للحد الذي يُجلسني في منزله إلى المساء.. بل وآكل طعامًا أعدّه بنفسه؟
من هذا الرجل لأجلس بجواره دون التفكير في أي من ذلك؟
وعيتُ على نفسي فتركتُ الملعقة من يدي ووضعتها بجانب الطبق، ثم شبكت أناملي سويًا وتحمحمت..
- شكرًا لكَ لكل ما فعلته من أجلي منذ الصباح.
نظر إلى الطبق ثم إلى وجهي.. وبهدوء أجاب
- ما زلتُ أنتظر تقديم يد العون الحقيقية لكِ.. يمكنكِ اللجوء لي في أي وقت.. يمكنني مطاردتهم إن أردتِ.
زادت دهشتي بما نطق به توًّا.. لمَ أشعر وكأنه يسخر من وضعي؟ وكأنه يخبرني كم أنا ساذجة وضعيفة!
هممتُ بالوقوف فورًا، أشعر بشعورٍ غريب، لا أشعر بالراحة بعد الآن، أحتاج المغادرة..
- أستمحيكَ عذرًا.. عليَ الرحيل، شكرًا لك مُجددًا.
لم يفك عقدة ذراعيه، ولم يبرح مكانه! ولم ينفك عن التحديق بي بصمتٍ حتى جررتُ قدميَّ وغادرت الغرفة!
ثم غادرت المنزل بأكمله..
وما لاحظته ما إن أدركت عنوانه.. أنه لا يفصل بينه وبين منزل ليوند سوى شارعٍ واحدٍ تقريبًا! ثلاث دقائق فقط سيرًا على الأقدام!
خرجتُ من زقاقٍ ودلفتُ إلى مجاوره.. وها أنا أمام منزل ليوند.. أو شقتي.. سأعود الليلة إليها بغض النظر عمّا أشعر به من خوفٍ تجاهها..
ما زالت دماء الغزالة محفورة في أنفي وذاكرتي.. ما زالت صورتها وهي منحورة ثابتة في عقلي لا تتزحزح!
تنهدتُ بضيقٍ ما إن وقفتُ أمام باب شقتي، كنت أتحسس جيب معطفي بغية إخراج المفتاح.. ولكن صوتًا صار بغيضًا أوقفني
- أين كنتِ حتى الآن أورورا؟ جلتُ أنحاء جنوى بأكملها بحثًا عنكِ!
بدت لي نبرته يائسة! ليس غضبًا عاديًا.. بل ذلك الممزوج بقلقٍ وتعب..
لم أشأ الاستدارة إليه ومواجهته.. لم أشأ أن يرى جرح وجهي..
لكنّه باغتني بالقبض على كتفي وسحبني إليه فاستدرتُ رُغمًا عنّي..
ارتدَّ رأسي إلى الخلف بفعل قبضته على ذقني بغتة، رأيت الذعر في عينيه، لكنه أخفاه بعقدةٍ بين حاجبيه وتنهيدةٍ ثقيلة خرجت منه بينما يحرك وجهي يمينًا ويسارًا يتفحصه..
- من لمسك!!؟
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!