الفصل الخامس | الجرح والسكين
سكتَ العالمُ أجمع في تلك اللحظة، لا شيء يُسمع سوى دقات قلبي العالية..
أرى الدماء تخرج من أسفل باب غرفتي، تتدفق كما لو أن مصدرها ما زال موجودًا!
ولا يتصور عقلي إلا أمورًا لن أتحمل رؤيتها!
ماذا لو كانت جثة إنسان؟
اعتدلتُ جالسة في مكاني، لم أبرح الأريكة.. أنا فقط التصقتُ بها أكثر.. وضممتُ ركبتيَ إلى صدري..
وأخذتُ أحدق في الدماء وهي تزداد.
تتدفق كما لو أنها تبحث عنّي... هي قادمة نحوي!
ماذا عساي أن أفعل الآن؟ لمن أهرع؟ أين أمي؟
أخبرتني أمي ذات مرة، أنها تخشى عليَ من قسوة الحياة، أنني أضعف من أن أُجابه صلادتها وحدي..
لكنها كانت أول من مضى عنّي وتركني في وجه الفقد..
ولم تمضِ سوى أسابيع قليلة حتى لحق بها أبي، عجزًا منه عن احتمال غيابها..
وبقيتُ أنا دون أحد، أواجه حياة حذّرتني منها، ثم سلمتني لها دون وداع..
رأيتُ سنين عمري تتسرب أمام نظري مع قطراتِ دمٍ جهلتُ منبعها، إلا أنها لم تنفك عن زرع الرهبة في أوصالي فارتعدت..
أنا خائفة، ولم أدرِ بمن أُناجي وبمن أنادي، لكنني في لحظة لاوعيٍ ودون رغبة منّي وجدتني أنطق باسمه مرتجفًا مختنقًا..
- ليوند.. ؟
المرة الأولى كان مترددًا مهتزًا، تكاد أذناي تسمعه..
المرة الثانية زادت نبرتي بمقدار أنملة..
المرة الثالثة دوت مني صرخة باسمهِ هزّت جدران المنزل..
ثم انخفضت رأسي إلى ركبتيَّ مُجددًا.. لا أعلم هل كنت أبكي.. أو كنت أرتجف.. لا أشعر بشيءٍ باستثناء الخوف والرغبة..
أرغب في أن يكون بجواري الآن.
بضع ثوانٍ وكان يطرق الباب مناديًا باسمي مرّات عدة..
وفي المرة الأخيرة التي تحدث بها، لم يكتفِ بذكر اسمي فقط.. بل هددني..
- إن لم تفتحي في الحال سأكسر الباب!
نعم! أرجوكَ اكسره!
أنا خائفة حد عدم الشعور بقدميَ، لا أقوى على الوقوف والذهاب إليه!
كما قال نَفّذ.. ثوانٍ معدودة وكان الباب طريح الأرض..
ويقفُ هو أمامي لاهثًا.. يعلو صدره ويهبط بوتيرة سريعة..
وعينيه لم تبرح جسدي.. تفحصني من رأسي حتى أسفل قدمي..
ثم وبسرعة تقدّمَ وجلس على ركبتيه أمامي..
- أخبريني.. من أخافك؟
نطق يمسكُ بيداي..
لم أقدر على التفوه بحرفٍ واحد.. لساني يرتجف!
نظرت إلى يدينا.. ثم إلى وجههِ..
حاولت التحدث.. أقسم أنني حاولت.. لكن خانني لساني.
بصعوبة رفعتُ عينيَّ أشير بها خلفه حيث الغرفة.. حيثُ الدماء..
ولم يتأخر هو في استيعاب إشارتي.. إذ أنه في ذات اللحظة التفت..
لم يُعطني ردَ فعلٍ يُذكر.. كان هادئًا بشكلٍ يثير الريبة، يُحدق في الدماء من دون أن ينبس ببنت شفة!
وكنتُ أنا في عالمٍ آخر، أفكر في مهربٍ من كل هذا..
لم يتبقى لي سوى مغادرة إيطاليا بأكملها!
وما كان خطأي؟ لست أدري!
أنا فقط رفضتُ الانخراط في ما لا يُحمد عُقباه..!
استقام مُعتدلاً، وبدلاً من الذهاب حيث فجيعتي، اقتربَ منّي منحنيًّا..
تحسس وجنتي بإبهامهِ لثوانٍ معدودةٍ دون أن يُبعد عينيه عن عيني..
ومن دون سابق إنذارٍ سحبني إليه يحيطني بذراعيه يخبئني بينهما..
لم أعترض ولم أحاول إبعاده، أنا وبكل قوتي تشبثت في قميصه دافنة رأسي في صدره، ولم يتردد هو في التربيت على ظهري مرّاتٍ عدةٍ حين وصل إليه نحيبي..
كنت أبكي كل سنيني.. أبكي كل محاولاتي في الهرب والتخطي..
أبكي ماضيَ العالق بي، وحاضري المُلَطّخ.. ومستقبلي المبهم..
أبكيني..
لم يبتعد عنّي، ظلَّ كما هو.. يشد العناق حولي تارة، وتارة أخرى يزيد من وتيرة تربيته على ظهري..
كان من المفترض أن يُجدي هذا نفعًا، كان من المفترض أن يهدأ عقلي!
لكن صورة الدماء لا تفارق مخيلتي.. وكلما فكّرت في احتمالات مصدرها.. زاد ذعري..
وعلى حين غرة تضاعفت رجفة جسدي حتى خرجت عن سيطرتي، يزداد نحيبي وتزداد رجفتي.. وأصوات عقلي لا تساعدني على العدول عن هذا..
حين أحسَّ برجفتي بين يديه، أفلتني وفصل جسدينا.. لكن ظلَّ ممسكًا بكتفاي بينما يحدق إلى وجهي، يسير عليه ببطء، يحاول جمع كلماته..
ويبدو لي أن مظهري المذعور يكبّل لسانه..
- أورورا..
نطق أخيرًا..
- أنا خائفة يا ليوند ماذا أفعل..
رفع يده عن كتفي إلى وجنتي، وأخذ يتحسسها بإبهامه مرة أخرى بينما يجيبني
- أعلم أنكِ خائفة.. أدرك فداحة ما يرعبكِ ، لكنه لن يصل إليكِ ما دمتُ أحول بينكِ وبينه.
لم ينتظر جوابي، لم ينتظر ملاحظة ما فعلته داخلي كلماته، إذ أنه وقف في مكانه مُفلتًا كتفاي، ثم نطق أثناء سيرهِ ناحية الغرفة
- ابقي هُنا..
ومن دون تردد اتجه إليها، لم يكن خائفًا مما ينتظره خلف الباب من مجهول، هو وبكلٍ ثباتٍ فتح باب الغرفة ودلف إليها..
اندفعت رائحة معدنية كثيفة إلى الخارج ما إن فُتح الباب، لم يظهر لي مصدر الدماء من موقعي هذا، لكنني رأيتُ شيئًا غريبًا، طرفٌ داكن عند أسفل الباب..
لم يكن يتحرك، لم يكن بحاجةٍ إلى ذلك.
الدماء كانت قد أدّت عنه المهمة؛ تسللت من تحته، تمددت على الأرض، وكأنها خرجت تبحث عن شاهدٍ أخير..
تسمّر ليوند في مكانه، لم يتقدم ولم يتراجع، نظر إلى ذلك الشيء أمامه، وتغيّرت عينيه من الهدوء إلى الإدراك..
ساورني الشك في تلك اللحظة، إن كان ما أظنه صحيحًا..
جمعتُ شتات نفسي وتنهدتُ خوفًا، استغرق الأمر مني عدة ثوانٍ حتى أقدر على الوقوف فقط، ما زالت الرجفة تسري في أنحاء جسدي..
تسللت برودة هوجاء إلى بدني ما إن حطّت قدماي الأرض، ولم أقدر على تمالك نفسي ومنعها من التقدم إلى تلك البقعة..
لذا وبخطوةٍ متقدمة وأخرى متأخرة، سرتُ نحوه..
كانت خطواتي متثاقلة، كل خطوة توقف تاليتها عن التحرك وتزيد من ترددي وخوفي، أسير نحو مجهولٍ لا أعرف منه سوى رائحته..
تكاد رائحة الدماء أن تخرق رأسي من شدتها..
وثبات ليوند في مكانه لا يفعل سوى أنه يزيد من هلعي وفضولي، لذا ثوانٍ أخرى وكنت أقف بجواره مشدوهة مرتعدة الأوصال لما أراهُ أمامي مِن مشهد!
غزالةٌ منحورة تُغرق الأرضَ دمًا!
آرضَ غرفتي! غرفة نومي!!
اندثرت عزائمي فخارت قواي وأسقطتني قدماي أرضًا، جلستُ وسط الدماء التي لطخت يداي وأطراف ملابسي..
دماء غزالةٍ ذُبحت في غرفة نومي وبجانب سريري..
نظر لي ليوند بطرف عينيه ثم التفتَ يتقدم نحوها، جلس القرفصاء أمامها يحدق إليها، ثم مد يده ناحية ورقةٍ مُغطاةٍ بدمائها وُضعت بجانب عنقها المنحور..
ورقةٌ للتو فقط لاحظتها..
نظر إليها مطولاً.. ثم مدّها لي بعد أن ثبّتَ عينيه على وجهي الخائف..
وبيدين مرتجفتين التقطتُ منه الورقة..
"الدَّين لا يُنسى، ما نُحرَ اليوم لم يكن المقصود.. في المرة القادمة سأصيب الهدف"
أخذتُ أحدق في الحروف أمامي أُعيد قراءتها مرارًا وتكرارًا..
من ذا الذي ينتقم مني بهذا الشكل القاسي!
لمَ لا يقتلني مباشرة فقط!
- هل أدركتِ الآن ما يحوم حولكِ من خطرٍ أورورا؟
أخرجني من تيهي صوته، لكنني لم أقوى على الرد عليه، تلك الأحرف تتردد داخل عقلي تضربه ضرباتٍ تمثلت في صداعٍ يكاد يقتلني.. ورائحة الدماء تزيد الوضع سوءً، تخلق في صدري رغبة في التقيؤ..
أتعجب من وقوفه بهذا الثبات وسط كل هذه الدماء.. كما لو أنه معتادٌ على هذا!
دار العالم بي وزاد اختناقي وسط كل ما أنا به من فزعٍ ورهبة، لم أعِ شيئًا مما يحدث حولي بعد هذا، لم أرى سواه وهو يقترب مني عاقدًا حاجبيه قبل أن تُغمض عيناي ويذهب عقلي بي بعيدًا.
لقد فقدت وعيي..
وحمدًا للرب أني فقدته.
لم أكن أملك من العقل ما يجعلني أطيل النظر في ذلك المشهد لأكثر من هذا، ولا أن أكون حاضرة في ذات المكان..
لذا أنا ممتنة لليوند.. وضعني على سريره ثم نظف غرفتي أثناء غيابي عن الوعي، مع ذلك ما زلتُ أرفض دخول ذلك المنزل مرة أخرى.
لهذا ها أنا.. في منزل ليوند منذ الليلة الماضية..
وقبل أن يغادر طلبتُ منه أن يوصد الباب من الخارج وأن يأخذ المفتاح معه..
طلبتُ منه حبسي حتى لا يصل لي أحد، العالم في الخارج غدا أكبر منّي..
لكنه منذ الأمس لم يعد.. وأدركتُ الآن أنني لا أعرف طبيعة عملهِ حتى أو إلى أين يذهب..
قبل أن يغادر أخبرني أنه سيذهب إلى العم أنطونيو ويخبره عمّا حدث، وأنني لن أذهب إلى المقهى لعدةٍ أيامٍ أجمع فيها شتات نفسي، ومنذ ذلك الحين وأنا ملازمة للسرير لا أبرحه.
الساعة المعلقة على الحائط أمامي تشير إلى الثامنة مساءً، الهدوء يعم كل شيءٍ عدا صدري، هربتُ من ذلك الماضي.. لكنه لم يهرب منّي، ما زال يسكنني!
منذ الصباح الباكر وأنا على ذات حالي، أتمدد على سرير ليوند بينما أحدق في السقف فوق رأسي.. أنتظر سقوطه!
شيئًا فشيئًا.. بدأ يتضح لي سبب ذلك الانتقام، لستُ متأكدة بعد، لكن ما أنا متأكدة منه أن للأمر علاقة بما يدور في عقلي.. بما هربت منه منذ أشهر!
في هذا العالم، لا مفر من أن تُدنّس.. حتى في آخر بقاعه.. ستمسَّكَ قذارته.
شعرتُ بجوعٍ يتخلل جسدي فنزعتُ عنّي الغطاء، وهممتُ بالوقوف..
ربما أجد طعامًا في هذا المنزل المهجور..
الأثاث يُعد على الأصابع من قلّته، وبأكمله تُغطيه الألوان القاتمة، على الرغم من اتساع مساحة المنزل، إلا أنه يُعد فارغًا بأثاثٍ كهذا..
خرجتُ من الغرفة فقابلني رواقٌ طويلٌ بعض الشيء، وفي نهايته بابان، الأول يصل إلى غرفة المعيشة والثاني يصل إلى المطبخ..
ولم أتعجب مما يحمله المطبخ من فراغٍ هو الآخر! حتى الثلاجة.. لا أكل بها يسد جوعي..
لهذا عدت أدراجي ناحية الغرفة، سأنام حتى يعود.
ولكن لفضولي السلطة الأكبر، ما يحمله ذلك الرجل من غموضٍ يجذبني نحوه، لا يكفيني معرفة اسمه فقط..
لذا ومن دون ترددٍ غيرتُ وجهتي إلى مكتبٍ أسود تحت النافذة، يحوي عدة أدراجٍ كبيرة مددتُ يدي إلى أولهم وقمت بفتحه..
وما كان أول ما قابلني؟ مسدس!
فرّت من ثغري ضحكة ساخرة خافتة، ماذا أتوقع من شخص مثله حتى؟
حين رفعتُ يدي لأمسك به وقع نظري على شيئٍ آخر يجاوره، كان دفترًا صغيرًا أسود اللون تحيط به خيوطٌ تُحكم إغلاقه، لذا غيرت اتجاه يدي والتقفتُه.
مرّت على عقلي لحظة من التردد، كنت فيها ألامس الخيوط فقط دون حلّها، صمتٌ عالٍ أجّج المكان، كسره صوت إغلاق باب المنزل فدسستُ الدفتر في جيبي وركضت ناحية السرير اندثر تحت الغطاء مرة أخرى..
وحين شعرتُ به يقترب من الغرفة.. تصنعتُ النوم.
لم يتسبب في أي صوتٍ حين دلف إلى الغرفة يشعرني بوجوده، لكنني شممتُ رائحته ما إن اقترب منّي، كان حضوره طاغيًا..
ظلَّ أمامي لعدة ثوانٍ ثم ابتعد، وحين فعل.. فتحتُ عينيَ أخيرًا، كان هو يقابلني بظهرهِ يستعد لخلع قميصه!
لم أغمض عينيَ أو ألتفت، ولم يتردد هو في نزعه عن جسدهِ، ربما لظنهِ أنني نائمة، لكنها كانت لحظة خُطفت فيها أنفاسي حين رأيت وشم ظهره..
خريطةٌ تغطّي كامل ظهره.. وإن صحَّ ظنّي..
فهي خريطة روسيا!!
تحت وطأة صدمتي قطع تيهي بإردافه أثناء إشعال سيجارته، دون أن يستدير لي حتى..
- حتّامَ ستحدقين بي؟
فُزعت ما إن وصل لسمعي قوله، كيف يراني! كيف علم أنني مستيقظة وأحدق إليه؟
اعتدلتُ جالسة دون أن أزيل الغطاء عن جسدي، ثم أجبته بنبرة خانقة
- أنا جائعة!
التفتَ لي ببسمة متهكمةٍ طفيفة زينت جانب ثغرة، سحب دخان تبغه قبل أن ينفثه تجاهي، ثم نطق
- تجيدين الهرب أورورا.
- هذا ما اعتدتُ فعله.
أطفأ سيجارته وألقاها في سلة المهملات الموضوعة بجانب السرير، وبخطواتٍ متريثةٍ تقدم نحوي بينما يدسّ يديه في جيوبه
- ضيق مدارككِ سوّل لكِ أن بإمكانكِ الهرب منّي..
شددتُ قبضتي على الغطاء المحيط بجسدي وتابعت حركته بعينيَ حتى بات يقف أمامي مباشرة فرُفع رأسي بشكلٍ تلقائيٍ لأرى وجهه..
لم أجبه ولم يمنحني فرصة لذلك، إذ أنه دنا من وجهي وقبض ذقني بإبهامه وسبابته، ثم تابع قوله
- ألا تنوين إخباري بمن كان معكِ في المقهى؟
لحظة صمتٍ مرت على عقلي حتى أدركتُ ما يقصده، ذلك الرجل، كنت قد نسيت أمره، بسبب ما حدث انشغل عقلي عن كل شيءٍ آخر..
ابتلعتُ ماء فمي بينما أحدق به ثابتة، أصابعه لم تبرح ذقني، ونظراته ظلّت متعلقة على عينيَ حتى قطعتُ أنا ذلك التواصل بإبعادها عنه ونطقي
- سبق وأخبرتكَ أن الأمر لا يعنيك.
لا أدري حتى لمَ يشغل باله بهذا الرجل لذلك الحد!
باغتني بزيادة القبض على ذقني وتحريك رأسي حتى أُعيد إليه نظري، كلما قفز ذلك الرجل إلى حديثنا رأيت الغضب يتأجج في عينيه!
- عينيكِ عليَ وأنا أحدّثكِ.
في وقتٍ آخر، كنت لأعانده وأنظر إلى كل شيءٍ عداه، لكنني الآن متعبة، متعبة وأريده أن يبتعد في أقربِ وقتٍ حتى لا يلاحظ دفتره في جيبي..
- ماذا تريد؟
- من هذا الرجل؟ وفيمَ تحدثتم؟ ومنذ متى تعرفينه؟
ما كل هذه الأسئلة!
ضيقتُ عينيَ بسخرية وأجبته دون تردد
- هل أنتَ معجبٌ به؟ هل أنتَ شاذ؟
ارتخت قبضته حول ذقني في ثانية ظننت فيها أنه حررني، ولكن ما إن أفلتني حتى قبض على عنقي بشدة كدت فيها أفقد أنفاسي!
- وهل أبدو لكِ كواحدٍ من أمثالهم؟
نطق بنبرةٍ غاضبة أسمعها منه للمرة الأولى!
رفعتُ يدي أمسك بمعصمه القابض على عنقي، أشعر أن بيني وبين الموت مقدار شعرة
- أنتَ تخنقني ليوند
أرخى حدة قبضته قليلاً لكنه لم يفلتني، ثم زاد قربه منّي ونطق بجوار أذني
- اختناقكِ يجعلني أتنفس.
- فلتمت إذن
تفوهت بتجهمٍ وضربتُ على معصمه بقوة حتى أفلتني بشكلٍ كامل..
استقام بجذعه وعاد إلى الوراء خطوة بينما يعيد يديه إلى جيوبه، ثم قال أثناء اتجاهه إلى الخزانة يُخرج منها قميصًا غير الذي نزعه
- سأذهب لأحضر لكِ الطعام، لا تفتحي الباب لأحد، حتى لو كان الطارق أنا.
ما إن غادر الغرفة حتى وضعتُ يدي على صدري أحاول تهدئة نفسي، شهيقٍ يليه زفير ثم شهيق، أحاول جمع شتاتي وتنظيم تنفسي بعد ما فعل بي ما فعله..
ما أنا متعجبة منه.. أنني تلك المرة لم أكن خائفة منه، بل أن وجوده أسكت أصوات عقلي لفترةٍ وجيزة استطعتُ فيها التنفس..
مددتُ يدي تحت الغطاء وأخرجتُ الدفتر من جيبي، تحسستُ خيوطه لعدة ثوانٍ هاجمني فيها التردد والتوتر..
أملك فضولاً تجاهه يجعلني أرغب في معرفة كل شيء عنه، وزاد هذا الفضول بعد رؤية الوشم على ظهره..
منذ لقاؤنا الأول لاحظت غرابة لكنته الإيطالية، ولا أظن أن اسمه ذات أصولٍ محلّية، لمَ قد يرسم خريطة لوطنٍ غير وطنه على ظهره؟
أمسكت بطرف الخيط أسحبه حتى انتزع بالكامل، وقبل أن يزيد ترددي مرة أخرى فتحته بسرعة دون أن أُشيح عنه نظري..
ومع أول صفحة وقعت عليها عينيَ فغر فاهي..
جملة واحدة كُتبت في منتصف الصفحة..
" اليوم لم أسمع صراخًا، وهذا أربكني "
قلبتُ الصفحة سريعًا فوجدتُ جملة أخرى
" لا تغمض عينيك، لا تتذكر أعينهم "
الصفحة التالية
" هل أنا مُنقذ.... أم قاتل؟ "
توقفتُ دقائق طويلة أمام تلك الصفحة، أستطيع تخيله وهو يخطها بأنامل مرتجفة، أستطيع سماع صوته يتحدث في أذني بها..
أرى أمام عيني عينيه الخائفة!
قلبتُ الصفحة بترددٍ تلك المرة.. وما رأيته جمّد الدماء في عروقي..
بقعٌ حمراء طفيفة، يبدو وكأنها دماء.. ثم جملة واحدة أسفل الصفحة كتبت بخطٍ غير متزن
" أنا الجرح وأنا السكين "
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!