WHAT REMAINS OF US
WHAT REMAINS OF US
جزء 4 من 4
وضع القراءة:

الفصل الرابع | أسرٌ ودماء

مرّ ما يقارب الأسبوع منذ آخر رسالة وصلتني من ذلك المجهول، كل شيءٍ حولي هادئ بعكس دواخلي، فعقلي لا يكف عن الثرثرة، صوتي الداخلي يأبى تركي وشأني.
نعم، استسلمتُ للأمر وانتقلتُ إلى المنزل الجديد بعد بحثٍ مطوّلٍ عن منزل يقبع بالقرب من المقهى وانتهى بالفشل.
لم يكن بوسعي فعل شيءٍ سوى الانصياع لأمر العم أنطونيو بعدما هددني بالطرد إن لم أقبل بعرض ليوند..
ذلك المختل يُسكنني مقابل شقته!
لم أرهُ طوال الأسبوع سوى مرة واحدة، حين أتيت إلى المنزل للمرة الأولى، جاء معي العم أنطونيو حينها ثم رحلا سويًا، لذا لم تسعني مجادلته!
أملك صراخًا لا يشتهي إلا وجهه!
العم أنطونيو غدا يتجنب الحديث معي في الأمر، ونتقابل في المقهى مرّاتٍ قليلة تُذكر.. أشعر أنه يفعل هذا حتى لا أطرح عليه ما أحمله في رأسي من تساؤلاتِ تأخذ به إلى الهاوية.
وذلك الغريب، لم يأتي إلى المقهى مُجددًا، منذ أن طرح سؤاله وعقلي لا ينفك عن التفكير فيه وانتظاره.
أملك الإجابة.
اليوم، ولإنه الأحد، المقهى يكتظ بالزبائن نظرًا لإنها عطلة نهاية الأسبوع، على الرغم من أن الساعة لم تتجاوز الثالثة عصرًا!
وهذا ما يجعل العمل أضعاف، لا ثانية واحدة للجلوس والتنفس، أتنقل من طاولة إلى أخرى، ثم أعود إلى منضدة الاستقبال لتسجيل طلباتٍ جديدة.
لا أحد يعمل معي، العم أنطونيو يعتمد عليَ وعلى نفسه فقط.
هو لم يأتِ بعد، لذا أنا في ذلك الوضع المثير للشفقة، أشعر أنني سأفقد الوعي من شدة الإجهاد.
كنت أقف خلف منضدة الاستقبال متأهبة لأي طاولة ستفرغ حتى أنظفها، دقائق معدودة وفُتح الباب فتوجهت أنظاري إليه..
بضع ثوانٍ حتى أدركت أنه ذاك الغريب، كان يضع القبعة نفسها وقناع الوجه نفسه، لكنّه بدّل ملابسه السوداء إلى أخرى رمادية.
ولأنني أضع قناعًا على وجهي، حتى لا يتعرف عليَ أحد الزبائن، لم يلحظ تلك الابتسامة الطفيفة التي زينت ثغري ما إن حطّت مُقلتيَّ عليه.
اقتربَ منّي بهوادةٍ ثم استقر أمامي، تفصل بيننا المنضدة لكن تواصلنا البصري لم ينقطع حتى مدَّ يده لي بغية مصافحتي فأنزلتُ بصري إلى يدينا قبل أن يتشابكا في مصافحة دامت بضع ثوان كنت أنا من أنهيتها..
استند برسغية على المنضدة يميل بجذعه ورفع وجهه يُحدق في وجهي ثم تفوه
- أظنّ أنّكِ لم تصلي إلى إجابةٍ بعد..
أشار بحديثه إلى سؤاله السابق، ذلك السؤال الذي شغل بالي طوال الأسبوع الماضي.. بل وأعدت قراءة الكتاب بسببه..
تنهدتُ بخفةٍ أضع يدي في جيبي وعدتُ بعيني إليه بعد أن تأكدت من عدم حاجة أيٍ من الزبائن لي، وقلت بنبرة ثابتة
- مُخطئ، كنت سأجيبكَ حينها لو لم ترحل..
حطّ برأسه على كفّه يستند عليه بينما يحدق بِي، بضع ثوانٍ من الصمت ثم نطق
- وبمَ كنتِ ستجيبين؟
على الرغم من عدم رؤيتي لوجهه، إلا أنني متيقنة من كونه يبتسم الآن، يتجلى هذا في عينيه!
ولا أعلم لمَ.. لكن تعتريني رغبة الابتسام أيضًا!
قبل أن أتحدث سبقني أثناء استقامته بجذعه معتدلاً
- ليس الآن، سأجلس هناك.. وحين ينتهي عملكِ لنتحدث.
لاحظت فقط للتو أن هناكَ طاولة فرغت، وأن من كان يجلس عليها غادر بالفعل!
لم ينتظر حتى أعطيه جوابًا، قال قوله ثم ذهب وجلس.
استغرق الأمر منّي عدة ثوانٍ لأدرك ما يحدث حولي، أنا مشتتة بشكلٍ غريب.. تنهدت ثم خطوت حيث مقبعه..
- كان عليكَ الانتظار حتى أنظفها أولاً.
أردفتُ إليه بينما أقوم بمسح الطاولة أمامه..
في تلك الأثناء وقف هو متجهًا ناحية أحد الرفوف المجاورة يسحب كتابًا بدا أنه كان يعلم بمكانه مسبقًا..
رواية تُدعى غُروب!
حين أنهيت مسح الطاولة كان هو قد جلس وشرع في القراءة، لذا نطقت لأجذب انتباهه قبل أن أعود لمكاني
- لم تطلب مشروبًا..
رفع نظره لي ثم ردّ بهدوء
- قهوة من دون سكر من فضلك.
أومأتُ إليه بالإيجاب ثم غادرت من أمامه لأباشر في تحضير طلبه..
سار اليوم بهدوءٍ بالغ، تمامًا كما سار هذا الأسبوع، لم يظهر ليوند، ولم تصلني أي رسائل تهديد..
أما عن العم أنطونيو، فقد جاء لبضعٍ سويعاتٍ ثم غادر..
شارف منتصف الليل، ولم يعد في المقهى سوى ذلك الغريب، وامرأة بدأت في حزم أغراضها بالفعل..
لا أعلم كيف ولمَ بقى كل ذلك الوقت فقط من أجل أن نتحدث!
لم يكف عن طلب المشروبات كلما أنهى واحدًا طلب آخر، ولم يرفع عينيه عن تلك الرواية في يده، إلا في مرات شعرتُ فيها به يختلس النظر لي، وفي كل مرة كنت أدّعي عدم الانتباه..
وها نحن بمفردنا في المقهى بعد أن غادر الجميع ودقّت عقارب الساعة معلنة عن تجاوزها منتصف الليل..
اتكأتُ بجسدي على المقعد أتنهدُ مُتعبة، أشعر بألمٍ يجتاح بدني، وكأن ثورًا هائجًا هاجمني!
تلك الأيام ثقيلة بشكلٍ لا يوصف، كحجرٍ يرتكز على صدري، يمنع عني التنفس والحركة.
ثقيلة ولا مَهرب منها.
في تلك الأثناء رأيته يتقدم منّي دون أن يفلت الرواية من بين يديه، جلس على المقعد المجاور ثم حدق بِي لوهلة..
وعلى حين غرّة نزع عن وجهه قناعه، ثم قبعته وسرّح خصلاته إلى الخلف..
بينما كنت أنا ثابتة في مكاني..
أشعر بالخوف، لكن.. ليس ذلك الخوف الذي يأخذكَ إلى الخلف متراجعًا..
بل ذلك الذي يجعلك راغبًا في خوض الأمر..
في وجههِ حدةٍ جعلت من عينية مقبعًا للهيبة، شيئًا يجلب الخوف إلى قلبكَ دون عناء!
وخصلات شعرهِ الرمادية.. بدت كبقايا حريقٍ أنهكه حتى انطفأ.
بقيتُ أحدق في وجهه حتى ابتسم بخفة ووضع الكتاب على المنضدة أمامنا، ثم مدَّ يده نحويِ ونطق بصوتٍ جَشّ..
- أدريانو موريتّي..
انخفض بصري إلى كفّه الممتدة لِي لبضع ثوانٍ ثم عدت به إلى وجهه مرة أخرى بعد أن مددتُ يدي لأصافحه
- أورورا سيلفستري..
- غروب..؟
نطقتُ مستفهمة أثناء ترك يده..
عاود الإمساك بالكتاب مُجددًا ثم مرر أنامله على حافته
- رواية قاسية..
- تقصد أن الموت كان عقوبة قاسية؟
ابتسامةٍ طفيفة زينت جانب ثغره ما إن أدرك نُطقي، وأجاب
- بل العقوبة لمن لم يدركهم الموت..
جعدتُ ما بين حاجبيّ أثر قوله، وتجولت ببصري بين وجهه والكتاب
- لكنها ليست عن الهوس كما ظنّ الجميع..
مال بجذعه قليلاً واستند برأسهِ على كفّه كما فعل سابقًا
- عن ماذا إذن؟
- عن امرأةٍ أُجبرت على التظاهر بالقوة، لإن الانهيار لم يعد خيارًا متاحًا لها.
- لكنّها لم تكن ضعيفة!
هززتُ رأسي نافية
- لم أقل ذلك، قلت أنها تعبت من التظاهر بالقوة.
سادتْ لحظة صمتٍ بيننا لبضع ثوانٍ قطعها هو بسؤاله..
- وهل تعلمين أيُ الرجلين كان أشدُّ خطرًا عليها؟
- بالتأكيد من ظنَّ أنه يملكها!
أجبته من دون تفكير ففرت منه ضحكة ساخرة خافتة!
- بل من أقنع نفسه أن بإمكانه إنقاذها.. والأخطر من كلاهما، ذلك الذي سُلبت من يدهِ النهاية؛ فتمردت عليه وكتبت نفسها.
مُجددًا جعدتُ ما بين حاجبيَّ ونطقتُ متعجبة
- وهل هذا يجعل منه بطلاً؟
- لا، بل يجعل منه واهم.. اكتشف متأخرًا أنه كان جزءً من الحريق، فانجرفت مِنه الأمور إلى ما لا يقدر على التحكم به.
سرت قشعريرة في ظهري وصلت حتى رأسي!
حديثه ونبرته ونظراته!
ما زال يحدق إلى وجهي مُتكئًا على كفّهِ.. ويتفوه بتلكَ الكلمات الغريبة..
بالطبع أنا خائفة..
خائفة.. ومنجذبة..
شبكت أناملي ببعضها وأشحتُ بنظري عنه تزامنًا مع نطقي
- يُعيدني هذا إلى أمر القطيع..
وضع الكتاب على المنضدة مرة أخرى وأراح رأسه أكثر على كفّه ينتظر أن أكمل..
- القطيع لا يُقاد بالقوة، بل بالطمأنينة.. لأنه لا يعي بأنه قطيع.
تنهدتُ بخفةٍ ثم سحبتُ القناع عن وجهي أنزعه بينما أكمل حديثي..
- أي أن الطمأنينة خدعة.
ارتفع حاجبه قليلاً، بدا عليه الاهتمام.. وعينية، لم تبرح وجهي.
- ليست خدعة، بل مكافأة..
نطق بها بعد وهلة من الصمت.
وحين لم أُجبه، أكمل
- حين تتعب الفريسة من الهرب، تصدق أي يدٍ لا تضربها فورًا.
رأيتُ شبح ابتسامة غلّفت عينيه فهمَّ سريعًا بمحوها قبل أن ألاحظها!
لمَ انجرف بنا الحديث إلى تلكَ النقطة؟
وما علاقة آخر ما تفوه به بحوارنا من الأساس؟!
لمَ بدأ عقلي في التشتت الآن؟ ولمَ أنا خائفة!
لمَ أُعطيه مجالاً حتى!
شددتُ على حافة المنضدة لأكبح ما أشعر به من توتر، وبالتأكيد قد لاحظ هو هذا؛ إذ وقف يرتدي قناعه وقبعته مرة أخرى، ثم بهوادة اقترب منّي يدنو من وجهي، وتفوه
- السؤال الحقيقي الآن يا أورورا..
هل يعي الناجي أن نجاته قتلت آخر؟
أنهى قوله ولم ينتظر.. لم ينظر لي مرة أخرى، استقام.. ثم غادر من أمامي!
تابعته بعيني حتى وصل إلى باب المقهى، وقبل أن يقوم بفتحه فتحه أحدهم من الخارج..
إنه ليوند!
حدّق به من أسفل جفونه، رأيتُ التعجب بين نظراته لكنه أخفاه تحت ستار غضبٍ عجز عن التحكم فيه..
أما الآخر فدفعهُ بكتفهِ أثناء خروجه من المقهى..
اكتفى ليوند بالتحديق فيه حتى اختفى عن نظره، كان هادئًا بشكلٍ مريب، لكنني أقسم أن بداخلهِ شيءٌ آخر!
في عينيه بركان!
- مَن؟
استفهم مُتقدمًا منّي..
لم يجد منّي جوابًا، لمَ عليَّ أن أخبره؟
تجاهلته واقفة أسحبُ الرواية حتى أعيدها إلى مكانها، وفور أن خرجتُ من خلف المنضدة، قبض على ذراعي قبل أن أتخطّاه.
- أُغلق المقهى منذ نصف ساعة، أي أنه ليس زبونًا!
كنتما تتحدثان، من يكون؟
نظرتُ إلى يده التي تشد الخناق على ذراعي، ثم إليه
- لا أظن أن الأمر يعنيك!
- للمرة الثانية يخونكِ ظنّك، طرحتُ سؤالاً بغية الإجابة، اتركي ظنونكِ جانبًا ولا تثيري جنوني أورورا سيلفستري!
- وللمرة الثانية أخبركَ أن لا تتدخل في ما لا يعينك، أفلِت يدي!
نطقتُ بثباتٍ بالغٍ يُنافي الحروب التي تحدث في داخلي تلك اللحظة!
شدّني إليه وضيق عينيه بينما يُحدق بِي
- سأعرفُ بطريقتي إذن.
ثُم أفلتني.
لم أهتم بما نطقهُ أخيرًا، ولم أُجب.. جررتُ أقدامي حيث رفّ الكتب لأعيد الكتاب إلى مقبعه.
- سنعود سويًّا.
أظن أن كلمة ليوند هي إحدى مرادفات الجنون!
هذا الرجل بالتأكيد لا يملك عقلاً طبيعيًا كسائر البشر!
انتهيتُ من وضع الكتاب في مكانه ثم هممت في خلع المئزر تزامنًا مع نطقي بتهكم
- شكرًا لكرمك السخيّ، أستطيع تدبر أمري.
ما إن حططتُ بالمئزر في مكانه حتى اقتربَ منّي، وبسرعة لم أواكبها كان قد أعاد القبض على ذراعي يسحبني خلفه!
- لم يكن هذا استفهامًا، كان خبرًا.
- لأنني وافقت على المكوث في الشقة المجاورة لشقتكَ لا يعني هذا أن تتحكم في كل خطواتي، العودة سويًا وما شابه! طموحاتك عالية.
أنهيت حديثي بضحكة ساخرة، علّه يغضب ويتركني وشأني، لكنه فاجأني ببروده ورزانته! هو هادئ بشكلٍ يثير غضبي أنا!
حين خطونا خارج المقهى لم يفلتني، أحكم إغلاق الباب بيده الأخرى ثم عاود سحبي حتى وصلنا إلى دراجته النارية..
- أنتَ مجنون.
نطقتُ ممتعضة
- أعلم.
أجابني بينما يمسك بالخوذة ويقترب منّي..
وضعها على رأسي بهدوءٍ يشبهه، ثم تفوه يرتدي خاصّته
- أتوقع منكِ التزام الهدوء حتى نصل.
لم ينتظر جوابًا، ولم يبحث عنه في وجهي، أحاط خصري بيديه ومن دون أي مقدماتٍ رفعني إلى الدراجة ففرت مني شهقة عالية
- توقف عن تعدّي حدودك سيّد فيسليفسكي!
صعد بدوره أمامي، وأجاب أثناء تشغيل الدراجة
- تجبريني على هذا سيّدة سيلفستري.
التلامس الصاخب الذي حدث بين وجهي والهواء ما إن انطلق بنا، بعث شعورًا بالاسترخاء بين أضلعي وعقلي.. جعلني لا أفكر في شيءٍ باستثناء الآن..
كنت أمسك بحافة قميصه حتى لا يحدث بيننا أي تلامس، وكي لا يزعجني أو ينزعج، على الرغم من أنه لم يترك حدًّا بيننا لم يتعدّاه!
في غضون ما يقارب الأربع دقائق، كنا قد وصلنا إلى المنزل، نزعت الخوذة عن رأسي ووضعتها فوق درّاجته، ثم تخطّيت البوابة الرئيسة، دون أن أنبس ببنت شفة أو أنظر إليه.
لكنني شعرتُ به يسير خلفي، وما إن وصلتُ إلى باب شقتي، كان يقف بجواري، يفصل بيني وبين شقته..
- لنا في الغدِ حديثٌ عن ذلك الرجل، ليلة هانئة.
قالها بعد أن فتح باب شقته.
كنت أنا ما أزال واقفة في مكاني أمد مفتاحي إلى الأمام، ويدي عالقة في الهواء، حين أدركت ما يقوله التفتُ إليه بوجهٍ مكفهر
- ومن أين يأتي الهناء وأنتَ في الجوار!
ضحك ضحكة خافته، بدا وكأن ما قلته أعجبه! لم ينزعج!
جعدتُ ما بين حاجبيّ متعجبة، ونطقتُ حين طال صمته وتحديقه
- توقف عن التدخل في شؤوني والتصرف وكأنني ملكٌ لك!
اقترب منّي خطوة واحدة واضعًا يديه في جيوب بنطاله
- كنتِ منذ البداية، أنتِ فقط ترفضين الاعتراف بهذا.
مُختل! أنا لا أعرفه سوى من عدة أيّامٍ فقط!
رَبّعتُ ذراعاي إلى صدري واعتدلتُ في وقوفي، وواجهته
- أنتَ أكثر رجلٍ واهم قابلته في حياتي يا ليوند.
تلك المرة أعدم كل ما بيننا من مسافة، ثم قبض على ياقة قميصي ونطق محتدمًا
- وأنتِ أكثر امرأة مثيرة للشفقة قابلتها يا أورورا، تظنين أن بإمكانكِ حماية نفسك، متجاهلة الخطر الذي يحوم حولكِ من جميع الاتجاهات!
- أنتَ أحد تلك الاتجاهات بالنسبة لي.
ما إن نطقتُ حتى شدَّ القبض على ياقتي أكثر، كدتُ أفقد أنفاسي لولا أنه جذب انتباهي بما تفوه به
- على المرء أن يسلكَ الاتجاه الأقل خطورة حتى ينجو.
فتحتُ فمي بهدوءٍ أتنفس، ثم رفعتُ يدي إلى ذراعه الممسكة بياقتي أقبض عليها، وأجبته بهوادة
- الفرض في النجاة ليس نجاة، بل أسرٌ مُزيّن.
ارتخت يده، ليس الارتخاء الذي يليه تراجع، بل ذلك الذي يسبق لحظة الإدراك، أو التيه في أمرٍ تعمدت تجاهله واصطدم بك..
تشنّج فكّه للحظةٍ خاطفة بالكاد تُرى،
وانخفض نفسُه فجأة كمن نُزع منه الهواء،
كان نظره معلقًا على مُقلتيّ، اقترب منّي أكثر ثم توقف..
وتلك المرة، كانت نبرته أقل حدّة، كمن ضُرب بحديدةٍ على رأسه!
- الأسر؟ ليس كما تظنين..
صَمَت..تنهد، وأكمل
- أحيانًا يكون سبيلك الوحيد للبقاء على قيد الحياة،
وأحيانًا أخرى.. يسلب منكِ كل ما قد يمنحكِ الحياة..
يسلب منكِ أشخاصك.. ونفسك.
مُجددًا يصمت.. وكنت أنا أستمع إليه دون حراكٍ أو اعتراض..
- لا تتحدثي عن شيءٍ لستِ مستعدة لمعرفة ثمن النجاة به أو منه.
أنهى حديثه ثم أفلتني، اختطف المفتاح من يدي وبادر في فتح باب منزلي، ثم نظر لي ينتظر منّي الدلوف..
كنت في حالة ذهول منعت عنّي التصرف بعكس ما يرغب، لذا سحبتُ أقدامي إلى داخل منزلي، وتكفل هو بإغلاقه بعد أن سلمني المفتاح.
دون أن ينظر لي أو يحدّثني مُجددًا.
ألقيتُ جسدي على الأريكة بفوضوية، أنا مُتعبة، أشتهي أن ينتهي كل هذا، أشتهي لحظة واحدة دون خوفٍ أو قلق.
يحتاج صدري ألف تنهيدة ليخرج ما فيه من ضيق، تنهيدة واحدة لا تكفي.
الماضي لا يتركني، يركض خلفي أينما ذهبت، يجعل مني دمية في يدية، هو المتحكم.. فيما يحدث الآن وما سيأتي.
لا فرار منه حتى لو ركضت إلى نهاية العالم.
تنهدتُ بثقل أحدق في الفراغ أمامي بينما أستلقي على معدتي، لم أقم بخلع حذائي حتى.. لم أقدر على هذا.
كنت سأغمض عينيَّ لأغفو.. ولكن ما وقع عليه بصري عند حافة باب غرفتي شلَّ حركتي!
إنها دماء تتسرب من أسفله!
2 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.