Falling into Obsession
Falling into Obsession
جزء 9 من 9
وضع القراءة:

Don and his Donna

{center}09{/center}
{center}يبدأ الحب كلعبة إغواء، ويبدأ الهوس بعد دمار اللعبة.
________________________________
{/center}
المال، القوة و المجد.
هذا ما كان يمثل العائلة، تعريفات حفظتها منذ نعومة أظافري. كانت كصلاة نرتلها بخشوع وإيمان. لم يكن هذا وحده كافياً، بل كان علينا ايضاً أن نهابها، لأن أي شيئ يُعّرف العائلة، كان يحظى بالمستوى ذاته من التقدير. لذا الاحترام والخضوع كان امراً واجباً. حيث انها لم تكن محض تعريفات، تصف مكانة العائلة ووضعها، بل أنها غايات يتم تحقيقها على أرض الواقع.
فمن يملك المال، يستطيع امتلاك القوة ومن امتلك كِليهما معاً، يستطيع صنع المجد. كان المجد منقوشاً على جباه جميع أفراد العائلة، ورغم انها حقيقة مثيرة للسخرية، إلا أن ارتباط الدم الذي يجمعنا ، يجعل هذا المجد منقوشاً على جِباهنا مثلهم. لذا لا يليق بأصحاب المجد أقل من رسم الانبهار على محيا كل من خطت قدماه مناسبات تخصهم وفرض حضورهم، الذي ينتزعُ مكانهُ انتزاعاً بين الجميع، لكن و للمفارقة المضحكة، كنت أكثرهم انبهاراً، فما حدث، كان شيئاً لم اتخيله في حياتي قط.
...........
في صباح يوم إنعقاد اجتماع العائلة مع ديلا كاسيا، والذي يتمم الخطوبة بيننا رسمياً، تسلمت فستاناً كان هدية خاصة. كان ذلك الفستان مصمماً خصيصاً من قِبل خياط العائلة الخاص، وأظن أنه كان بناءاً على طلب من السيدة دي ماريليانو الموقرة، والتي تحتفل بأول خطوبة تُقام بين أحفادها.
كان فستاناً خلاباً، فقد استحوذ على أحاديث لاريسا وآليسا لساعات منذ وصوله وحتى أثناء تجهيز نفسي وارتدائهِ، حيث لم تكف كِلتيهما عن تأملهِ عليّ وإظهار الإعجاب بقماش الدانتيل الأحمر الفاخر الذي ناسبني.
كان ضيقاً يلف منحنيات جسدي بانسيابية و اتقان، كما لو كان طبقة جلد فوق جلدي. وإن دل هذا على شيئ، فهو يدل على إحترافية الخياط المسؤول عن إنجازه. فقد كانت مقاساتي مكتوبة على ورقة لديه ليس إلا، ولم اذهب الى مكانه ولا لمرة لتجربته والتأكد مما إذا كان بحاجة الى أي تعديلات. فأنا بالحقيقة، لم أكن اهتم لامر هذا الفستان وقد نسيته كلياً ما ان ارسلت مقاساتي للخياط بعد أن تواصل معي مباشرة.
بطبيعتي لم أكن شخصاً مولعاً بالملابس ولا اترقب آخر صيحات الموضة. يكفي أن يكون ما ارتديه مريحاً ويمنحني حرية الحركة أي عكس هذا الفستان بالطبع. لم تكن الطريقة التي نرتدي بها الثياب شيئاً مهماً حتى يُسلط عليه الضوء.
الا في حالة واحدة، الا بالمناسبات التي تُقيمها أو تشرف عليها العائلة وتعتبر ذات أهمية بالمجتمع. فحينها يصبح ما نرتديه صورة تعكس ما نريد إظهارههُ للناس، وبالطبع لن تكون صورة مبتذلة خالية من أي رقيّ. كانت هذه الحالة تتطلب منا الالتزام بإجراءات معينة وهذه الإجراءات تحث على الاحتشام.
رغم طول الفستان الذي لامس الأرضية حتى مع ارتداء كعب تحته، وبالرغم ايضاً من اكمامه الطويلة والواسعة، إلا أنني لا أستطيع أن أعتبره فستاناً محتشماً كما يجب أن يكون. فقد كان هذا الفستان لا يطابق اياً من إجراءات اللباس لمثل هذه المناسبة ذات الاهمية الاجتماعية.
ففتحة صدره كانت على شكل v، ومع أنها ليست بتلك المبالغة، لكن خط الصدر منها كان واضحاً، عدا عن أنها تظهر عظام الترقوة وشيئاً من الاكتاف وساعدت تسريحة الشعر العالية، بخصال منسدلة بعشوائية، بجعل طول العنق بارزاً بشكل ملفت. هذا الفستان، كان وبلا شك، لا يطابق معايير الاحتشام المطلوبة أثناء حضور اجتماع رسمي للعائلة وخصوصاً بتواجد رئيسها كذلك.
أتساءل ما إن كان جدي يعلم بأمر هذا الفستان، عدا عن ذلك سأظن أن للسيدة إيزابيلا دي ماريليانو مهارات إقناع جبارة يجب ان تدرس. أظن أن هذا اليوم سيكون أستثناءاً خاصاً، متوافق بشكل كامل مع هذه المناسبة الاستثنائية.
" يجب أن تخبريني بأدق التفاصيل لاحداث اليوم عند عودتكِ مساءاً."
قالت لاريسا التي ساعدتني على ارتداء معطف الفرو الأسود. كان التحرك بهذا الفستان شيئاً لم اعتد عليه.
" بكل تأكيد لن أنسى. لا تقلقِ."
قلت وانا التفت نحوها. لم تستطع لاريسا الحضور بحكم أنها لا تزال ممنوعة من التواجد بالمنزل الكبير الى حين اتمامها لدراستها قبل العمل هناك.
" تبدين جميلة آليزا. سوف تكونين نجمة الليلة بلا شك."
قالت آليسا تبادلني الابتسام بعد أن أخذت يديّ الباردة داخل خاصتها الدافئة و ضغطت عليها برفق تحاول تهدئة توتري.
" أشكركِ... ليتكِ ترافقيني آليسا."
" أنا أيضاً أتمنى لو أستطيع الوقوف بجانبكِ بمثل هذا اليوم يا عزيزتي، لكن انتِ تعلمين لا استطيع ترك والدتي وحدها ولا أستطيع الوثوق بأحد أخر للبقاء معها، لكن اعدكِ، سوف اخاطر و سأكون متواجدة بالزفاف بلا ريب"
قالت بمزاح تحاول تعديل مزاجي المضطرب.
" لكن لاريسا سوف تبقى هنا."
قلت مترجية اقناعها.
" يا إلهي، ضِعنا إذاً. انها اكثر شخص غير موثوق بهذه الحالة."
كانت آليسا حساسة بأمور والدتي، لم تكن لتسمح لأحد سواها بتولي مهام رعايتها، حتى لو كانت لاريسا.
"ماذا تقصدين، لماذا تقولين مثل هذه الأشياء عنيّ الآن."
اعتراض لاريسا الأخير كان الخاتمة لحديثنا، بما أنه لم يكن هناك أي فرصة للرد عليها، حيث سمعنا خطوات اقتراب ألبيرتو باتجاهنا.
" هل انتِ جاهزة أخيراً، لقد تأخرنا. والدكِ اتصل ليطمئن."
وقف امامي يتأملني من أسفل لأعلى.
" هذه المرة الاولى التي تبدين فيها كسيدة في العادة تبدين كمن لا مأوى لها وتعيش مع القطط وكلاب الشارع."
دفعت كتفه على سخريته أثناء ضحك جميعهم على ما قاله. لم اكن بمزاج للرد عليه حقاً.
" حسناً دعينا لا نجعلكِ متأخرة أكثر من هذا، لا تقلقِ كثيراً ابي وآليّا وايضاً ألبيرتو معكِ هناك لن يتركوا جانبكِ ابداً، سوف نكون بانتظار عودتكِ مساءاً، استمتعي بهذه الليلة ."
قالت آليسا تعانقني وكذلك فعلت لاريسا. منحت كلاً منهما ابتسامة وداع وتحركت مع ألبيرتو متجهين نحو السيارة، التي سوف تقودنا الى منزل العائلة، أين تعقد خطوبتي.
.................
لم يتحدث ألبيرتو معي طوال الطريق الى المنزل الكبير، فقد اكتفى بالتحديق امامه اثناء القيادة بهدوء، وبين الحين والاخر يلقي بنظرة خاطفة نحوي عبر المرآة دون تعليق. أظنه كان يحاول قراءة ما اشعر به من خلال تعابير وجهي، والتي لا اعلم كيف تبدو حالياً.
كان الضباب يخفي معالم الطريق وأي شيء آخر، ولو لم تكن الأطراف العالية لأجنحة تمثال الملاك، الذي نُصب بوسط نافورة واسعة، بارزة خلال الضباب، لما استطعت أن ألحظ أننا وصلنا الى الساحة الداخلية للمنزل الكبير.
شعرت بقلبي يخفق بشدة، لم أعدت ابداً هذا الشعور رغم تكراره بالاونة الاخيرة. يصبح الامر اكثر ازعاجاً كلما فكرت به. هذا الشعور غير مريح واكرهه.
عندما توقف ألبيرتو مُترجلاً، فتح باب السيارة لي ومد كفه ليساعدني، انتظر ثوانٍ حتى استطعت الاستجابة لطلبه و النزول. حاولت التنفس و لملمة شتاتي، وما أن لمست قدماي الأرض و أصبح جسدي كاملاً خارج السيارة، حتى لفحت هبات الرياح الباردة بشرتي، وعلى إثرها شعرت بالقشعريرة. لست متأكدة حقاً إن كان سبب هذه القشعريرة هو هبوب الريح أم شيء آخر.
أشعر بالتردد مع كل خطوة اتجه بها نحو باب المدخل الرئيسي للمنزل. لم اتعجل بالمشي وكذلك فعل ألبيرتو، الذي طابق سرعته لمواكبة خطواتي المترددة، وعلى بُعد بضع خطوات من الباب، الذي ينتظر والدي خلفه بالتأكيد لاستقبالي و مرافقتي، توقفت مكاني دون حراك، ما دفع ألبيرتو لفعل الشيء نفسه و التحديق بي.
" هل أنتِ بخير؟"
سأل بعد مرور لحظات كان الصمت بها مسيطراً.
" لا أدري."
قلت بهمس واشعر بثقل من الحروف الصادرة من بين اسناني.
" هل تريدين الهروب؟."
سؤاله هذا دفعني للنظر اليه، بعد أن كنت احدق بالباب. أتساءل ما إن كان الهروب هو أحد الخيارات المتاحة لي فعلاً.
" هل سوف تغطي عليّ؟"
رغم أنني تعمدت إظهار السؤال بشكل ساخر، الا أن ملامح ألبيرتو الجامدة كانت جديّة بالفعل.
" أستطيع التغطية عليكِ لبعض الوقت، الى أن تستعيدي السيطرة، فبعد كل شيء إنه مجال اختصاصي."
قال لي يغمز مع أبتسامة.
"أستطيع القول أن السيارة تعطلت بنا و سنتأخر في الوصول."
نجح ما قاله بجعليّ ابتسم. كان ألبيرتو دائماً ما يغضب مني كل مرة هربت منه و اضطر للكذب أمام والدي. هذه المرة الاولى التي يقترح هروبي بنفسه ويخاطر بالقول إنه مستعد للكذب حتى أهدأ.
" لستَ مضطراً لفعل هذا لأجلي. شكراً لكَ ألبيرتو."
قلت اضغط على ساعده الذي اعارني إياه، والذي لولاه لما تمكنت من السير بشكل جيد مع هذا الفستان.
" أنا جديّ تماماً آليزا، إنكِ شاحبة كالاموات و تبدين كمن ستذهب للمشنقة لا الى خطوبة. إن كنتِ لا تريدين هذا الزواج لا يزال بإمكانكِ التراجع، لا يزال هناك فرصة لفعلها قبل فوات الاوان حقاً."
" لقد فات الاوان منذ زمن"
قلت أهز رأسي نافية ما يقوله، هذا لأنه ما أن تم توزيع الدعوات واصبح جميع أفراد المجتمع المهمين على علمٍ بهذا الارتباط، فات أوان التراجع عنه والى الابد. لا يمكنني أن أتسبب بفضيحة تشوه سمعة العائلة المثالية. سألقى حدفيَّ بكل تأكيد.
"لا تقلق أنا بخير. أنه فقط.... أنني أشعر بالغرابة لا أكثر."
" الغرابة؟ مما؟"
تساءل وقد رُسمت تقطيبة انزعاج على جبينه.
حدقت به طويلاً وأنا أرى في معالم وجهه الكثير من الاسئلة، أسئلة ما كنت أعرف الاجابة عنها، ولا أعرف حقاً إن كانت تملك واحدة اساساً.
" من نفسي على ما أظن."
همست فقط دون تفكير.
" آليزا."
سمعتُ صوت والدي في تلك اللحظة، مُقاطعاً ألبيرتو، الذي كان على وشك قول شيء ما. فقد التفت كِلينا نحوه. حيث أصبح قريباً جداً الآن.
" أخيراً وصلتما، كنت قد بدأت القلق من هذا التأخير. هل كل شيئ على ما يرام معكِ صغيرتي ؟"
سؤال والدي هذا، جاء بعد ان القى نظرة فاحصة على وجهي، لابد أن البيرتو كان محقاً، لابد انني ابدو شاحبة كالاموات الآن، حتى يبدو القلق ظاهراً على قَسَمَاتِهِ هكذا.
" تعاليّ، لابد أنكِ متوترة هذا شعور طبيعيٌّ تماماً. هل تريدين الاستراحة بغرفة بالداخل قبل الدخول الى القاعة والانضمام للجميع؟ آليّا تنتظر هناك أيضاً."
قال بعد ان امسك بكتفي يقودني للداخل وكان البيرتو يمشي خلفنا بخطوة.
" أنا بخير يا أبي. لا داعي لفعل أي شيء. دعنا نتوجه مباشرة أين ينتظر الجميع، فأنا بالفعل متأخرة وهذا لا يجوز."
" لا يهم، ما يهم الآن هو أن تكوني مرتاحة. هل أنتِ متأكدة أنه لا داع لبعض الراحة."
" أجل، أنا متأكدة."
أخذ والدي المعطف، بعد أن ساعدني على نزعه وناوله إلى أحد العاملين. تأبطتُ مِرفقهِ كإشارة على أنني مستعدة للتقدم.
" تبدين فاتنة يا صغيرتي."
همس يربت على يدي التي تحتضنه ومنحني ابتسامته الهادئة كي تزيل قلقي. اكتفيت بمبادلتهِ الابتسام دون قول شيء، بعد ذلك توجهنا نحو القاعة معاً.
..........
لا أستطيع وصف الانبهار الذي انتابني في تلك اللحظة، نحن و ما إن عبرنا خلال الممر، الذي يُفضي الى القاعة المخصصة لاستضافة مناسبات العائلة داخل المنزل الكبير، حتى اتسعت عيناي دهشة مما اراه.
فقد كان الممر مزيناً بطريقة تبدو مكلفة للغاية وبطريقة تصرخ فخامة ورقيّ. ولو لم أكن على يقين أنني بالفعل داخل منزل العائلة، الذي زرته مرات لا تحصى، لظننت أني دخلت مكاناً أخر مختلفاً كلياً عن المنزل الذي اعرفه.
كانت النوافذ مزينة بستائر من أقمشة فاخرة، ذات نقوش فريدة وألوان تناسب تصميم الديكورات والاثاث، الذي نُصب بمكانه الصحيح، حتى الاعمدة التي تحمل جِرار الزهور والورود الملونة، كانت تشبه تحف فنية تم نحتها خصيصاً لتناسب هذا المكان، تبدو وكأنها تنتمي إلى متحف رومانيّ عريق.
اعتاد هذا الممر الواسع أن يكون فارغاً ومغبراً، حيث لا يدخل إليه أحد ولا يشغله شيء عدا عن المناسبات المهمة. لم اكن اتخيل ابداً أن يتم فعل كل هذه الأشياء لمناسبة تخص عائلتنا التابعة. ظننت أن كل شيئ سيكون بسيطاً دون مبالغة أو تكلفة. ففي النهاية نحن مازلنا العائلة التي لا تلقى ترحيباً من العائلة الأصل. لذا كنت حقاً منبهرة اثناء المشي به.
لم تطل فترة انبهاري، حيث وصلنا الى باب القاعة سريعاً، وما إن فُتح الباب ودخلتُ مع والدي، حتى اتجهت جميع العيون نحونا وصمت البعض منهم يراقب بتمعن.
ازدردت ريقي وانا استوعب بصعوبة، أنني أقف الآن داخل قاعة، جميع الإبصار بها موجهة اليّ. احسست بوخزات على جسدي، كما لو أن هذه النظرات خناجر تطعنني. شعرت بحلقي يجف وداهمني عطش مفاجئ، تمنيت لو أن هناك طريقة لتجنب كل هذه العيون.
لم أعِ حقاً متى أو كيف وصلت الى المكان، اين قادني والدي لاقف، فقد مشيت معه مثل مغيبة عن الواقع. لا اعرف بالضبط كيف كان استقبال الحضور لظهوري، فقد كان السواد كل ما غشى على بصري حينها، متجاهلة الهمهمات الهامسة حولي. ما أعاد اليّ الشعور بمكاني والزمان، صوتٌ صدر من شخص كان يقف بجانبي. الشخص الذي نسيت تماماً أنني متواجدة هنا لأجله.
"Pulchritudinous"( بولكريتودينوس)
عندما رفعت عينيّ أنظر اليه، كان يبتسم. تذكرت من فوري ابتسامته في اللقاء السابق، تلك التي لم تكن مريحة. لكن وبعكس تلك هذه مختلفة. كانت ابتسامة حقيقية.
لست أُدرك حقاً ما إن كنت اتوهم أم لا، لكن هذه التي يمنحني إياها الان صادقة بالفعل، حيث أن عينيه الزرقاء تلمع مع ابتسامته. أو ربما هو انعكاس الاضاءة داخل القاعة لست متيقنة.
" ها نحن ذا نلتقي مجدداً."
لازالت نغمة صوته، عندما يتحدث الإيطالية، تفاجئني، خصوصاً وهو لا يكترث بتاتاً للكنتهِ القاسية والمميزة عندما ينطق بها.
" آمل أن تعذريني لعدم تلبية رغبتكِ بعدم لقائي ثانيةً، لكن وكما يُقال، إنه القدر."
قال محافظاً على ابتسامته وبحركة دائرية هادئة ومدروسة كان يمزج المشروب داخل الكأس الذي يحمله بيده، أما عن اليد الاخرى، فقد احتفظ بها داخل جيب سروال بدلتهِ التوكسيدو السوداء ذات ربطة عنق الفراشة، مكملاً مظهره الأنيق و المهندم، بتسريحة شعر برزت من خلالها معالم وجهه الوسيمة وبشرتهِ البرونزية.
" أوه، أظن أنكَ عريسي المزعوم إذاً."
قلت وانا اراقب يده، التي لا تزال تحرك المشروب بهدوء تام وبداخلي فتيلٌ يشتعل ويبرد.
" Oh Deus" (دايوس)
قال ضاحكاً وهذه المرة سحب يده من جيبهِ وحك بإبهامهِ طرف فكه، يرمقني بنظرة لعوب. فكرت لحظتها، إن كنت شعرت بالعطش سابقاً مرة، في هذه اللحظة و بجوارهِ أشعر به ألف مرة.
" نعم أنه أنا، أوليس عاراً أن لا نتعرف بظروف أفضل من هذه... إذاً، أيجب أن أُقدم نفسي لكِ مجدداً الآن حتى تكون بداية نظيفة؟"
هذه المرة قال حديثه بابتسامة أوسع من سابقتها مفرجاً عن أسنانه. لكنني ضيقت عينيّ بتساؤل لما هو مقدم عليه. فأنا لا زلت لا أعلم من يكون هذا الرجل ولا يزال ما يفكر به مجهولاً بالنسبة لي.
" أُدعى لويس ماريو ديلا كاسيا مع أنكِ على علم بأسمي بالفعل... آليزا."
قال يمد لي كأس المشروب الذي كان يحركه قبلاً. وبالطبع لا يزال محتفظاً بنفس تعابير وجهه دون تغير.
لا أدري كيف ولكن، يمتلك المزيج بين صوته و لكنته البارزة حين ينادي اسمي شيئاً يضغط على أعصابي بشدة، يجعل جسدي مخدراً بشكل مؤلم جداً. أشعر تماماً كما لو أنني تعبت بعد الجري داخل ماراثون طويل. تحركت يدي بآلية تلتقط المشروب من يده وحاولت قدر الامكان ان اتجنب ملامسة أصابعه.
" وأنا أكبر أفراد عائلتي، هذا إذا حسبنا عائلتي فقط دون العائلة الكبرى وفروعها، و التي سوف أتولى مسؤولية رعايتها مستقبلاً كوني حامل لقب الدون كما تطلقين عليه."
لم تكن المعلومات التي قالها بالشيء الجديد عليّ، كنت أظن انه على وشك قول شيء لا اعرفه يثير اهتمامي. بدا لي أنه يريد فقط فرض واستعراض مكانته لي من جديد وانا ارى هذا مزعجاً.
اكتفيت باخذ رشفة من المشروب دون علم بمكوناته أو على ما يحتوي، لا ادري لما أثق بشيء أعطاه لي هذا الرجل اساساً. لكن طعمه كان مستساغاً، ليس قوياً ولا خفيفاً، مقبولاً بدرجة لا اضطر بها الى بصقهِ أمام الناس.
" الا تظن ان ما تخبرني به شيئاً معلوماً. و أظن أنك لا تحتاج معرفة أي شيء عني. متأكدة من أن لديك سيرتي الذاتية بالفعل."
قلت وانا اخذ رشفة أخرى. واسمعه يطلق ضحكة مكتومة. تجاهلت تماماً مدى قدرته على العبث بي ببراعة دون أن يدرك هو نفسه هذا.
" ليس تماماً، لازلت لا اعرف عنكِ الكثير. وبالطبع الشيء نفسه ينطبق عليكِ ايضاً. اتمنى أن تكوني متحمسة بشأن التعرف عليّ، كما هو الحال معي."
لم اجبه مطلقاً على ما تمنى. لا أظن أنني فضولية حقاً لمعرفتهِ أكثر. بالنسبة لي ما اعرفه عنه حالياً يمثل جوهره الأساسي وبناءاً عليها يبني سلوكه وتصرفاته. لذا لن يكون صعباً تخمين، كيف تكون شخصية الدون القادم.
فقد كان نموذجاً واحداً يتبناه جميع من يرث مكانة أجدادهم. اشحت بنظري إلى ما حولي، مررت على وجوه الناس دون التركيز بهوياتهم. كان فعلاً لدواعٍ غير مهمة، فقط لتشتيت افكاري لا أكثر. لم يدم الأمر طويلاً، حيث بدأت هذه الامسية تحقق هدفها الاساسي.
" الرجاء امنحوني لحظة من انتباهكم."
قال جدي بعد أن قرع بسكين على زجاج كأس مشروبه يجذب انتباه الجميع لما سيقوله. كان يقف قريباً مني ولويس بالفعل وما ان عم الصمت بالقاعة و تنبه الجميع في انتظار ما يريد قوله، حتى بدأ بالتحرك ناحيتي.
" اود بالبداية أن أعرب عن شكري لجميع من لبى دعوتنا لحضور مناسبة مهمة تحتفل بها عائلتنا هذا اليوم، وجعلها ذكرى مميزة يحظى بها كل من العريس والعروس. فاليوم نحن لا نشهد فقط على اجتماع شاب وشابة برابط مقدس، بل اننا ايضاً نشهد على اتحاد عائلتين الى الابد، و بهذا يصبح لدى كل منا كتف جديد ليستند عليه في المحن، وقلباً واسعاً يشاركه السعادة في افراحه وعينٌ تدمع لاحزانه. لذا اليوم أُبارك لعزيزتنا آليزا لاختيارها عزيزنا لويس ليكون زوجاً ورفيقاً بدربها مدى الحياة."
عندما قال جدي آخر كلماته بدأ الحضور بالتصفيق متأثرين بشكل مزيف من كلماته ، ورغم ذلك كان ينظر اليّ بسعادة واضحة. لم أكن متيقنة ما إن كان هذا تمثيلاً ام هي حقيقة ما يظهره من مشاعر. وإذا كانت سعادته حقيقية، فلا بد أنها بسبب حصوله على حليف جديد يؤازره وقت المحن كما قال. لانه وبكل تأكيد كان يعلم أن لويس لم يكن ابداً اختياري الحُر.
" احضروا الخواتم."
اشار الى احد العاملين لاخذ المشروب من يدي، بعدها عاد الى مكانه بجانب جدتي، التي ما كفت عن إرسال ابتساماتها اللطيفة لي كلما التقت نظراتنا.
بدأ الحضور بالتجمع حولي انا ولويس، رغم عددهم القليل، الذي يطغى عليه العجائز ممن يمثلون عائلاتهم، الا انني بدأت بالاختناق بالفعل. كان حضور عائلتنا هو الأبرز من بينهم، حيث كان جميع اعمامي وابنائهم وزوجاتهم حاضرون.
اقترب والدي و وقف بجانبي تماماً، لمس كتفي وعندما نظرت اليه ضغط عليه لتشجيعي وبجانبه وقفت آليّا، التي وبالرغم من جدية ملامحها لم تنجح بإخفاء جمالها بالفستان الذي ترتديه. لابد انها اختارته بعناية هذه المرة.
لم يتأخر العاملون عن إحضار صينية الخواتم الزجاجية. التقط لويس الخاتم من علبته وهم بإلباسيَّ اياه تحت انظار الجميع، شعرت بكهرباء خفيفة تضرب جلدي تحت ذلك الخاتم، ذا الماسة المزدوجة بشكل بيضاوي.
فعلت الشيء نفسه والبسته خاتمه، وما أن فرغ كِلينا من مهمته الرسمية لهذه الليلة، حتى منحنا الحضور جولة تصفيق مع ضحكات سعيدة ومباركات تبدو صادقة، لكن وكالعادة في مجتمعنا، حضي العريس بعناق حار وهمسات لابد انها بذيئة داخل اذنه، كونه رسمياً وَسم الفتاة التي سوف تخلصه من لقب اعزب قريباً، بوسمه الخاص.
حدقت بهذا الخاتم حول اصبعي. وفي حقيقة الامر انني لم اشعر بشيئ خاص او مميز حوله، قد يجعلني أفهم سبب سعادة من حولي. فما اشعر به مختلف حالياً ولا اظن انه يشبه ما يمرون به. فقد شعرت كما لو أن هذا الخاتم رباط حول عنقي. هل يشعر المرء بقيد يخنق عنقه من مجرد خاتم يرتديه. أتساءل ما إن كان شعوري حقيقة ام انه مجرد وهم لحظي لا أكثر.
جذبني من أفكاري هذه، صفير دانتي السعيد، الذي اقترب من المنتصف من بين الحضور،يتجه الى المساحة الصغيرة الفارغة في الوسط. رفع مشروبه عالياً وبسعادة غامرة و واضحة على محياه قال بإنجليزية نظيفة وبصوت جهوري حتى يصل إلى آذان الجميع.
"And now, we're officially going to celebrate Don and his Donna."
( والآن رسمياً نحن سوف نحتفل بالدون ودونتّه)
رفع الجميع نخبهم وبدؤوا بالهتاف معه بحماس وكان كل ما حصلت عليه حينها لحظة إدراك كنت غافلة عنها، وقد نبهني لها دانتي الان بهتافه. أنني لن اصبح زوجة الدون فقط، بل انني سأصبح الدونّة معه. سأرث اللقب مثله تماماً.
نظرت الى لويس بجانبي، كان ينظر اليّ بدوره بالفعل وابتسامته لم تهتز حتى طيلة هذا الوقت.
" My Donna, My Aurea"
قال بصوت مسموع لي فقط، ولو اني فهمت ما تعنيه الاولى، فانا فشلت في تحديد معنى الثانية. لابد أن قول الكلمات اللاتينية بهذه الطريقة شيء لابد لي من أن اعتاده. و أمرٌ أنا متأكدة منه، أن ما يقوله شيئ لابد لي من الشعور بالحرج بسببه.
__________________
Pulchritudinous:
كلمة لاتينية تعبر عن الجمال الذي يأسر المرء ويخطف انفاسه. أي بمعنى جميلة بشكل آسر او خاطف للانفاس.
Oh Deus:
معناها يا الهي
Aurea:
معناها ذهبي
والمقصود منها هنا أن تكون بمعنى (ذهبيتي) مع ضمير الملكية.
Donna:
هي التأنيث من الدون
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.