الفصل الحادي عشر
فتحت "يمنى" باب الشقة فجأة، لتتجمد في مكانها وتتسع عيناها برعب وهي تجد ابنتها "إيمان" مغشياً عليها وغارقة في دمائها بين يدي "مازن" الذي كان يحاول إيفاقتها بذعر.
ما إن وقعت عيناها على بقع الدماء المنسابة التي صبغت الفراش، حتى شُلت حواسها تماماً، وخرجت من جوفها صرخة عنيفة، شقت سكون الليل، تلتها نوبات من العويل والندب الهستيري ولطم الخدود.
لم تكن هناك ثانية واحدة لتضيع؛ تماسك مازن وحمل شقيقته سريعاً بمساعدة "أحمد" الذي هرع على الصوت، ونزلوا بها راكضين نحو السيارة ليتوجهوا بأقصى سرعة إلى المستشفى.
دخلت يمنى ردهة المستشفى وهي تمشي بخطى واهية مرتعشة، ممسكة بأطراف ثياب ابنتها الغائبة عن الوعي وكأنها تقبض على قطعة مكسورة من قلبها وشرفها الذي بدأ يتهاوى.
نُقلت إيمان مباشرة على فراش متحركة إلى داخل غرفة العمليات الطارئة، بينما وقف أحمد ومازن ووالدتهما في الممر الضيق، ينهش القلق عظامهم.
بعد دقائق طويلة وثقيلة كأنها دهور، انفتح الباب وخرج الطبيب يجر خطاه، وعلى وجهه علامات الأسى والأسف، ونظر إليهم قائلاً بنبرة خافتة:
– "للأسف الشديد... النزيف كان حاد، والجنين نزل".
سقطت الكلمات على مسامع "أحمد" كالسيف الذي بتر أنفاسه، فصعق وتراجع للخلف ينظر للفراغ بصدمة مروعة، بينما لم يتحمل جسد "يمنى" هول ما سمعت؛ دارت الدنيا من حولها، واسودت الرؤية في عينيها، وفقدت وعيها فوراً لتسقط جثة خامدة على الأرضية الرخامية.
هرع أحمد نحوها بفتزع وهو يصرخ بأعلى صوته والدموع تقفز من عينيه:
– "ماما! ماما! الحقونا يا دكاترة!".
نُقلت الأم سريعاُ إلى غرفة الكشف العاجل، وتجمع الأطباء حولها لفحص مؤشراتها الحيوية التي تدهورت فجأة.
بعد دقائق من الترقب القاتل، خرج الطبيب المعالج بوجه شاحب وعينين يملؤهما العجز، وقال متنهداً:
– "الوالدة للاسف جتلها جلطة دماغية مفاجئة من الصدمة... وسببتلها شلل نصفي كلي... للأسف مفيش بإيدنا حاجة نعملها غير الدعاء".
بعد مرور عدة ساعات...
كانت يمنى تجلس بقلب ميت وجسد مشلول على كرسيها المتحرك الجديد في زاوية الغرفة؛ كانت دموعها تنهمر بحرقة وصمت مطبق، وتتطلع بعينين مكسورتين إلى ابنتها "إيمان" التي بدأت تفيق ببطء من أثر المخدر وتفتح عينيها الذابلتين.
اقترب أحمد بخطى ثقيلة من سرير إيمان، وجلس على حافته بجانبها؛ انحنى نحوها وسألها بنبرة هادئة.. هدوء ما قبل العاصفة، لكنها كانت نبرة مرعبة تقطر وعيداً:
– "مين عمل فيكي كدا يا إيمان؟ مين اللي ضيعك وضيع شرفنا؟!".
ابتلعت إيمان ريقها بجفاف، وقالت بصوت خافت متهدج وعيونها تفيض بالخوف:
– "واحد... واحد كنت أعرفه... اسمه محمد".
لمعت عينا أحمد بشعاع قاتل وضغط على قبضته وقال بحسم:
– "هاتي رقمه وعنوانه فوراً!".
همست إيمان بضعف وهي تلفظ أنفاس القهر:
– "ساكن في شقة في منطقة (***)... ورقمه 0100...".
وقف أحمد على قدميه دون أن ينطق بكلمة أخرى، واستدار وخرج من الغرفة وعقله يغلي كالبركان.
في تلك الأثناء، تنهدت إيمان بالبكاء والنحيب المرير، وتطلعت نحو والدتها المشلولة وقالت بإنكسار ورجاء:
– "سامحيني يا ماما... والنعمة كنت فاكرة إنه بيحبني بجد وشاريني... وكنت مفكرة إنه هيوفي بوعده ويتجوزني ويستر عليا!".
نظرت لها يمنى بعيون زجاجية مليئة بالقرف الواضح والاشمئزاز الجارف من ابنتها التي لوثت سمعتهم؛ وحركت عجلات كرسيها المتحرك بيد واحدة واهية وخرجت من الغرفة وهي تبكي بقهر...ولكن دموعها لم تكن على إيمان وضياعها، كانت تبكي على نفسها، وعلى هيبتها وجبروتها الشرير الذي تحطم وصار معلقاً بعجلات كرسي مهين.
⚠️ عند أحمد...
كان أحمد يسير في الشوارع ونار الانتقام تتأكل داخله، ممتلئاً بغلّ لا ينطفئ؛ قرر ألا يتسرع بضرب محمد فيتشاجر معه ويدخل السجن ويترك عائلته المنهارة، بل قرر أن يأخذ خطوة انتقامية ذكية، خطوة تحرق الأخضر واليابس وتدمر مبنى عائلتهم بالكامل ليتفرغ بعدها لمحمد.
اشترى خط تليفون جديداً (بدون بيانات)، وقف في زاوية معتمة، وكتب رسالة نصية قصيرة وبعث بها إلى هاتف شقيقه الأكبر "محسن"... كتب فيها عبارة واحدة كصاعقة من السماء:
"مراتك المصونة ريهام بتخونك دلوقتي ومعيشاك في الوهم مع واحد اسمه خالد في شقته السرية".
في تلك الأثناء...
تلقى محسن الرسالة وهو يسير في الشارع عائدًا من مأموريته؛ ما إن وقعت عيناه على العبارة، حتى شعر ببركان غضب ينفجر في عروقه ويحرق عقله.
اندفع نحو المنزل كالمجنون، وصعد الدرج يلهث وعيناه تشتعلان بالشر.
دخل شقته بهجوم كاسح، فوجد ريهام تجلس على الأريكة بدلال، وممسكة بهاتفها تبتسم بخبث.
لم يتحدث؛ بل اندفع نحوها كالفهد، وخطف الموبايل من يدها بعنف جفّف الدماء في عروقها.
فتح الرسائل، وتطبيق الواتساب... وكانت الكارثة المروعة التي لم يتخيلها في أشد كوابيسه سواداً!
كانت المحادثات تعج برسائل غرامية، وعبارات إباحية صريحة، وكلام كارثي عن "حمل" هي تخبئه عنه وتنسبه لعشيقها، وتخطيط بشع للتخلص منه وقتله ليرثوا أمواله!
وقعت عيناه على رسائل بين ريهام وخالد تحتوي على عبارات يقطر منها السم:
"هو مغفل وأعمى وهيصدق أي حاجة أقولهاله عن عقمي..."
"هانت يا حبيبي وهنتخلص منه سوا ونرتاح من قرفه..."
"العيال اللي في بطني دي بتاعتك أنت وبس، هو مبيخلفش أصلاً..."
"هنقتله بطريقتنا ونكمل حياتنا بفلوسه ونعيش في تبات ونبات..."
كان محسن يقرأ وعيناه تتسعان بجنون، وجسده كله ينتفض؛ لم يكن مصدقاً حجم المغفلة والمهانة التي عاش فيها.
التفت إليها وعينه تلمع بشر مطلق ومخيف وهو يبصق في وجهها.
حاولت ريهام الهرب نحو الباب وهي تصرخ، لكنه كان أسرع منها؛ قبض على خصلات شعرها بقسوة طرحها أرضاً، وبدأ ينهال عليها بضرب هستيري وحشي، بلكمات وركلات أدمت وجهها وجسدها.
صرخت ريهام بأعلى صوتها واستنجدت بالجدران، لكن محسن كان مغيباً تماماً والغل يعمي بصره؛ استمر في طحنها تحت قدميه حتى تفجرت الدماء من وجهها، وظل الوضع هكذا... إلى أن تحطم باب الشقة الخارجي وانفتح بعنف شديد!
دلف "مازن" و"أحمد" اللذان وصلا في الوقت المناسب بعد أن تتبعا خطوات محسن؛ كسروا الباب ، ودلفوا الصالة واندفعوا يسحبون محسن بالقوة من فوق جسد ريهام التي غدت غارقة في دمائها وممزقة الثياب.
كانت ريهام مرمية على الأرض منكسرة، تشهق وتبكي بانهيار وخوف من الموت.
تراجع محسن للخلف وهو يلهث كالوحش الكاسر، وبصق عليها وصرخ فيها بصوت أجش هز جدران المبنى وطردها قائلًا:
– "أنتِ طالق يا ريهام!.. طالق بالتلاتة يا خاينة يا بنت الكلب! وغوري من وشي ومش هتشوفي دقيقة نظيفة في حياتك!".
ثم التفت محسن فجأة، ونظر في عمق عيني شقيقه "مازن"، وكأن شرارة ثانية من الغل والشك ولعت داخل قلبه؛ تذكر في تلك اللحظة زوجته الثانية "مها"، الخائنة الثانية في نظره والتي اعترف مازن بحبها من قبل.
اندفع كالمجنون خارج الشقة وركض صاعداً نحو شقة مها العلوية.
فتح الباب بركلة قوية ودخل يدور في الغرف والمرحاض كالممسوس يبحث عن أثرها، فتفتش هنا وهناك ولم يجد سوى بقع مياه ملوثة بالدماء على الأرضية... لا يوجد أي أثر !
خرج محسن إلى الغرفة الاستقبال وصاح بغلّ جارف وهو يمسك بتلابيب مازن الذي صعد خلفه:
– "هي فين؟! راحت فين الخاينة التانية؟! مستخبية فين ؟!".
نظر مازن في عيني أخيه بهدوء موجع، هدوء يخبئ وراءه حزناً يهد الجبال، وقال بنبرة باردة كالموت:
– "أمك قتلتها... ورمتها في الترعة!".
سقطت الصدمة المرعبة على رأس "محسن" و"أحمد" كطلقة رصاص استقرت في قلوبهم وألجمت ألسنتهم؛ تجمدت أطراف محسن ونظر لأخيه بغير تصديق.
تحرك مازن بخطى بطيئة ونبيلة ناحية الباب الخارجي للشقة، والتفت برأسه وقال لمحسن قبل أن يخرج ويهجر هذا البيت الملعون:
– "أنا لحقتها يا محسن... طلقها وفك كربها عشان نفسك، وعشاني، وعشان هي ملاك ملوش أي ذنب في قرف عيلتنا وبلاوينا!".
وسابه وخرج بخطى واثقة غامضة... وانغلق الباب وراءه بصوت خانق للأنفاس، تاركاً محسن وأحمد في جوف الشقة يغرقان في رماد الغدر والخراب.
#يتبع...
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!