الفصل الثاني
أبعدت يده بقوة لم تعرف من أين جاءت بها في تلك اللحظة، وتراجعت إلى الخلف بخطوات متعثرة وهي تلهث والأنفاس تتلاحق في صدرها كأنها كانت في سباق مع الموت.
قبل أن ينطق بكلمة واحدة، أغلقت الباب بعنف زلزل أركان الغرفة وجعل جدرانها تهتز، ثم أدارت المفتاح في القفل مرتين متتاليتين وهي تشعر برعشة تسري في كامل جسدها.
وقفت تستند بظهرها إلى الخشب الصلب، وقالت بصوت متهدج خافت، يخرج من بين شفتيها بضيق فاض بها الكيل:
ـ "يا شيخ روح.. حسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي رماني الرمية دي، وفي كل اللي كان السبب في حرقة قلبي".
دلت إلى داخل غرفتها بخطى واهنة، وجلست على طرف الفراش الذي بدا لها واسعاً وموحشاً في آن واحد.
انكمشت على نفسها وجسدها يرتجف بالكامل رغماً عنها، كأنها تواجه صقيعاً مفاجئاً في عز الصيف.
كانت أصابعها ترتعش بشدة وهي تفتح حقيبة يدها وتفتش فيها بعشوائية عن هاتفها المحمول، مدفوعة برغبة عارمة في سماع صوت حقيقي ينقذها من هذا الصمت الخانق المحيط بها.
في هذه اللحظة، لم يكن أمامها سوى "ذات"؛ الصديقة الوحيدة التي تملك القدرة على انتشالها من ورطتها، والوحيدة التي كانت كلماتُها تعيدها إلى الواقع وتذكرها بأنها ما زالت على قيد الحياة، ولم تتحول بعد إلى مجرد قطة أثاث مهملة في هذا البيت الخالي من الود والرحمة.
ضغطت على زر الاتصال، ورفعت الهاتف إلى أذنها وهي تحبس أنفاسها، وتستمع إلى صوت الرنين الذي كان يمر بطيئاً ومؤلماً كأنه دقات رعب متتالية.
ما إن فُتح الخط وجاءها الصوت من الطرف الآخر، حتى خرجت كلماتها مهزوزة ومكسورة، تحاول يائسة بكل ما أوتيت من قوة إخفاء وجعها الدفين:
ـ "ألو.. ألو يا ذات.. وحشتيني أوي يا ذات، وحشتيني بجد".
جاءها صوت ذات العالي والمبهج، المليء بالحركة والحياة، كأنها تأتي من عالم آخر لم يعرف الهموم بعد:
ـ "إيه يا فتكات! أخيراً افتكرتي إن ليكي أصحاب في الدنيا دي؟ عاملة إيه يا عروسة في القفص الذهبي؟ يا بختك يا عم، عروسة في شهر العسل وبتدلع وقاعدة في بيت جوزها، وإحنا هنا طالع عيننا في المحاضرات والمذاكرة والامتحانات اللي مش بتخلص".
سكتت مها لثوانٍ طويلة، وبلعت غصة مرّة وقفت في حلقها كالشوك، ثم حاولت رسم ضحكة باهتة ومكتومة، لكنها خرجت أقرب إلى النشيج المخنوق وهي تقول:
ـ "أنا هاخد جرجيري وأهج يا ذات.. هسيب كل حاجة وارجع لأمي وأقعد تحت رجليها في ضل حيطة أرحم لي؛بلا فتكات بلا سوكا.. القفص ده طلع قبر يا ذات، قبر حقيقي ومقفول عليا بالضبة والمفتاح ومحدش حاسس بيا".
توقفت ذات عن الضحك فوراً، وتحولت نبرتها في لحظة واحدة من الهزار الصاخب إلى الجدية والحنان المشوب بالقلق:
ـ "مها.. صوتك مش عاجبني خالص وفيه حاجة بتخوف ، فيكي إيه؟ قولي لي حصل إمعاكي؟ أوعي تخبي عليا حاجة يا مها، أنا سامعاكي ومستنياكي تتكلمي".
عند هذه النبرة الحنونة، انهار كل التماسك المصطنع الذي حاولت مها بناءه طوال الأيام الماضية، وانفجرت في بكاء مكتوم تقطعه الشهقات الحارة التي تخرج من أعماق صدرها:
ـ "مش عارفة أقول إيه ولا أبدأ منين يا ذات.. أنا هنا نكرة، مجرد خيال بيمشي في البيت ومحدش بيشوفه، محسن بيحب مراته الأولى أوي ولدرجة تخوف، ومستعد يدوس عليا وعلى كرامتي في أي وقت عشان يرضيها بس، أنا بالنسبة ليهم هنا مجرد مكنة لتنفيذ طلبات أمه وأخته من النجمة، ومكنة عشان يرضي بيها ضميره قدام الناس إنه اتجوز وفتح بيت.. ماليش حق حتى أقول أنا تعبانة أو مش قادرة".
ردت ذات بعصبية مفرطة، وصوتها يرتجف غضباً على ما آل إليه حال صديقتها:
ـ "يا بنتي فوقي لنفسك وصحي النوم! ده اللي كنتِ فيه عند أمك وكان مضايقك أهون بمليون مرة.. دول طلعوا أسوأ وأقسى بكتير! لازم تحطي حدود واضحة للناس دي من أول يوم وتوقفي كل واحد عند حده،لو سكتّي النهاردة ورضيتي بالظلم ده، هتداسي برجليهم العمر كله ومحدش هيسمي عليكي، حسسيهم إنك بني آدمة وليكي كيان وكرامة واسم في البيت ده".
ساد صمت ثقيل ومحرج بينهما لثوانٍ، لم يكن يقطعه سوى أنفاس مها المتهدجة، ثم سألت ذات بصوت منخفض للغاية يملؤه التردد والشفقة:
ـ "طيب قولي لي يا مها.. بصراحة كده ومن غير خجل، هو.. هو قرب منك؟ يعني حصل حاجة بينكم كأزواج؟ ده حقك الشرعي يا بنتي، ويمكن لو ده حصل الدنيا تتغير بينكم ويحن عليكي ويقرب منك ويسيبك من كلام أهله".
أغمضت مها عينيها بقوة، وانهمرت دموعها بغزارة أكبر لتغرق وجنتيها، وهمست بنبرة يملؤها الخجل والكسرة:
ـ "لا يا ذات.. ولا كأني موجودة أصلاً في الشقة؛ بيبعد عني كأني وباء أو ذنب ومضطر يعيش معاه غصب عنه، ولما بيقرب مني أو يكلمني بيبقى بس عشان يأمرني بحاجة تخص أمه أو طلبات البيت تحت".
صرخت ذات بصدمة حقيقية هزت سماعة الهاتف:
ـ "يا نهار مش فايت! إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟ دي تمثيلية كبيرة مش جواز خالص! السكوت على المهزلة دي مش هينفع يا مها، ولازم حد من أهلك يتداخل، أنا بكرة من النجمة هكون عندك في البيت ده عشان أشوف إيه الحكاية.. بس استني، يا ربي! أنا افتكرت إن عندي امتحانات الكلية بكرة وبعده، والعميد بتاعنا مش بيرحم في الغياب والملحق، بصي.. أنا هخلص الامتحان بتاعي فوراً وأتصرف وأجيلك بأي طريقة، مش هسيبك لوحدك في المفرمة دي أبداً".
وفي الطابق الأسفل من البناية..
كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من القهر البارد والصراعات الصامتة.
كانت إيمان تجلس فوق أريكتها، تعبث بأظافرها بحركة عصبية متكررة وتستمع في ضيق إلى ابنة عمها "شمس" التي كانت تمثل لها كل ما عجزت هي عن تحقيقه في حياتها.
إيمان، التي دُقت السادسة والثلاثون أبواب حياتها وما زالت تعيش وحيدة تحت وطأة نظرات المجتمع القاسية التي لا ترحم من قطفها قطار الزواج، كانت تشعر بمرارة تملأ حلقها وتكاد تخنقها مع كل كلمة تقال.
قالت إيمان وهي تنظر بضيق شديد إلى مرآة قريبة معلقة على الحائط:
ـ "شوفتي يا شمس؟ شوفتي مرات أخويا الجديدة اللي لسه داخلة البيت؟ البت دي بتمشي في الممرات وتتنقل وكأنها ملكة جمال الكون، مش عارفة على إيه كل الشوفة دي؟ الجمال ده مسيره يروح مع الأيام والتعب، وهي أصلاً ملامحها عادية جداً ومفيش فيها حاجة تشد".
ردت شمس وهي تبتسم ببرود لا يخلو من مكر، وتبسط يدها لترتب ثياب طفلها الرضيع النائم بجوارها:
ـ "والله يا إيمان أنا مستغربة من الموضوع كله.. هو محسن اتجوز تاني فعلاً وبسرعة دي؟ ده إحنا طول عمرنا ومن صغرنا عارفين إنه متمسك بمراته الأولى لدرجة غريبة، وكان الحب بينهم مضرب الأمثال في العيلة كلها وكل الناس بتتكلم عنهم".
لفت إيمان شالها الصوفي حول كتفيها بغل واضح، وضغطت على وسادة بجانبها وهي تقول:
ـ "حب إيه وكلام فارغ إيه! أمه هي اللي ضغطت عليه عشان الخلفة والبيت، بس البت دي أصغر منه بكتير أوي، يعني في سن بناته تقريباً؛ وحياة دمعتي ونظرتي اللي انكسرت بسببها، ما هسيبها تتهنى يوم واحد في البيت ده، وهخلي أيامها كلها شبه بعضها".
في هذه الأثناء، رن هاتف شمس بنغمة عالية، فردت بدلال ظاهر :
ـ "ألو يا حبيبي.. أيوه يا روحي أنا عند إيمان لسه.. حاضر، دقايق بالعدد وهكون في الشقة، الأكل جاهز وكل حاجة تمام متقلقش.. مع السلامة يا حبيبي".
أغلقت شمس الهاتف والتفتت لإيمان بمكر، وهي تعرف تماماً أين تضع يدها على الجرح المفتوح:
ـ "معلش يا حبيبتي، عصام مش بيعرف يقعد في البيت من غيري لحظة واحدة ودايماً مستعجل عليا؛ عقبال ما أشوفك في بيتك يا إيمان ونفرح بيكي قريب.. الفرحة ناقصة من غيرك والله، مش البت هالة جارتنا اللي أصغر منك بعشر سنين كتب كتابها الأسبوع الجاي؟ السن بيجري يا حبيبتي والوقت مش مضمون، والواحدة مننا لازم تلحق تخلف لها حتة عيل يسندها لما تكبر وتشيخ، بدل الوحدة المرة دي".
سقطت الكلمات على قلب إيمان كالسياط المحمية.
ابتعلت ريقها بصعوبة بالغة، وحاولت رسم ابتسامة شجاعة ومزيفة على وجهها وقالت:
ـ "لا يا حبيبتي، أنا أصلاً اللي مش عايزة أتجوز ورافضة الموضوع من أساسه، الرجالة كلهم تعب قلب ومسؤولية ونكد وصدع دماغ، وأنا هنا مرتاحة في بيت أبويا ومع أمي، لا حد بيتحكم فيا ولا حد بيأمرني أعمل إيه وما أعملش إيه".
ضحكت شمس بتهكم وهي تحمل حقيبتها ووتستعد لرفع طفلها:
ـ "تقولي لمين الكلام ده يا إيمان؟ ده إحنا دافنينه سوا ونعرف البير وغطاه،يلا يا حبيبتي أشوفك بعدين، وسلمي لي على طنط يمنى كتير لما تصحى".
ما إن انغلق الباب الخشبي خلف شمس، حتى سقط القناع المستعار عن وجه إيمان بالكامل،
ارتمت على الفراش، ودفنت وجهها في الوسادة بقوة وهي تكتم صوت شهقاتها العالية التي تفجرت دفعة واحدة.
كانت يدها ترتجف بعنف وهي ترفعها وتحدق في الفراغ، بينما في الطابق العلوي كانت مها هي الأخرى غارقة في بكائها وصمتها.
كان البيت في تلك اللحظة مكتظاً بالناس والأصوات، لكنه بدا للمرأتين خالياً تماماً من الرحمة والرفق.
يتبع
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!