الفصل الخامس
كانت يارا تجلس في زاوية من غرفتها تضم ركبتيها ،كانت دموعها تنساب متلاحقة على وجنتيها المتورمتين بفعل الضرب، بينما يعتمل داخلها صوت مختنق يحاكم العالم ويعاتب نفسها بمرارة:
"ليه أنا؟ ليه كل ده بيحصل معايا أنا بالذات؟ كل ده عشان شكلي؟ عشان حاجة ماليش ذنب ولا دخل فيها؟ هو أنا اخترت ملامحي عشان أتعاقب عليها كل يوم في المدرسة؟"
وقفت على الأرض الباردة التي سرت برودتها في أوصالها، تماماً مثل برودة مشاعرها التي كانت تتحول تدريجياً وببطء نحو نفسها ونحو كل من حولها.
تقدمت بخطوات واهنة ونظرت إلى المرآة المعلقة؛ تأملت وجهها المجهد والكدمات الزرقاء التي تشوه رقتها، وقالت في سرها بعناد طفولي يحاول البقاء: "شكلي حلو... على الأقل أنا شايفه نفسي كدا، ومش هسيبهم يكسروني"
كانت تتحدث داخلها، تدير حواراً صامتاً مع ذاتها تحاول به مداواة هذا الجرح النفسي العميق الذي تسبب به تنمر بضع طالبات قساة القلوب في فناء المدرسة.
وفي تلك اللحظة، دوت دقات قوية على باب الشقة، فانتفضت يارا ومسحت وجهها سريعاً بكفيها لتخفي بقايا الدموع التي كانت تملأ عينيها.
على الطرف الآخر من الشقة، تقدم عمر بخطوات سريعة وفتح الباب.
تجمدت نظراته وهو يرى أمامه شاباً بسيط المظهر، يقف بهدوء وثبات، ملامحه ونبرته تدلان على أنه في بداية العشرين من عمره، ولا يبدو عليه أي مظهر من مظاهر السوء.
تنحنح الشاب وقال بهدوء:
– "مساء الخير."
نظر له عمر باستغراب شديد، وتفحص ملابسه وجسده بريبة قبل أن يجيب بنبرة جافة:
– "مساء النور! في حاجة أقدر أساعدك فيها؟"
رد الآخر رافعاً يده بتحية مهذبة وقال محاولاً تلطيف الأجواء:
– "أنا أسمي نادر، معتقدتش أنك تعرفني قبل كدا! بس... هو إحنا هنتكلم على الباب كدا والناس طالعة نازلة؟"
تردد عمر قليلاً، ونظر إلى ممر العمارة بريبة، ثم تراجع خطوة إلى الوراء وأفسح له المجال للدخول وهو يقول ممتعضاً:
– "اتفضل."
دخل نادر وجلس على المقعد القريب من الباب، وارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة وقال:
– "أنا ساكن في الشارع اللي ورا مدرسة أختك يارا مباشرة."
بمجرد سماع اسم شقيقته، تبدلت ملامح عمر وظهر الغضب الطفيف على وجهه؛ شعر بغيرة أخوية حادة تشب داخل عروقه، فما الذي يربط هذا الشاب الغريب بأخته الصغيرة البريئة؟ سأل عمر باندفاع ونبرة حادة حذرة:
– "وأنت تعرف أختي منين بقى إن شاء الله؟ وتعرف اسمها منين؟"
لم يتأثر نادر بحدة عمر، بل ابتسم له بهدوء وثقة وقال:
– "أهدى بس يا أخ عمر وافهمني، أنا معرفهاش بشكل شخصي ولا عمري كلمتها، أنا البلكونة بتاعت بيتي بتطل مباشرة على حوش المدرسة، ومن كام يوم كنت واقف وشوفت البنات وهما ملمومين وبيتنمروا على أختك يارا ونازلين فيها ضرب".
اتسعت عينا عمر واستبدل غضبه باستغراب شديد وصدمة، وتقدم خطوة نحو نادر يسأله بلهفة:
– "شوفتهم ازاي؟ وايه اللي حصل بالظبط؟ قولي!"
تنهد نادر، وتلاشت ابتسامته ليحل محلها الجد، وتحدث بهدوء وقال:
– "الموضوع أكبر من مجرد خناقة بنات بصراحة... أنا في بنت من المدرسة دي معجبة بيا، وده شيء بيحصل كتير وطبيعي للبنات اللي في السن الصغير ده؛ البنت دي لما حست من مراقبتي للبلكونة إني مهتم بأمر أختك أو يتهيألها إني بتقرب منها، حبت تفرسني وتوجعني، فبعتت ليا الفيديو ده اللي فيه الضرب والاعتداء اللي اتعرضت ليه أختك يارا في الحمام".
اشتعلت النيران في صدر عمر، ونظر إلى نادر بعينين تتطاير منهما الشرار وقال بصوت مخنوق:
– "وريني الفيديو بس كدا الأول ورجعهولي، وبعدين نتكلم في موضوع إنك بتقرب أو مابتقربش من أختي دي!"
أخرج نادر هاتفه وقام بتشغيل المقطع وهو يقول بأسف:
– "أختك بنت محترمة وفي حالها، وأنا..."
لم يتركه عمر يكمل جملته، وقاطعه بعزة نفس وقهر وهو يسحب الهاتف بعنف:
– "أنا عارف أختي كويس ومتربية غصب عن أي حد، ومستحيل تعمل حاجة حرام أو تغضب ربنا".
بدأ المقطع يشتغل أمام عيني عمر؛ رأى شقيقته الصغيرة، جسدها الضعيف وهو يُدفع على الجدران البيضاء، سمع ضحكات المتنمرات الساخرة ورأى دموع يارا وعجزها وصراخها الصامت الذي انتهى باختفاء صوتها.
شعر بغصة مريرة في حلقه كادت تخنقه، واعتصرت قلبه حسرة الندم؛ في هذه اللحظة بالذات، تذكر كل المرات السابقة التي كانت يارا ترفض فيها بشدة أن يوصلها بالدراجة النارية قريباً من باب المدرسة، تذكر إلحاحها أن ينزلها بعيداً... الآن فقط فهم! كانت تفعل ذلك حتى لا يعلم أحد في المدرسة أنها تملك أخاً يحميها، وحتى لا تثير غيرة المتنمرات، وتخفي عنه آثار عذابها اليومي.
رفع عمر رأسه نحو نادر، وكان يغالب دموع القهر في عينيه، وقال بنبرة جافة تحمل امتناناً رغماً عنه:
– "شكراً يا نادر... عايزك بقى تبعت ليا الفيديو ده حالاً على تليفوني... ومش عايزك تحاول تتقرب منها أو تعدي من قدام المدرسة حتى، مفهوم؟"
هز نادر رأسه بالقبول وهو يبتسم ابتسامة ودودة تفهم فيها طبيعة غضب الأخ على أخته، ونهض واضعاً يده على كتف عمر قائلاً:
– "حاضر يا صاحبي، الفيديو عندك أهو... وابقى بلغني عملت ايه مع اللي عملوا كدا، وأنا معاك لو احتجتني".
خرج نادر وأغلق الباب خلفه، بينما ظل عمر واقفاً في منتصف الصالة متسمراً في مكانه، ينظر إلى الفراغ ودموع القهر تترقرق في عينيه؛ يشعر بذنب عظيم لأنه كان يجهل كل ما يحدث لأخته الصغيرة وهي تموت رعباً كل يوم تحت سقف مدرسة واحدة.
وفي شقتها، كانت "مها" تجلس على الفراش في عتمة غرفتها، تبكي بهدوء وصوت شهقاتها المكتومة يمتزج برنين الصمت المحيط بها كجدار سميك.
وجهها كان متورماً بالكامل، ونفسها مكسوراً تحت وطأة الضرب والإهانة التي نالتها من "محسن"زوجها أمام والدته وأخته دون رحمة.
لم تكن مها ضعيفة قبل ذلك، ولم تكن تستسلم بهذه السهولة لبطش أحد، ولكن اليوم فقط شعرت بالخزي الكامل، وشعرت أنها لا تستطيع أن تفعل سوى ما يُطلب منها فقط؛ اليوم كانت أول مرة تُضرب فيها بهذه القسوة وتُهان بتلك الطريقة المقززة علناً.
كانت تجلس مطأطأة الرأس وتشعر أن قدميها لا تقويان على حمل جسدها الواهن.
في هذا الوقت، كان "مازن" يجلس على سطح المبنى متأثراً ببرودة الليل التي لم تطفئ النار المشتعلة في صدره، ينظر إلى نافذتها المضاءة بنور خافت ينم عن حزن صاحبته.
مازن، الشاب ذو الثلاثة وعشرين عاماً، بصدره العريض وجسده القوي ، كان يقف وقلبه مكسور؛ يحب زوجة أخيه وعاجز عن حمايتها من بطش أخيه الكبير محسن وقسوة أهله التي لا ترحم غريباً.
لم يحتمل الانتظار أكثر وهو يتخيلها تنزف وحدها، فأخرج هاتفها المحمول من جيبه ودق على رقمها... وما إن استجابت إلى هاتفها وأجابت، حتى استمع إلى صوتها الحزين بنبرة مجهدة ومتهدجة:
- "السلام عليكم."
قال بصوت ضعيف يملؤه الشجن والعاطفة الجارفة:
- "بحبك."
صمتت مها تماماً وعقدت الصدمة لسانها في عتمة الغرفة.
هي لا تحبه بتلك العاطفة، ولكن في هذه اللحظة القاسية بالذات، اللحظة التي جعلتها تتجرع المر والقسوة والظلم والمهانة من رجلها، كانت مها تريد أي سند، كانت تحتاج إلى من يحتضنها، إلى من يعطيها الأمان ويحميها من بطش هذا العالم وكل شيء يحيط بها.
ردت عليه بعد صمت طويل، محاولة التظاهر بالجهل عن هويته الحقيقية هرباً من الموقف:
- "مين؟"
نطق بنبرة عتاب حانية اخترقت صمت غرفتها:
- "عايزاني أصدق إنك مش عارفاني؟! مش عارفة صوتي يا مها بجد !؟"
بدأت تبكي من جديد دون أن تجيبه بكلمة، وسمع صوت شهقاتها المكتومة عبر الهاتف، فتمزق ما تبقى من صبره وعقله.
وبفضل جسده القوي وعزيمته الإمرأة يحبها، قال بسرعة وحسم:
- "أنا هنزللك، افتحيلي الباب."
أغلق الخط فوراً وهبط الدرج بسرعة بخطوات واسعة وقوية كإنه يهرب من شيء يطارده في عتمة الليل، ووقف أمام باب شقتها، وتلفت حوله بحذر ثم دق بخفة قاصداً طمأنتها.
فتحت له مها والدموع تغرق وجهها الشاحب، فدلف بسرعة وقفل الباب وراءه بقفل الأمان الحديدي ليعزلهما عن العالم.
اقترب منها بعاطفته الجارفة التي لم يعد قادراً على كبحها، وبذراعيه القويتين احتضنها بقوة وضمها إلى صدره العريض، وقال بصوت مكسور تملؤه الندامة والأسى:
- "أنا آسف... معرفتش أعملك حاجة وأنا شايفهم بيمدوا إيدهم عليكي تحت."
كانت تبكي بحرقة مستسلمة في حضنه المستقر الذي تمنت لو يدوم، وهو يطبطب على شعرها برفق شديد ويحاول تهدئة روعها وجسدها المنتفض... استمر هذا الموقف الحميم والخطير لثوانٍ معدودة، إلى أن تجمدت الدماء في عروقهما معاً وهما يستمعان بذهول إلى صوت المفاتيح وهي تدور في قفل الباب من الخارج!
وفي تلك الأثناء، في شقة محسن...
دوى صوت المفاتيح العنيف في القفل، وفتح محسن باب الشقة واندفع إلى الداخل كالعاصفة.
رأى مها تقف في منتصف الصالة، جسدها يرتعش بعنف، وصوت شهقاتها المكتومة يملأ الفراغ، وعيناها حمراوان من أثر البكاء الطويل والرعب.
لم يثره منظر دموعها، ولم يشعر بأي شفقة أو رحمة نحو ضعفها، بل على العكس؛ بدأ يشعر بضجر واشمئزاز منها ومن كآبتها.
اقترب منها بخطوات ثقيلة، ودون مقدمات، امتدت يده الغليظة لتلوح في الهواء وتمسكها من شعرها بقسوة رفعت رأسها لأعلى، وقال وعيناه تنطقان بحقد دفين تغلغل في قلبه:
– "أنتِ هنا شغالة خدامة عندي وعند أهلي... لحد ما أحب ألمسك، ده لو أصلاً جالي نفس أقرب منك أو من شكلك النكد ده بعد كدا!"
نظر لها باشمئزاز شديد ينم عن دناءة طباعه، ودفعها بعيداً عنه بكل قوته لتسقط فوق المقعد الخشبي، واستطرد بنبرة آمرة جافة:
– "أنهارده هشفق عليكي ومش هخليكي تنزلي تنضفي تحت، هقفل الباب عليكي زيك زي أي كلب في البيت ده لحد ما تتربي، ولما أمي ترضى عليكي هبقى أخليكي تنزلي تبوسي رجليها وتنضفي البيت كله... وهاتي الزفت التليفون ده ملهوش لزمه يبقى معاكي من انهارده عشان تقطعي خبر عن برا!"
سحب الهاتف من يدها المرتعشة بعنف، ثم استدار وخرج من الشقة صاماً أذنيه عن بكائها، وأغلق الباب خلفه بالمفتاح، ليدور القفل مرتين معلناً سجنها.
تنفست مها الصعداء لثوانٍ، وشعرت براحة مؤقتة لمجرد أنه خرج من المنزل دون أن يبرحها ضرباً مرة أخرى مثل الليلة الماضية؛ ولكن سرعان ما تحولت راحتها إلى رعب خالص وشردت عيناها بفزع حين تذكرت الحقيقة المرة... مازن ما زال هنا! ما زال مختبئاً في المطبخ، والباب الآن مغلق عليهما من الخارج بالمفتاح!
ركضت مها بخطوات متعثرة نحو المطبخ، وما إن رآها مازن تدخل حتى تقدم نحوها بجسده القوي وصدره العريض، وكانت عيناه تتأملان وجهها المتورم بقلب ممزق وصراع داخلي كاد يدفعه لقتل أخيه؛ لم يستطع كبح مشاعره أكثر من ذلك، فأمسك بكفيها المرتعشتين وسألها بنبرة لاهثة غابت عنها الحكمة:
– "بتحبيني يا مها...؟ قوليلي إنك حاسة بيا عشان أهد الدنيا دي!"
ردت بخوف حقيقي وهي تحاول سحب يديها والابتعاد عنه خطوة للأعراف والتقاليد:
– "مينفعش يا مازن... حرام عليك، أنت أخو جوزي!"
لم يستمع مازن لصوت العقل، بل أحكم قبضته على يدها وقال باندفاع أعمى يغذيه القهر:
– "نهرب مع بعض... نمشي من هنا ونسيب لهم البيت والبلد كلها، ومحدش يعرف لنا طريق!"
نظرت له مها بصدمة ذهلتها عن ألم جسدها؛ رغم كل الإهانة والذل اللذين تشعر بهما، ورغم كرهها الشديد والمحق لزوجها محسن، ورغم أنها لا تعلم حقيقة مشاعرها تجاه مازن وهل هو حب أم مجرد قشة أمان تتعلق بها وسط الغرق، إلا أنها لم تفكر مطلقاً في كسر الشرف والهروب.
قالت بصوت متقطع وصدمة:
– "مستحيل اللي بتقوله ده! مستحيل... طب وأمي؟ وأختي وأخويا ورقبتهم اللي هتتنكس في الأرض؟ الناس هتقول عليا أيه؟ هتقول هربت مع أخو جوزها؟ وبعدين... مهما حصل ده لسه جوزي على سنة الله ورسوله!"
سألها مازن باندفاع أكبر وهو ينظر في عينيها مباشرة:
– "طب لو اطلقتي منه... لو اطلقتي منه هتتجوزيني وتوافقي بيا؟! لو بقيتي حرة هتقبلي تعيشي معايا؟"
نظرت له بتردد شديد صمتت معه الكلمات؛ شردت بعيداً وهي تشعر بالخوف القاتل... الخوف من أن يكون مازن مجرد نسخة ثانية مخبأة من أخيه محسن، الخوف من أن تهرب من جحيم رجل لتقع في جحيم أخيه من نفس الدم والبيئة.
لم تستطع أن تجيبه بكلمة واحدة، بل أدارت وجهها في عكس اتجاهه وعيناها تفيضان بالدموع.
اقترب منها خطوة يحاول طمأنتها، ولكنها تراجعت برعب، فادرك مازن أنه يضغط على أعصابها التالفة، فقال بهدوء وعتاب حانٍ:
– "خلاص... متخافيش، أنا همشي دلوقتي ومش هضغط عليكي".
نظرت له باستغراب ودهشة، وتلفتت نحو الصالة وقالت:
– "تمشي ازاي؟ الباب مقفول بالترباس والمفتاح من برا!"
قال بهدوء وهو يشير لفتحة المطبخ الضيقة:
– "هنزل من الشباك بتاع المطبخ على المواسير، متعود على كدا ومتخافيش عليا بجسمي ده".
هزت رأسها برفض وخوف من أن يسقط، فقال بنبرة دافئة اخترقت حصونها:
– "متخافيش عليا؛ لما تهدى الأمور وتعدي العاصفة هاجي أطمئن عليكي، وعد مني كل حاجة هتتصلح، وهتبقي معايا وفي حمايتي قريب".
كانت عيناه تشعان بدفء صادق وأمان افتقدته لسنوات، مما جعل كلماته تقع على قلبها المكسور كبلسم مؤقت.
وفي تلك الأثناء، في بيت أحمد وسهر...
دخل "أحمد" الشقة وهو يشعر بضيق شديد يكبس على أنفاسه؛ البيئة مشحونة، وهو يشعر أن أي وقت قليل يمر ستبدأ بعده المشاكل المعتادة التي ملّت منها روحه.
وما إن رأته "سهر" يدخل من باب الشقة ويضع مفاتيحه، حتى تقدمت نحوه دون أن تسأله عن تعب يومه، وقالت بنبرة جافة:
– "أحمد، عايزة فلوس الدروس بتاعة الواد حالاً."
أغمض أحمد عينيه بتعب وهو يخلع قميصه ويلقيه على المقعد:
– "تاني يا سهر؟! ما أنا لسه مديكي أول الشهر مبلغ وقدره للدروس والمصاريف؟"
أجابت سهر بضيق وصوت ارتفع قليلاً ليملأ الردهة:
– "لا بقى... الدروس والمدرسين عايزين كل أسبوع وكل حصة بحسابها، مش كل شهر! إحنا مبنلعبش هنا."
سألها أحمد بضيق ونفاذ صبر وهو يخرج محفظته:
– "عايزة كام يعني اخلصي؟ قولي رقم واخلصي من النكد ده."
وقفت سهر أمامه بوجه متجهم، ووضعت يدها على جانب خصرها بتحدٍ وقالت:
– "يعني... هبقى محتاجة 700 أو 800 جنيه كدا مبدئياً يعني."
نظر لها أحمد بصدمة حقيقية تملكت ملامحه:
– "أيه المبالغ دي يا سهر؟! حرام عليكي! ده الواد لسه في حضانة مش في جامعة عشان تدفعي له كل أسبوع المبالغ دي! ده أنتِ كدا هتخليني أبيع هدومي اللي عليا وأشحت بسبب المصاريف دي!"
قالت سهر باستفزاز وبرود وهي تلتفت لتدخل المطبخ:
– "لا جامعة أيه... لما يبقى يجي وقت الجامعة يحلها ألف حلال، اخلص وهات الفلوس عشان المدرسين جايين بكرا".
أخرج أحمد المال وضغط على الشحنات الورقية في يده، وقدمها لها وهو يحاول تجنب المشاكل قدر الاستطاعة؛ فلم يعد يريد من هذا العالم سوى ساعة راحة واحدة داخل بيته دون صراخ.
ولكنه في نفس الوقت كان يشعر بالغيظ الشديد والتساؤل يأكل عقله: أين يذهب كل هذا المال وهل يعقل أن تكون مصاريف طفل في الحضانة بهذا الحجم، أم أن هناك أمراً آخر تخفيه؟
وفي غرفتها الباردة، كانت "إيمان" تجلس على سريرها، تعبث بهاتفها المحمول بملل كعادتها لتشغل نفسها عن الفراغ القاتل.
وفي تلك الأثناء، دلفت عليها صديقتها المقربة "سمر"؛ وبعد تبادل السلام والتحيات الجافة، قالت لها سمر بحماس:
– "إيمان، بكرا عندنا فرح واحدة صاحبتنا في القاعة الكبيرة، عايزاكي تظبطي نفسك وتطلعي قمر وتلبسي أحسن ما عندك بقى!"
ردت إيمان بعدم اكتراث وعيناها معلقتان بالشاشة:
– "إن شاء الله... ربنا يسهل."
عندما لاحظت سمر عدم اهتمامها الواضح وبرودها الذي يقطع أي حبل للود، شعرت بالحرج والضيق، فاستأذنت وتركتها وغادرت الشقة وهي تقسم ألا تدعوها لشيء مجدداً.
بمجرد خروج سمر، ألقت إيمان الهاتف جانباً وقامت ووقفت أمام المرآة تنظر لملامحها؛ داهمها شعور مرير بالفشل والخوف من الوحدة ينهش قلبها.
رأت تجاعيد خفيفة تظنها بدأت تظهر، وشعرت برعب أن يمر العمر وتظل وحيدة في هذه الغرفة المصمتة بينما كل زميلاتها يتزوجن ويؤسسن عائلات.
هذا الانكسار الداخلي سرعان ما تحول إلى رغبة في الانتقام والتلاعب لتعويض نقصها.
أمسكت الهاتف ووجدت رسالة من "محمد" زميل الجامعة المتزوج، فتحت المحادثة لتجده يكتب بخبث:
– "ابعتي ليا صور ليكي دلوقتي يا إيمان... عايز أشوفك وحشتيني."
أجابت عليه إيمان ببعض الخجل المصطنع والتردد:
– "لا يا محمد... ميصحش، أنت راجل متزوج والموضوع ده مش تمام".
سألها محمد بخبث وضغط مستنكراً:
– "أنتِ مش واثقة فيا يا إيمان؟ بعد كل السنين دي والذكريات اللي بينا بتقولي ميصحش؟"
أجابت إيمان بتردد حقيقي يخاف خسارته:
– "لا يا محمد، الموضوع ملهوش علاقة بالثقة خالص... بس برضه ده مش صح وغلط في حق بيتك".
سألها محمد باستغراب واستنكار مصطنع ليهرب من الموقف:
– "مش صح! شكلك فعلاً مش واثقة فيا ومبتعزنيش زي ما بتقولي... سلام يا إيمان ولما تثقي فيا ابقي كلميني".
وأقفل محمد المكالمة والمحادثة في وجه إيمان بعنف.
ظلت إيمان تنظر للشاشة السوداء بفزع؛ ورغم أنها تعلم جيداً أن طلبه صعب للغاية ويمس شرفها، ورغم الخوف الذي اعتصرها، إلا أنها قررت بعناد ألا تفعل ما يطلبه، وقررت في سرها أن تذهب غداً إلى حفل الزفاف بأبهى زينة، ظناً منها وتعلقاً بوهم أنها قد تلتقي هناك برجل يراها فيعجب بها ويأتي ليتزوجها وينقذها من جحيم جدرانها ووحدتها.
وفي تلك الليلة المظلمة، كان عمر يجلس في غرفته، وقلبه مثقل بمشهد ضرب أخته يارا.
لم يجد أحداً يهرب إليه سوى حبيبته "ذات"، تلك الفتاة الرقيقة التي تعرف عليها منذ أيام الجامعة، وأحبها من أول يوم رأت فيه عيناه سحر عينيها، وكانت طوال ثلاث سنوات صمام أمانه في الحياة.
دق على رقمها وانتظر بلهفة، وما إن أجبت حتى قال بصوت مخنوق أثقلته الهموم:
– "وحشتيني أوي يا ذات... محتاج أتكلم معاكي أوي الأيام دي."
أجابت عليه ذات بنبرة غريبة، نبرة باردة خالية من أي مشاعر وقالت جافة:
– "طيب... عمر، كويس إنك اتصلت، كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة."
استغرب عمر برودتها المفاجئ وغير المعتاد في الحديث معه، ولكنه بلع ريقه وسأل قائلاً بنبرة محبة:
– "قوليلي يا حبيبتي، في إيه؟ سامعك."
قالت ببرود قاتل، كلمات نزلت على قلبه كالسيف فمات في مكانه مائة مرة:
– "مش هينفع نكمل مع بعض يا عمر... كل شيء انتهى لحد هنا، أنا هتخطب آخر الأسبوع ده خلاص."
أغلق عمر عينيه بصدمة هزت كيانه، وشعر بالدوار يضرب رأسه، وقال بصوت متحشرج لا يكاد يخرج:
– "بتتكلمي بجد؟! بعد 3 سنين حب وكفاح بتقولي مش هنكمل؟ طب ارفضي العريس ده وأنا هاجي بكرا أتقدم لأهلك فوراً! أنا فكرتك عايزة تخلّصي دراستك الأول زي ما كنتِ بتقوليلي دايماً وتأجلي الموضوع؟!"
قالت بهدوء شديد لم يراعِ تمزق قلبه:
– "معلش يا عمر، كل شيء قسمة ونصيب ومحدش بياخد أكتر من رزقه... أصل العريس يبقى ابن خالتي، وجاهز ومخلص شقته في الخليج ومستقبله مضمون ومفيش وقت للانتظار، أتمنى ليا الخير يا عمر لو كنت بتحبني بجد... وابعد عني بقا وماتتصلش تاني".
وأغلقت ذات المكالمة في وجهه دون أن تمنحه فرصة للاعتراض أو الاستماع إلى أي حديث أو توسل منه؛ لتترك عمر وحيداً في ظلام غرفته، يتلقى الطعنة الثانية في نفس الليلة... أخته فقدت صوتها وصحتها، وحبيبته التي عاش لأجلها ثلاث سنوات باعته في لحظة من أجل شقة في الخليج.
#يتبع
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!