احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 7 من 7

الفصل السادس

كانت يارا تسترق السمع من خلف باب غرفتها الموصد، وقلبها الصغير يدق بعنف لم تعهده من قبل.
لم تكن تتخيل، ولو في أوج أحلامها المراهقة، أن هناك أحداً في هذا العالم الواسع معجب بها من الأساس، أو أن هناك شاباً كنادر يمكن أن يخاطر ويأتي إلى منزلهم ليدافع عنها ويهتم بأمرها.
تقدمت نحو المرآة بخطى وئيدة، ونظرت إلى انعكاس صورتها للمرة الثانية .
مسحت دمعة هاربة، وقالت في سرها بنبرة تشتعل بالإصرار: "أنا لازم أتغير.. مش بس شكلي وهندامي، لازم أغير كل حاجة فيا، لازم أبطل أكون البنت الضعيفة الجبانة اللي أي حد يدوس عليها".
دثرت نفسها بغطائها ونامت يارا بعد تفكير طويل وعميق، نامت لأول مرة منذ شهور طويلة دون كوابيس مروعة تلاحقها.
وفي الشقة الأخرى، خلف الجدران التي تفوح منها رائحة القهر...
مرت ثلاثة أشهر كاملة على زواج مها من محسن؛ ثلاثة أشهر عجاف لم يكن فيها أي شيء يشجعها على البقاء أو يمنحها سبباً واحداً لتكون سعيدة، سوى وجود "مازن".
كان مازن بمثابة اليد الحانية والواحة الدافئة وسط الهجير؛ كان معها في كل ألم شعرت به، يتسلل إليها ليخفف عنها، حتى شعرت بصدق مشاعره المتغلغلة في خوفه عليها، وفي حبه الصامت، وحتى في تفاصيل اهتمامه اليومي الصغير.
لكن عذابها اليومي لم ينتهِ؛ فما زالت تعاني الأمرين من المعاملة السيئة والتحقير المستمر من حماتها يمنى وابنتها إيمان، وحتى من "ريهام" زوجة محسن الأولى التي كانت تتعمد إهانتها لإثبات تفوقها.
في تلك الفترة، لم يحاول محسن أن يتقرب من مها بأي شكل من الأشكال، بل كان يكتفي بضربها وإذلالها كخادمة.
ولكن، في الآونة الأخيرة، بدأت مها تشعر بشعور غريب يثير الرعب في أوصالها؛ كانت تشعر بأن هناك عيوناً تراقبها وهي نائمة، وأحياناً يد على جسدها قشعريرة قوية توحي بأن هناك من ينظر إليها عبر شقوق الباب وهي تستحم في المرحاض، إلا أنها لم تنجح في ضبط الشخص الذي يفعل ذلك، فظنت أنها مجرد أوهام من أثر التعب.
في تلك الليلة، كانت مها تجلس فوق الفراش، تضم قدميها إلى صدرها، ورأسها منحني عليهما وهي تبكي في صمت مرير حتى غابت في نوم عميق وهي على وضعيتها المتشنجة تلك.
استيقظت مها فجأة على شعور طاغٍ بالخطر يحيق بها في الغرفة.
فتحت عينيها ببطء، ليتجمد الدم في عروقها؛ كان محسن يجلس على المقعد الخشبي بجانب الفراش مباشرة، ينظر إليها بنظرات سامة، جائعة، ومخيفة لم ترها في عينيه من قبل.
تيبس جسدها بالكامل وشلت الحركة من فرط الخوف تحت نظراته الثاقبة التي تخترقها.
وقف محسن ببطء واقترب من السرير وهو يقول بصوت فج أجش، دَب الرعب النقي داخل أحشائها:
– "أنا قررت النهاردة.. إني أدخل عليكي يا مها."
انتفضت مها في جلستها كالمذعورة، وتراجعت للخلف وهي تحاول إخفاء جسدها بملابسها وغطائها، ولكنه لم يبالِ بتوسلاتها وعينيها الخائفتين، وهمّ بخلع ثيابه العلوية ببرود وقسوة.
في تلك اللحظة الرهيبة، بدأت دموع مها تتساقط كالمطر، وتعالت شهقاتها المختنقة من فرط الفزع؛ كانت كل ذرة في كيانها ترفض أن يلمسها هذا الرجل الجلاد.
تذكرت وقتها البسيط والسعيد مع مازن فوق السطح، تذكرت نظراته الودودة وكيف أنه الوحيد الذي يجعلها تشعر بالأمان والاستقرار وسط هذا المستنقع.
كان كل شيء يدور حولها يؤكد أن جريمة نكراء ستحدث لجسدها ونفسيتها الآن، وهي عاجزة تماماً حتى عن الصراخ أو التحدث لتمنعه.
وفي منتصف كل هذا الرعب، وقبل أن تمتد يده الغليظة لتلمس جسدها المستسلم، حدث ما لم يكن في الحسبان! ترنح محسن فجأة، وسقط فوق جسدها جثة هامدة فاقداً للوعي بالكامل.
نظرت مها إلى محسن بصدمة وذهول وهي تحاول دفعه عنها؛ لم تكن تعلم في البداية ما الذي حدث، ولكنها ما إن رفعت رأسها حتى رأت واقفا خلفه... "مازن"!
كان مازن يقف والعرّق يغرق جسده بالكامل، يلهث بأنفاس متلاحقة، ويقبض بكلتا يديه المرتعشتين على عصا خشبية ثقيلة، وعيونه حمراء يتطاير منها الشرر والهوس.
لم تستمر مها في النظر إليه كثيراً من فرط الصدمة، ولم ينظر هو الآخر إليها طويلاً لضيق الوقت؛ بل ألقى العصا جانباً، ومد يده بسرعة وسحبها نحو صدره، وبدأ يلمس وجهها وجسدها بلهفة واطمئنان يسألها بصوت لاهث:
– "أنتِ كويسة؟ عملك حاجة؟ لمسك؟!"
لم تستطع مها الرد بكلمة واحدة؛ كان البكاء الهستيري سيد الموقف، وكان الفزع والوجع الذي عاشته قبل ثوانٍ يكاد يوقف دقات قلبها.
أمسك مازن وجه مها بين كفيه الساخنتين، وقال بصوت منخفض حازم ليطمئنها:
– "متخافيش.. هو ممتش، أنا خبطته بس وفقد الوعي، وهو تقريباً شارب حاجة ومسطول قبل ما يجي هنا فمش هيحس بالضربة؛ اسمعي كويس وركزي في اللي هقوله ليكي حالاً.. لازم تعملي نفسك مكسورة، وتطردي النوم من عينك، وتقطعي هدومك دي بإيدك، وقولي لأمي وللبيت كله إنه كان متوحش معاكي وضربك لحد ما أغمى عليه من الشرب!".
هزت رأسها بذهول وطاعة عمياء، فضمها إليه بقوة لثوانٍ وهو يهمس لها بعمق:
– "لازم تستحملي وتتحملي أي حاجة ممكن تحصل بقية الليلة دي يا مها".
سألته مها بنبرة يملؤها الخوف القاتل:
– "يعني إيه يا مازن؟ هو ممكن يحصل حاجة وحشة أكتر من اللي أنا فيه ده؟!".
رد عليها مازن وهو ينظر في أعماق عينيها بثبات:
– "اللي هيحصل بالليل ده... محاولة انتحارية مني عشان أغير مصيرنا، ونخلص من الجحيم ده".
تركها مازن فجأة، وتوجه نحو نافذة المطبخ وخرج منها مرشداً نفسه عبر المواسير كما اعتاد، بينما بقيت مها في الغرفة والقلق يقتلها، ووجودها وحيدة في العتمة مع جسد محسن الملقى بجانبها جعل الرعب يأكل أطرافها.
وفي نفس التوقيت، في شرفة الشقة العلوية...
كانت سهر (زوجة أحمد) تجلس في عتمة الشرفة، شاردة في همومها ومحاولاتها للعودة لبيتها كارهة قسوة العائلة.
وفجأة، تناهى إلى مسامعها صوت "ريهام" (زوجة محسن الأولى) وهي تتحدث في هاتفها المحمول من شرفتها المجاورة بصوت أنثوي مبالغ فيه، مليء بالدلال والغنج:
– "أنا عارفة يا خالد إنك متضايق من المقابلات الخطف دي... بس غصب عني والله يا خلود، البيت هنا مبفضاش".
صمتت ريهام لبرهة وهي تستمع للطرف الآخر، ثم أكملت بدلال وميوعة أثارت غثيان سهر:
– "هحاول أقابلك خلال يومين في الشقة إياها؛..... إيه مستعجل ليه كدا؟ ...... وأنت كمان وحشتني موووت يا حبيبي".
ضحكت ريهام ضحكة خليعة وقالت:
– "عمري ما أنسى أول لمسة منك ليا في السر.... يا ولا أنت أولى بيا منه ومن قرفه أصلاً!".
تابعت وهي تلتفت بحذر:
– "خلاص يا حبيبي، هكلمك بالليل أول ما ينام الزفت ده ويغور في داهية.... باي يا بيبي".
أغلقت ريهام المكالمة، ودلفت إلى غرفتها بخفة دون أن تشعر أن هناك عيناً كانت تراقبها وأذناً سمعت كل حرف دار بينها وبين ذلك العشيق السرّي.
كانت سهر تستمع إلى الحديث بصدمة لجمت لسانها، حتى أنها لم تستطع التحرك من مكانها؛ تساءلت في حيرة وذهول: "يا نهار أسود! إزاي ريهام بتخون محسن بالشكل ده؟ ده محسن بيموت في التراب اللي ريهام بتمشي عليه وبيذل الكل عشانها!".
ولكن سرعان ما ارتسمت على وجه سهر ابتسامة انتصار غامضة؛ فقد أصبح بعباءتها سر يهدد عرش العائلة بأكملها.
وفي صباح اليوم التالي، في منزل عمر ويارا...
استيقظت يارا من نومها، وكانت تشعر بأن هذا الصباح هو أول يوم في حياة جديدة تولد داخلها.
خرجت من غرفتها بخطوات واثقة، فرأت شقيقها عمر يجلس فوق الأريكة في الصالة؛ كانت ملامح الحزن الشديد واضحة للغاية على وجهه المجهد، والتعب والإحباط قد تملكا منه بالكامل.
رغم أنها كانت تشك في البداية أنه حزين ومهموم بسبب تعبها وما حدث لها في المدرسة، إلا أنها اكتشفت بعد أن استردت صوتها ونطق لسانها بالأمس، أن هناك جرحاً آخر أعمق يؤثر عليه لم يخبرها به. اقتربت منه بحنان وجلست بجانبه وقالت بصوت هادئ صافٍ:
– "أنت كويس يا عمر؟"
نظر إليها عمر بعينين متعبتين، وحاول الابتسام وقال:
– "أنا كويس يا حبيبتي.. أنتِ قوليلي، صوتك كويس؟ مش حاسة بأي ألم في حنجرتك؟"
ابتسمت له يارا بنضج وقالت:
– "أنا الحمد لله وبقيت أحسن بكتير، ربنا ما يحرمني منك يا أخويا وضهري؛ بس أنت مالك طيب؟ أحكيلي وفضفض معايا، أنا كبرت وأقدر أشيل معاك".
ضمها عمر إليه بحنان أخوي جارف وقبّل رأسها وقال:
– "الحمد لله يا حبيبتي، أنا ماليش.. أنا تمام؛ بس أنا بقى اللي عايز أسمع منك بالتفصيل كل اللي حصل معاكي في المدرسة الفترة اللي فاتت، لأن أنا سبتك الأيام اللي فاتت دي تتبسطي بروعة صوتك اللي رجعلك".
بدأت يارا تقص عليه بشجاعة كل ما حدث معها من تنمر وضرب داخل الحمام، بينما كان عمر يجلس بجانبها يصغي إلى كلماتها بقلب يتقطع، وهو غير مستوعب حجم العذاب والرعب الذي عاشته شقيقته الصغيرة في غيابه.
قال عمر بنبرة يملؤها الأسف والندم الجارف:
– "أنا أسف يا يارا... أنا قصرت معاكي، كان لازم أخد بالي منك أكتر من كدا ومسمحش لحد يلمسك".
ردت عليه سريعاً بنبرة قوية:
– "متعتذرش يا عمر، أنا كمان غلطت.. مكنش ينفع أبقى جبانة وأسكت على حقي من الأول".
وفي هذه اللحظة بالذات، بدأت أول خطوة حقيقية في تغيير شخصية يارا؛ تغيير داخلي في عقلها وإرادتها، وليس مجرد تغيير خارجي في مظهرها.
أما في مكان آخر من المدينة... حيث تسكن "ذات"
(حبيبة عمر السابقة)...
كانت ذات تمسك هاتفها وتحاول بملل الاتصال بصديقتها المقربة؛ فاليوم هو حفل خطوبة ذات الرسمية، وكان من المفترض أن تكون صديقتها معها في هذا اليوم لتشاركها فرحتها، ولكن هاتف الصديقة كان مغلقاً طوال الوقت.
شعرت ذات بقلق طفيف وبارد على صديقتها، ولكنها لم تهتم كثيراً بالأمر وسرعان ما نسيت الموضوع.
كان تركيز ذات منصباً بالكامل في هذه الأثناء على فستانها السواريه الفاخر، ومظهرها، وهيئة العريس الغني المتقدم لها، والذي كان يمتلك كل شيء مادي طالما حلمت به من شقة في الخليج وسيارة وحياة رغدة. الحقيقة المرة التي تخفيها ذات هي أنها لم تكن تحب عمر يوماً بصدق، بل أعطت له مجرد فرصة ليثبت نفسه ويجني المال سريعاً، ولكنه في نظرها فشل ولم يواكب طموحها الجشع.
كانت ذات شخصية أنانية للغاية؛ اختارت الطريق السهل الذي يمكنها من خلاله جني المال والشهرة، ولم تكن ممن يختارون الحب أو يضحون لأجله يوماً.
وفي قاعة حفل الزفاف الأخرى...
كانت "إيمان" تجلس في زاوية القاعة، ترتدي أجمل وأثمن فستان تملكه، وتضع مستحضرات التجميل على وجهها بشكل احترافي صارخ مبالغ فيه.
لم تكن إيمان تريد مالاً أو وجهاً وسيماً، كل ما كانت تريده بلهفة وقاتلة هو أن تخرج من السجن النفسي الذي تدعوه في عقلها "العنوسة".
دلفت إلى حفل الزفاف بجانب والدتها وهي تتلفت يميناً ويساراً، ولكن الصدمة القاتلة أنه لم ينتبه لوجودها أحد من الحاضرين.
حاولت أن ترقص بابتذال، وتضحك بصوت مسموع، وتندمج مع الفتيات، ولكن كل محاولاتها المستميتة فشلت في لفت نظر أي رجل أو سيدة تبحث عن عروسة لابنها.
طوال الفترة الماضية، كانت إيمان تترك "محمد" (زميل الجامعة المتزوج) على الرف كخيار أخير واحتياطي، ولكنها ما إن غادرت الزفاف وعادت إلى غرفتها يجرها الإحباط والوحدة، حتى شعرت باليأس، وأدركت أنها يجب أن تضحي قليلاً وتقدم تنازلات مع محمد لتجذبه وتضمن ألا يضيع من يديها.
بدلت ثيابها بسرعة، وفتحت هاتفها لتجد أن محمد متاح على الإنترنت بالفعل. بعثت إيمان برسالة قصيرة كطعم:
– "أنت لسه زعلان مني يا محمد؟"
لم يجب عليها فوراً رغم قراءته للرسالة، ليزيد من توترها. فبعثت رسالة أخرى بقلة حيلة:
– "ليه عايز صورتي بالإصرار ده؟! أنت مش واثق فيا؟"
رد عليها محمد بخبث وثعلبية:
– "عشان بحبك يا إيمان.. وعايز أحس إنك ملكي وليا لوحدي... نحس إننا متجوزين سوا في السر.. فاهمة؟ لحد ما ظروفي تتظبط وأقدر أجي أتقدم لبيتك رسمي".
بعد صراع داخلي عنيف ومرير أكل ما تبقى من عقلها، وتحت وطأة رعب الوحدة، استسلمت إيمان وقالت:
– "أنا آسفة إني شكيت فيك يا حبيبي... ثانية واحدة وهبعتلك اللي أنت عايزه".
مرت برهة قصيرة من الوقت، كانت أصابع إيمان المرتعشة قد ضغطت على زر الإرسال.. لتصل إلى هاتف محمد صورتها الخاصة وهي بالملابس الداخلية فقط.
وهنا، في هذه اللحظة المظلمة، نستطيع أن نقول... لقد وقعت إيمان رسمياً في الهاوية التي لا رجعة منها.
#يتبع...
2 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.