احلام مكسورة
احلام مكسورة
جزء 1 من 7

الفصل الاول

أبعدت يده بقوة استمدتها من بئر يأسها العميق، تلك القوة التي تولد فجأة حين يشعر المرء بانتهاك روحه قبل جسده. تراجعت للخلف وهي تلهث، ثم أغلقت الباب بعنف زلزل أركان الغرفة، وكأنها توصده في وجه قدرها كله، وقالت بصوت متهدج بضيق فاض به الكيل:
ـ "يا شيخ روح.. حسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي رماني الرمية دي".
دلفت إلى غرفتها، تلك الغرفة التي كانت تظنها ستكون ملاذها، فإذا بها تتحول إلى زنزانة جدرانها من صمت.
جلست على طرف الفراش، جسدها يرتجف بالكامل كأنها تعاني من حمى، وأصابعها ترتعش وهي تبحث عن هاتفها، وكأنها تفتش عن طوق نجاة في بحر هائج.
لم يكن أمامها سوى "ذات"؛ الصديقة الوحيدة التي تملك مفتاح قلب مها، والوحيدة التي تذكرها في كل مرة بوقاحة الواقع أنها ما زالت تنبض، وأنها لم تتحول بعد إلى قطعة أثاث في هذا البيت المهجور من الحب.
ضغطت على أيقونة الاتصال، وانتظرت الرنين الذي بدا لها كأنه دقات ساعة إعدام.
ما إن فُتح الخط حتى خرجت منها الكلمات بنبرة مهزوزة، تحاول يائسة إخفاء كسر عميق في عمودها الفقري الروحي:
ـ "ألو.. ألو يا ذات.. وحشتيني أوي".
ضحكت ذات بصوتها العالي المليء بالحياة، ذلك الصوت الذي جعل مها تشعر للحظة بأن هناك عالماً خارجياً ما زال يضحك:
ـ "إيه يا فتكات! أخيراً افتكرتي إن ليكي أصحاب؟ عاملة إيه يا عروسة في القفص الذهبي؟ يا بختك يا عم، عروسة في شهر العسل وبتدلع، واحنا هنا طالع عينا في المحاضرات".
سكتت مها قليلاً، ابتلعت غصة مرّة وقالت بضحكة وجع مكتومة، ضحكة تشبه في رنينها نشيج البكاء:
ـ "أنا هاخد جرجيري وأهج يا ذات.. هروح لأمي وأقعد تحت رجليها أحسن بلا فتكات بلا سوكا.. القفص ده طلع قبر، قبر يا ذات ومقفول عليا بالضبة والمفتاح".
تحولت نبرة ذات في لحظة من الهزار الصاخب إلى جدية حذرة ومليئة بالحنان:
ـ "مها.. صوتك فيه حاجة مرعبة. فيكي إيه؟ قولي لي حصل إيه؟ أنا معاكي وسامعاكي، متخبيش عليا".
هنا انهار السد الذي بنته مها طوال الأيام الماضية، وانفجرت في بكاء تخللته شهقات تقطع القلب:
ـ "مش عارفة أقول إيه يا ذات.. أنا هنا نكرة، مجرد خيال في البيت. محسن بيحب مراته الأولى لدرجة تخوف، ومستعد يدوس على كرامتي وعليا عشان يرضيها. أنا بالنسبة ليهم مجرد (مكنة)؛ مكنة لتنفيذ طلبات أمه وأخته، ومكنة عشان يرضي بيها ضميره قدام الناس إنه اتجوز. هو بيشوفني إزاي يا ذات؟ أنا ماليش وجود.. ماليش حق حتى أقول أنا تعبانة".
ردت ذات بعصبية مفرطة، وصوتها يرتجف غضباً على صديقتها:
ـ "يا بنتي فوقي لنفسك! أنتِ خرجتِ من سجن أمك اللي كان حجة عشان يخلصوا من مصاريفك، لسجن ألعن وأقسى. لازم تحطي حدود للناس دي من أول يوم، لو سكتّي النهاردة هتداسي بالرجلين العمر كله. لازم تحسسيهم إنك كيان، إنك بني آدمة وليكي كرامة".
ساد صمت ثقيل لثوانٍ، ثم سألت ذات بصوت منخفض يملؤه الفضول المشوب بالقلق:
ـ "طيب قولي لي يا مها.. بصراحة، هو.. هو لمسك؟ حصل حاجة يعني؟ ده حقك الشرعي، يمكن لو ده حصل الدنيا تتغير بينكم".
أغمضت مها عينيها بقوة، وانهمرت الدموع بصمت أشد، وهمست بخجل يمزق أحشاءها:
ـ "لا.. ولا كأني موجودة. بيبعد عني كأني وباء، أو كأني ذنب عمله ومضطر يعيش معاه. بنام في أوضة وهو في أوضة، ولما بيقرب بيبقى بس عشان يأمرني بحاجة تخص أمه".
صرخت ذات بصدمة هزت السماعة:
ـ "يا نهار مش فايت! إيه الكلام ده؟ ده كدا مش جواز، دي تمثيلية! السكوت مش هينفع يا مها، لازم حد يدخل. أنا بكرة هكون عندك من النجمة، لازم نشوف حل في المهزلة دي.. بس استني، يا ربي! أنا عندي امتحانات الكلية بكرة وبعده، والعميد مش بيرحم في الغياب. بصي.. هحاول أخلص بدري وأتصرف وأجيلك فوراً، بس وعد مني مش هسيبك لوحدك في المفرمة دي".
وفي الطابق الأسفل، حيث تتنفس الجدران كراهية..
كانت الأجواء مشحونة بنوع آخر من القهر البارد. إيمان كانت تجلس فوق أريكتها المتهالكة، تعبث بأظافرها بعصبية وهي تستمع إلى ابنة عمها "شمس" التي كانت تمثل لها كل ما فشلت هي في تحقيقه. إيمان، التي دُقت السادسة والثلاثون من عمرها أبواب حياتها، وما زالت تعيش تحت وطأة نظرات المجتمع الشامتة بلقب "عانس"، كانت تشعر بمرارة لا تضاهيها مرارة.
قالت إيمان بنبرة تفيض سماً وهي تنظر لمرآة قريبة:
ـ "شوفتي يا شمس؟ شوفتي مرات أخويا الجديدة اللي شرفتنا؟ البت دي شايفة نفسها أوي، بتمشي في البيت وكأنها ملكة جمال الكون، مش عارفة على إيه؟ الجمال ده مسيره يروح، وهي أصلاً ملامحها عادية".
ردت شمس وهي تبتسم ببرود وترتب ثياب طفلها الرضيع الذي كان يغط في نوم عميق:
ـ "والله يا إيمان أنا مستغربة.. هو محسن اتجوز تاني فعلاً؟ ده إحنا طول عمرنا عارفين إنه متمسك بمراته الأولى بشكل غريب، الحب بينهم كان مضرب الأمثال".
قالت إيمان بغل وهي تضغط على وسادة بجانبها:
ـ "حب إيه وكلام فارغ إيه! أمه هي اللي ضغطت عليه، بس البت دي أصغر منه بكتير، يعني ممكن تكون قد بناته لو كان خلف بدري. بس وحياة دمعتي اللي نزلت بسببها وبسبب لسانها، ما هسيبها تتهنى يوم واحد في البيت ده. هخليها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تدخل عيلتنا".
رن هاتف شمس، فاعتذرت بابتسامة نصر وهي ترد على زوجها:
ـ "ألو يا حبيبي.. أيوه يا روحي أنا عند إيمان لسه.. حاضر، دقايق وهكون في البيت، الأكل جاهز متقلقش.. مع السلامة يا حبيبي".
أغلقت شمس الهاتف والتفتت لإيمان بمكر، وهي تعلم أين تضع الملح على الجرح:
ـ "معلش يا حبيبتي، عصام مش بيعرف يقعد من غيري لحظة. عقبال ما أشوفك في بيتك يا إيمان.. الفرحة ناقصة من غيرك والله. مش البت هالة جارتنا اللي أصغر منك بعشر سنين هتتجوز الأسبوع الجاي؟ السن بيجري يا حبيبتي، والواحدة مننا لازم تلحق تخلف لها حتة عيل يسندها لما تكبر، بدل الوحدة دي".
سقطت الكلمات على قلب إيمان كالسياط. ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة شجاعة مزيفة:
ـ "لا يا حبيبتي، أنا أصلاً اللي مش عايزة أتجوز. الرجالة تعب قلب ومسؤولية وصدع، وأنا هنا مرتاحة في بيت أبويا، لا حد يتحكم فيا ولا حد يأمرني".
ضحكت شمس وهي تحمل حقيبتها وطفلها:
ـ "تقولي لمين الكلام ده يا إيمان؟ إحنا دافنينه سوا. يالا يا حبيبتي، أشوفك بعدين، وسلمي لي على طنط يمنى كتير".
ما إن انغلق الباب خلف شمس، حتى سقط القناع عن وجه إيمان. تمددت على الفراش وغطت وجهها بيديها، وانفجرت في بكاء صامت مزق صدرها. بكاء يحمل خيبات ستة وثلاثين عاماً، خوفاً من غدٍ لا تجد فيه ونيساً، وغيرة من كل امرأة ملكت ما حُرمت هي منه.
في تلك اللحظة الساكنة، كان البيت يغلي بالدموع؛ في الأعلى مها تبكي قهر الشباب الضائع والزواج الفاشل، وفي الأسفل إيمان تبكي الوحدة وقطار العمر الذي دهس أحلامها. لم يكن هذا مجرد بيت، بل كان زنزانة كبيرة، تسكنها نساء ينهش الحزن أرواحهن، وكل واحدة منهن ترى في الأخرى عدواً، بينما العدو الحقيقي هو الصمت والقسوة اللذان تغلغلا في أركان المكان.
13 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.