الفصل عشرون
الفصل20:
ورغم هذا الانشغال قررت ان أبدأ بالتخطيط للانتقام بشكل حذر ومدروس، لا تراجع عنه، فجَمَعْتُ القطيعَ بحضور القائد الأعلى وقسّمْتُهم إلى مجموعات، وكلفت كل مجموعة بمهمة، أما أنا فقررت أن أكون بمفردي ريثما يستيقظ ديف من السحر المطبق عليه.
في اليوم التالي، توجَهَتِ المجموعاتُ إلى أماكن تمركزها وهي تنتظر إشارةً مني، وفي تلك الأثناء اتَجَهْتُ إلى ماتيلدا في السجن وهناك كانت مكبلةً بالسلاسل، ملصقة الفم، فاقتربتُ منها، أمسكت شعرها الخشن وبصقت عليها وقلت:
_هيا أيتها الخائنة أخبريني، كيف وصلتِ لتعويذةِ جاك وسرّها.
راحتْ تتمتمُ بطريقة غير مفهمومة من تحت اللصاقة الموضوعة على فمها، فقلت لها بسخرية:
_ماذا، لا أفهم، كرري ما قلتي.
فنظرتْ إليَّ نظرةَ الحقد بعينيها لأتابعَ أنا:
_آااه، صحيح لا تستطيعين الكلام، سأنزع اللثام عنك يا مسكينة.
وفعلاً فعلتُ فراحتِة تصرخ:
_أطلقي سراحي، هيا ، افعلي.
ضحكتُ بقوة:
_ماذا، ماذا، ماذا؟
_كما سمعتي، وإلا لن أخبرك عن التعويذة ولا..
أمسكتُها بشعرِها ثانيةً وشددْتُ عليه أكثر:
_ولا، ماذا؟ يا حقيرة، أيتها الخائنة.
_ولا حتى عن سر جاك حبيبنا المشترك الذي اختارك.
شعرت بشيء غريب انتاب قلبي وكأن الغيرة أصابته، فصرختُ عليها:
_أقسمُ أني سأقتلُك إن لم تتفوهي بما تعرفين.
_يا أمي، لقد أخفتني حقاً، كم أنا قلقة! اعلمي أنّني لا أخشَ الموت وسأموتُ ومعي السر.
_لن تحلمي بالموت، بل ستتمنينه، انتظري عقابي.
_بانتظارك سيلا.
غادرت المكان بعد أن علقتها رأساً على عقب من قدميها، ورفعت رجليها إلى أعلى ويديها إلى أسفل، وهي تصرخُ وتشتُم.
مع كل الغضب وبينما كنتُ متوجهةً إلى القائد شاهدتُ تلك العجوز، وهي تتبسمُ لي وتقول:
_جئتُ أباركك، هيا لقد حان الوقت با ابنتي.
شعرتُ بسعادةٍ غريبةٍ من كلامها وودِتُ لو أنني أضمها، قلت لنفسي:
"تعقلي سيلا، ماذا دهاك؟ ما هذه المشاعر التي تملكتكِ."
اقتربتْ مني تلك السيدة ووضعتْ يدها على شعري وقالتْلي وهي تبتسمُ ثانيةً:
_أعلمُ أنَّ الخطر لا يزال محيطاً بك لكنَّني أرى المجد يرقصُ في عينيك، اضربي بيد من حديد، تقدمي هيا.
أَمْسَكتْ كفَّ يدي اليسرى وراحتْ تنظرُ بدقةٍ، ورغم تعاليم وجهها الغير مرتاحة لكنها قالت:
_فليحميكِ الإله، أرى ضباباً يملؤ المكان، أمواجاً تهتز ارتفاعاً، لكنني أرى هناك في الأفق يلوح نجمٌ مضيء.
_لم أفهم.
رفعتْ يديها إلى السّماء فتهدلت أكمامها إلى الرسغ وراحتْ تتمتم بعباراتٍ لم أفهمها، لكن القطيع راحَ يعوي ويعوي.
وهنا وفجأة ثار غبارٌ كثيفٌ ولم أعد أراها وعندما انتهى هذا كانَت قد اختفَتْ، والقطيع ينادي من كلِّ صوبٍ:
_تحيا القائدة سيلا، تحيا القائدة سيلا.
وسط ذهولي، انتابتني قوةٌ غريبةٌ لم أشعرْ بها سابقاً، ليظهرَ جسمي المستذئب ولكن هذه المرة كان مختلفاً عن كل مرة.
رفعتُ الصولجانَ لأعلى وصرختُ:
_الّنصر لنا، هيا بنا يا أبطال.
بعد هذا هجمنا إلى مقرات الأعداء كما خطَطْنا، وبدأتِ الحربُ، وكدنا أن نحقق النصر لولا المفاجآت التي خطط لها سايفن وشركاءه..
فهناك بين صفوف العدو
سايفن لكايا:
_نفذي ما اتفقنا عليه دون أي أخطاء.
كايا:
_حسناً سيدي، لكن لا تنسٕ أن عدونا قد ملأ مواقعه بحسب مصادرنا.
سايفن:
_لا تقلقي، سنقلبُ الطاولة على رؤوسهم.
رغم أن نظرة كايا لم ترح سايفن لكنه مضطرٌ لأن يتعاملَ معها..
وهكذا كل جهة خطَّطتْ ونفذَّتْ، وكان وضعنا قوياً، حيث وقعَ معظَم الأعداء بين قتيلٍ وجريحٍ وأسير، أمّا أنا فقد واجهتُ سايفن وكايا معاً، وكدت أن أرميهما معاً حتى وقع ما لم يكن بالحسبان.
وصل إلي أحد الجنود وهو يصرخ:
_سيدتي سيلا، مصيبة.
أوقفتني تلك الكلمة فالتفتُ إليه بسرعة وقلت له بقلق:
_ويحك، أيَّة مصيبة تلك؟
راح يرتجفُ ويبكي ويقول بصعوبة:
_لقد تعرضنا لخيانة.
توقفْتُ وكل مشاعر القوة تحولَّت إلى ضعف:
_تكلم، ماذا هناك؟
_القطيع، القطيع يا سيدتي، لقد، لقد..
_ماذا، تحدث أيها الغبي ما به القطيع؟
_لقد شرب أغلبه من النهر المجاور وتسمم ومات.
هزني كلامه:
_ماذا قلت، ماتوا، تسمموا، ويحك.
هنا تعالت ضحكات سايفن وكايا ثم قال سايفن بحقد:
_مبارك عليك الهزيمة أيتها الذئبةُ الحمقاء.
سقطتُ على ركبي وكلمات الجندي تضرب على رأسي:
_تسَمُم، موت، خيانة.
صرخت بأعلى صوتي، جن جنوني:
أوغاد، ستندمون.
نظرت إليهم ولكنهم فجأة اختفوا بلمح البصر، صرخت على الجندي:
_والقائد الأعلى أين هو الآن.
ارتجفت شفتيه وتلعثم وهو يجيب:
_لقد خسرناه هو الآخر، فقد شرب من مياه النهر.
صعقني ما قال، صرخت:
_لااااااا، لاااااا، سيدي لا تفعلها معي، لا تتركني وحيدة في معركتي هذه.
الجندي:
_لقد تلفظ بكلماته الأخيرة بوصيته لك.
نظرت إليه بحزن وقلت بصوت خافت مرتجف:
_وهي!
_أخبروا سيلا بأن حربها ليست سهلة ولكننا نثق بها، لتأخذ بثأرنا جميعاً ولتحققَ النصر لقطيعنا، ولتحذر صديقها قبل عدوها فالقادم أصعب، أرواحنا تنتظرُ نصرها، لتصعد إلى السماء.
_ماذا؟! ماذا يقصد بأن أرواحهم تنتظر؟
لم يأتني الرد، نظرت حولي ولكنني لم أجد أحداً حولي فقد سقط المسكين ومات.
اقتربت منه وأنا أرتجف:
_لا، أرجوك لا تفعلها أنت أيضاً، رباااه، ربااااه.
قمتُ وباقي القطيع الذي تبقى من تلك الحرب بدفن الموتى ولملمة ما تبقى من جرحى ونقلهم، لكن رأسي كادَتْ أن تنفجر.
لم أستطع الراحة، فتوجهت لأرى ماتيلدا لكنني وجدتها مقتولة وحراسها أيضاً وبجانبها رسالة كتب فيها:
(إنها البداية فقط، أيتها الذئبة الغبية)
وتوقيع سايفن عليها.
مزقت تلك الرسالة ورحت أركض باتجاه ديف، ولكنني وجدته ميتاً هو الأخر، صرخْتُ:
_ديف، ديف، لا تفعل هذا بي، ديف ألمْ تُصَرحْ لي بحبِّكَ، كيف تتركُ من تحب وحيدةً تواجه الصّعاب.
رحْتُ أركضُ وأصرخُ:
_يا الله، ماذا يحدثـ هنا، لقد قُتلوا جميعاً، وأنا وحدي الآن في معركةٍ لا أعرِفُ لماذا أُقْحِمتُ فيها، يا الله، ساعدني.
تملَّكني الضعفُ ورحتُ أصرخ :
_أمّاه، أمّاه، بيل يا أخي أين أنتم، أنا منهارَة، أحتاجكُم الآن.
سقطتُ على رجليَّ وقلبي ينزفُ من شدةِ الحزن والخوف.
ومن شدَّة التعبِ غفوْتُ لأجدَ نفسي في عالم النوم، وأمِّي تحدِّثُني:
_سيلا ابتتي ليستْ جبانة، ستثأرُ للجميع، وستنتصر.
ناديتها:
_أحتاجكِ يا أمّي، لقد قتَلُوهم جميعاً، قتلوا حبيبي جاك، وديف وقائدُنا الأعلى، وبقية من القطيع، أنا خائفةٌ جداً.
نظرتْ إلي بعينيها القويتين:
_لا تكوني صعيفة، ينتظركِ الكثير، احذري جاك، احذري جاك.
_ماذا تقصدين؟ جاك ميت.
لكنّها لم ترُد وتابعت طريقها وهي تنادي:
_احذري جاك, انتبهي لنفسك، لاتضعفي.
رحتُ أتوسَّلُ لها وأسألها:
_لا تتركيني، اشرحي لي، أرجوك يا أمي.
وهنا استيقظْتُ وأنا أصرخُ وأناديها ولكنني وجدتُ القطيع يقف حولي حزيناً ليقول أحدهم وأنا أفتح عيناي وأفرك وجهي:
_هيا سيلا، نريد حقَ أبنائنا الذين ماتوا، لن نرضى بغير ذلك.
قالت إحدى المستذئبات وهي تبكي:
_ألستِ قائدتنا، أريدُ حقَّ ابني منهم سيلا.
قال آخر:
_يبدو أن النبوءةَ مجردَ خدعة، فأنا ارى قائدة ضعيفة، لا تتقن إلا النومَ والبكاء.
قمت إليهم وأنا حزينة لحالهم:
_دم أبنائكم لن يضيع هدراً، أقسمُ لكم، لقد بدأتْ حربي منذ الآن حتى لو خضتها معهم لوحدي.
عوى القطيع ودموعهم على خدودهم، ونظراتُهم المليئةُ بالقهرِ والتَّرجي، لاتزالُ عالقةً في رأسي.
وقفت أفكر بعد خروجِهم ماذا سأفعل، ما هي خطَّةُ الانتقام، وماذا سيكون من أمري بعد موتِ الجميع، القائدْ، ديف، وجاك.
صرختُ لدرجةٍ خرج صوتي كعواء قوي:
"آااه يا جاك، كم أحتاجك الآن، أشعر بالضعف الشديد بدونك."
توجهت إلى ذلك الجبل ووقفت أمامه ممسكة صولجاني، رفعت يديي لأعلى، رحتُ أنادي على القمر المكتمل:
"أيها القمر ها آناذا هنا جئتك أسألك لماذا أنا، لماذا؟ لم تسبَبتَ بكلِّ هذا الألم."
صرْتُ أبكي وأسألهُ عن أمي وبيل وجاك، عن كلِّ أحبتي لكنَّه لم يُجِب، فقررتُ أنْ أُخْبِره بقراري:
"إما أن تجيبني عن سؤالي، وإما أن أرحل دون رجعة."
انتظرتُ قليلاً ولكنّه لم يردَ علي، فتركت صولجاني ، وقررت الرحيل وتركَ كل شيء، لكنْ وفجأة حصل مالم أتوقع حدوثه.
من بين الضباب الذي أحاط فجأة أسفل الجبل خرج إلي رجل ملثم غير واضحِ المعالمِ يغطي نفسه.
سألته :
_من تكون؟
_أنا حارس هذا الجبل يا ابنتي.
_حارسْ! أنا لا أفهم ماذا تحرس هنا.
_أجل وأنتِ هنا كنتِ تناديني، فخرجت إليك، أنا حارسُ أحلامك يا قائدة.
_وهل تعرفني؟
_بكل تأكيد أنت سيدَةُ المستذئبين، من تحدثتْ عنها النبوءةُ.
_تباً لتلكَ النبوءة، لقد دمَّرتْ كُلَّ شيء.
_لا، أنت مخطئةٌ تماماً، النبوءة ستغيرُ حياتك.
_لقد فعلت، لقد قتلتْ كلَّ من أُحب.
_إياكي أن تحكمي على الأمور من ظاهرها، ستكتشفين أن كل شيءٍ ليس كما عشته، فلتنتبهي.
_أنا لا أفهم، لمَ لا تشرحون لي، لماذا كلُّ هذا الغموض لماذا، لقد تعبت.
ثم جثوْتُ على ركبتي وأنا أرتجِف من التوتر، لكن ذلك الرجل اختفى، رحتُ أبحث عنه ولكنه لم يجبني.
صِرتُ أنادي عليه بيأيس :
_يا عم لا تذهَبْ أرجوك، أريدُ أنْ أعرِف ما يجري، لا تتركني هكذا تائهَةً ومسؤوليَّةٌ كبيرةٌ على عاتقي، تعالَ، تعالَ أرجوك، لا لا تذهب.
في تلك اللحظةِ وُضِعَتْ يدٌ على كتفي من الخلف، ظننْتُه هو وبينما رحْتُ أستديرـ فوجئت بمن رأيت وقلت:
_أنتِ!
_أجل أنا، أنا هنا لأقدِّمَ لكِ العونَ، أم أنَّك لا ترغبين.
لم أشعر لنفسي إلا وقد ضممتها:
_بلى أحتاجُك جداً جينيفي، لاتتركيني ثانيةً أرجوكِ.
فتبَسَّمتْ ووضعت يدها على رأسي وهزَّت برأسها ثم رَدت:
_لن أتركك بعد الآن، فأنت غالية على قلبي.
رجعتُ إلى الخلف:
_ماذا؟!
_لا تكثري من الأسئلة وإلا غادرْت.
_لا، لا لن أفعل.
ضحكَتْ وقالتْ:
_هيَّا بنا، عليكِ أن تخطِّطي لحربكِ القادمة وأن تكوني قوية وشجاعة فعدوك خطيرٌ جداً ولن تتوقعي ما قد يمكن أن يفعله.
مدَّت لي يدها وشدَّتني وأنا لا أنفكُّ أنظرُ في عينيها، لا أدري لماذا عاودتني رغبةٌ شديدةٌ بضمِّهاثانيةً.
وهنا حملت صولجاني ولا حظت أن قلادتي تشعُّ بشدة وهُيئ لي بأن شيئاً ما يشعُّ لديها لكنَّها أنكرتْ عندما سألتها وراحتْ تخفي بيديها شيئاً.
تذكرت قول الساحرة عن القلادة:
"هناك قطعة مشابهة لها، إن وجدتها ستساعدُك في نَصرك."
قررت المراقبة بهدوء.
تابعنا مسيرَنا وأنا أكررُ طلبي لَها بأنْ لا تتركنِي أبداً، مع تأكيدها باستمرارِ دعمها لي.
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!