غموض
غموض
جزء 19 من 21
وضع القراءة:

الفصل18

الفصل 18:
راحَ سِيْد يهتمُّ بكايا وينظرُ إلى وجهها وهي نائمة على سريرها مرهقةً مما تعرَضَتْ لهُ من تصرفَاتهم، مدَّ يده إلى وجهها ولامسَ خدَّها بأصابعهِ ثمَّ وضعها على خصلاتِ شعرها المنسابةِ على السَّرير.
همس لها:
"كايا، تبدينَ ضعيفةً على غيرِ عادتِك، هيَّا قومي وانتقمِي منْهم جميعاً."
تحركَتْ في تلك اللحظةِ كايا وراحتْ تهذي من شدةِ التَّعبُ وتمتمُ:
"سايفن أَيَّها الحقيرُ، أحببتُكَ بصدقٍ، أنتَ قاسٍ ومغرور، امممم"
ثم غابتْ ثانيةً عن الوعي، هنا شعرَ سيد بالغيرةِ وابتعدَ عنها ثم جزَّ على شفتيه وقالَ:
_سايفنْ، سايفنْ، سايفنْ، أيُّها الحقيرُ.
وخرَج بسرعةٍ واتجهَ إلى غرفَة سايفن.
بالتزامُن مع هذا كنت أنا قد توجهت إلى السِّجن الذي وضعَ فيه ديف ومعي سوطٌ مجدول، وهناك وجدتُه وقد بدأ يتعافى مِن خمولِه فقال لي:
_لماذا أنا هنا سيلا، لماذا ما الذي حصل٠؟
_كيف تجرؤُ على السُّؤال، الخونَة لا يحِقُّ لهم الأسئلة.
_لا أفهمُ قصدك، كلُّ ما أتذكره هو أنني كنت برفقةِ ماتيلدا، تحدِّثنِي عن...
قاطعتُه بغضبٍ:
_عن ماذا أيُّها الخائِن؟
_خائِن! أنا خائن! لماذا تنعتيني بهذا الصفةِ القاسية، سيلا؟
تملْمَلتُ أنا وتمنيتُ لو أقطعُ لسَانه, ثمّ قلتُ له:
_اخرس، سأتركُك تنتظرُ العقابَ وحيداً هنا أيُّها الخائن.
قلت هذا وتركته يصرُخ خلفي وقلبي يكادُ أن يقعَ من مكانِه وهو ينادي:
_سيلا، سيلا أرجوكِ توقَفي، أنا ديف، فقط اشرحي لي ما حدَث؛ لتنعتيني بالخائن، أرجوكٍ.
لكنّني لَمْ أطاوعْ قلبي واستمعتُ إلى عَقلي
كان كلُّ ما يدورُ في عقلي أنني سأنتقِم وصورة جاك لا تذهبُ من خيالي، وبينما أنا متجهةٌ إلى عرفَةِ القائُد وجدتُ تلكَ العجوزُ تحدِّقُ بي، تذكرْتُها، نظرتُ إليها بتأمُلٍ ووقفت ساكنةً، اقتربَتْ مني وقالت:
_ألم أخبركِ بأن تنتبهي من الغدرِ سابقاً.
تأتأتُ:
_أنااا، أنااا.
_هاتِ كفَّك.
تلقائياً مددْتُ كَفَ يدي، حيثُ راحتْ تحَدّقُ فيه وتزفرُ بطريقةٍ لا تدعو للإطمئنان ثمّ قالت:
_احذري القادم، رياحٌ هوجاءُ قادمة، دماء
كالنهر، الغدْرُ، الغدرُ، الغدرُ، انتبهي، أنتُ الأمل، لكن الصعوباتِ قادمةٌ، أرى الموتَ في كلِّ مكان.
ارتجفَ كفي، سحبتُه بسرعة، سألتها:
_وما الحلِّ لمنعِ كل هذا، أريد السَّلام لقطيع المستذئبين.
تبسَّمتْ وهَزتْ برأسُها:
_الحربُ ويلٌ للأمهاتُ، ستسمعُ الصرخات والويلات، بيدكِ أنتِ إنقاذُهم أو هلاكَهم.
_لماذا أنا، لماذا؟
_أنت سيِّدةُ النبوءة، انتبهي لنفسك.
صرخَتُ وهي تتركني مبتعدَةً:
_نبوءة، نبوءة تباً للنبوءة، ما ذنبي أنا لأتحملَّ كل هذهِ المصائب، سيلاااااا راعيةُ البقرِ تريدُ العودة للبقرةِ جول وباقي القطيع.
شعرْتُ بالحنين لجول وقررتُ التَسَللَ إلى هناك حيث كانت سيلا البريئة المُسالمة، وفعلاً اتجهت إلى هناك بحذَر شديدٍ، رحْتُ أراقِبُ بيتَ أمي، ودارتْ تلكَ الذكرياتُ سريعاً، تذكرتُ أخي الذي لم أعُد أسمَعُ عنه شيئاً، اشتقتُ له كثيراً، وجهُ أمي تراءَى لي، تابعتُ النَّظر في كلِّ مكان؛ لأتذكَرَ ما فعلتُه بسكانُ تلك القرية، لقد سببتُ الرعْبَ لهم، وبينما أنا أفكرُ وأتذكرُ، سمعتُ صوتَ أمٍ تحاوِلُ أَنْ تجعلَ ابنها ينامُ وهي تقولُ له وهي جدُّ نعِسة:
_هيّا إلى النوم.
_لا أريد، لسْتُ نعِساً.
_نمْ وإلا ستأتي روحُ سيلا وتقتلكَ هيا نم بسرعة.
صرَخَ الطفل خائفاً، وغطَّى رأسهُ مِن الخوفِ والأم تضَعُ رأسَها وتتابع نومها.
جززْتُ على شفتايَ وشعرْتُ بالحزنِ والقهر،
"هل هذا ما آلت إليه قصَتي، تبَّاً، أنا الآن مصدرُ خوفٍ للأطفال."
استذأبَ جسدي بشدةٍ ولهاثي كادَ أن يكشفني، لكنني تابعتُ إلى بيتِ جيم وتسلَّلتُ إلى الحظيرة، هناك كانت جولُ تجلسُ على الأرضِ كعادَتها، اقتربْتُ منها وضعْتُ يدي على وجهِها، مَسَدْتُ لها، وقبلَ أنْ أقَبِلها، استيقظتْ فزعَةً وراحت تصدِرُ أصواتَ الرُّعب.
حاولت أن أشرح لها، لكنها لم تفهم:
_أنا سيلا يا جول، سيلا.
لم أستطعْ منعها من الخوفِ مني، فهربتُ بسرعَة وأنا أنظُر إلى الخلفِ وقلبي يعتصرُ حزناً:
_وداعاً جول، يا ألطَف كائن، وداعاً ذكرياتي إلى الأبد، يبدو أن كلامَ السَّاحرة صحيحٌ، وليس هناكَ من خيارٍ أخر.
كم كان منظر جول الخائفة مني مصدر قهرٍ لي..
بعدها عُدت إلى ديف وأمسكته من ياقَة قميصهِ:
_أيها الحقيرُ الخائن، أخبرني بما حصل.
فاجأني قوله:
_انظري سيلا، ربما كنت أغارُ من جاك، لأنَّكِ كنتِ تميلين له، لكنَّنِي لسْتُ بخائن، جاك كان صديقي قبل أن أعرفَك.
_تغارُ، لماذا؟
_لأنَّني أحببتُكِ جداً، لكنني لم أتجرأ على البوحِ، وحافظْتُ على مشاعري بعد أن ارتبطما بعلاقةِ حبٍّ ثمَّ زواجٍ.
_فقمْتَ بقتلهِ.
_لاااااا، لااااا إن ماتيلدا هي من قامت باستخدام التعويذةَ ضِدّي وضِدَّكم، لم أكنْ بوعيي.
_أيها الكاذب، لا أصَدقُك.
_أقسِم لك، اسألي ماتيلدا اسأليها.
_ماتيلدا متغيبةٌ منذ قُتِلَ جاك ولا نعرفُ أين هي.
صمتَ ديف للحظة ونظَر إلي بتعبٍ ثم قال:
_تذكرت، أجل، ماتيلدا انضمَّت إلى الأعداء، وكل ما أتذكرُه أيضاً أنهُم قذفُوني خارجاً واحتجزوها هي.
_ماذا، تلك الحقيرة، لماذا فعلتْ هذا؟
_إنها الغيرة، كانت تحبُّ جاك جداً، لكنَّ جاك كان يعشقُك أنتِ بجنون.
توتَرتُ، شعرتُ بالعديدِ من المشاعرِ، الحزنَ، الغضبَ، الرغبَةَ بالثأر.
فككْتُ وثاقه وقلت له:
_قمْ وانتظِر اًوامري، حتى يثْبُتَ صدقُ كلامِك، عندها سنرى ما سيكون مصِيرك، لكنْ تذكرْ ستكون عيني عليك كُلُّ الوقت، وإياكَ والغدر.
تبسَّم بلطْفٍ:
_ثقي بي، لو كانَ جاك هنا لقالَ لك بأنَّ ديف ليسَ خَائِنا.
_جاك، كان حبيبي وزوجي، وسيرافقني حتى وهو في السَّماء.
أشعَّتْ قلادتي فجأة وشعرْتُ بوجودِ جاك حولي فتمدد الفرحُ إلى داخلي، ثمّ اتجهتِ بسرعةٍ إلى القائد.
بالعودة إلى الاعداء...
لقد كان رجالُ الماسة الشيطانية مجتمعين ويخططونَ للهجومِ علينَا في فجرِ ذلكَ اليوم، وكان بينهمْ سايفن وقائدهُ الأعلى.
القائد:
_سننفذُّ الخطَّة بحذافيرها.
سايفن:
_أيةُ أخطاءٍ سنخَربُ كُلّ شيء، ليس لدينا الوقت.
الماسي:
_لقد نفذَ صبري، وفرصُكُم بدأتْ تقلُّ لدَّي، فاحذروا غَضبي، أريدُ قواها، بأيَّةِ طريقة.
القائد:
_سيحصَل وقريباً، وسننهي المستذئبين عن بُكْرةِ أبيهم.
سايفن في نَفسه:
"لماذا يريدون تلك القوى، لماذا يهتمون بها، لابدَّ أن أعرف"
القائد وهو ينادي سايفن:
_هييي سايفن، ما بِك، أنا أُحدثُك منذُ برهَة وأنتَ لا ترد.
ردَّ سايفن وقد استيقظَ من شروده:
_معكَ سيدي معكَ.
_نفذوا بعد يومين، اقتلوهم جميعا، وآتوني بالفتاةِ مكَبلَةً، أريدُها على قيدِ الحياة.
بعد ذلك توجَّهَ سايفن إلى السِّجنِ حيثُ ماتيلدا:
_هاه، ماذا؟ هل أنتِ مرتاحةٌ هنا في السِّجن.
فنظرتْ إليه باحتقارٍ:
_حقيرٌ، فكَّ قيدِي.
_لن أفعلَ قبل أن تخبريني بكلِّ شيء.
ضَحكَتْ بصوتٍ عالٍ ومتعب:
_أنتَ تحلمُ أيها الخائن.
أمسكَ وعاءَ الماء وسكبَهُ على رأسِها، صَرَخَتْ وهي مرتجفَة من البرد:
_لن تستطيعَ قتلي.
_سنرى.
علقها من رجليها بحبلٍ رُبِط إلى سقفِ السِّجن وتدلّت إلى أسفل، فراحتْ تصرُخ:
_ فُكني أيها الوغد، أقسم أنّكَ ستموتُ قريبا، سترى يا سايفن.
سايفن الذي غادرها باتجاه كايا؛ ليجدها مستغرقَةٌ بالنومِ على سريرها بينما كان سيد ينامُ قربها على الكرْسِي.
فأمسكها من شعَرها:
_ألم تستيقظِ العاهرةُ بعد؟
شهقَتْ بخوفٍ:
_دعني وشأني أيُّها الحَقير.
سخر منها:
_أووه، كلكن تقلن عني بأنِّي حقير، هلَّا قدرتم مشاعِري قليلاً، أيتها الوضيعةُ الخائنة، أريدُ أن أفهم، لماذا حدثَ هذا بينك وبين رجلِ الماسة النارية، أي أمرٍ بينكمَا؛ ليغضب.
_ليسَ من شأنك.
في تلك اللحظة استيقَظَ سيد على صراخِ كايا:
_اخرجْ من هنا فوراً.
نظرَ سيد إلى سايفن وقد أمْسَكَ كايا وشدَّها إلى صدْرِه:
_أعلمُ أنَّكِ تعشقينَ سايفن، سايفن الذي يكْرهُك وسيقتلُكِ يا حبيبتي.
فتدّخلَ سيد غاضباً:
_دعها وشأنها سايفن، إنها متعبَة.
فرد سايفن بكُلُّ غرور:
_أيّـها العاشِقُ المسكين، اصمتْ وإلا قبلتُها أمامَك.
سيد:
_تحتاجُ إلى علاجٍ نفسِي يا صديقي.
كايا:
_امرحْ كما تشَاء، أيامكَ أصبحتْ معدودة.
صفَعَها سايفن؛ لتسقطَ بين ذراعي سيد ثم خاطبَها بحقدٍ:
_سوف نرى أيَّتهَا القطةُ الشرسةُ.
وخرجَ من الغرفةِ وهو يتلفَظُّ بأسوأِ الكلمات، أما سيد فقالَ لهَا:
_يبدو أنك أصبحتِ هشَّة لدرجةِ أنكِ تخليتِ عن أحلامِك، كايا.
فردت باستهزاء:
_وأنت قد أصبحَت غبياً جدَّاً، كايا لا تقِفُ عند حدٍّ، لقد بدأ العدُّ التنازلي لهذا الوغدُ، هيا تعالَ معي.
.
.
أما أنا، فبعد يومٍ واحد وصلتني رسالَة تهديدٍ من كايا تقول فيها:
"لدينا ما يخصُّكِ أيّتُها المستذئبَة، تعالي لتأخذيه."
لم أفهم ما قصدت لكنني صعقت عندما شاهدث ذلك العقد الموشومَ بحرف (B )، فجُنَّ جُنوني.
ارتجفَت وبدونِ أيِّ تفكيرْ تبعْتُ قلَبي، لم ألجأ لأي أحدٍ، نسيتُ أنّي قائدة وقد أودي بالقطيعِ كاملاً، كل مافعلتُه أنني دخلتُ إلى السجنِ وسحبتُ ديف من عُنُقِه وقلتُ له:
_ألا تريدُ أن أصدقك.
_بلى.
_إذاً هيا بنا.
انطلقتُ بسرعَة وشعرْتُ أن قوى العالمِ تسكنني، سأقتلهُم جميعا.
وقلت بصوت عالٍ:
_اليوم سيبدأُ العقاب أيها السفلة.
ديف كان يحاول طيلة الوقت أن يفهم لكنني لم أتلفظْ بأيِّ كلمَة، كلُّ ماراودني هو وجهُ أمي
توقفتُ فجأةً، والتفتتُ إلى ديف:
_عليك أن تخبرني بما يخص كل ما حصل وإلا بدأتُ عقابي بكَ أيها الخائن.
_سأفعل، لكن ليسَ الآن.
صفعتُه بقوةٍ؛ لدرجة أنه سقطَ على الارض ففوجئتُ بنفسي، وقبضتُ على أصابِع كَفّي ونفخْتُ علَيها.
وفي تلك اللحظة وصلَ جنديٌّ إلى سايفن وهو يصرُخ:
_سيدي، سيدي.
_ماذا هناك ياوجهَ الخراب.
_لقد هربتْ ماتيلدا.
رمَاه أرضاً وصَرخ:
_أيُّها الأغبياء وأين أنتم؟
لم يكن من سايفن إلا أن أمسَك سلاحه وضربَ الحنديَّ فأرداهُ ميتاً، وهو يصرخ:
_اللعنةُ، اللعنةُ.
واتجهَ مُسرعاً يبحثُ عن ماتيلدا، وهو يصرـخ ليجمعَ جنُوده:
_أيّـها الأوغادُ سأقتلكـم جميعاً، عليكمُ أن تجدوا تلكَ الحقيرةَ.
انتشَر الجميع للبحْثِ عنها لكنْ دون جدوى، لقد ساعدها أحدُهم على الهرَب وسايفنُ الآنَ في ورطَة أمامَ قائدهِ وجماعةِ الماسةِ الناريَّة.
بالعودة إلي أنا، في تلك الأثناء كنتُ لا أزال أشعرُ بالقلق وأنا متجِهة مع ديف إلى كايا
ديف:
_لطفاً، هل أستطيع أنْ أفهم إلى أين نحنُ متجهون؟
_هل أنتَ خائفٌ؟
_طبعاً لا، لا أخافُ على نفسي، لكنَّني أخافُ عليكِ أنتِ.
ضحكتُ رغم الهلع:
_يالكَ منْ صديق!
_يااه، هل وصلَ الشكُ بي لديكِ، لهذه الدرجة سيلا.
_لم أعدْ أثقُ بأحَدٍ، أنتم فعلتمْ بي هذا، أتتذكرْ؟
_أتوسَّل إليك أخبريني بما يحصل، علّني أستطيع ان أشرحَ لك.
_حقاً، ورطتموني بشيء لم أكنْ له، ثم تخليتم عني، والآن تصلني رسالة موسومة بحرف يدلُّ أنَ أخي بيل محتجَز معهم، هل تريد أن أنتظِر حتى يقتلوه.
سكتتُ قليلاً ثم تابعت وعيناي مليئتان بالدمع:
_أتعلَمْ أيها الخائن؟ لقد اشتقْتُ له كثيراً، لقد خططْتُ لمستقبلِه، آهٍ،كم كان ذكياً!
_سننقذهُ لا عليكِ.
_وكيف هذا؟
_النبوءة كانت تقول أن هناك أحداً من عائلتك سيكونُ نصيرك.
شعرتُ بالفرح:
_حقاً، إذاً سأراهُ وأضُّمهُ وأشتَّمُ رائحة أمٌي من خلالِ ضمّه.
_أتمنى لَك التوفيق.
30 قراءة
1 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.