|8| قُلوبٌ مَكسورَة.
في أمسية صيفيّةٍ عليلة النسيم، وقف حازم في شرفةِ منزل والديه الكبيرة، يحني جذعه قليلًا، ويتكئ بمرفقيه على الدرابزين يراقب تلك المشاهد حوله التي حُرِمَ منها سبع سنوات. كانت أنفاسه بطيئة متعبة، وعقله لا يزال يفكّر في تلك الليلةِ التي مرّ عليها أسبوع.
أسبوع لم يرَ فيها أحدًا سوى مديره وعملائِه. ورغم جذله لقبوله كسكرتيرٍ دائم في الشركة، إلّا أنّ ذلك لم يكن كفيلًا في دمغ الراحة فوق حزنه، فقد كان يفكّر في أخته، تائِهٌ ما بين أحقاده وإعراضِه عنها من الأصل.
سمع صوت باب الشُرفةِ يُفتح، ليسمع صوت والديه يلقيان عليه التحيّةَ بسرورٍ بَيّن، لم يُعَقّب أو ينظر لهما، وظلّ على حاله يحدّق في الفراغ بذهنٍ شارد.
كسرت عزّة الصمت بسؤالها: «حازم يا ولدي، لِمَ أنتَ صامتٌ بهذا الشكل؟»
لم تستطع أن تكمل، فقد اختنقت بالبكاء واقتربت منه لتحتضنه كمن يستعيد قطعة مفقودة من روحه، وأن حازم كان كذلك بالفعل.
سار عبد الصمد نحوه بخطًى هادئة ليقف خلفه جامدًا للحظات، ثم رفع كفّه المرتجف من محاولة التماسك ليقبض على ذراعه برفقٍ، ويسحبه إلى صدره دون إخطارٍ أو سابق إنذار. كان حازم على إدراك أن الكلمات ستخونه ما إن ينطق بها، لذا آثر البقاء على سكوته.
«واللهِ لا يهون عليّ وجعكَ يا حازم، تاللهِ إن انكسارك ما هو إلا موتي يا بُني.» نبس الأب بنبرةٍ حنونةٍ، يمسح على ظهر ولده بلين
هذا العناق أعاد حازم إلى مسرح طفولته، ليستذكر كل ما عاشه في كنف هذا الرجل وهذه المرأة اللذان يغدقان عليه الحب الآن كما في الماضي دون أدنى اختلاف. ذات اللمسة، ذات النبرة، ذات الخوف المستعر بين الضُلعان.
بعد تلبّكٍ طويل، فصل حازم العناق، وبدأ حازم يتحدث بصوت خافت مرتجف: «أبي... أمي... أنا آسف لهذه السنين التي حرمتكما من رؤيتي فيها، آسفٌ لأنّي كنتُ أرفض مقابلتكما وأنا في السجّن، لكن الخوف عقلني فما باليد حيلة. كنتُ كارهًا أن ترياني بلباس المجرمين الذين لا أنتمي لهم، كنت أظن أن الهروب هو الحل، لكنه لم يكن إلا جبًا عميقًا هوت به نفسي. كنتُ أخاف أن تتغيّر نظرتكما لي، وأن تصدّقا جُرمي الزائف.»
نظر عبد الصمد له بنظرةٍ اقترن في الحزم بحكمته المعتادة: «يا ولدي، نحن من اهتمّ بكَ وأشرف على استقامتك فكيف نشكّ بك؟ لكنّنا لم نتمكّن من تبرئتك، ولم نملك سوى الدعاء لك كل ليلة ليخفّف الله عنك. لم يؤلمنا سوى مجافاتكَ لنا.»
تنهد حازم تنهيدة ثقيلة حملت كل ما اختزنه قلبه من ألم طوال سبع سنوات. سحب شهيقًا عميقًا ليجيب: «أقسم بالله غصبًا عنّي، كنتُ أضعف من المواجهة.»
ثم نظر لهما نظرةً مبهمةً مستطردًا: «أظن الوقت حان لأخبركما بسبب عودتي في تلك الليلة، وأخبركَ بأمر ذاك السكّين الذي سألتني عنه ليلةَ أمسٍ يا أبي.»
توقّف قليلًا مزدردًا ريقه كونه يعلم بثقل الخبر: «كدتُ في تلك الليلةِ أن أصبح مجرمًا بحق...»
انسابت دمعة خائبة على وجنته ليمسحها بعنفٍ مستكملًا: «لأنّي كنت أحمل في قلبي ما لا يستطيع بشر حمله. كنت قد عزمتُ على...»
صمت مجددّا لخجله من النطق بها، ليستحثّه والده على التحدّث: «أي شيء يا بني؟ أرجوك لا تتعب أعصابي فأنا لا أحتمل.»
أغمض حازم عينيه، مستعيدًا في ذهنه تلك الذكرى البغيضة المظلمة: «أتذكران اتهام أختي لي بقتل ابنها الصغير؟ التهمة التي دمرت حياتي، وجعلت الجميع ينظرون لي كقاتل، لدرجة أن بعض أفراد العائلة الكبيرة صدّقوا عنّي..."
ارتجفت عزة، ووضعت كفّها على فمها تكبح بكاءها الصامت: «لا أريدكَ أن تعيش في الماضي...»
ابتسم حازم بجانبية: «هنا المشكلة يا أمّي، أنّي أعيش في الماضي، إذ أنّي بعد خروجي من السجن، كنت قد فقدت صوابي بسبب ما تراكم فيّ كالبركان، من وشاية وظلم، وشائعات ونميمة قاتلة، وتعذيب الضّباطِ لي، وقررتُ أن أقتل من كان السبب.»
شهقت عزّة، ووضع وعبد الصمد كفّه على جبينه بغير تصديق، لينبسا بصوتٍ واحد: «آمال!!»
نظر لهما بعينين حاقدتين دامعتين: «أجل، لقد ذهبت لقتلها في تلك الليلة، بسكّينٍ كنتُ أشحذه كل يوم بغلٍ شديد.»
تنهد الأب عبد الصمد بعمق: «أرجوكَ يا حازم لا تتهوّر، أتوسّل إليكَ لا تحرق قلبي عليكَ أكثر، لا تقتلها فتحمل وزرها، أنتَ لا تصدّق مدى فرحتي برؤيتك...»
أجابه حازم بوهن: «لكنّي لم أقدر على غرز السكّين، يدي ورغم أنّي هيأتُها خانتني، وقلبي الذي حرصت على قتله تبيّن أنّه لم يمت. أبي! عادت بي كل ذكرياتي معها، ومع أطفالها بالأخص مع ملاك، التي كانت جزءًا من قلبي، التي لم يكن يمرّ عليّ يوم دون أن أراها.»
أخرجت عزّة صرخة خافتة، وغطت وجهها بيديها. بدأت تبكي بشدة، لكن بكاءها لم يكن خوفًا على آمال فقط، بل كان مزيجًا من الفزع على ما كاد يفعله ابنها، ومن الشوق الطاغي لابنتها التي لم ترها منذ أكثر من سبع سنوات.
«آمال ابنتي...» ناحت الأم بحرقة. «أنا أعلم أن ما حدث بسبب زواجي، لكنّي لم أكن على وفاقٍ مع والدها، لم نقدر أنا وهو على الاستمرار. لقد كرهتني رغم حبّي لها وإن أظهرت عكس ذلك.»
أحس حازم بطعنة في قلبه حين رأى والدته المنهارة شوقًا لابنتها، فتخيّل ردة فعلها إن قتل آمال حقًا، أكان سيؤذي أمّه ويسوقها نحو الهلاك؟
«سامحيني يا أمي.»
أما عبد الصمد، فقد ظل صامتًا للحظات، ثم اقترب من ابنه واضعًا كفّه على كتفه بقوة، نظراته تحمل من الموعظة ما يفيض، ثم قال بصوتٍ صارم: «اسمعني يا حازم، لقد كنتَ على وشك ارتكاب وزرٍ لن تغفرها لك نفسك أبدًا. قتل أختك! هل كنت تعتقد أن ذلك سيريح قلبك؟ هل تخال أنّه سيرد اعتبارك؟»
هز حازم رأسه نفيًا وقد انسابت دموعه بقوة: «لا، لم يكن ليريحني، لكنّ غضبي عليها أعمى بصيرتي.»
رفع عبد الصمد سبّابته بشموخ: «لو أنّك نفّذت ما نويت عليه، كنت ستقتل براءتك إلى الأبد، لتستحيل فعلًا المجرم الذي اتّهموكَ به ظلمًا وجورًا...»
ربّت على كتفه مسترسلًا: «الظلم لا يرد بالظلم، والغضب لا ينطفئ بالدم، وأحزانكَ الآن بتراء لا دوام لها.»
جلست عزّة إلى جوار ولدها: «اسمع يا بني. أنا وأبوكَ لا نبتغي أن نفقدك. لقد فقدناك من قبل، وكانت أطول أعوامٍ في عمرنا. كل يوم كنا ننتظر أن يطرق الباب، أن نسمع صوتك، أن نراك ولو من بعيد، لكن لم يؤذّن لنا، نتوسّل إليكَ لا تحرمنا منك، ألا يكفيني أن شقيقتك هجرتني؟»
طأطأ حازم رأسه كابحًا شهقاته: «سامحاني، كنت عالّةً عليكما...»
بكت عزة بحرقة، تمسح على رأسه: «لم تكن عالّة يومًا، ولن تكون. وستعود آمال يومًا، وتلتقيان، وتصلحان ما بينكما.»
رفع حازم رأسه نافيًا به: «لا يا أمّي، الأفضل أن نبقى أنا وهي على الجفاء، لا شيء سوف يتصلّح. لن أفكّر في قتلها مجددّا لكنّي لن أتجاوز عنها...»
ابتسم عبد الصمد للمرة الأولى هذه الليلة: «هذا هو ابني. لا أطلب منكَ أكثر من ذلك، دعها وشأنها، وعش حياتك، وزاولها من جديد فأنتَ لا تزال شابًا يافعًا.»
عمّ الصمت، وسكنت تلك المعركة التي ثارت في قلب عزّة وصدر عبد الصمد. لقد شعرا بخوفٍ يستحكم بهما حين سمعا من حازم أنّه أوشك أن يغدو قاتلًا ويبرهن للعالم جُرمه الكاذب.
كلاهما ورغم ظلم آمال لم يتمنّيا أن يصل التفكير بولدهما أن يثأر، فهما يرفضان هذه الفكرة، ويؤمنان بالقدر الذي يعيد لكل شخصٍ طغيانه، فرغم الإمهال يؤمنان ألّا إهمال.
نظر حازم إلى طبق طعامٍ كانت قد أحضرته عزّة معها، ابتسم باقتضابٍ ليأكل منه، ثم يقول: «كان الطعام النظيف أقصى أحلامي في السجن، لكن الحمد لله على كل شيء، كنتُ أفضل من غيري.»
نظرت إليه أمه بحب: «إنّك الآن بيننا، وسوف نعوّضك عمّا ذهب، لكنّنا نريدكَ أن ترمي الماضي. أعلم أنّه صعب لكنّه ليس مستحيلًا.»
همهم لها: «لا شيء صعب بالإرادة.»
أخرج الأب عبد الصمد هاتفه القديم ويفتح الكاميرا ويشير لزوجته وابنه: «لِمَ لا نلتقط صورةً لحياتنا الجديدة إذًا؟»
اقتربا منه عن كلا الجانبين ليبتسما بهدوء، فيلتقط عبد الصمد الصورة. أخذ حازم الهاتف يحدّق في الصورة بابتسامة يتأملها بحبٍ وحنان وبوادر الأمل ترتسم على معالمه.
نهض الأب وقال: «أظنّ الحزن كافٍ، هيا هلمّوا إلى النومِ وفكّروا في الغد الأفضل.»
في تلك الليلة، كان الدفء يعيد بناء ما تهدم داخل جدران هذا البيت، ليشعر أفراده لأول مرة منذ سبع سنوات أن الأمان عاد ليكتنف جدرانه.
يعلمون أن طريق التشافي لن يكون قصيرًا، وأن الندوب تحتاج وقتاً لتلتئم، لكنّهم موقنون أن الحب بينهم أقوى من كل الأوجاع، وأن العائلة مهما تفرّقت، تبقى جذورها واحدة.
كان يعلم حازم أنه سيبدأ رحلة جديدة، ليس بالهروب هذه المرة، بل بالعودة إلى كل ما هرب منه، ليواجهه ويتجاوزه. عزة اليوم شعرت أن دعواتها التي رفعتها سبع سنوات قد استجيبت أخيرًا. عبد الصمد بات مصمّمًا على نشل ابنه ممّا غرق فيه.
* * * *
رغم أن الهدوء نزل على بيت عبد الصمد، كانت الضجّة ثائرة في منزل آمال التي كانت تجلس على السرير وبيدها كوب أعشابٍ أعدّته ليهدّئ من أعصابه المنفلتة. دخل زوجها إلى غرفتهما والغضب يعتريه، دون أن يتحرّك ساكنٌ فيه لشرودها.
أشار لها بسبّابته: «كُفّي عن التهرّب منّي ومن واقعكِ يا آمال، تقبّليه ولا تكابري.»
لقد حاول معها من قبلُ كثيرًا خلال هذا الأسبوع، ليست على سجيّتها، إذ باتت هادئة بشكل مريب، وتبقى على صمتٍ معظم الوقت، وعندما يحاول التحدّث معها تختلق أعذارًا لنفسها.
التفتت إليه ببطء، تصطنع نظراتها الباردة: «حكيم، أنا بالكاد لم أتخطّى ما حدث، أرجوك دعني وشأني، لستُ بخير.»
قهقه فاتحًا ذراعيه بإشارة ساخرة: «وكيف تكونين بخير؟ أظننتِ الوقت يمحو ظلمكِ لأخوكِ؟ أم ظننتِ أنّه سيبقى في السجن إلى الأبد فلا يذكّركِ بخيبتك؟»
امتقع وجهها بغيظٍ، وقبضت على حافّة اللحاف الخفيف: «لا تفتح هذا الملف من جديد، لقد دفعتُ ثمنًا باهظًا بالفعل.»
رفع حاجبيه باستهجان: «دفعتِ؟ استيقظي من غفلتكِ فأنتِ من اتهمه، لم يتغيّر في حياتك شيء...»
ارتفع صوتها فجأة: «والكوابيس التي لم تفارق منامي؟ لقد كنت أموت كل ليلة منذ سُجِن.»
حكيم اغتاظ من بجاحتها الغريبة: «لا تدّعي الندم، فأنا والعم هاني كنّا نرجوكِ كل يومٍ لتُسقطي عنه التهمةَ ورفضتِ. لو كان في قلبك ذرّة من ندم لأدركتِ خطأك منذ البداية.»
ارتجفت آمال، وضمت ذراعيها إلى صدرها: «أنا كنتُ في حالة صدمة... ابني مات... كنتُ أبحث عن أحد أحمّله المسؤولية.»
صفّر حكيم بدهشة: «لذا استغللتِ كراهيتكِ لأمّك واخترتِ حازم لتضربي عصفورين بحجر واحد.»
التقط نفسًا عميقًا معيدًا رأسه للخلف: «حازم كان الرجل الذي أحب أطفالنا ورعاهم كأنّهم إخوته، بالأخص ملاك. تخيلي شعوره حين فعلتِ ذلك فلم يعد له وجه بين الناس. أنتِ تعلمين في قرارة نفسك أنه بريء.»
لم يكن حكيم يريد أن يزيدها عليها، لكنّه كان مملوءًا منها طيلة هذه السنوات. كان يحاول فتح عينيها دون فائدة، بل كانت تصرّ وتستكبر على الحق، وتدّعي أنّ لها حقًا في فعل ذلك، وكأن حازم أجَرم.
ورغم أن محاولة حازم قتل آمال لم تكن في حسبان حكيم، إلّا أنّه لم يتعجّب حدوثه إطلاقًا.
صمتت آمال طويلًا، ثم همست: «ربما أخطأت. لكن كان عليه أن يدافع عن نفسه بشكل أفضل.»
مسح حكيم جبينه: «وكأن المحكمة كانت تلتفت لقسمه! لقد أقسم بالله مئة مرة، بكى بين يديكِ، توسل إليكِ، واستجدى القاضي لكن قلبك كان قاسيًا، إذ رميتِه ككبش الفداء من شدّة أحقادك.»
صرخت آمال بانهيار: «إنّ أمّي كانت السبب، لقد تزوّجت رجلًا غير...»
لكنّ حكيم بتر صراخه بصراخه الحانق: «كفّي عن تكرار أسطوانة الماضي، أمّك وأبيكِ لم يتوافقا، ولهما الحق في الزواج مرّةً أخرى، ما حدث لم يكن مبرّرًا كافيًا لكِ.»
«لكنّ أبي لم يتزوّج من بعدها.»
اصطكّت أسنانه: «ببساطة! لأنّه لم يُرِد ذلك...»
أفحمها بإجابته لتنفجر باكية: «وماذا تريد مني الآن؟ مضت سبع سنوات يا حكيم! أتريدني أن أركض وراءه وأقول له سامحني؟ لقد أصبح غريبًا عنا.»
كشر حاجبيه باشمئزاز: «أنتِ من جعله غريبًا، لذا تذكّري أمرًا واحدًا، العدل الإلهي لا يفوت وإن تأخّر.»
«حكيم أرجوك، تعلم أنّي لم أكن بوعيي تمامًا في ذاك الوقت...»
رفع حكيم حاجبيه: «وأنا بقيت معكِ حتّى الرمق الأخير أدعمكِ، لكن اليوم أنتِ بخير فلِم ترمين الحمل على أمّك؟ لمَ تبرّري لنفسك بحجج واهية؟ هل تظنّين ذلك سيخفّف وطأة تأنيب ضميرك؟»
لم يعلم كلاهما بتلك الشابة التي تسترق السمع خلف الباب بكل جوارحها، يدها على المقبض، أذنها على الباب، وكلّها فضول لتعلم ما الأمر الذي أخفاه عنها والدها حين طلب منها الذهاب إلى غرفتها تلك الليلة.
حاولت أن تستدرج والديها بالكلام لتلملم شتات الحكاية، فلم تقدر، كانا أحرص وأذكى منها، في النهاية قرّرت أن تفعل ما تفعله الآن.
كانت الصدمة أكبر منها، لقد علمت لتوّها أن الرجل الذي يلحقها ما هو إلا خالها، وأنّ أمّها اتهمته بقتل أخيها الصغير ظلمًا. برقت صورته في ذهنها، بشعره الداكن الكثيف، عيناه الرماديّتان الحادّتان، وجهه الهادئ، وبشاشته.
تلك العينان اللتان كانتا تحدّقان بها لم تكونا غريبتين، ذاك الرجل الذي يقف مقابل سور كليّتها تحت عامود الإنارةِ بسترته الجلدية وكمّامته لم يكن سوى خالها الذي غاب عنها فجأة ليغدو طيّ النسيان.
الرجل الذي كان يظهر فجأة ويختفي فجأة، يتبعها، يتودّد إليها بكلماتٍ رقيقة، ويهديها الهدايا يرتبط بها ارتباطًا وثيقًا.
الآن عرفت أنّه ليس متطفلًا، أو مُلاحِقًا. الآن تيقّنت من صحة شعورها حين أحسّت أنّه مألوفٌ لها. إنه خالها الذي جمعتها معه ذكريات ليست تذكر معظمها.
انسحبت بهدوء، تسللت إلى الممر، ثم صعدت الدرج مسرعة نحو العلية التي كانت نسيًا منسيًا، يغطيها الغبار وبيوت العنكبوت بخيوطه الرقيقة المتشابكة.
فتحت الباب بتردّدٍ تنظر خلفه قبل أن تدخل وتوصد الباب خلفها. بحثت عن زر الإنارةِ عن يمينها لتشرق العليّة بالأنوار البيضاء.
وجدت صناديقًا خشبية كثيرةً موضوعة على الرفوف الجدارية، فبدأت تبحث فيها عن شيءٍ تستهدي به الحقيقة، حتى وجدت صندوقًا كبيرًا يحوي عددًا من ألبومات الصور. فتحته بأيد مرتجفة، وأخذت تقلب الألبومات بجنون.
صور لأبيها وأمها في شبابهما، يوم زفافهما، صور لجدتها عزّة، صور لجدّها هاني وصورة لجدّيها والدي حكيم والدها، لتبقي على هذا المنوال حتى استوقفتها تلك الصور المتجاورة.
كانت الصورة من أحدث الصور الملتقطة، لشابٍ في مقتبل العمر، تحديدًا في بداية العشرينات، طويل القامة، شعره داكن بخصلة قصيرة منسدلة على جبينه، وعينان رماديتان تنظران إلى الكاميرا بنظرة ثاقبة حادة.
وسّعت حدقتيها بصدمة، فتلك العينان، تلك النظرة هي نفسها التي كانت تطل عليها في الأسابيع الأخيرة المُنقضِيَة.
قلبت الصفحات بسرعة، لتجد صورًا أخرى. خالها حازم يحمل طفلًا صغيرًا ضاحكًا، خالها حازم جالسٌ مع أبيها، خالها حازم في حفل زفاف، وخالها حازم يقف إلى جوارها في صورٍ وفيرة. في كل صورة، كان شعره الداكن وعيناه الرماديتان علامة فارقة تؤكّد أنّه ذات الشخص.
انهمرت دموعها بلا شعور لأنّها لم تعرفه، أو تتذكّره، بالأخص أنّها كانت في الرابعة عشرة حين سُجِن، إذًا لم تكن صغيرة لذاك الحد.
ما لم تدركه أن اختفاءه بذاك الشكل المُدهش والسريع كانا سببًا لمسحه من ذاكرتها بشكلٍ كبير، وأن ما عزّز ذلك هو عدم ذكر آمال لاسمه، وإخفائها لكل الصور العائلية التي تضمّه.
أخذت صورة واضحة له يقف فيها لوحده، مدت يدها تلامس وجهه في الصورة.
«نعم! كان يلاحقني، لكنه لم يقترب مني أبدًا، لم يؤذني، لم يقل كلمة واحدة ترعبني. كان فقط يقف بعيدًا وينظر، وإن حدث واقترب فيكون مسالمًا ويُلقي عليّ محبّةً لم أدرك نقاءها سوى الآن.»
تذكرت نظراته، لتدرك أنّها لم تكن نظرات متحرش، ولا نظرات رجلٍ خطير. كانت نظرات حزينة عميقة، تحمل في ثناياها شوقًا دفينًا.
همست مع نفسها: «أكان يريد أن يراني فقط؟»
طأطأت رأسها بدموعٍ متساقطة، وذكرياتها عنه بدأت تصبح أوضح في ذاكرتها: «لا عجب!»
بكت طويلًا، والصورة بين يديها. بكت على خالها الذي عاش سبع سنوات مسجونًا ظُلمًا، وبكت على نفسها لأنها خافت منه وظنته شريرًا، وبكت كرهًا لأمها التي زرعت هذا الظلم ثم تركته ينمو كالشوك حولهم جميعًا، وبكت قهرًا لأنّها لم تكن تتذكّر وجود خالها رغم عمرها الكبير.
رفعت الصورة أمام وجهها مرة أخرى، تحدثت إليها وكأن حازم يسمعها: «فجأةً بدأت أشعر وكأنّي أستعيد حبّي لك في قلبي.»
في تلك اللحظة أرادت ملاك ومن فورها البحث عنه ولُقياه، لكنّ الساعة المتأخرة لم تُسعفها، ولم تكن تعلم من أين تبدأ البحث لكي تجده، فهي لا تعرف عنه شيئًا سوى أنّه يأتي لكليّتها أو لبيت أبيها.
ضمّت الصورة إلى صدرها، وأغلقت عينيها، وتركت دموعها تسقط بحرية على الغبار لتغسله، ثم همست: «كيف سأتمكّن من إيجادك؟ هل ستعود لتظهر في حياتنا؟ أم أنّك رحلتَ دون عودة هذه المرّة؟»
* * * *
الساعة الواحدة بعد منتصف وحازم غارقٌ في نومٍ عميق منذ ساعتين، وكما يتهرّب معظم المكلومين من سلاسل الحياة الجارحة بالنوم لينسلخوا عن الواقع ليقدروا على إتمام نشاطاتهم في اليوم التالي، ولعلّ ذلك يخفّف من وطأة جنون آلامهم.
لكنّ ذلك كان مختلفًا بالنسبة له، إذ أصبحت الأحلام بوابة أخرى لأرض الواقع في السبعة أعوامٍ الماضية، بات يرى كل ما يحدث له في أحلامه ليعيشه مرّتين، فتتكرّر آلامه النفسية بغير رغبة أو إخطارٍ حتّى.
ها هي والدته ترتدي عباءتها وحجابها تحوم حول سرير ولدها الذي كان في حالةٍ يرثى لها تكسر قلب أقسى المخلوقات، تمسح بالماء على وجهه تبكي، تنادي عليه بصوتٍ واجف، وتصفع وجنتيه برفقٍ ليردّ لكن لا نتيجة.
كان قد رمى اللحاف عن جسده الغارق بتعرّقه الخائف، يتنفس لاهثًا بغير قدرة على التقاط ذرة أكسجين، يضع كفّه على صدره، ويطلق أنينًا مكروبًا، يهمس بطلب النجدةِ مطوّلًا بهمسٍ بالكاد يُسمع.
والده المسكين في الأسفل يقف في الخارج ينتظر أحدًا، يحمل هاتفه ليراقب ما إذا اتصل له أحد. مسح عبد الصمد على صدره المشتعل.
رفع رأسه بانفعال حين سمع صوت سيارة تقف أمام بيته ليركض بالكاد صوبه يفتح الباب وقد خانته دموعه ليقول بصوتٍ هرم مرتجف: «فِراس!، فراس إن حازم ليس بخير... إنّه إنّه يرى كابوسًا... لقد ناداكَ طالبًا النجدة... لم أفهم ما يجري.»
مسح فراس على وجهه بتخبّط حين أدرك ما يجري بحلول ثانية: «خذني عنده يا عم.»
بدأ يهرول بخوف خلف عبد الصمد الذي كان يتحدّث: «كنّا نيام لنسمع بغتةً صوت زجاج تحطَم، حين دخلنا وجدنا حازم يبكي خلال نومه يطلب النجدة، ويبدو أنّه ضرب إبريق الماء الذي كان جواره عن طريق الخطأ، حاولنا إيقاظه، كانت يفتح عينيه لوهلةٍ ثم يغلقها من جديد، ولم أتردّد لحظةً بمهاتفتكَ حين ناداك أنت.»
مسح فراس على جبينه هامسًا: «يبدو أنّه استيقظ من نوبة ذعر ليلية.»
نظر له عبد الصمد قبل أن يفتح الباب: «ماذا تقول؟!»
تنهّد فراس وهو لا يعلم كيف ينطقها: «إن حازم فقط... يرى كوابيسًا تخصّ سجنه.»
نفى الأب برأسه ضعفًا، ربّت فراس على كتفه، ودفع الباب بهدوءٍ حذر. توقّف عند العتبة لحظة، يراقب الغرفة ليجد عزّة هناك التي خرجت من فورها تنشج، قبل أن يثبت نظره على السرير.
حازم كان السرير ممدّد، صدره يعلو ويهبط بعنف، كأن الهواء يملأ رئتيه عنوةً عنه. كفّه لا يزال يضبط على كنزته موضع قلبه، وعرقه البارد يلمع على جبينه، ليدرك شدّة هذه الليلة عليه.
الأم كانت عند الباب تراقب، يداها ترتجفان وهي تهمس بالدعاء له، أما الأب فكان واقفًا جواره، عاجزًا عن فعل شيء، وما يحدث كسره داخليًا.
دخل فراس أخيرًا، لكنّه لم يهرع، لم يصرخ، لم يسأل سؤالًا واحدًا، فقط تقدّم ببطء، ويبدو أن الحالة هذه مرّت عليه من قبل، وأنّه يعرف هذا النوع من الانهيارات جيدًا، وأكثر مما يجب.
انحنى قليلًا، وركع عند طرف السرير. وضع كفّه على يد حازم دون تردد، بشدّة لكن برفق، ثم همس بصوت منخفض لا يحمل ارتباكًا: «حازم!»
لم يستجب، أو يفتح عينيه، لكن أنفاسه تغيّرت لحظة سماع الصوت، فهو شبه مستيقظ لكن نوبة الذعر ألّمت به وأضعفته بضراوة.
اقترب فراس أكثر، ومال برأسه قليلًا حتى صار صوته أقرب إلى مسمع حازم: «أنا هنا... ركّز معي فقط.»
يد حازم ارتجفت تحت يده. ارتجاف طفيف، لكنه كافٍ ليخبر فراس أن هناك صراعًا داخليًا ما زال مستمرًا خلف جفنيه المغلقين.
همست عزّة بخوف: «لم يهدأ منذ دقائق، يا بني، إن حازم لم يسبق وأن بكى، لكنّ الأمر مختلفٌ الآن.»
لم يلتفت إليها أو يرد فتركيزه كان مصوّبًا إزاء صديقه المتعب. رفع فراس يده الأخرى ببطء، ووضعها على صدر حازم، ليضبط تنفّسه دون ضغط ثم يلتقط أنفاسه ويزفرها بصوتٍ مرتفع.
«ببطء، لا تتعجّل.»
لم يكن يغصبه أن يعدّلها وإنّما يحاول إرشاده كيف يفعلها، وما هي إلا لحظة ثقيلة على فراس ليحدث مع بعدها التغيير المنتظر. صدر حازم بدأ يعلو ويهبط بوتيرةٍ بطيئة كفيلة لتنظيم أنفاسه، ودقّات قلبه هدأت.
انشرحت ملامح فراس بنوعٍ من الارتياح المقترن ببعض الانتباه.
فجأة فتح حازم عينيه بالكاد ليجد رفيقه جواره، صغّر عينيه كأنّه يتأكد أنّه كان كابوسًا، همس له بصوتٍ أجش: «كنتُ هنا؟»
ابتسم له فراس: «طوال الوقت.»
ساد الصمت لبعض دقائق كان فيها حازم يتململ، ويتقلّب حتى استعاد وعيه تقريبًا، نظر لصديقه: «فِراس، رأيت الشرطي ذاته يمرّر السكين على امتداد عيني.»
ثم عاود وأغلقهما كرةً أخرى كأن قوّته لا تسمح له حتّى لفعل هذا، بينما عبد الصمد اقشعرّ واقترب من فراس ليسأله: «أي سكّين؟ عمّا يتحدّث؟»
لكن قبل أن ينطق فراس بكلمة أجابه ابنه بذات النبرة السابقة: «شرطيٌ من السجن... مرّر سكّينًا حادًا على عيني بضع مرّاتٍ وأنا هناك.»
حلّت الصدمة على والديه، إذ لم يقدرا على تخيّل ابنهما ينظر لسكّينٍ وهو يمرّ من فوق حاجبه مرورًا عن عينيه، لا بد أن المنظر كان مرعبًا لدرجة أنّه يراه في كوابيسه، وتكرار الأمر زاد الطين بلّة ليرسخ المشهد في رأسه.
شعر فراس بكفٍ يمسح على كتفه ليجد عبد الصمد خلفه يبتسم بامتنان: «يبدو أنّك مرساة النجاة والأمان لولدي.»
ابتسم فراس وأومأ له: «أرجو ذلك.»
كان عبد الصمد محقًا، ففراس فعل الكثير ليستحق ذلك، فحين كانت النوبةِ هذه تتكرّر معه بعد خروجه من السجن صديقه من كان يهدئها حتّى بات قادرًا على التعامل معها. هو من وقف إلى جواره ودعمه بعدما توعّرت السبل وغَدَت أضيق.
بدأ الانزعاج يظهر على وجه حازم، مسح عليه بخزي: «لم أصب بها منذ وقت، هذا محرج.»
نفى فراس برأسه وقد تعامل مع الأمر باعتيادية: «المحرج طريقة تفكيرك، المرض لا يعرف عمرًا، وجهازكَ العصبي لا يميّز إن كنتَ رجلًا أو امرأة. كفّ عن تحميل نفسكَ فوق طاقتها.»
تعجّب من ردّه فلقد قرأ صديقه ما دار في ذهنه. إن حازم يشعر بالحرج من هذه الحالة حين تصيبه، يشعر أن البكاء أو الإصابة بهذه النوبة قد تكون غير مفهومة بالنسبة لرجلٍ في عمره. لم يدرك بعد أن المشاكل الصحية لا تفرّق بين صغير وكبير، أو ذكرٍ وأنثى.
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!