وضع القراءة:

|4| تَقَصّي.

كانت الساعة تشير إلى الثالثة عصرًا حين رفع بصره نحو نهاية الطريق الإسفلتي، هناك حيث اعتادت تلك الشابّة الصغيرة أن تظهر كل يوم في مثل هذا الوقت. شهيق طويل أعقبه زفير بطيء، عدّل من جلسته على الجدار الإسمنتي المنخفض، ثم نهض شامخًا يطيل قامته التي تزيد على المائة والثمانين سنتيمترًا.
أخرج من جيب سترته كمامة سوداء حين لمحها تأتي من الأفق، وضعها بعناية لتغطي نصف وجهه السفلي، تاركًا عينيه فقط مكشوفتين. حرّك قلنسوته إلى الأمام لتُخفي جزءًا من جبهته، تاركًا بعض الخصلات السوداء المموّجة تتدلّى من الجانبين. كان يعرف أن هذا المظهر يبدو مخيفًا للبعض، لكنه ابتغى التخفّي، وقرر انتهاز الفرصة قبل أن تصل إلى البيت، إذ ودّ أن يتواريا عن عينيّ آمال، والدتها.
قادمة بخطواتها المنتظمة، ترتدي فستانًا رماديًا فضفاضًا، وحقيبتها البيضاء متدلية على كتفها الأيمن. عيناها مثبتتان في الأرض، تتجنب النظر إلى أي شيء حولها كعادتها، ووجهها يتّخذ الوقار زينةً له.
توقفت على حين غرّة حين لاحظت ظلًا يغطي ضوء الشمس من أمامها، وهالة أحدهم تكتنفها بشكل مهيب. رفعت رأسها ببطء، لتجد على مدّ بصرها رجلًا طويلًا يقف على بعد خطوات قليلة، يضع كفّيه في جيبيه، ويرفع رأسه بضع إنشات كمن يغوص في مشهد يستحق التحديق.
لم تلحظ منه سوى حدّة عينيه الرماديتيّن اللتان تنضحان حدّة، والخصلات السوداء المموّجة المتدلّية من تحت القلنسوة. شحنات كهربائية سرت في أوردتها وفي قلبها شعورٌ يصرخ أن تنفذ بريشها، وأن شيئًا غير مستساغٍ قد يحدث.
ازدردت ريقها بقلب وجل، والخوف صارخ على وجهها. حاولت التراجع خطوة للخلف، لكنه استوقفها بصوت حاد آمر: «قِفي عندكِ، ولا ترجعي إلى الخلف.»
وسّعت عينيها لتصرف بصرها عنه نحو اليمين، تتمسّك بحقيبة ظهرها بأصابع مرتعشة. لم تنصع لأمره، وحاولت الالتفات بسرعة لتهرب بعيدًا.
لكنه كان أسرع، إذ أمسك ذراعها برفق غريب، لكنه كان مُحكمًا بشكل لا يسمح بالتحرر. لم يؤذها، فقط سحبها نحوه بهدوء: «أخبرتكِ أن تقفي عندكِ، فلمَ تهربين؟»
رفعت عينيها إليه، والخوف يملأهما مع دموع يسيرة توشك على السقوط من مدمعيها. أمال رأسه قليلًا، ثم أضاف بصوت أكثر هدوءًا لكنه لا يزال حادًا: «هل تصدّقين أنّي هنا منذ ساعات؟ منذ العاشرة صباحًا. أجل، منذ العاشرة وأنا جالس هناك على ذاك الجدار، أنتظرك، ظننتكِ تعودين من الكليّة مبكّرًا اليوم.»
حرّك رأسه مشيرًا إلى الجدار الإسمنتي خلفه، ثم عاد لينظر إليها: «كنت أراقب البيت صباحًا، فرأيت أمّك تخرج، ثم عدت وانتظرت لأعرف متى تعودين من الكليّة بالضبط. كنتُ في انتظارك.»
تعمّد قول هذا، فلقد بلغ هدفه من ابنة آمال التي اتسعت عيناها أكثر، وارتعشت فرائصها. لقد ترك بصمة عميقة من الفزع في قلبها، وهذا ما أراده بالضبط.
نظرت إليه محاولة تمالك نفسها، وصوتها يتردّد أثناء سؤالها: «مـ... ماذا تعني؟ من تكون؟ وماذا تريد منّي؟»
ترك يدها، وأعاد كفيه إلى جيبيه، يتأملها للحظات قبل أن يجيب: «أعرف أنكِ تذهبين إلى بيت جدّك كلّما عمل أبوكِ في ورديةٍ ليليّة، أعرف أن أمّكِ تترككِ وحدكِ بعض الوقت مساءً لمراقبة إخوتك حين تشتري حاجياتٍ من السوق، وأعرف أن لكِ أخًا ميتًا.»
نفضت رأسها بغير تصديق، خطت خطوة للخلف لكنّها تعثّرت بحجرةٍ صغيرة ليتدارك الآخر الوضع ويسحبها من ذراعها لئلّا تسقط: «حسبكِ، ألم تري الحجرةَ خلفكِ؟ كِدتِ تسقطين.»
ثم تقدم نحوها خطوة واحدة، ليتسلل الخوف إلى عظامها وترفع كفّها في وجهه: «لا تؤذني أرجوك.»
«لِمَ تخافين هكذا؟» سأل بصوت غامض، «أنا فقط أريد أن أسألكِ بضع أسئلة ثم أغادر كأنّي لم آتِ إلى هنا. ألا تثقين بي؟»
عضت على شفتها السفلى لمنعها من الارتجاف، حاولت أن تجمع شتات نفسها لتجيب، لكن الكلمات تخنقها في حلقها. هزّت رأسها بإيجاب في حركة صغيرة مذعورة، تسايره لئلّا يؤذيها.
حدّق فيها طويلًا، كأنه يقرأ أفكارها، ثم قال بصوت خفيض: «لا تكذبي. الفتيات الطيبات اللواتي يثقن لا يظهرن خوفًا، أما أنتِ... أنتِ ترتجفين كأنني وحشٌ كاسر.»
ثم أضاف بقهقهةٍ خافتة جعلت الدم يتجمد في عروقها: «لكن ربما... أنا حقًا كذلك.»
أغمضت عينيها للحظة، تمنّت لو أن الأرض تنشق وتبتلعها. حين فتحتهما كانت الدموع قد تسللت على خديها. حاولت أن تتحدث بصوت مكسور: «أرجوك دعني أذهب، لن أخبر أحدًا، فقط دعني وشأني.»
نظر إليها طويلًا، عيناه القاتمتان تلمعان بشيء يصعب تفسيره، ثم فجأة انحنى قليلًا ليقترب من مستوى وجهها. رفع كفّه ببطء، مدّه نحو كتفها برفق شديد، ثم نزع الكمامة عن وجهه بكفّه الآخر. تراجع خطوة للخلف ليصبح الضوء مسلطًا على ملامحه كاملة.
«لن أذهب قبل أن تجيبيني على أسئلتي، وأعدكِ أنّي سأغادر من فور تلقيي للإجابة.» قال بصوت متغير تمامًا، كان دافئًا بحيث تعجّبته هي
تجمّدت مكانها للحظة، تنظر إلى وجهه المكشوف الآن، عينان رماديّتان، ابتسامة رقيقة، خصلات شعره الفحمي المموّج. لم تشعر وكأن هذه الملامح غريبة، وكأنّها مرّت عليها عددًا من المرّات. نفضت أفكارها سريعًا وبقيت على صمتها.
أغمض عينيه للحظة: «أجيبيني يا ملاك، لا تحدّقي فيّ هكذا.»
حين أصاخته ينطق اسمها شعرت الأرض تميد تحت قدميها: «تعرف اسمي!! إنّك تعرف كل شيء!»
رفع حاجبيه مبتسمًا بمراوغة: «عمركِ واحد وعشرون عامًا، تدرسين في كلية بدايات العلاج عن طريق الحيوانات، أخويكِ توأم في الإعدادية. هل تريدين معلومات أخرى أم ستفيدينني أنتِ هذه المرّة؟»
كان يحاصرها بكلماته واقترابه، ونظراته الحادّة، لذا آثرت إعطاءه ما يريد ليبرحها في أرضها ويغادر عنها، لقد كان ماهرًا في انتقاء كلماته، وإبداء تعابير وجهه المدروسة بعناية.
«ماذا تريد؟ فقط قل لي ودعني أغادر!» نبست على عجل
أومأ لها متفهّمًا: «في أيةِ أيامٍ يذهب والدكِ إلى وردية عمله الليلية؟»
وضعت كفّها على فاهها بخوف، لكنّها استطاعت الاستقامة والثّبات: «إن أخبرتك، هل ستبتعد عنّي؟»
أومأ لها: «بالطبع.»
رمقته بحدّة وشدّت على قبضتيها، لم تقدر على المواربة من فرط التوتر: «الأحد، الإثنين، الخميس. لن أجيب على أسئلةٍ أخرى.» صمتت قليلًا ثم سألت: «هلّا أذنتَ لي؟»
ابتسم بجانبيةٍ مُفسحًا لها المجال، ذاهبًا إلى حاشية الطريق خطوة دون أن ينطق بكلمة. تخطّته بوجيبٍ عنيفٍ لتتوقّف مجددًا، نظرت له بطرف عينها منفعلةً به: «أنا لستُ في سِنٍ يسمح لي بالزواج الآن.»
ثم أحكمت الإمساك بحقيبتها راكضةً صوب البيت لتهرب منه. لم يصدّق حازم ما سمعه منها، لم يقدر على كبح قهقهاته الساخرة، نافيًا برأسه: «زواج! أقسمُ بالله أنّها نكتة الموسم. يبدو أنّه تقرأ الكثير من الروايات والحكايا!»
دفعت الباب بسرعةٍ لتدخل البيت مهرولةً دون حتّى أن تلقي السلام على والدتها التي كانت تعدّ الغداء في المطبخ. أغلقت خلفها باب غرفتها لتوصده عليها، وأفكارها المتأرجحة تؤرّقها، كانت بالكاد تلتقط أنفاسها.
حدّقت في الفراغ لخمس دقائق تفكّر فقط فيما حدث. سؤاله كان غريبًا، وحديثه كان أغرب، شعرت أنّه مبهم وغير واضح، لم تقدر على التنقيب خلف نواياه. وها هي مترددة ما بين أخبار أمّها أو إسرار ذلك عنها.
«لِمَ سألَني عن وردية عمل والدي؟ لا أجد سببًا مقنعًا سوى أنّه يريد الزواج، لِمَ ينتظرني أنا؟» همست مع نفسها، ثم ازدردت ريقها: «هناك شيءٌ فيه يجعلني لا أتقبّل فكرة أن يكون زوجي...»
إن إخباره لها أنّه كان ينتظرها، لم يجعلها سوى الظنّ برغبته الزواج منها. وشيءٌ ما فيها يرفض النظر لهذا الرجل كزوج أو شريك للحياة، ربّما لأنّها لم تتخرّج بعد ولا تفكّر بالأمر بشكلٍ عميق.
حازم له مشكلة مع والدتها، وهي ليست تدري بذلك، كانت تظنّ ظنًا آخر، فأنّى لها العلم أن رجلًا يودّ الثأر منها؟ قد يبدو الأمر غير منطقي، ستفكّر في الدوافع، والأسباب التي صعّدت الشحنات بينهما.
في الأسفل، كانت آمال قد لمحت ملاك تسير على غير هدى كأنّما رأت شبحًا يلوّح لها. عقدت حاجبيها تراقب خارج المطبخ وقد فقهت حدوث شيء، لم تعلم ماهيته رغم استشعارها له. ترك ما بيدها على عجلٍ لتصعد إليها، فتحت الباب بقوةٍ طفيفة لكنّها أجفلت ابنتها التي رفعت رأسها بتلقائيّة.
«ملاك! لِمَ لم تُلقِ السلام عليّ عند مرورك عنّي؟ ليست من عاداتك. هناكَ ما يؤرّقك، صح؟» سألتها أمّها
وسّعت ملاك عينيها قليلًا دون إظهار تلبّكها، نفت برأسها بابتسامة زائفة: «كّلا، الأمر أنّي كنتُ بحاجة لاستخدام الحمام.»
كذبة ظنّتها احترافية، ربّما هي كذلك، لكنّها ليست بكافية لتقنع فطنة والدتها. آمال بطبعها تمتاز بالدهاء والفطنة، وتلتقط ما يعتمل حولها، ترصد الكذب، وتقرأ العيون ومعالم الوجه بمهارة.
سحبت آمال كرسيًا ليقابل سرير ابنتها، جلس عليه، كتّفت ذراعيها إلى صدرها، وضعت ساقًا فوق ساق، وزمّت شفتيها باستخفاف: «لستِ ماهرة في الكذب، ولستِ تجيدينه حتّى (أشارت برأسها) قولي ما بكِ، إنّي أستمع لكِ.»
رفعت ملاك كفّها تعدّل ياقة قميصها الأبيض الذي يقع تحت فستانها الرمادي: «صدّقيني، لا...»
لم تستكمل قولها حين بترته الأخرى بنبرةٍ جدّية: «لا تخافي يومًا من مشاطرتي هواجسك أو مخاوفك، أنا أمّكِ ولكِ عليّ حق كما لي عليكِ حق. أنا ووالدك أكثر من يحتضنكِ ويتفهّمكِ، فلا تتردّدي معنا أبدًا.»
نظرت ملاك ليمينها تتحاشى النظر لأمّها: «الأمر أنّي... قبل قليل...»
صمتت لتستحثّها آمال على التحدّث: «ماذا حدث قبل قليل؟ أذيتِ أحدًا، أم تشاجرتِ مع صديقتكِ كالعادة؟»
نفت برأسها ببطء: «الأمر لا علاقة له بصديقتي.» رفعت رأسها مستطردةً بسؤال: «ألم تلاحظي أحدًا يحوم حول البيت مؤخّرًا؟»
ذاك السؤال سقط على مسامع آمال بوطأة شديدة، رفعت كفّها تمسح على رأسها الذي اهتزّت أعصابه بخوف، وقد تبادر إلى ذهنها ذاك المُلاحِق. نهضت عن مقعدها دون ترددٍ تمسك ابنتها برفقٍ من كتفيها تهزّها برقّة.
«ماذا تعنين؟ هل رأيتِ أحدًا؟»
توجّست ملاك لتعلم أن هناك ما يخفى عليها: «وما بكِ خفتِ إلى هذا الحد؟!» ضيّقت عينيها «إلا إن كنتِ تعلمين عمّا أتحدث عنه!»
ابتلعت ملاك ما بجوفها تصرف بصرها بتخبّط عن ابنتها: «الأمر أن لسؤالك مدخل، فلِمَ سألتني السؤال دون إخطارٍ أو مقدّمات؟»
زمّت ملاك شفتيها مقتنعةً بحجّة والدتها: «الأمر، إنّي لاحظت رجلًا يحوم حول البيت. هيئته مخيفة، يرتدي ملابس يبدو عليها القِدم إلا أنّها بثّت الرعب في فؤادي.»
عبست آمال حاجبيها متسائلةً بانفعال: «وهل أذاكِ؟ هل فعل لكِ شيئًا أو تحدّث معكِ؟»
أجابتها باقتضاب، بتماسكٍ حارت من أين نبع: «لا، لم يفعل.»
لقد كذبت! وعلى والدتها! لقد عجزت عن إخبارها بالحقيقة، لم تدرِ كيف ستخبرها بالحوار الدائر بينهما، وأنّه سألها عن وردية والدها، أو تصارحها أن رجلًا يراقبها وكان بانتظارها منذ الصباح فقط لكي يتحدّث معها. خافت أن يُظَنّ بها سوءًا رغم الميثاق الذي قطعته أمّها بإبداء تفهّمها.
تدرك أن هذه المواضيع حسّاسة للغاية، لقد أخطأت بمواراته لكن الخوف تمكّن منها وعقلها عن التحدّث.
تنهّدت آمال براحة، ماسحةً بكفّها على جبينها: «أخبريني كيف بدا مظهره، ماذا كان يرتدي؟»
عقدت ملاك حاجبيها: «وهل يقدّم ملبسه أو يؤخّر في شيء؟»
سألتها السؤال وهي ليست تعلم أن الرجل يظهر في وجه أمّها كل مرةٍ بذات الهيئة وذات الملابس.
تأفّفت والدتها: «فقط أجيبيني.»
شردت ملاك في الفراغ كأنّها تستحضر هيئته أمام عينيها: «لباسه أسود بالكامل. يرتدي سترة جلدية بقلنسوة منسدلة على جبهته وجزءًا من عينيه، كمّامه حجبت فمه وأنفه.»
نظرت لأمّها: «صوته أجشّ، وعينيه...»
وسّعت مقلتيها بذعرٍ حين تذكّرت أنّها تحدثت بتفاصيل أكثر من اللازم، فلقد افتضحت نفسها حين أخبرتها بنبرة صوته، ومما لا لبس فيه ستعلم آمال أن حديثًا دار بين ابنتها والمُلاحِق.
التقطت نفسًا: «سمعته وهو يسعل، لذا لا أدري إن كانت نبرته الحقيقية بالحديث مشابهة أم لا.»
رفعت آمال حاجبيها: «ماذا عن عينيه؟ ما بالهما؟ لما سكتِّ؟»
نفت برأسها باعتيادية: «بدا لي أنّهما حادّتان، فكما أخبرتكِ، كان يحوم في الأرجاء، وقد نظر لي مطوّلًا حين بلغت عتبة البيت.»
ركضت آمال صوب النافذة المطلّة على الطريق لترى ما إن كان هناك أحد، شهقت بخفوتٍ لم تسمعه الأخرى، حين رأته يجلس على ذاك الجدار الإسمنتي على حاشية الشارع المقابلة. وقع بصره عليها، ليرفع كفّه ملوّحًا لها، ثم نهض محملقًا فيها دون حراك. كان بذات المواصفات التي ذكرتها ملاك، الكمّامة جديدة عليها فلم يكن يرتديها قبلًا، علمت أنّه يحاول التحفّظ على نفسه.
«هـ... هل هو... ذاك الرجل، يا ملاك؟» سألت بتأتأة
لتنهض ملاك عن سريرها باستعجالٍ نحوه النافذة، وتنصدم بوجوده، إذ ظنّته غادر بعد أن أخذت منه كلمة. لاحظت أن نظراته تصوّبت عليها لترجع خطوة للخلف.
كانت لا تزال ملاك ظاهرةً لعينه، ضمّ أصابعه في قبضةٍ ليرفع السبّابة وحده، ويضعه على شفتيه من فوق الكمّامة. ظنّت آمال أنّها حركة عابرة تشيد بتهديده المعتاد، بينما تلك الصغيرة المسكينة أدركت أنّه يوجّهها لها، يخبرها أن تظلّ على صمتها ولا تتحدّث بشيء.
«أمّـ... أمّي، أنا أشعر، أشعر أنّي أعرف هذا الرجل، لستُ أدري، هيئته تبدو مألوفة.»
نظرت لها آمال: «لا بدّ أن هذا المجرم يأتي إلى حرم كليتك فلمحته. لا تفسير غير هذا!»
وكأن ذاكرتها أُنعِشت، لتفغر فاهها بصدمة: «نعم! نعم محقّة! سبق ورأيته خارج باحات الكلية! لكنّي ظننتهُ كغيره من المارّة، إذ مرّ عنّي بتلقائية دون أن يفعل شيئًا.»
ارتعدت آمال بقلب الأم: «لا بدّ أن يعرف والدكِ بذلك!»
نفت برأسها بذعر: «لا أمّي! لا! لا تخبري أبي!»
تعجّبت خوف ابنتها لتسألها بانفعال: «لِمَ؟ لا تخافي فوالدكِ متفهّم! لا بد أن يعرف بما يجري لكِ، فحتّى وإن حاولت تقديم العون لكِ، لن أقدر بقدر أبيكِ، فهو رجل مثله وسيقدر عليه.»
«أمّي، هو لم يؤذني، ربّما مروره من جوار كليتي كان محض صدفة، لا تستبقي الأحداث.»
«وأنتظره حتّى يُقدم على فعل شيءٍ لا يسرّكِ أو يسرّني؟ سأخبر والدكِ شئتِ أم أبيتِ.»
لكنّ ملاك استوقفتها بإمساك ذراعها حين خطر ببالها أمر هام: «أمّي، تذكّرتُ الآن. قبل فترةٍ قصيرة كنتِ خائفة وأرغمتنا على الذهاب لبيت جدّي وحين استفسرتُ منكِ ادعيتِ أن مجرمًا يحوم في الحي، هل كنتِ تختلقين القصة وتخفين أمر هذا الرجل عنا؟»
نظرت لها آمال وازدردت ريقها: «نعم، كان هذا الرجل يلاحقني منذ فترة، وفي ذاك اليوم كان الأمر مروّعًا أكثر من سابقه، خفت أن يؤذيكم، وخبأت عنكم الأمر لئلّا تهلعوا.»
ثم خرجت وتركتها وحدها في الغرفة. بقيت ملاك على صمتها حين توضّحت حقيقة ذاك اليوم، نظرت للنافذة لتجده يلوّح لها بأنامله فقط، فرفعت كفّها لتغلق الستارة.
في الخارج، ضيّق حازم عينيه هامسًا مع نفسه: «اتهمتني أمّك بقتل أخوكِ الصغير لأُزَجّ في السجن. كنتِ بمثابة الصديقة، لدرجة أنّي أتذكّر كل الأيّام التي جمعتني بكِ.»
التقط نفسًا واهنًا: «هل تتذكّرينني يا ترى؟ أم أنّي كنتُ عابرًا في حياتك؟»
شعر بكفٍ يطبطب على كتفه وصوت أحدٍ يقول: «كنتُ أعلمُ بأنّي سأجدكَ هنا بالأخصّ إخبارك لي أنّك تشتاق لملاك، ورغبتك رؤيتها بعد أن أضحت شابّة.»
نظر له حازم: «حين ذهبتُ لكليّتها قبل فترة، لم أتجرأ على النظر لها خوفًا عليها من سوء الظنّ، فالناس لا يرحمون أحدًا.» سقطت عبرة سرعان ما مسحها: «أحبّها بقدر ما أكره أمّها.»
نظر له فِراس: «ألم تصارحها بشيء؟»
ابتسم حازم نافيًا برأسه: «لا، خمّنت أنّها لا تتذكّرني، لذا اكتفيت بنزع كمّامتي لكي تراني.»
ردّ الآخر: «ألا تظنّ أنكَ تبالغ بمشاعركَ الجيّاشة، هي غالبًا لا تتذكّرك، ثم لا تنسَ أنّها كانت في الإعدادية حين سُجِنْت، ما الذكريات التي قد تجمعكَ بها وهي بذاك العمر؟»
كان يتحدّث بجديّة مشوبة بالحذر لأنّه علم أن كلامه لن يكون مستساغًا للآخر، وقد أصاب بذلك، إذ رمقه حازم بحدّة أعقبها قوله الهادئ: «لكنّي أتذكّرها، مرحلتها الدراسية لا تمنع وجود ذكريات تجمعني بها. يا رجل! لقد حملتها بعد ولادتها ببضع ساعات، كنت ألحظ تطوّراتها من حبوٍ وسيرٍ وكلام. كنتُ من يجالسها عند انشغال والديها، من يصطحبها في جولات للحديقة، من يشتري لها الحلوى، أهذا هباء في نظرك؟»
رفع فِراس حاجبيه ضاحكًا بخفوت: «لا تحدّق بي هكذا، إنّك تخيفني. لم أقصد ذلك.»
استطاع أن يُضحكَ حازم الذي سار أمامه نية مغادرة هذا الطريق قائلًا: «سأخبركَ بمعلومة جديدة...»
همهم فراس: «ألا وهي؟»
حازم: «إنّ حكيم يعمل في ورديةٍ مسائية كل أحد، إثنين، خميس. وبإمكاني القول إنّي انتقيت يوم الثأر.»
تشدّق فراس ولكمه على كتفه: «وأنا الذي ظننتُ أنّك عَدلتَ عن ثأركَ بمجرّد رؤيتك لابنتها.»
ضحك حازم: «هذا شيء، وذاك شيءٌ آخر. الثأر لن يُلغى.»
قلب رفيقه مقلتيه بضجر: «أرجوك كفّ عن حماقتك، إن كنتَ تحبّ ملاك وتقدّرها فعلًا، فلن تحرق قلبها على أمّها. هي لن تتعاطف معكَ إن علمت ما فعلته آمال معك.»
وضع حازم يديه في جيوبه: «لستُ بانتظار تعاطفها، ما برأسي يُحاكُ سيُنَفّذ.»
رفع فراس كفّه ليسقط صفعةً على رأس الآخر: «هذا الرأس العنيد لم يتغيّر منذ عرفتك.»
بدا فِراس هادئًا متصالحًا مع ذلك، لكنّه في سريرته كان النقيض تمامًا، قلبه ينزف خوفًا على حازم، فهو نعم الصديق الذي حافظ على وفائِه، وإخلاصه. حارب أمام الجميع لاسترداد كرامة صديقه المسلوبة، وقف في وجه كل من تحدّث عنه بسوءٍ مقرًّا بتلك التهمة، حتّى والده لم يسلم من ذاك الدفاع، لأنّه كان موقنًا من براءته، علم أنّها شهادة زور ملفّقة لتطيح به كونه يعرف بالحقد الناخر لأعمدة عائلته، وأنّ العلاقة ليس صافيةً ومكدّسة بالتوتّر والشحنات السلبية.
يحدّق بظهر حازم وقدماه تتباطئان عمدًا، يتمتم بدعاءٍ يلزمه منذ فترة، في قيامه، في قعوده، عند نومه، وفي صلاته.
«اللهم باعد بين حازم والذنوب كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم باعد بينه وبين الثأر كما باعدت بين العلياءِ والثّرى.»
لم يكن حازم يلاحظ تلك الدموع في عيني رفيقه، إذ كان متقدّمًا عليه ببضع خطوات، رغم ذلك، يعلم أنّه حزينٌ على حاله، وأنّه يخشى عليه السجن أو الإعدام، هو يقدّر شعوره الطيب، لكنّه لا يملك رفاهية التراجع وتلبية طلبه، يصر على موقفه الثابت الغير مستجيبٍ لأية مزعزعات.
كسر فراس الصمت: «هل تذكر حين ذهبنا لصلاةِ العيد في أحد المرّات، وكان الإمام يتحدّث عن أفضلية الصلاة وتأثيرها على حياة المرء؟»
توقّف حازم متسمّرًا لوهلةٍ ثم عاود السير مجيبًا بصوتٍ خفيض: «نعم، أتذكّر!»
علم فراس أن الآخر أدرك ما سيُقال. لكنّه نبس: «قال يومها إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأن الصلاة لا يمكن أن تجتمع معهما في قلبٍ واحد، أتذكّر كيف استحثّنا على تدبّر القرآن لِما فيه من تهذيبٍ للنفوس، لأتذكّر تلك الآية الكريمة (صمت لوهلة) ﴿...وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾. إن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن المذنب إليك يغفر الله لك.»
غصّة لم يتمكّن من ابتلاعها حازم، توسّطت حلقه أثناء استماعه لكلام صديقه دون أن يرد بكلمةٍ واحدة، فقط يتابع مسيره بهدوء. بينما فراس رجا في قلبه أن يكون قد أثّر عليه ولو قليلًا.
* * * *
في المساء، كانت ملاك تجلس على كرسيٍ قرب النافذة، تراقب ذاك الجدار الإسمنتي الذي يسقط عليه نور القمر، وشجرة التين لبيت الجار المقابل المزهرة.
تحكم الإمساك بهاتفها وقد اتصلت من فورها على صديقتها الوحيدة من الكليّة، وانتظرتها حتّى تجيب.
«مساء الخير يا نغم، أرجو ألا أكون قد أزعجتك.»
قهقهت نغم بخفوت: «لا أبدًا، هاتفيني في أي وقتٍ شئتِ.»
مسحت ملاك على ذراعها بتوتر وبقيت على صمتها، لتشعر نغم أن شيئًا يقع خلف هذا الاتصال، فسألتها: «لِمَ أشعر أنّكِ متوترة؟ وأن حديثًا في حوزتك؟»
ارتجفت ملاك ودون مقدّمات همست بصوتٍ مذعور: «هل تذكرين الرجل الذي يلاحقني؟»
عقدت نغم حاجبيها بدهشة: «أي رجل؟ لم تخبريني قط أن أحدًا يلاحقكِ!»
عبست ملاك حاجبيها: «ليس وقت النسيان، أخبرتكِ قبل أسبوعين أن أحدًا يأتي للكليّة، كان يقف عند الجدار.»
استذكرت نغم المشهد للتنهّد: «أوه... ذلك الرجل؟ صاحب السترة الجلدية والكمّامة؟»
همهم لها بإيجاب: «نفسه. ظننتكِ نسيته فعلًا.»
«لم أنسه، لكني ظننتُه مجرد عابر سبيل، أيعقل أنّه يقصدكِ بقدومه؟»
«يا ليت قدومه كان اعتياديًا، اكتشفتُ أنّه يقصدني فعلًا.»
ارتفع صوت نغم قلقًا: «ماذا تعنين بـ يقصدكِ بقدومه؟ وكيف تأكدتِ؟»
أجابتها بتوتر: «تأكدتُ اليوم حين عدت من الكلية. أوقفني رجلٌ يقف أمام بيتنا بذات الهيئة واللباس، لا أنكر أنّي لم أعرفه في البداية كوني لم أُلقِ له بالًا، لكنّه بدأ يقول كلامًا غريبًا، وأمسك السفيه يدي حين حاولت الهرب.»
سألتها نغم بانفعال: «أنتِ لا تمزحين صح؟ أرجوكِ قولي إنّه أحد مقالبك المعتادة!»
«يا ليته كان كذلك، لكنتُ ارتحتُ أنا، لقد أرعبني.»
سألتها نغم بفضول: «ألم تري وجهه؟»
تنحنحت ملاك وقد تذكرت نزعه للكمّامة لكنّ دون تذكّرها لوجهه: «رغم تحديقي به بترقب إلا أنّي لا أذكر وجهه، ولم أحفظ ملامحه بسبب الخوف. كل ما أذكره هو عيناه الثاقبتان، وتلك الندبة التي تمرّ عن عينه.»
ازدردت نغم ريقها: «ماذا؟! ندبة! هذا مرعب! لا بد أنّه قاتل متسلسل!»
نفت ملاك برأسها: «لستُ أدري، لا أظن ذلك، فلو كان قاتلًا لقتلني بمجرد تلقيه للمهمة. القضية مختلفة، بالأخص أنّي علمت ملاحقته لأمّي كذلك.»
وسّعت نغم عينيها بذعر: «وما شأن الخالة آمال؟ لمَ يلاحقها؟»
«لستُ أدري، أنا لا أعرف هدفه أو نواياه.»
صمتت قليلًا ثم قالت: «أمي أرادت إخبار أبي حين كان المجرم أمام البيت، لكنّي منعتها لأنّه لو علم سيذهب إليه ويواجهه، وأنا لا أعرف ما بحوزة هذا الرجل. يمكن أن يكون مسلحًا أو مختلًّا ويؤذيه!»
نغم نبست بجدية: «استمعي لي جيدًا يا ملاك، على والدكِ أن يعلم، لا تخبّئي عنه، وقدّموا بلاغًا للشرطة أيضًا.»
تنهّدت ملاك بضيق: «الشرطة هنا لا تكترث لهذه القضايا، يسخرون منها.»
احتدّت نبرة نغم: «ولِمَ هم شرطة؟ أمن أجل الاستهانة بالتهديدات والملاحقات؟»
غطّت ملاك كفّها بخوفٍ حين توهّمت وجوده خارج البيت: «وكأنّكِ لا تعرفين طبيعة الشرطة لدينا، مهملون، قُساة، وعديمي الإحساس.»
«وما الحل برأيك؟ أتبقين على حالك؟»
أجابتها بصوتٍ خفيض: «لستُ أدري.»
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.