|1| عَينٌ ثاقِبَة.
﷽
|1| عَينٌ ثاقِبَةٌ.
تقف تلك الشابّة أمام أحد الرفوف في ذاك المتجرِ الكبير، تمسك علبة صلصة الطماطم دون أن تراها حقًا أو أن تركّز فيما ستعدّه من طعامٍ هذا اليوم. ذلك الإحساس المُستحكم بها لا يبعث على الاطمئنان، ووخزُ الخوف يسري في عروقها لتتسمّر مكانها، فلا تقدر على الالتفات حتّى. كل ما تعرفه أن شعورًا غير مريح يخنقها.
تشعر بنظراتٍ ثاقبةٍ تخترق جسدها. تلفّتت ببطء، لتجد الممرّ خاليًا، يفتقر للحسّ البشري باستثناء ذاك الصبي الذي يرتّب بعض الصفائح في نهايةِ الردهة. الرفوف الشاهقة من كلا الاتجاهين لا يزيدان الجو إلا غرابةً ورهَبًا، الضوء الباهت فوق رأسها أثار ريبتها، لتقرّر المغادرةَ فورًا والتوجّه إلى قسم مستحضرات التنظيف لعلّها تصرف ذهنها المشوّش ليفكّر فيما هو أهم.
أو هذا ما ظنّته هي. التقطت نفسًا عميقًا تطمئن نفسها أنّه مجرّد سهوٍ أو تصوّرات عابرة. لكن الإحساس ذاته لا زال مرافقًا لها.
وقفت أمام أحد الرفوف لشراء أحد معطرات الأرضيات، لتقدر فعلًا على التفكير بشيءٍ مغاير. لكن ذلك لم يطُل مع قدوم أحدِهم ليقف إلى جوارها، بسترته الجلدية السوداء، وقلنسوته المرفوعة على رأسه المُطأطَأ، لتغطي جبهته وعينيه. لم ترَ شيئًا من أمارات وجهه باستثناء فكّه السفلي وجزءًا بسيطًا من خدّيه الممتقعين.
وقفت بوجلٍ تراقبه وهو يحملق في الرفّ دون أن يتحرك، أو ينظر حوله، فقط متجمّدًا في مكانه كالشبح، وكأن روحه موجودة لأن قلبه لم يؤذن له بالتوقّف بعد.
لم تقدر على تقبّل الشحنات السلبية التي استشعرتها بمحاذاته، لذا سحبت المستحضر لتضعه في العربة وتتابع سيرها. لم تكد تتحرّك بضع خطوات، لتلفت مجددًا حين يقف، إلا أن المفارقة كانت حين لم ترَ له أثرًا. ازدردت ريقها موجِسةً في نفسها خيفة، وكأنّها أيقنت أنّه شبح.
بدأت تشكّ في نفسها، أنّها تتهيّأ بفعل قلّةِ النوم وشقاوة أطفالها التي تختزل من ساعات راحتها الكافية. ذهنها في الفترةِ المنصرمةِ لم يكن في أوج صفائِه فظنّت أن هذا هو السبب.
همست مع نفسها: «آمال، هدّئي من روعكِ ولا تخافي، اشتري حاجياتك وغادري.»
اتجهت حيث أمينة الصندوق تجلس أمام الخزينة. مدت يدها إلى حزام النقل، لتفرغ محتويات العربة قبل إدراكها أن الإحساس عاد خلفها أسوأ وأقرب من أي وقتٍ مضى.
وقفت جامدة وكفّها معلّقٌ في الهواء. أحست به خلفها تمامًا، شعرت بدفء جسدٍ وأنفاسٍ حانقة على بعد سنتيمترات منها، ورائحة تبغٍ محروقٍ تخلّلت حاسّة شمّها.
لم تلتفت، أغمضت عينيها، ثم قالت بصوتٍ متهدّج للأمينةِ التي تنظر لها باستغراب: «آسفة، نسيت شيئًا، سأعود.»
كانت ذريعةً فقط لتبحث عنه، لكن لا أحد. الممر الطويل خلفها خالٍ تمامًا. مشت سريعة الخطى وصوت خطواتها تقرع الأرضية يهدي لتلبّكها. التفتت يمنةً ويسرةً حتى رأته، يقف هناك، على بعد خمسة أمتار فقط، عند نهاية الرواق، بوجهه الغامض وسكونه وهالته المبهمة، ويداه في جيبيه.
شهقت، توقفت، وتراجعت خطوةً للخلف حين رصدت طرفه لا يرتدّ إليه.
أدارت عربتها وعادت حيث الأمينة وبيدها علبة حليب، وضعتها بتلقائيةٍ أثارت فضول الأخرى التي فغرت شفتيها سائلةً: «عذرًا سيدتي، هل أنتِ بخير؟»
ازدردت آمال ريقها مع إيماءةٍ مكذوبة، وأجابت باقتضاب: «أجل، بخير.»
ثم أخرجت بطاقتها البنكية وقدّمتها للأمينة بكفٍّ مرتجف وأنامل متراقصة. نظرت خلفها للمرّةٍ الأخيرة لتفقّد ما إن تبعها الرجل، فلم تجد أحدًا، لم يكن هناك لكنها أحست به.
التقطت نفسًا عميقًا تنظر للأمينة، لتشعر بكفٍّ يلمس كتفها. فزعت لتنظر عن يمينها لتراه يقف في آخر الممر. ارتعدت أطرافها لتتساءل لمسة من كانت؟ فهو بعيدٌ عنها، إلا أن خطواته تتقلّص باتجاهها أثناء إخراجه لكفّيه من جيبيه.
كانت الأمينة منغمسةً بوضع بيانات الشراء فلم تكن منتبهة. صرخت آمال فغار ظل الرجل بين الرفوف.
رمقتها الأمينة بدهشة: «عذرًا! ما الذي يحصلُ معكِ؟ بإمكاني تقديم المعونة.»
أشارت آمال بسبّابتها صوب أحد الأماكن: «هل رأيتِ رجلًا يقف هناك منذ بضع ثوانٍ؟»
هزّت رأسها الأخرى نفيًا: «أستميحكِ عذرًا، لم ألحظ أحدًا.»
لم تستطع آمال النطق بكلمة، التقطت بطاقتها بعد أن دفعت ثمن الأغراض، أمسكت الكيس، وخرجت تعدو نحو الباب الزجاجي، لتخرج من خلاله بخطًى مترنّحة. نسيم الصيف العليل داعب وجنتيها لكن ذلك لم يكن عزاءً لها وسط خوفها. وقفت، نظرت حولها، لتجد نشاطًا بشريًا طبيعيًا، من أناسٍ يسيرون حولها، وسيّاراتٍ تمر هنا وهناك.
أخرجت المفتاح من حقيبتها سائرةً نحو سيّارتها، ليستوقفها طفلٌ بدا في العاشرة بقوله دون مقدّمات: «هذه الورقةُ لكِ؟»
التقطتها منه بيدٍ مرتجفة، وكأنّها علمت هوية المرسل، وقبل أن يغادر سألته: «من أعطاها لكَ؟»
رفع الطفل كتفيه: «لا أعرفه، لكنّه يقف هناك.»
تعجّبت قوله، لتنظر حيث أشار، لتجد ذات الرجل ينكّس رأسه، رفع كفّه المليء بالندباتِ ملوّحًا لها بالكاد، ليدبّ الرعب في قلبها. تساءلت متى خرج من المتجر فلم تشعر به، ربّما فرط التفكير أثناء سيرها أغفلها عن الإحساس به.
نظرت صوب باب المتجر لتجده بعيدًا عنها، إذن لم تدرك كيف وصلت إلى هنا، أو كيف خرج هو من هناك، لتدرك أن التفكير أنهكها.
لم تصبّ اهتمامًا له، واكتفت بدسّ الورقة في حقيبتها مستقلةً سيّارتها.
وصلت فركنتها في موقفها لتترجّل وهي تتلفت حولها، دون أن ترى له أثرًا، تنفّست الصعداء وولجت منزلها لتوصد الباب خلفها. دون مواربةٍ اتخذت أقرب مجلس، مخرجةً تلك الورقةَ منقّبةً عمّا تحتويه.
ما لبثت أن قرأتها حتّى وسّعت مقلتيها وارتجافها قد تفاقم، ولهثها بات على وتيرةٍ حادّة: «حان موعد تصفيةِ الحساب، كوني على أُهبَةِ الاستعداد.»
شعرت الأرض تميد تحت قدميها، فهذا تهديدٌ علني وصريح، ينذرها أن شيئًا غير مستساغ ينتظرها في الأيّام المقبلة. ما ماهيته، لا علم لديها، لكنّها تدرك الخطر.
بينما في مكانٍ آخر كان قد وصل ذاك الرجل المجهول شقّته المتواضعة في ذاك المبنى السكني الشاهق، ليجد صديقه الوحيد يقف عند الباب بهندامه الأنيق المناقض لثيابه البالية. علم أنّه كان بانتظاره ربّما لتوبيخٍ كما سَرَت العادة.
قلب مقلتيه ضجرًا: «هل أتيتَ لتوبّخني مجدّدًا يا فِراس؟»
كتّف فراس ذراعيه إلى صدره: «ماذا برأيك؟ أيرضيكَ أن أراكَ تهلك نفسكَ لانتقامٍ غبي؟ كفّ عن حماقتكَ يا حازِم.»
تأفّف حازم، فتح شقته دالفًا لها، وقد تبعه الآخر مستكملًا قوله: «لا تدّعي أنّك لم تسمع!»
نظر له حازم بحدّة صارخًا به: «لأن انتقامي منها لم ولن يكون غبيًا، سوف أجعلها تبكي وأبيها ندمًا، دمعًا، ودمًا. فقط دعني أعلم أين مسكنها الجديد.»
أطبق قبضتيه مستكملًا بصوتٍ خفيض حاقد: «لقد أضعت الطريق وأنا ألحقها بفعل ذاك السائق الأحمق الذي تخطّاني.»
ألقى فِراس جسده على الأريكة المهترئة بضحكة ساخرة: «حمدًا لله الذي وضعه في طريقكَ ليحول بينكَ وبين جنونك.»
حملق حازم به بحقدٍ ثم انقضّ عليهِ يُحكم بياقته، لكن الآخر ضحك مجددًا وأشار له أن يبتعد: «عد أدراجكَ ولا تستحكم بتلابيبي هكذا.»
لم يتركه حازم برفق، وإنّما نفضه بغضب: «كفّ عن استفزازي، أنتَ تعلم ما حدث معي بسببها.»
أومأ له، وأنزل قدميه مغيّرًا وضعيته للجلوس، وأمارات الجدّية الخالية من السخرية ارتسمت على وجهه: «أعلم، لكنّي لستُ مكترثًا لها، فلا أعرفها، ولا تهمّني، لأنّ ما يعنيني هو أنت، أنتَ يا حازم. لا تسلَمُ الجرّة في كل مرّة...»
كشّر حازم حاجبيه بتخبّط: «ماذا تعني؟»
«قبلًا أنزل الله رحمته عليكَ فلم تُعدَم بتهمة القتل، وسُجِنتَ لسبعة أعوام. أما هذه المرّة ستهلكُ لا محالة، والقصّاصُ لا بُد أن يُنَفّذ.»
صوت ضحكات حازم المجنونة اخترقت الجدران: «باللهِ عليكَ ما هذه الفطنة؟ أعلم هذا، سيأخذوني لساحة القصاص ويعدمونني علنًا أمام الحشود، لكن هل أنا أهتم؟ (فتح ذراعيه بنصر) كلّا، لستُ مهتمًا.»
أخذ فِراس ينفض كفّيه ببعضهما البعض: «لوثةٌ مسّت عقل هذا الرجل.»
«أنظر لي، أنا خسرتُ كل شيءٍ فعلًا، فلا تخال أن خسارةَ حياتي أو حريّتي يشكّلان لي فارقًا، كل شيءٍ في حياتي بات سرابًا ولن يعود.»
«فقط أريد أن أفهم لِمَ تُرغمني على تكرار كلامي ذاته، لِمَ تدفعني لسرف حديثٍ طويل لا يعود بأدنى فائدة؟»
نظر له حازم ببرود: «أقدّر خوفكَ علي بحكم أنَكَ رفيقي، لكن صدقني، في قتلها سلوتي.» صمت لثانيةً ثم أضاف: «سأعدّ لنا القهوة (رفع الكيس بيده) أحضرتُ لكَ بسكويتًا خاليًا من المكسّرات.»
ثم تركه على الأريكة متّجهًا إلى مطبخه الصغير حائرًا من أفعاله، إنّ حازم لا يزال هو، لم ينسَ حتّى أن لفِراس حساسية من المكسّرات وراعى ذلك حين أحضر البسكويت. لهذا هو لم يفكّر في تركه، ويثق ببراءته كثقة الضرير بعصاه.
لا يدري فراس ما عليه فعله لإيقاف خطّة الانتقام التي ينسجها رفيقه في خياله، فهو لا يبتغي له الإعدام أو السجن مرةً أخرى، لقد كَفاه أنّه فقده أول مرة لسبع سنواتٍ بهتانًا لجريمةٍ لم يرتكبها، لأحقادٍ تعود للماضي الأليم، لا شأن لحازم بها.
الأمر المؤكّد أن حازم كان الخيط الرفيع لمؤامرةٍ ودفع هو ضرائِبها دون عن من سواه.
يبلغان من العمر ثلاثين عامًا. لقد كانا زميلين في الثانويةِ وتصادقا منذ ذاك الوقت، وفي عمر الثلاثة والعشرين ابتُليَ حازم بتلك التهمة وسُجن على إثرها سبعةَ أعوامٍ، فبقي فِراس على وفائِه وتفانيه، منتظرًا صديقه بفارغ الصبر. لكنّه كُسِرَ حين رآهُ في حالةٍ مُزرية، يرفض استئناف ما كان في حياته السابقة باستثنائِه هو، مدركًا أنّه الخير الوحيد المتبقّي.
رأى ظلّه يبزغ دالفًا الغرفة وهو يحمل صينية القهوةِ بين أنامله، كان قد خلع قلنسوته لتظهر عينيه الرمادية المتعبة، بنظراته الحادّة. وضع حازم الصينية مقدّمًا للآخر فنجانًا، ثم جلس قبالته وهو يرتشف من فنجانه.
التقط فِراس فنجانه مرتشفًا رشفة مقتضبة، ثم كسر الصمت: «رغم كل ما جرى، لا أفهم رفضكَ العودة لبيت والديك. أليسَ في ذلك ظلمًا لهما؟»
ابتسم ابتسامة جانبية لم يفهم فراس مغزاها: «من أخبرهما أن يتزوّجا وينجبانني؟ لقد ظلمني زواجهما.»
ضم فراس بنان كفّه الأيمن متنهّدًا بغضب: «هل لكَ أن ترمي بجنونكَ جانبًا لنتحاور كالبشر؟ كفّ عن إغاظتي.»
تأفّف حازم وقد امتثل لقول صديقه وأجاب دون مماطلة: «أنا حقًا لستُ أمزح، أنا دفعتُ ثمن ذاك الزواج.»
عبس فِراس حاجبيه بحزنٍ حاول إسراره: «أتفهّم، لكن لا ذنب لهما، لا تقسو عليهما وعُد لبِرّهما (ازدرد ريقه بصعوبة) هاتفني والدكَ وطلب حضوري ليلةَ أمس...»
التقط نفسًا عميقًا متمًّا حديثه: «لقد انهار باكيًا وهو يسألني لِمَ تقاطعه وأمّك، أخبرني أن ظهره كُسِرَ حين رفضت رؤيتهما كلّما أتيا لزيارتكَ في السجن. رفيقي، هما يتوقان لرؤياك، كل تلك الأعوام حرمتهما الإبصار لك، فلِمَ تقسو عليهما وعلى نفسك؟»
أطرق حازم صامتًا محاولًا كبت دموعه، فهو يكذب على فراس وعلى نفسه، إنّه مشتاقٌ لهما. شعر بجلوس فراس جواره مربّتًا على كتفه وهو يتحدّث: «رفيقي، أخي العزيز، تستحق أن تعيش مجدّدًا، عد أدراجك إلى كنفهما، ودع عنكَ فكرة القتل، أريد أن أدخل الجنّة ويدي بيدك، أريد أن ألقاكَ هناك، أن أعرفك من سيماكَ التقيّة التي عهدتها.»
لم يكبح نفسه أكثر، وضع كفّه على وجهه، فافتضحه نشيجه المكتوم. فراس كان متفهّمًا فتركه على حاله يفرّغ ما فاض على فؤاده.
في تلك الأثناءِ كانت آمال لا تزال تحت صدمتها، تحدّق في الورقةِ كل برهةٍ وقد بدأت تتوهّم أصواتًا من شدّة الخوف، كصوت خطواتٍ تسير في حديقةِ البيت متّجهةً إلى الباب الخلفي، لتنهض فزعةً مهرولةً إلى هناك لتتفقّده، فتجده مغلقًا.
أخرجت هاتفها لمحادثة زوجها: «حَكيم، متى ستعود من العمل؟»
ليجيبها حكيمٌ عن الخط الآخر: «إنّي أعمل في ورديةٍ مسائيةٍ اليوم، لِمَ؟»
نفت برأسها متمسكةً برباطة جأشها ونبرة صوتها: «هل تمانع لو أخذتُ الأطفال وذهبت لبيت والدي؟»
قهقه الآخر بخفوتٍ مجيبًا: «وهل سبقَ واعترضت؟ لا بأس اذهبي واستمتعي بوقتك.»
ودّعته على الفور وعدّلت ياقة فستانها بتخبّطٍ قائلةً بصوتٍ خفيض: «في بيت والدي سأكون في مأمنٍ أكثر من هنا.»
كانت تتنفّس بثقلٍ ولأوّل مرةٍ كانت ترجو قدوم مواصلات أبنائِها مبكّرًا. نظرت لساعة معصمها، لتجد أنّه موعد وصولهم، فذهبت للنافذةِ المطلّة على الشارع تسترق النظر من خلف الستارةِ حتّى وجدت الباص الأزرق الكبير يتوقّف هناك.
لم تتردد ثانيةً في فتح الباب باستقبالٍ حارٍ لأبنائِها الذين بدوا مستغربين من حرارة ترحيبها، لقد بدت على غير حالها، هي تحبّهم وتظهر ودًا كلما عادوا من تعليمهم، لكنّه ما كان أبدًا بهذه الطريقة المريبة، ولم يفطن أحدهم لذلك سوى ابنتها الكبرى ملاك التي عقدت حاجبيها باستغراب.
«أهلًا أعزّائي، كنتُ في انتظاركم. سنذهب إلى بيت جدّكم هاني، ضعوا حقائبكم في غرفكم ولننطلق.»
نظرت ملاك لها: «لكن يا أمي، لدي بحث مهم وجب علي تسلميه للمحاضر نهاية الأسبوع.»
تنهّدت آمال ونبست بصوتٍ هادئ: «لا بأس، لن نتأخّر، حسنًا؟»
أومأت ملاك على مضض: «أمري لله.»
وانتظرت أخويها الصغيرين الصعود للأعلى لتبديل ثيابهم بحماسٍ شديد، فهما يحبّان الذهاب لبيت جدّهم هاني، والد آمال، إذ يقضيان هناك وقتًا ممتعًا، ويحبّان التسكّع بين الأشجار الشامخة حول منزله وصيد الدعاسيق الصغيرة.
اقتربت ملاك من أمها وسألتها بصوتٍ منخفض: «إنّكِ لا تبدين بخير، فهل من شيءٍ يؤرّقكِ؟ أنتِ تتعرّقين ويبدو عليكِ الخوف!»
جفلت آمال ولم ترغب أن تخبر ملاك بما جرى لكيلا تخيفها، لذا اصطنعت ضحكتها ونفت برأسها، لاحت كفّها في الهواء: «لا يا النتي، ما الذي قد يحدث؟ الأمر وما فيه أنّي أريد تعزيل بين والدي فلم أزره منذ مدّة.»
رفعت ملاك حاجبها باستغراب: «لكنّنا كنّا الأسبوع الماضي!»
تورطت آمال لكنّها ما لبثت أن أجابت: «لكنّي لم أعزّله، وسأذهب اليوم. بإمكانكِ إحضار أغراضكِ ومستلزماتكِ لإعداد البحث هناك.»
سألت ملاك بصوتٍ منفعل «ماذا؟! ألم تقولي إنّنا لن نتأخر؟ ماذا تغيّر الآن؟»
تملّك الغضب آمال من أسئلة ابنتها الكثيرة التي لا طائل منها، لتنظر لها بحدّة: «أريد ان أفهم ما المانع بقدومك؟»
«أنا متعبة، ولا أرغب في الخروج.»
نفى برأسها رافضةً إجابة ابنتها: «أبوكِ في ورديةٍ ليلية، لهذا قد ننام هناك. لن أخاطر بكم، إذ سمعت أن قاتلًا مأجورًا يحوم في حيّنا والأحياء الثلاثة المجاورة. أنا لن أقدر على حمايتكم دون وجود حكيم.»
كانت كذبةً لتغطي على المُلاحق الذي يتتبعها منذ بضعة أيّام.
قلبت ملاك مقلتيها: «أمّي! الحامي هو الله، فلا توجلي.»
لوّحت آمال بسبّابتها في وجه الأخرى: «شرعًا لا بد أن تأخذي بالأسباب، لا ضرر ولا ضرار بذهابنا. قراري نهائي، سنذهب لأنّكِ إن كنتِ كبيرة فأخويكِ ماجد وأجود ليسا كذلك.»
آمال في الواحد والعشرين من عمرها، بينما أخويها هما تؤأم من الذكور لا يزالان في الإعدادية.
«نحن جاهزان.»
نطق الصبيّان بتلهفٍ وقد ارتدى كلٌ منهما لباسًا مناسبًا للتسكّع في الجبال، ابتسمت ملاك حين رأتهما، ثم نظرت لوالدتها الشاردة وقالت: «أنذهبُ يا أمّي؟»
استفاقت آمال من شرودها وأومأت: «نعم هيّا بنا.»
خرجت من البيت بقلبٍ واجف، تمسك مفتاح السيّارة متلفّتةً حولها بذعر، تبحث عن ذاك الرجل في كل ركنٍ يُرى ولا يُرى. تدعو في سرّها ألا تراه أو تجده لأنّه سيحملق فيها دون أن يترد طرفه له، لقد ذاقت خوفًا يوازن خوف عامٍ جرّاء تصرّفاته.
فتحت السيّارة لتستقلها وأبنائها، بدأت تقود بنوعٍ من العجلة كأنّما ترغب الوصول إلى بيت والدها بأقصر مدّة ممكنة، ولم تشعر بملاك التي شعرت بشيءٍ غير طبيعي دون دليل ملموس يثبت صحّة شكوكها.
المشكلة أنّها لا تعلم ماذا فعلت لتلقى التتبع والمُلاحقة، لم تستذكر حدثًا في حياتها يستحق أن يدفعها إلى هنا، فبدأت تتساءل بنفسها هل هو فعلًا قاتل مأجور وُكّل بمهمة ما، أم أنّه قاتل اعتيادي يختار ضحيةً عشوائية في كل مرة؟
كان التفكير في ذلك لوحده يثير رعبها، فماذا إن أصابت وإتّجه المجرم إلى حيّز التنفيذ؟
تجزم أنّها قد تموت قبل أن يزهق روحها.
* * * *
مرّت الساعات ليغادر فِراس بيت حازم عائدًا إلى شركة والده الذي طلبه في ورديةٍ إضافية لأمرٍ في غايةِ الأهمية. لم يكن يدري بما ينتظره هناك، أو ما سيجري، كان على ظنٍ أنّها صفقة جديدة أو عميل يبتغي خدمة عقارية ممتازة.
ولج إلى الشركةِ ليتّجه حيث السكرتير يدوّن المواعيد بمهنيةٍ واحترافية. عدّل فِراس نظّارته الطبيّة: «هادي، هل والدي في مكتبه؟ وهل هي صفقة جديدة؟»
نظر له هادي، أومأ له قائلًا بصوتٍ مشوب بالحذر: «نعم، السيد عمران في مكتبه، لكنّه بدا لي غاضبًا حين هاتفَك، لستُ أظن الأمر متعلقًا بصفقة، فلم يخبرني بتدوين بيانات أحد.»
أومأ بتفهّمٍ ثم توجّه لمكتب والده طارقًا عليه من باب التهذيب قبل أن يؤذَنَ لهُ بالدخول. ولج بخطاه الرزينة ومعالمه الهادئة ناطقًا باحترام: «مساؤكَ طيبٌ يا أبي.»
كان والده يقرأ إحدى الأوراق على مكتبه، لكنّه بمجرّد سماع صوت ولده تركها ليرفع رأسه بنظراتٍ ثاقبةٍ تزيد من حدّة التوتّر، ثم خلع نظّارة قراءتهِ مشيرًا لولده بالجلوس.
جلس فراس أمامه، يضع ساقًا فوق ساق، بظهرٍ شامخٍ متكئ على قائم الكنبةِ الفردية: «لقد طلبتَ حضوري، فما الحكاية؟»
أرخى الوالد ظهره على كرسيّه مكتّفًا ذراعيه، ولم يلبث أن كسر الصمت بقولٍ مقتضب: «أكنتَ عنده؟»
ازدرد فراس ريقه، ليس خوفًا، وإنّما حيرةً ما بين قول الحقيقة أو انتقاء الكذب. لكنّه آثر أن يصدق معه فأومأ: «أجل، كنتُ عنده.»
رمقه عمران بنظرةٍ حادّة إلا أنّه لم يغضب أو يثور، بل بقيَ على سجيّته الرائقة: «إنّك تدري بما أخبركَ به كل يوم، أليسَ كذلك؟ لِمَ لا تستمعُ لي؟»
كان فِراس يصكّ على أسنانه غيظًا دون أن ينطق بكلمة، فهو لا يريدُ أن يُرغَمَ على ما لا يطيق. رفع رأسه حين أصر عليه والده الإجابة ثم قال: «إنّه صديقي، وأعرفه أكثر من نفسي، يستحيل أن يقتل، وأنا لن أتركه فقط لمجرّد خوفكَ على سمعة هذه الشركة.»
رفع عمران حاجبه الأيمن بابتسامةٍ جانبية: «هذه نغمةٌ جديدة لم أسمعها من قبل.»
«ستسمعها من اليوم فصاعدًا، لأنّي لن أمتثل لأمركَ هذا. حازم مظلوم، لم يرتكب تلكَ الجريمة، وأنا يستحيل أن أغدره...»
«صداقتُكَ له وأنتَ لا تزال تعمل تحت إمرتي ستعود عليّ بالسوء.»
ظنّ عمران أن قوله هذا سيكون دافعًا مقنعًا لترك فِراس صديقه حازم، لكنّه فوجئ بإجابة ولده السريعة: «وأنا سأترك العمل هنا وأبحث عن شركةٍ أخرى، الرزق بيد الله وحده. رغم أنّك أبي وأحترمكَ لكنّك لن تذلّني في لقمة عيشي فهي ليست بيدك، إنّك مجرّد وسيلة يا أبي.»
ابتسامة مبتسرة ندّت على شفاه عمران: «دفاعك المستميت عن مجرمٍ يؤرّقني.»
«ليس مجرمًا (رفع رأسه شامخًا)، حتّى وإن كان كذلك فعلًا، فهو سيبقى صديقي الذي لا أتخلّى عنه. أعذرني.»
نهض عن مضجعه ملتفتًا يوشك على المغادرةِ ليسمع والده يأمره بصوتٍ صارم: «هل سمحتُ لكَ بالمغادرة؟»
توقّف فراس قائلًا دون أن يتلفت: «لِمَ تريد بقائي؟ لتحرّضني على حازم؟ لا أشكرك.»
التفت نصف التفاتة يرمقه بطرف عينه: «وددتُ منكَ خدمةً ليلةَ أمسٍ لكنّي لم أدركك ونمتُ قبل عودتك. لكن بعد نقاشنا العقيم هذا يستحيل أن أطلب منكَ شيئًا.»
رفع قدمه لكنّه وقبل أن يخطو خطوته الأولى سمع عمران يقول: «اجلس أمامي وقل ما عندك، وهذا أمر.»
تنهّد فراس بحزنٍ على رفيقه فالطلب متعلّقٌ به، ثم التفت لوالده عائدًا لمقعده، لكنّه بقي مطرقًا. تعجّب عمران فشابك أنامله ببعضها وأشار للآخر برأسه: «قل ما عندك، ما طلبك؟»
«بعد ما سمعته منكَ أتراجع، لأن طلبي متعلقٌ بحازم أساسًا.»
التقط عمران نفسًا عميقًا: «وكأنّي أشتمّ رائحة طلب توظيف!»
فطنة والده تثير استفزازه كل مرّة، ويدرك يومًا بعد يوم أن ذكاءه وفراسته موروثةٌ منه، فعمران قادرٌ على قراءة المرءِ الذي يجلس أمامه في لحظ البصر، ويعلم ما يجول في ذهنه، لديه قدرة مهيبة في قراءة العيون والجسد.
«وأنا الذي كنتُ متسائلًا ممّن ورثتُ طباعي. كلّها تعود لك.» اختتم قوله بقلب مقلتيه بملل.
ابتسم عمران بزهوٍ حين سمع إطراء ولده الغير مباشر له، ثم قال: «تحدّث يا ولد.»
أومأ له فِراس: «أجل، وددتُ لو توظّفهُ عندك، فلقد تركَ عمله الأخير لأنّ الراتب كان يسيرًا، ولم يَكفِه لدفع الإيجار.»
سحب عمران مسبحته الخرزية عن طاولة المكتب: «مشكلتي لا أحب كسر خاطرك، بالأخص أنّك وحيدي، لكنّي كنتُ أناقشكَ بالفعل عن قطع صداقتكَ به. كيف تتوقّع منّي توظيفه؟»
أغلق فراس جفنيه لوهلةٍ بيأس: «أبي أرجوك! أنا مثلك تمامًا، لا أتعرّض للخداع بسهولة، وأخبركَ أن صديقي مظلوم. أرجوك، ألا يكفيه ما عاناه فيما مضى؟ أعدكَ أنّه سينالُ إعجابك.»
كلمات فراس المنمّقة لعبت على أوتار عاطفة عمران، الذي اقتنع لوهلة. نفى برأسه حائرًا: «لستُ أدري، أظلّ متخوّفًا...»
نهض عن مكانه باندفاعٍ يمسك كفيّ والده برجاء: «اختبره، اختبره لمدّة شهر دون أن تطلعهُ بذلك، وإن نال استحقاق الوظيفة أبقِه. أرجوكَ سدّد لي هذه الخدمة، أعدُكَ أنّه سيكون أهلًا لثقتك، وسوف تدعو لي.»
ثم اختتم قوله بقبلةِ بِرّه المعتاد فوق كفّ والده الأيمن. عبس عمران حاجبيه بابتسامةٍ رقيقة، ثم رفع كفّه الأيسر مربّتًا على رأس فِراس بحبٍ وفير، بينما يتمتم بكلمات وأدعية الرضى.
«رضي الله عنكَ وأرضاك يا ولدي (تنهد مبتسمًا) مشكلتي لا أرفضُ لكَ طلبًا، وغضبي منكَ سرعان ما يندثر، لألينَ في خطف البصر.»
رفع فِراس رأسه بابتسامةٍ مهذّبة: «ستوظّفه من أجلي؟»
لم يتوقع قبول والده، لذا فوجئ بإيماءته: «هادي قدّم استقالته، لذا أحضر حازم غدًا ليتعلّم ما يتوجّب عليه فعله، لأختبر حرفيته واستحقاقه.»
اندفع فِراس في حضن والده: «أشكركَ من كل قلبي، أحبّك للغاية.»
ضحك عمران على ولده واستحال المشهد من غضبٍ عارم إلى ودٍّ لطيف. ليس وكأنّهما من كانا على أعتاب الشجار منذ مدّةٍ وجيزة، وهذا ما يميّز علاقتهما. لا نقاش بينهما يطول إلا وقد لان أحدهما، بالأخص عمران الذي يدري باحترام ولده له، لذا هو لا يحب أن يكسر خاطره أو يرفض له طلبًا، وكأنّه جزاء على بِرّه. العلاقة بينهما يسودها الهدوء والود، حتّى مع وجود نقاش الأب الغاضب والابن العنيد.
* * *
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!