وضع القراءة:

|5| اليَقين.

كان حازم متكئًا على الجدار الحجري القديم العاجي الذي يحيط بالكلية، رافعًا إحدى رجليه واضعًا باطن قدمه عليه، ذراعاه مكتفتان أمام صدره، وابتسامة شفتيه تنمّ عن شماتة، لم يخجل من إظهارها بصراحة وقحة.
بدا كمن لا شأن له بما يجري، وكأنّه طالب في هذه الكليّة عيناه فقط تعاينان ما يحدث باعتيادية. لكنّ الحقيقة أنه كان محدّقًا في البوابة الحديدية، ينظر لذاك الجمع من الصحفيين الذين أتوا لأخذ سَبْقٍ إخباري عاجل.
طرد حازم من الكلية من قبل البروفيسور نورس رئيسها، وتم إبطال ملفه ليصبح محظورًا من الدراسة هنا تحت تهمة القتل من الدرجة الأولى.
تمسّك حازم بموقف براءته وحاول استرداد كرامته، لكن وصمة العار لاحقته، ولم يلبث ان سُحب من قبل الضباط لسجنٍ مؤقت حتى موعد إحالته للمحكمة. سحق مستقبله بكل برود، وكأنه عقب سيجارة سحق في قعر المرمدة.
أخرج سيجارته واضعًا إياها بين شفتيه ملتقطًا نفسًا عميقًا. نزعها يراقبها مبتسمًا: «حين خرجت من السجن وطلبت استئناف دراستي رفضت وصرخت بوجهي أمام الكل. تحمل الآن عاقبة أعمالك.»
فُتحت البوابة الحديدية بخشونة ليرفع حازم رأسه حين سمع صوت صريرها. ظهر نورس يسير بخطوات مهرولة، وجهه متجهم، يمسك بإحكامٍ حقيبة جلدية مستطيلة سوداء بيده اليمنى. كان يرتدي بدلته الرمادية التي لطالما تباهى بسعرها الباهض، إلا أن ربطة عنقه الراقية مفكوكة اليوم على غير العادة إذ خنقته وفاقمت من توتّره، لقد افتضح خبره.
احتشد الصحفيون خلفه ومن جواره كأنهم سرب نمل، عدسات كاميراتهم تتوهج لتؤذي عينيه، ميكروفوناتهم تطلّ من كل اتجاه. كانوا بصوت جهوري يصرخون باسمه، ينهالون عليه بأسئلتهم المستفزة بخصوص معلوماتٍ بلغتهم.
«بروفيسور نورس، هل صحيح أنك تزوجت سرًا على زوجتك الأولى دون علمها؟»
«يقال أن الزوجة الثانية طالبة دكتوراه في مادّةٍ أنتَ تقدّمها، فما تعقيبك؟»
«ما تعقيبك على تلك الصور التي تجمعك بشابة ثلاثينية التي يذاع أنّها زوجتك؟ وهل فعلًا فارق السن بينكما أكثر من عشرين عام؟»
«هل سوف تستقيل من منصبك وتترك الكليّة؟»
كان نورس يدفعهم بيده اليسرى، وقد أظلم وجهه، عينيه تبحثان عن شخص ما بشكلٍ خاص، ليراه! يقف هناك، متكئًا على الجدار، يبتسم بجانبية.
توقفت قدماه فجأة، وكأن صاعقة أصابته. تجمد وجهه للحظة، ليستحيل امتقاعه إلى الأحمر القاني، ويشد على قبضته اليسرى بقهر. تحولت نظرات الصحافيين حيث ينظر، ليلتفت الجميع نحو حازم الذي ظل على حاله دون ان يرتدّ إليه طرفه. باطن حذائه على الجدار، ذراعاه إلى صدره، وابتسامة عابثة.
دفع نورس الصحافيين بعنف مندفعًا نحو حازم والغضب ينضح من عينيه، وأنفاسه متلبّكة كأنّه ركض لمسافة طويلة، ثم به نورس بصوتٍ أجش حاقد كاد يقطع أحباله الصوتية: «أنت! أنت فعلتها! أنتَ من أذعت صيتي وشهّرتَ بي!»
ثم اتسعت عيناه بشكل مرعب، ورفع إصبعه السبابة ليشير به إلى وجه حازم يهزّه بجنون: «سأدمر حياتك! سأدمرك أنت وكل من تعرف! لن تسلم مني هذه المرة!»
كان الصحافيون يتجمهرون حولهما، يلتقطون الصور، يسجلون المشهد. لكن حازم لم ينطق بكلمة واحدة، فقط ظل مبتسمًا، صامتًا، مكتفيًا بغضب نورس كأنّما وجد فيه سلوته.
نظر نورس إلى الكاميرات، ثم عاد إلى حازم، وصرخ مرة أخرى بصوت كاد يعلو على ضجيج المكان: «سأقاضيك! سأُظهر للجميع من أنت حقًا!»
عندها فقط، تحرك حازم، أنزل رجله عن الجدار ببطء شديد، وهو يرفع ذقنه بشموخ. تقدم منه ليبقى بينهما إنشًا، أنزل رأسه ليحاذي وجه الآخر هامسًا له: «الجميع يعرف من أنا حقًا. أنّي مجرمّ سفّاح.»
ثم قهقه بسخريةٍ رافعًا كفّه، مفرّقًا بين أصابعه الخمسة ليهزّها في الهواء بحركة خفيفة، كمن يودّعه. لم يُضِف شيئًا، فقط أدار ظهره لنورس، وبدأ يمشي إزاء الرصيف الموازي لسور الكلية، بخطوات واثقة، باردة لا تحمل أثر قلقٍ أو خوف. سار عشرات الخطوات عليه، دون أن يلتفت ولو لمرة واحدة.
بقي نورس واقفًا مكانه يلهث، يريد أن يصرخ به أكثر، لكن نبرته ضعفت والغصّة خنقته. الصحافيون أحاطوا به مجددًا، وأسئلتهم قد تغيّرت وتفاقمت.
«من هذا الشخص؟ ماذا قال لك؟ وما علاقتك به؟»
«هل تتهمه بكشف صورك مع زوجتك الثانية؟»
«ما قولك عن وصف نفسه بالسفّاح؟ هل هذا حقيقي؟ أم أنّه كان يتلاعب بك؟»
«هل لهذا الرجل علاقة بزوجتك الثانية؟»
كاميراتهم سجلت التفاتة حازم الشامخة، ثم توجّهت لنورس تسجل وجهه المحمرّ من الثوران، متجنّبًا الإجابة عن أي سؤال. بينما عند حاشية الطريق، أوقف حازم خطواته للحظة، أخرج سيجارة من جيب قميصه، أشعلها ببطء، واستنشق اسمّها بعمق وهو ينظر إلى السماء الصافية.
لم يلتفت، لم ينظر، فقط ترك دخان السيجارة يتصاعد في الهواء العليل، ثم واصل طريقه، تاركًا خلفه كلية لم تعد تعنيه، ورئيسًا لم يعد يخيفه، وحياة جديدة بدأت للتو بانتقامٍ مُرضٍ.
رمى السيجارة ساحقًا إياها بحذائه: «هنا أترك تدخين هذا السم كما تركت خلفي بصمة لن ينساها نورس ما حيا.»
لم يكن حازم في حياته مدخّنًا، ابتغى القليل مؤخرًا من السم فأخذه، وبعد أن فرغ تركه ليشهد الرصيف على تركه لهذا الإثم.
نظر إلى ساعة معصمه ليكتشف أن لديه ساعة ونصف إضافيّة قبل أن يذهب إلى التدرّب في الشركة، لذا مر من طريقٍ اعتاد على ارتياده، يقتطع من كليّة البدايات التي لا تبعد عن هنا كثيرًا. أخرج الكمامة من جيب بنطاله وارتداها مستكملًا مسيره.
ابتسم بهدوءٍ حين تذكّر أنّه قد يراها هناك، ملاك ابنة عدوّته. يبدو متناقضًا بشكلٍ مريب، فأنّى له أن يحب هذه الفتاة ويقدّرها رغم الحقد الذي يواريه لأمّها؟ إنّه يذهب للاطمئنان عليها بينما على الضفّة الأخرى يبتغي قتل والدتها.
سبق فارس وأبدى حيرته حيال هذا، لكنّه لم يلقَ إجابةً شافية تملأ ثغرات فضوله.
اهتزّ هاتف حازم الذي علم هوية المتصل قبل أن يتفحّص ذلك، فهو الشخص الوحيد الذي بقي على علاقة طيّبة به. رفع الهاتف ليقلب عينيه وشبح ابتسامة يزيّن محيّاه، كونه يعلم الموعظة التي تنتظره، وذلك يعود لتصاعد خوف فراس مع اقتراب موعد تنفيذ الثأر.
فتح الخطّ مجيبًا بضجر: «ما عنوان الموعظةِ اليوم يا ترى؟ القتل، الثأر أم العفو عند المقدرة؟»
بمجرّد انهائِه لقوله أصاخ شخرة فراس الساخرة التي أعقبها قوله: «هل تسخر الآن؟»
ضحك حازم بالكاد: «حاشا وكلّا! لكنّي حفظت ما في جعبتكَ عن ظهر قلب.» صمت لوهلةٍ ثم أضاف: «ولأصدقكَ القول، بات هذا روتيني.»
ضيّق فِراس عينيه بترقّب: «وهل تعدّه روتينًا مستساغًا أم مريرًا؟»
ضحك حازم مجددًا: «لا تتظاهر وكأنّك لا تعلم الإجابة.»
استطرد فراس: «لم تنسَ موعدكَ في الشركة، صحيح؟»
همهم حازم نفيًا: «لم أنسَ، لا تقلق. سأنهي ما بيدي وآتي.»
دقّ ناقوس الخطر لدى الآخر ليقول: «ماذا تعني؟ أين أنتَ الآن؟ حازم! لا تتصرّف بغباء.»
«ما بك؟ لم يحن الوقت بعد، توقّف عن التخوّف كل حينٍ وآخر.» أجابه بهدوء
«لا تقل لي إنّك أمام كليّة ملاك كعادتك! لا تتهوّر وتخيف الفتاة.»
أجابه حازم دون مقدّمات: «أجل، لقد وصلتُ لتوّي، أنتظر خروجها فقط.»
ارتفعت نبرة فِراس: «هذا جنون! ألستً خائفًا من إبلاغها للشرطة عنك؟ لِمَ تنبش المشكلات من تحت الأرض؟»
احتدّت نبرة حازم لتستحيل غضبًا مكتومًا: «وكأنّي لن أُعدم أو أُسجَن حين أقتل آمال! كفّ عن التحدّث وكأنّي ضامنٌ لحريّتي.»
تمسّك فراس برباطة جأشه لئلّا ينفجر عليه: «أخبرها بالحقيقة يا رجل، قل لها كل شيء، صارحها، قد تتذكّرك وتلين.»
زمجر حازم باقتضاب: «هناك مشكلتان في نظريّتكَ هذه. الأول أنّها لن تفضّلني على آمال، ولن تقف بجانبي ضد والدتها، والثاني أنّها على الأرجح لن تتذكّرني.»
فاض الكأس بفراس ليصرخ به: «لو أنّك تاخذ بنصيحتي وتستأنف علاقتكَ بآمال ستتحسّن الأمور، لكن عنادك على حاله... على حاله.»
تأفّف حازم بضجر: «وكأنّك تخبرني أن أرمي بنفسي إلى الجحيم. يا صديقي! من نصب لكَ كمينًا مرّة، ينصبه ألف مرّة.»
رفع رأسه بعفويّة ليرى ملاك تخرج من بوابة الكليّة الحديدية، وسّع مقلتيه ولم يُعطِ الآخر فرصةً ليردّ عليه...
«لقد خرجت من الكليّة الآن، أراك في الشركة، وداعًا.» نبس على عجل مغلقًا الخط
أدخل كفّه في جيب بنطاله يضع هاتفه، ونظر لها ليجدها تتوكّأ على كتف صديقتها نغم، بابتسامة خجولة ترتسم على شفتيها لم تتغيّر منذ صغرها. كانت تتحدّث بإسهابٍ عن محاضرات اليوم، ونغم تردّ عليها بضحكة خفيفة، وتشاركها الحديث. المسكينة بالكاد استطاعت تخطّي منظر ذاك الرجل المهيب، وهيئته التي أوجست في نفسها خيفة، ودراستها كانت سببًا في صرفه عن ذهنها.
كانت تنظر صوب الأرض، تتابع سير قدميها، والأصوات من حولها من سيارات وطلّاب يدقّ طبلة أذنها، ثم في لحظة، دون سبب واضح، رفعت رأسها صوب الطريق الموازي، وإذا به يقف قبالتها.
إنّه هنا للمرّة الثانية، بعد أن خالت مروره قبلُ صدفة عابرة، بل لم تتوقّع أن يفعلها مجددًا. كان على بعد خطوات قليلة، يحدّق بها بعينيه الرّمادية الحادّة، والتي أفصحت عن ابتسامته التي تكنّها كمّامته. شعرت الأرض تميد تحت قدميها، فالمشهد الذي تهرّبت منه ونسته بالكاد، عاد مجددًا وبذات الوطأة، فلم تكن حدّة نظراته تؤرّقها بقدر ابتسامته.
ودّت لو خانها النظر وألا يكون هذا الرجل هو من استوقفها في حيّهم. ازدردت ريقها، أطبقت قبضتيها، وشعرت بارتجاف دواخلها خوفًا منه، فوجود رجل يحوم حولها بهذا الشكل يسلب منها الأمان والشعور بالاطمئنان.
لاحظت نغم تحديق ملاك في ذاك الرجل، لتتقافز نظراتها بينهما، لتنكز صديقتها بتساؤل: «ملاك! ما بكِ متسمّرة هكذا؟»
ثم نظرت حيث تحدّق ليخطف لونها ويشحب، تمسّكت بذراع ملاك هامسةً: «أهو ذاك الرجل الذي يلاحقكِ؟»
لم تجب وبقيت تثبّت عينيها على ذلك الرجل، تعاين هيئته الغامضة، وحركاته الهادئة التي لا تعرف معنى العجلة. كفّيه في جيوبه، يشدّ كتفيه، يرفع رأسه إنشًا بشموخ كأنّما الطريق له وحده وملكه وليس يرى مارًّا فيه.
أدار رأسه قليلًا ليمينه هنيهةً وقد طرف بصره عليها، نظرة خاطفة متعمّدة، لاحظتها هي دون جهد، شعرت برعشة تسري في ظهرها، وكأنّ تلك النظرة كانت سلاحًا فتك بها، لقد علمت أنّه نفسه، وأنّه جاء من أجلها عن دون الكل. ارتعبَت منه ليس لأنّه يبدو مخيفًا فقط، بل لأنّ نظراته تحمل شيئًا لا تفهمه، شيئًا يجعلها تشعر بأنّها مرئيّة على العيون أكثر ممّا ينبغي، وأنّه على معرفةٍ بها، لكن لا دليل يبرهن شكوكها.
«ملاك!» رفعت نغم صوتها قليلًا فأفاقتها من غيبوبتها
أجفلت ملاك ونظرت لها بتلبّك: «ها!، لا، لا عليكِ دعيكِ منه، سأنتظر معكِ حتّى مجيء شقيقك لكن لنقف أبعد من هنا.»
همست بصوت متقطّع، وضغطت على ذراع نغم بقوّة تسحبها خلفها، وكأنّها تستنجد بها. تسارعت خطواتها، وحاولت ألا تنظر خلفها، لكنّها فشلت. أدارت مقلتيها إلى اليمين في نظرة خاطفة، فرأته على حاله والسيّارات تمرّ من أمامه لتخفيه كل برهة عن عينيها.
توقفت سيّارة أمامها لتفزع، لتشعر بتربيتة نغم على كتفها: «لقد أتى شقيقي، دعينا نقلّكِ معنا أرجوكِ، سيؤذيكِ.»
نفت برأسها مبتسمةً: «لا عليكِ، حافلتي على وشك الوصول.»
رفضت نغم بانفعال: «لكن...»
بترت ملاك قولها: «أعدكِ سيكون كل شيءٍ بخير، لا تقلقي عليّ.»
استقلت نغم السيارة على مضضٍ وهي تلوح لها بحزنٍ، ليغادر شقيقها من فوره. التفتت لذاك الرجل لتجده يقترب منها، ورغم خوفها لم تتحرّك إنشًا وبقيت على حالها حتّى تبقّى بينه وبينها مترًا. رفع كفّه وأنزل الكمّامة، ثم رفع القلنسوة عن عينيه للخلف لتصل إلى نصف رأسه.
كانت معالمه هذه المرّة أوضح من سابقتها، ضيّقت عيناها وعادت خطوة للخلف، وقد استشعرت ذلك مجددًا. يبدو هذا الرجل مألوفًا، ملامحه ليست غريبة، باتت توقن أنّها تعرفه أو تستشبه عليه.
فغرت ملاك شفتيها لتسأله بشجاعة زائفة: «فقط أريد أن أعلم من تكون، لِمَ تُلاحقني؟ لا تضطرني لإخبار والدي أو إبلاغ الشرطة بأمرك فتهلَك. غادر حياتي كما دخلتها.»
ضيّق عينيه مبتسمًا بهدوء: «ليس لدي شيئًا أخسره، أخبرني من تشائين. أنا لم أؤذيكِ أو أفعل لكِ شيئًا، لذا! لا تهمة تدينني.»
اصطكّت أسنانها بغيظ: «لا أنتَ ولا نواياكَ تبدوان على خير.»
ثم اختتمت قولها ملتفتةً للخلف ليمسك معصمها بسرعةٍ يمنعها من المغادرة، نظرت له حانقةً وهي تحاول سحب ذراعها: «كيف تجرؤ على الإمساكِ بي؟ اتركني وإلا كسرتُ يدكَ الطويلة هذه.»
ابتسم بجانبية مقهقهًا: «ولِمَ لم تمنعيني المرّة السابقة؟»
ضربته لكمةً على ذراعه: «لم أكن قد طوّرتُ مناعتي ضدّك. أمّا الآن فالأمر مختلف.»
ترك معصمها على حين غرّة: «لا بأس فقط لا تغضبي، الغضب لا يلائِمُك.»
احتدّت نبرتها وارتفعت قليلًا: «إنّك مجنون، وتحتاج من يكشف على قدراتكَ العقلية.»
حنى رأسه للأسفل بضع سنتيمتراتٍ لعلّه يواجه طولها: «أخفضي صوتكِ، فأنا لستُ في مثل عمرك، بيني وبينكِ على الأقل تسعة أعوام.»
شهقت الأخرى بصدمةٍ وارتدّت للخلف خطوةً خائفة، ثم أشارت له بسبّابتها المرتجفة: «هل... هل أنتَ ثلاثيني؟»
رفع حاجبيه ضاحكًا: «وما العجيب في ذلك؟ ألا يبدو عليّ؟»
تسمّرت مكانها دون أن تجيب. هو في الحقيقة يبدو عليه ثلاثينيًا لكنّها لم تتخيّل أن يكون هذا فارق العمر بينهما. هنا تفاقم رعبها وشعرت به يكبّلها، ففكرة أن يلاحقها رجل بهذا العمر فكرة مؤرّقة.
«ألا تخجل من نفسك ملاحقة فتاة بهذا الشكل المخلّ؟»
تلك الكلمة أثارت أعصاب الآخر الذي بالكاد تماسك: «مُخِلّ! هل نسيتِ من أنا يا تُرى؟»
ذلك السؤال الذي أجاب على تساؤلاتها هي لتوسّع عينيها بدهشة: «نسيتُ من أنت؟ وهل أعرفك حتّى؟»
ابتسم بهدوءٍ مع طأطأته لرأسه برهةٍ: «الأيّام ستنعش ذاكرتكَ عن هويّتي.»
ثم التفت ليغادر تاركًا إيّاه لوحدها دون أن يسترق النظر لها، فقط كانت تحدّق في ظهره الذي كان يبتعد بحيرةٍ هذه المرّة لا بخوف وقد تأكّدت شكوكها عن معرفته أو لا، وكل ما تبقّى أن تعرف من يكون.
التفتت بدورها تستقل الباص وطوال الطريق تفكّر فيه. وصلت إلى البيت، فتحت الباب بهدوء، لتسمع صوت أمّها من المطبخ يسألها إن كانت تريد الطعام، رفضت ذلك بأدبٍ ثم اتجهت نحو غرفتها دون أن تتّجه إلى المطبخ لكي تلقي السلام أو تأخذ عناقها المعتاد. أغلقَت الباب خلفها، وألقت بحقيبتها على الكرسي بجانب النافذة. وقفت تتأمّل الشارع من زجاجها تلك البقعة التي وقف عليها المجهول المرّة السابقة. نظراته التي لا تفسير لها، السؤال الذي طرحه عليها قبل قليلٍ دون أن تلقى إجابته.
همست وكأنّها تخشى أن يسمعها أحد: «لِمَ يتعقّبني؟ لمَ أتى للمرّةِ الثانية إلى كليّتي؟ وإن كنتُ على معرفةٍ به، فمن يكون حقًا؟»
دلّكت جانبي رأسها: «أنا أشعر بالحيرة، ما عدتُ أفهم شيئًا، لقد تعبت.»
التقطت نفسًا مذعورًا: «لكنّه يبدو مألوفًا حقًا! لقد شعرتُ بذلك! هل يخفي أمي وأبي شيئًا عنّي؟»
ليست تعلم سبب ذكرها لوالديها، لكنّها وفجأة دون سابق إنذار استشعرت أن لهما صلة بذاك الرجل، فأنّى له أن يعرفها في صغرها عن دون والديها؟ بدأت تشكّ أن أمّها تعرفه، وأن شيئًا من الماضي جمعهم لا تتذكّره هي، هناك أطياف منه لا تزال تحوم أمامها دون أن تقدر على التقاط ماهيتها.
* * * *
مكتب استقبالٍ أنيق، أضواء هادئة، وحاسوب سلكي موضوع على المكتب أمام حازم الذب بدّل ثيابه العملية إلى أخرى رسمية، بقميصه العاجي وبنطال الجينز الأسود. وجهه صارم في الظاهر لكنه سرعان ما ينشرح بابتسامة مهذّبة صادقة عند قدوم عميل.
عمران، يقف في زاوية المكتب المفتوح، يراقب من بعيد بعينان فاحصتان لا تبرحان حازم الذي يمسك بقلمه يدوّن معلوماتٍ هامّة تفيده في عمله أخبره عنها فارس ليلةَ أمس. يظنّ أن مديره منشغلٌ مع زبونه، وهو كذلك، لكنّه لم يمنعه من إلقاء نظراتٍ ثاقبة كل بضع ثوانٍ.
يخرج فراس من بكتبه ليجد رفيقه منغمسٌ في الكتابة، تقدّم منه بابتسامة متّسعة، رفع كفّيه قائلًا بإعجاب: «لا! ما هذه الأناقة وهذه الجاذبية، يا رجل إنّك لقطةٌ لا تُفوّت.»
دون أن يرفع حازم رأسه ضحك بخفوت: «هذا ذوقكَ يا صديقي.» رفع رأسه: «سأعيدها لكَ بعد غسلها.»
رفع كفّه اليمنى رفضًا: «كلّا! اعتبرها هدية عملك الجديد، أنا على يقينٍ بأنّك سوف تنجح.»
فغر حازم شفتيه ليرفض فسبقه فراس مجددًا: «لا أقبل رفضًا.»
حدّق فيه حازم مطوّلًا بوعيد ليشير له الآخر بضجر قائلًا: «كُفّ عن تحديقكَ وخذ مديحي لكَ لصالحك قليلًا إن كنتَ داهية.»
عدّل حازم ظهره باستقامة: «ماذا تعني؟»
التقط فراس نفسًا عميقًا وابتسم له: «التفت لنفسك، أنظر لك، تخيّل نفسك مع زوجة وأطفال وعائلة تحبّك، أليس هذا أفضل ألف مرّة من قتلكَ لآمال وإعدامكَ بعد ذلك؟ ألن تَشعُر أنّك...»
كتذف حازم ذراعيه بابتسامة مراوغة: «تؤ، لن أشعر بالراحة، لأنّي لن أنال السلام الداخلي إلا بالتخلّص منها. فراس! ألا تشعر بالضجر من تكرار كلماتك؟»
صدمه فِراس حين بادله ذات الابتسامة وأجاب: «تؤ، لن أضجر منكَ وسأبقى أحاول وإن وضعت السكّين على رقبتي أنا. الأولى صادمة، الثانية مملّة، والثالثة تعود بنتيجة.»
وقبل أن يضيف أحدهما كلمة أخرى دخل رجلٌ إلى الشركة، لينظر فراس إلى صديقه الذي كان يحملق به بحقدٍ بيّن، ثم طرق بنان سبّابته على مكتبه هامسًا له بعبث: «لديكَ عميلٌ الآن، دعنا نوقف الحديث إلى هنا لأنّك وإن هرولت حَفيًا لن تغلبني.»
ثم غمزه ملوّحًا له بخفة حتّى لا يلحظها العميل ثم عاد إلى مكتبه تاركًا صديقه يشتعل. لكنّه سرعان ما تمالك أعصابه ونظر للرجل الذي دخل، كان في نصف عقده الخامس، يرتدي هندامًا أنيقًا، خطاه متّزنة، خصلات شعره يتخلّلها شيبٌ زاده هيبةً ووقارًا.
تقدّم الرجل من حازم ملقيًا السلام، ثم استكمل بنبرة هادئة: «لدي موعدٌ مع السيد عمران آل صهيب.»
أومأ له حازم وأشار له أن يرتاح ثم رفع هاتفه الأرضي: «ما اسمك لكي أخبره؟»
أجابه الرجل بنبرة هادئة: «الأستاذ فهد الحواري.»
في هذه اللحظة اتصل حازم على مديره الذي أجاب من فوره: «سيد عمران، الأستاذ فهد الحواري هنا، ويبدو لي أن موعده الآن... أجل... حسنًا لا تقلق، سأفعل ذلك.»
أغلق الخط ناظرًا صوب فهد بابتسامة: «أهلًا وسهلًا بكَ أستاذ فهد، تشرفت بمعرفتك. السيد عمران مع عميل وهو على وشك أن يفرغ. يمكنني مساعدتكَ بشكل مبسّط تؤهلني صلاحياتي فعله إن لم تمانع...»
همهم فهد بالإيجاب: «لا مانع لدي.»
نهض حازم عن مقعده مستأذنًا: «قهوة، شاي، عصير، أم مشروب آخر يستهويك؟»
أجابه فهد: «القهوة تلائمني.»
أومأ له ثم غادر إلى المطبخ ولم يغب كثيرًا، حتّى عاد مجددًا بكوب قهوةٍ عربية مع الهيل ليقدّمها له، ثم جلس في مقعده أمام حاسوبه، وفتح الدُرج الأيمن يبحث فيه، ليخرج عددًا من الملفات ثم فردها له على المنضدة.
«سيّد فهد، ما طلبكَ العقاري بالضبط؟ بيع أم شراء أم استئجار؟» سأل حازم بمهنية
أجابه فهد دون مقدّمات: «إنّي أبحث عن عرض مناسب لاستئجار مبنًى أفتتح فيه مركزًا للدورات المِهنية.»
«هل ترغب بمشروعٍ جاهز، أم تريد مبنًى يشيّد من الصفر؟»
تعجّب الرجل سؤاله كأنّه لم يتوقّعه، ورفع حاجبيه بانبهارٍ طفيف: «أريده جاهزًا، لاختصار الوقت.»
نظر حازم للملفات بابتسامة خفيفة مشيرًا لأحدها: «هنا لديك الكثير من الخيارات، لكن وفقًا لطلبك، هذا ليس ملائمًا كونه يميل لأن يكون سكنيًا نظرًا لقلّة السالكين في ذاك الحي أو أن يكون مكاتب خاصّة لأشخاص ذو صيتٍ ذائع يمكن الوصول إليهم بسهولة.»
رفع رأسه له مستطردًا: «كما تعلم، الكليّات والمراكز المهنية بحاجة لأنّ تُبنى سمعتها على مهل لكسب ثقة الناس والذي قد يساعدها على الانتشار والوصول.»
تعجّب فهد وشعر بإعجابٍ حيال حازم الذي تحدّث حول المشكلة التي تواجهه كأستاذ، ليومئ له له: «تمامًا، ولهذا طلبي أن يكون مبنًى يظهر للعين، وأظنّك تفهم مقصدي.»
همهم حازم متفهّمًا ليسحب ملفًا ويحدّق فيه قبل أن ينطق: «هذا المبنى مثلًا كما تطلب، استراتيجي ويقع في منتصف المدينة تحت أنظار الناس.»
صمت ليبحث عن خياراتٍ أفضل، ملتقطًا ملفًا آخر قائلًا بنبرة متلهّفة: «لديك هذا مبنًى آخر، والذي كان قائمًا على أنّه أكاديمي. موقعه قرب مجمّعات سكنية ذات شوارع واسعة في وسط المدينة، وتردّد دائم من سيّاح المدن المجاورة، لذا فهو محض أنظارٍ ممتاز.»
نظر له: «لستُ أقول إنّه الخيار الأفضل، لكنّه ذكيٌ إن كان هدفك تشغيل مشروعٍ بشكلٍ سريع، وأظنّني محق فاختبارات الثانوية النهائية على الأبواب.»
ابتسم فهد بمراوغة: «لا يبدو لي أنّكَ تُبالغ، تعرف ما تقوم به جيّدًا.»
ضحك حازم ثم نبس بثقة متواضعة: «خداعنا لكَ يبيعكَ مرّة، وصدقنا يبعيكَ ألف مرّة وقد يجعلكَ زبونًا لنا.»
صفّر فهد بإعجاب: «وإن سألتكَ عن نقاط قوى هذا المبنى؟ ماذا تكون؟»
«العقار ليس كبيرًا وليس صغيرًا بل يبتغي بينهما سبيلا، ولمالكه خطط مستقبلية في توسيع الفصول وإضافة أخرى جديدة.» سكت لبرهةٍ مبتسمًا ثم أضاف: «وفي النهاية القرار لا أملكه أنا، أنا فقد وسيطٌ بينك وبين السيد عمران الذي سيعرض لكَ كل هذه الخيارات بشكلٍ أوسع حيث الأوراق الرسمية والوثائق كلّها في جعبته.»
أغلق الرجل الملف بعد أن عاينه جيدًا وحسم قراره الداخلي، ثم سأله: «ما اسمك؟»
أومأ له الآخر: «حازم عبد الصمد.»
مدّ له الأستاذ كفّه للمصافحة: «تشرّفت بمعرفتكَ يا حازم، لقد أحببتُ صراحتك، أرجو أن يصبح الموظفين بمثل مصداقيتك.»
بادله حازم المصافحة بحفاوة: «أشكرك على شهادتك التي أعتزّ بها وأن أكون عند حسن ظنّك أستاذ فهد.»
رنّ الهاتف الأرض مع خروج العميل من عند عمران. رفع حازم السماعة لأٌقل من عشر ثوانٍ ثم أغلقها مجددًا.
نظر لفهد مشيرًا بمهنية لأحد الأبواب: «تفضّل، المدير في انتظارك.»
امتثل لقوله وذهب للمكتب، ليستأذن قبل الدخول، ليجد عمران خلف مكتبه بوجه شبه متجهّم. ألقى عليه السلام متّخذًا مجلسًا أمامه. لم يلبث أن خاض معه نقاشًا لم يَطُل حين أخرج له الملفات العقارية، إذ أنّه اختار ذات المبنى الذي عرضه عليه حازم منذ مدّة.
عمران عقد حاجبيه باستغرابٍ يراقب ذاك الأستاذ الوقور، ثم سأل: «لِمَ تبدو وكأنّك تعلم عن كل هذه المباني بالتفصيل؟ إنّك حرفيًا أسهل عميل أتعامل معه، بل وننهي الصفقة بخيارٍ مثالي وممتاز وفقًا للطلب!»
نطق فهد بصوت مليء بالإعجاب: «يا عمران أنا أهنئكَ من قلبي، أنت محظوظ.»
عمران يبتسم ابتسامة رسمية، لكن حاجبه يرتفع: «ماذا تقصد بقولك؟»
أجابه: «ذلك الشاب في الاستقبال، حازم! من أين جلبته؟»
ظن عمران سوءًا ليجيبه مُحاولًا تهدئة الموقف: «لا يزال تحت التقييم. مجرد سكرتير، لا يملك صلاحيات كاملة بعد.»
هز فهد رأسه باستغراب: «لا يملك صلاحيات؟ لقد أقنعني خلال ثلاث دقائق باستئجار مبنًى يا رجل. قدم لي خيارات لم أطلبها، بل ونوّهني على أمورٍ أنا كأستاذٍ غفلتُ عنها. هذا ليس سكرتيرًا، لديه فرصة ليكون رجل أعمالٍ محترف.»
صمت لوهلةٍ ناظرًا لعمران بجدّية مستكملًا: «أخلاقه، طريقة كلامه، احترامه، ذوقه. نادرًا ما تجد شخصًا يجمع بين الكفاءة والخلق الرفيع بهذا المستوى. أنا أتعامل مع كبار المدراء، وبعضهم لا يمتلك نصف أسلوبه.»
عمران جالسٌ دون النبس ببنت شفة ويبدو عليه الارتباك. فتح فمه ليقول شيئًا لكن فهد يسبقه: «أنا لا أتعامل مع من لا أثق به. وهذا الرجل غريب، شدّني دون أن يحاول، أشعر أنه أصيل أكثر من كونه موظفًا عاديًا. إن كان هذا مستواه في البداية، فأنت تملك كنزًا.»
ثم ينهض بابتسامةٍ لبقةٍ مستأذنًا: «علي الذهاب الآن، لذا أرجو أن نكون قد اتفقنا وأن تثبّت طلبي.»
أومأ له الآخر: «بإذن الله، تم تثبيته.»
«في أمان الله» ثم التفت مغادرًا المكتب بعدما قضى وطره.
ملامح عمران كانت تتقلب بين الحيرة والارتياح، لكن الخوف لا يزال كامنًا في عينيه. ينظر من زجاج مكتبه نحو حازم الذي يجلس خلف مكتبه بهدوء،
يأخذ عمران هاتفه، يكتب رسالة نصية لولده، يتردد، ثم يمسحها. يضع الهاتف جانبًا، ويخرج ملف توظيف حازم. ينظر إلى بياناته المسجّلة، ثم إلى أوراقه الرسمية، ثم يقع بصره على خانة السجل جنائي المملوء. يغلق الملف بسرعة متخبّطًا كأنّما لا يرغب برؤة تلك الخانة.
تنهّد عمران هامسًا مع نفسه بتخبّط: «أخلاقه مهنية! وأسلوبه راقٍ! فهل ظلمتُه؟»
نظرة عمران تتجه نحو حازم مرة أخرى. الريبة لم تختفِ، لكن شيئًا آخر بدأ يتشكل في عينيه، ربما الاحترام، أو ربما الفضول لمعرفة من هو حازم حقًا والتأكّد أنّه ما زال باقٍ على سجيّته الأولى التي عرفه بها.
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.