وضع القراءة:

|2| إنّه يُراقِبُني.

تتوجّهُ آمال للأسفل لإعداد القهوةِ لها ولزوجها، ليجلسا سويًا كما يفعلان كل صباح يوم جمعة، حيث يتبادلا الأحاديث، ويتكلّمانِ عمّا حدث خلال الأسبوع. ولجت المطبخ بخطاها الهادئة، تتثاءب بمللٍ، وآثار النومِ لا تزال على معالمها المتعبة، فلقد رأت كوابيسًا أثارت رعبها متعلقة بذاك المُلاحِق الذي رأتهُ نهار البارحة في المتجر، ورغم زيارتها لبيت والدها لتستعيد صفو مزاجها إلّا أنّها لم تَستَعِدهُ حقًا بسبب تلك التهديداتِ الدائرة في ذهنها.
لم تُخبر زوجها حكيم بالأمر ظنًا مروره مرّ الكِرام، فرغم أن التهديد أخافها إلّا أنّها لم تأخذه على منحنًى جدّي، كونها لم تعتقد بوجود عدوٍ لدودٍ مبتغيًا الثأر منها، لسببٍ تجهله، إذ لم تعثر على ذريعةٍ مقنعةٍ تدفعه لذلك.
تفترض في نفسها عاقبة إخبار حكيم بأمر رجلٍ يتتبّعها مرتديًا سترةً جلديةً سوداء. سيستفسر منها ويحاول البحث خلفه بينما ليس بحوزتها ما قد يخدمه أو يعود عليه بفائدةٍ حقيقيّة، لذا آثرت إسرار ذلك في نفسها وعدم إبدائِه.
سحبت دلّة القهوة عن غاز الطبخ بعد أن تضوّع عبقها متخلّلًا الأنوف، لتبدأ بسكبها في الفناجين الرخامية. وضعتها على المنضدةِ ثم الفتتت للخزانةِ التي تقبع تحت النافذةِ المطلّة على الشارع لتأخذ بعض البسكويت.
رفعت نظرها بعفويةٍ صوب النافذةِ، فتملّصت شهقة مرتفعة من بين شفتيها حين رأته مرةً أخرى بذات الملابس، بوجهٍ ليسَ يظهرُ للعيَان، يقف على حاشية الطريق المقابل. على حين غرّةٍ أخرج سكّين جيبٍ كان مخبّئًا في سترته، ثم أخذ يلوح به باحترافية.
لقد كان ماهرًا باستعمال السكّين، وبروده ذاك عزّز من موقفه، فوقوفه الشامخ وثبات قدميه على الأرضية كما لو أنّهما مغروستان بالأسفلت زادها رعبًا. كان آخر ما توقّعته هو قدومه إلى حيّها بل ومقابل بيتها، إنّه يعلم أين تقطن، ويعلم بميقات احتسائِها لقهوتها والدليل هو وجوده أمام نافذة المطبخ رغم وجود أربعة نوافذ تطلّ على شارع الحيّ.
هنا تيقّنت أن الأمر ليس بمزحة، إن وصل به الحدّ إلى هنا فقد برهن جدّية رغبته، وتلك السكّينة اللامعة أفصحت عن نواياه التي كانت مجرّد شكوكٍ عابرة في رأس آمال.
في هذه اللحظة انتابها شعور عن كون هذا الرجل على معرفة مسبقة بها، لأنّه يعلم عنها تفاصيل دقيقة دون أن يتكلم، أو يحدّثها، أو حتّى يتواصل معها. لم يجرّب التودّد لها في بادئ الأمر لكسب ثقتها حتّى، لقد توغّل في عمق هذا دون تردّد أو حتّى إخطار، إذ لم تكن هناك بوادر أمامها تخبرها أنّها مُلاحَقَة.
ظهر فجأةً كالشبح من بؤرةٍ معدومة ليغدو هو كابوسها الجديد.
ارتعشت أوصالها واستفاقت من شرودها حين رأته يتقدّم بخطًى متلكّئة كأنّما يعزف على أوتار خوفها، فأخذت تتراجع بترنّحٍ تزامنًا مع همسها بصوتٍ مذعورٍ خفيض: «إنّه... إنّه هنا... يريدُ قتلي... يحملُ سِكّينًا.»
حنت رأسها تغطّيه بكفّيها، تبكي بعنفٍ شديد. لم تكد تفعل ذلك لتشعر بصوت طرق بنانٍ مخيف على النافذةِ، رفعت رأسها لترى هيئته الغامضة التي عجزت من ورائِها تحديد هويّتِه.
صرخة مدوية منها زلزلت الجدران، متحاشيةً النظر له: «حكيم! حكيم أين أنتَ؟ هذا الرجل يريد قتلي!! أنجدني.»
أوشكت على الخروج مهرولةً من المطبخ بأنظار تتصوّب نحو الأرض، وكفّيها يحكمان الإمساك بجانبي رأسها. قبل أن تتسنّى لها الفرصة الهروب شعرت بكفّين يحكمان الإمساك بكتفيها برفقٍ لتبدأ التخبّط بصراخٍ متفاقم: «اتركني!! اتركني... ماذا تريد منّي؟»
توجّس حكيم من انهيارها الغير منطقي، ليهزّها بلطفٍ: «آمال! ما بكِ؟ هذا أنا حكيم، زوجك!»
رفعت رأسها بفزع مستحكمةً بكتفيه بأناملها المرتجفة: «حكيم، إنّه يراقبني، ذاك الرجل من البارحةِ في المتجر، يتتبّعني، يريد قتلي والقضاء عليّ، لقد هدّدني. علم أين أسكن وأتى لكي يصيبني بالجنون.»
عقد حكيم حاجبيه باستغراب، فهي تنطق بكلامٍ جديد: «من تقصدين؟ من يتبعك؟ لستُ أفهم!»
أشارت بسبّابتها إزاء النافذة دون أن تنظر لها: «هناك! يقف خلف النافذة بهيئته المخيفة.»
نظر حكيم ليزدرد ريقه، فلم يرَ أحدًا: «لكن لا أحد هناك! هل تتوهّمين؟»
التفتت على عجلٍ راكضةً صوب النافذة لتنظر للخارج، لتجده يغادر مبتعدًا ليقف عند نهاية الدهليز. صرخت: «هناك، لقد ابتعد.»
بمجرّد أن قالتها، ولاحظ حازم انفعالها، لوّح لها بكفّه محرّكًا أنامله بتموّج، ثم غار عن ناظريها قبل أن يصل حكيم إليه فيراه متلبّسًا. أعاد حكيم خصلات شعره للوراء وخرج من البيت برمّته راكضًا لعلّه يدركُ ذاك المجرم المتلصّص. كان يبحث حوله بتخبّط بين بيوت الجيران دون أن يعثر على ضالّته، ورغم كل شيء لم يكذّبها.
آمال كانت على قدرٍ من الانهيار فما عادت تقدر على إخفاء الحقيقة عن زوجها أكثر، لذا أخرجت تلك الرسالة التي أعطاها الطفل إيّاها، وعادت إلى المطبخ لتجده هناك وقد أتى لتوّه من الخارج، واضعًا كفّيه على خاصريه، لاهثًا بفعل الهرولة.
«لم أعثر عليه، يبدو أنّه هرب بمجرّد أن أشّرتِ صوبه.» همس بغضبٍ عارم
قدّمت له الورقةَ بارتجافٍ شديد ليعقد حاجبيه متسائلًا: «ما هذا؟»
أشارت برأسها: «إن لم تصدّقني فاقرأ هذه الورقة التي أرسلها لي مع طفلٍ غريب.»
التقط منها الورقة وفتحها ليقرأ المكتوب فيها، ما لبث أن قطب ناصيته حائرًا. أمسك ذراعها برفقٍ يسحبها صوبه إنشًا: «ما هذا؟! هل فعل لكِ شيئًا أو أذاكِ؟»
نفت برأسها وقد تفاقم بكاءها: «كلّا، لم يفعل بعد، لكنّه سيفعل إن لم أتوخّ الحذر.» نظرت له بفزع «لا أريد تكرار ذلك يا حكيم، سأمرض وأقع في أرضي.»
مسح على رأسه بضيق، وأطبق على كتفيها: «متى بدأ كل شيء؟»
تنهّدت بتعب: «منذ فترة وجيزة، لكنّي لم أستشعره وأرصد جدّيته سوى البارحة، إذ بدأ الآن يقلّص المسافة بيني وبينه دون خجل. رغم ذلك، لم تسنح لي الفرصة رؤية وجهه، ملابسه كانت كفيلةً لطمس هويّته.»
تنهّد وهو ينظر حوله: «المشكلة أنّي لا أجد مبرّرًا لدى أحدٍ يدفعه لتهديدكِ على وجه الخصوص.»
أومأت له مؤيدةً قوله ثم جلست أمام المنضدةِ لتشرب قهوتها على غير سجيّتها. ربّما ارتكاب العثرةِ لا يولّد في الجميع جذوة الندم، إذ يبدو أنّها غفلت تمامًا عمّا فعلته في حق ذاك الرجل، أو ربّما آلت بها تلك السنوات كلّها إلى نسيان وجوده من الأساس حتّى.
ليست عامًا أو اثنين، بل كانت سبع أعوامٍ منصرمة، على تهمةٍ غير مُرتَكَبة. تعاقبت المواسم ونست الأذهان ما جرى، وتابع الكل مسير حياته باعتياديةٍ كأنّ شيئًا لم يحصل، غافلين عمّن دفع الضريبة والثّمن، عمّن يستيقظ كل ليلةٍ وهو يحسب كل يومٍ خسره من حريّته، يورث حسرةً على دراستِهِ التي أضحت هباءً منثورا حين تم إلغاء ملف بياناته من الكليّة.
مرّ ظلّ حازم مرّ الكِرام كأن لم يمرّ أبدًا، وطوّت الصحف اسمه. نسيت آمال هذا الشخص، قبل أن تدركَ أنّه عاد بشراسةٍ ضاريةٍ وهو يقسم أن يحوّل لياليها النيّرةَ بالنجوم لليالٍ دهماء، فما عاد راغبًا بشيءٍ سوى استرداد حقّه بكلتا يديه.
هي ليست نادمة لأنّها حتّى لم تتذكّر ما جرى، وبعض الذنوب لا يمحوها الندم، لأنّ صاحبها لم يعتبرها كذلك قط.
لكن يبقى السؤال: ماذا سيحدث لها إن كشف المُلاحق عن هويته؟ هل ستقرّ بذنبها؟ أم ستبقي نفسها موضع ظلم؟
«أنظري لي يا آمال. حين أغادر إلى العمل ويغادر الأبناء إلى المدارس غلّقي الأبواب وأغلقي الستائر، وحين أكون في ورديتي الليلية احرصي على إطفاء عددٍ أكبر من الأنوار، وإن شعرتِ بالأمور من حولك تحتدم أو علمتِ بوجوده في الحي، احملي نفسكِ وأبناءنا دون تردّد واذهبي إلى بيت والدك للنوم هناك، ولا داعي لتخبريني أو تعودي لي.»
صمت لوهلةٍ ثم أضاف: «لا تخبري الأبناء بما يحصل، ملاك ستكون أكثر من يدرك خطورة الأمر، وماجد وأجود قد يصابان بالهلع. أبقِ الأمر سرًا بيننا، وسأحاول إيجاد حل.»
نظرت له نافيةً برأسها جزعًا: «لن أقدر على احتمال ما يحصل، إنّي فعلًا على مشارف الجنون. إن استمر ذاك الرجل بالظهور فقد أعود للماضي.» ازدردت ريقها «لا أريد تكراره، لا أريد فقدان الشغف في كل شيء.»
أمسكت كتفي حكيم بهلع: «حكيم أرجوكَ لا تتركني وحدي، سأموت إن تكرّر.»
مسح على رأسها بهدوء آمرًا إيّاها التنفّس ببطء: «أجل نفس عميق، لا تهلعي، ليس ضروريًا أن يكرر الماضي نفسه، أعلم أنّ ليس بيدنا شيءٌ سوى انتظاره لنمسكَ به متلبّسًا كونكِ لم تعرفيهِ لنتمكّن الوصول إليه، لكن اطمئنّي.»
أومأت له على مضضٍ ليستكمل: «أعلم أنّه يؤلمك، لكن اصبري.»
نظرت له بضعف: «أخاف أن يفتكَ بي المجرم أثناء ذلك.»
عدّل حكيم ياقته بتوتّرٍ فكلمات زوجته تزيد من الحِملِ وتمنعه من التفكير لإيجاد حل، إنّه لم يَرَ الرجل حتّى لذا عليه التيقّن من وجوده، والتأكد من تعرّض زوجته للملاحقةِ ليقدر على تقديم يد العون.
جلست آمال على الكنبةِ ترتجف، تضع كفيها على رأسها ليعلم حكيم بما تفكّر به، إن ذاكرتها تعود سنوات إلى الخلف، تتذكّر ما حلّ بصحّتها منذ مدّةٍ طويلة فأوهنها وسرق منها الكثير.
«هوّني عليكِ، كل شيءٍ سيكون بخير، الأهم ألا تظهري لذاك الرجل خوفك لأنّه سيستغلّه ويسهل عليه بلوغ مراده. تصرّفي كأنّ شيئًا لم يكن، ومرّي عليه كأنّكِ لم تَريه حتّى.»
أُحبطت أكثر حين سمعت قول زوجها، تعلم عدم قدرتها على تنفيذه، فليست تملك القوّة الكافية لتفعل ذلك، فبمجرد أن تراه تخور قواها وتشعر بالأرض تميد تحت قدميها، البارحة كان بمثابة كابوس حي، يسير على رجلين على أرض الواقع.
* * * *
وصل حازم إلى شقّته ليرمي تلك السترة الجلدية التي لا يرتديها سوى لإثارة ذعر آمال، ثم التقط سترةً بسيطة أكثر عملية ليخرج إلى شركة عمران العقارية حيث أخبره رفيقه الاستعداد ليتوظّف، وقد نوّهه من فرصة عدم قبوله بنسبةٍ كبيرة. لذا هو ليسَ على أمل، لكنّه لن يخسر لو نال شرف المحاولة، مقرّرًا التصرّف على سجيّته وطبيعته.
ألقى نظرةً صوب ساعة معصمه ليرى أن الحافلة العمومية ستأتي بعد ساعة، قرّر السير إلى الشركةِ التي تبعد عنه ثلث ساعة، لم تكن لديه إشكالية السير إذ اعتاد على ذلك منذ خرج من السجن، يقضي حوائجه ويذهب لشراء أغراضه سيرًا.
كان يضع كفّيه في جيبيه يراقب ما يجري حوله، الأطفال يلعبون، يركضون، يسيرون بي الطرقاتو يشترون الحلوى، ليتعود به ذكراه لذاك الوقت حين كان في العمر نفسه. طأطأ رأسه متنهدًا بضجرٍ، ضاق ذرعًا من كل ما مسّه، وشعر بالاكتفاء بما يحيطه.
حين تذكّر ما فعله بتلك المتعجرفة قبل ساعة ندّت شفاهه عن ابتسامةٍ جانبية، ليرفع كتفيه ويعيد رأسه للخلف بزهو: «إنّي لأبتغي إصابتكِ بالجنونِ قبل أن أنفّذ وعيدي، وأريق دمكِ. لن اكتفي بنحركِ من الوريد ليُشفى غليلي، سأعوّض فيكِ السنوات التي أوهنتني.»
ثم اختتم قوله بالتقاط نفسٍ مطمئنٍ دون أن تنقشع ابتسامته. بقي يفكّر فيها وبخطّته دون أن يشعر بوصوله إلى الشركةِ العقارية. توقّف لوهلةٍ يعاين مبناها الشاهق الضخم ونوافذه الزرقاء الزجاجيّة. اقترب من ذاك الباب الزجاجي الكبير الذي يُفتَحُ تلقائِيًا عند اقتراب أحدهم ثم ولج من فوره.
بمجرّد أن وطأت قدميه هناك رأى فِراس يقف قبالته ليعلم بانتظاره له، فاقترب منه مبتسمًا بودٍ وفتح ذراعيه لعناقٍ أخويٍ كما دومًا.
«أهلا بكَ يا حازم، أنارت الشركة بقدومك.» قالها فِراس بصدقٍ بترحيبه الحار
ابتسم حازم وأومأ له، مربّتًا على كتفه ضاحكًا: «أشكركَ يا صديقي. أرجو ألا تكون البغضاء نابضة في عينيّ والدك إزائي.»
وضع فِراس كفّه على بطنه بعفويةٍ ضاحكًا بصدق: «لا تقلق، قد يكون بارد المعالم، لكن هذا أسلوب الرئيس التنفيذي وهو ليس مقرونًا بكَ وحدَك.»
نكّس الآخر رأسه مقهقهًا بخفوتٍ مستطردًا: «إذن! ألن تأخذني للسيد عمران؟»
وقبل أن يرفع رأسه أصاخ صوتًا عميقًا هادئًا صدر من أمامه: «السيد عمران جاء بقدميه لاستقبالك يا حازم.»
التقط حازم نفسًا عميقًا، ثم نظر إلى عمران مبتسمًا بتهذيبٍ: «طاب يومُكَ يا سيّدي، أرجو أن أكون قد وصلتُ في الموعد.»
ألقى عمران نظرةً صوب الساعة الرقميّة المعلّقة فوق الباب، ثم أومأ: «إنّك على الموعد فعلًا.»
التفت معطيًا إيّاه ظهره، ثم ألقى نظرةً بطرف عينه عليه مُضيفًا: «اتبعني لأقيّمك، وأنتَ يا فِراس استأنف عملك.»
أومأ فراس بابتسامةٍ لوالده: «أمرُك (نظر لحازم) حظًا موفّقًا يا رفيق.»
ثم تركهما عائدًا إلى مكتبه، بدا حاد الخطى، جامد الملامح، لكنّ ما علم أحدٌ ما يعتمل في صدره من مخاوف، فهو ترك للتوّ رفيقه مع والده الذي يسرّ بعض التخوّفات. لم يكن خائفًا من فكرة رفض صديقه، أو عدم قبول توظيفه، بل بطريقه الرفض التي سيقوم بها أبوه، إذ يدرك مخاطر الضغينةِ التي يحملها عمران في قلبه.
فراس ورغم هدوء حازم الخارجي لم يخفى عليه توتّره الشديد، فطرقه لقدمه اليمنى على الأرض، ازدراد ريقه كل حين، وتعديله لتلابيبه افتضحن شعوره، كونه على درايةٍ أن عمران يرفض سيره ومرافقته لفِراس.
دخل فِراس مكتبه مخلّلًا أنامله الطويلة بين خصلات شعره متنهّدًا بضيق، نظر إلى الأوراق الموضوعةِ أمامه فلم يُلقِ لها بالًا، جل تفكيره كان مصبوبًا مع رفيقه، هو خائفٌ أن يخذله، أو يكسره كما فعل الجميع. حازم لن يلوم عليه إن حدث الرفض لن وفاء فِراس وتفانيه أرغماه على الإحساس بذلك.
عض على شفته السفلى مطبقًا جفنيه، ثم همس: «أبي وتوجّسه قد يدفعانه لرفض حازم، حتّى وإن أثبت أهليته لنيل الوظيفة. كيف سأقابل حازم إن تم رفضه؟ كيف سأقدر على النظر في عينيه المخذولة؟!»
أزاح الأوراق عن منتصف المكتبِ لحاشيته بتلبّك، ثم مسح على وجهه مستطردًا: «أبدًا! لن أتقبّل ذلك.»
عند حازم، أُغلق الباب بهدوءٍ بدا متعمّدًا لشحن الأجواء، وعمران بقي واقفًا للحظة خلف مكتبه، دون أن يجلس، فقط ينظر للآخر بعينٍ فاحصةٍ تاركًا الصمت المريب يكتنفه والشاب الواقف قبالته. دقيقتين، ثم جلس مشيرًا للآخر اتّخاذ مجلسه ليمتثل له.
لم يبتسم عمران، واكتفى بشبك أصابعه فوق سطح المكتب، ملقيًا نظرةً فارغة، خالية من المجاملة: «أنتَ تعلَمُ لمَ أنتَ هُنا يا حازم وبطلب من، أليسَ كذلك؟»
لم يكن سؤالًا بقدر ما كان جسًا لنبضه واختبارًا لخُلقِه. ابتسم حازم باقتضابٍ مُدرِكًا أن عمران لم يتقبّله مطلقًا.
عدّل ظهره على قائم الكنبةِ الفرديّة، ثم أجاب بصوتٍ ثابت: «أعلم، أنا هنا لأنّ فِراس طلب منكَ أن توظّفني عندك.»
هزّ عمران رأسه ببطء، والإجابةُ التي أصاخها أرضته، ثم أرخى ظهره قليلًا إلى الخلف، وعيناه لم تغادرا وجه الآخر. نطق بسؤالٍ آخر بنبرةٍ أشدّ: «هل تُدركُ أنّي قبلتُ لأن فِراس أصرّ؟ لأنّك و دون مجاملة تعلم ماهية مشاعري حيالك.»
ازدرد حازم ريقه بضيقٍ وودّ لو ينصرف من هنا تاركًا الأمر برمّته إذ بدأ يشعر بالموقف يستنزف من كرامته، لكنّه سرعان ما استعاد تماسكه سريعًا وأجاب: «أقدّر ذلك، لهذا أتيتُ اليوم، لأثبت أستحقاقي وأحفظ ماء وجه فِراس، إنـ...»
رفع عمران ظاهر كفّه بإشارة صغيرة في وجه حازم، كانت كفيلة لقطع كلامه قبل أن يكتمل: «لا تكمل.»
ثم أضاف، بعد لحظة قصيرة، بنبرة أقل صرامة: «إن حدثَ وقبلتُ توظيفك، فلن يكون بسبب ابني، لأنّي هنا لا أقبل بالوسائط. لديّ معايير أعود لها.»
لم تكن جملة مهنية فحسب، وإنّما كانت توضيحًا أن فراس حتّى وإن كان سببًا في هذه المقابلة، لن يكون سببًا في التوظيف. أدرك حازم أن الرجل الذي أمامه أمين، وهذا ما جعله يحترمه أكثر، لأنّه إن قُبِل سيعلم استحقاقه.
«أرجو أن أكون عند حسنَ ظنّك وأتوافق مع معايير وسياسة شركتك.» أجابه حازم
حنى عمران جذعه للأمام قليلًا للأمام، واضعًا مرفقيه على المكتب: «هل تظنّ أنّك تستحق الوظيفة هنا؟»
شعر حازم ببعض الإهانة لكنّه لم يُبدِ لومًا واكتفى بابتسامة قصيرة: «لستُ أدري، ويسرّني أنّك اعطيني فرصة بالأخص أنّك لا تحبّني...» رفع رأسه له «ولستُ ألومك، فمن ذا الذي سيوظّف في شركته ذائعة الصيت قاتلًا؟»
كلماته المنمّقة جعلت من عمران مشدوهًا، فحدّق به لنصف دقيقة دون أن يكسرا الصمت، لدرجة أنّه حملق في معالمه لعلّه يقرأها ليلتمس فيهما الصدق أو الكذب، لكنّه ولأول مرةٍ فشل بهذا ولم يحقق رجوته، عاد خائبًا ولم يُجِب على سؤاله.
التقط نفسًا عميقًا: «قل لي يا حازم، هل لديكَ مراجعُ تساعدكَ في مجال السكرتارية؟»
نفى برأسه: «لن أكذب عليكَ يا سيدي، ولن أقول إن لدي خلفية عن السكرتارية، فلم يسبق لي وأن عملتُ بها، لذا الأمر يعود لكَ في قرار توظيفي.»
شعر عمران بانبهارٍ شديد فهذا الشاب على حاله كما ألف، لم يستشعر فيه اختلافًا عن أيام الثانوية حين كان يأتي لزيارة ولده. يتذكّره صادقًا ومهذبًا ومشذّب الكَلِم، والعجيب أن الحال لا يزال كما هو دون أن يطرأ تغيير.
سرعان ما نفى لينَه خوفًا أن ينغرّ به، نظر له بجمودٍ ورصانةٍ مهنيّة: «لمَ تركتَ عملكَ السابق؟ هل استقلت أم طُرِدت؟» نظر له مشيرًا بكفّه «لا ضغينة، مجرّد استفسار.»
نفى حازم برأسه مبتسمًا: «حقّك أن تستفسر.» التقط نفسًا «الأمر أنّي استأجر شقّةً سكنيّة إيجارها مرتفع، كنتُ في بادئ الأمر أحاول التوفير، دون أن أقدر فعلًا، فراتبي لم يكفِ لإيجاري وملبسي ولقمة عيشي. ليس استعطافًا لكن لا بد أن هيئتي صارخةٌ بهذا، وأنا أخبركَ لأنّكَ سألت.»
كان يتحدّث بجديّة بسحنةٍ تكتسي الرزانة، مما أرغم عمران أن يصدّق قوله لعدم ظهور الكذب على تصرّفاته، إذ لم يتخبّط أو يتلعثم، بل كان هادئًا، مباشرًا وموضّحًا. بالنظر إلى ثيابه أيقن صحّة قوله، إذ بدت عليه البساطة والفقر، وبالنظر لجسده لاحظ نحوله.
عمران قال: «لنفترض أنّي قبلتك، هل ستبذل جهدًا للتعلّم كيف ترتّب مواعيدي وصفقاتي والتحدّث مع عملائي بأسلوبٍ لبق، وأن تحاول تطوير نفسك خارج الشركة؟»
أومأ حازم مقهقهًا بخفوت: «بالطبع، وإلا ما كنتُ جئتُ إلى هنا، فرغم جهلي بالسكرتارية إلا أنّي علمت بسؤالكَ هذا قبل طرحه. أنا جاهزٌ لكلّ ما تطلب.»
رفع عمران حاجبيه بإعجاب ثم نهض عن مقعده بكفّه الممدود لمصافحة حازم: «سرّني قدومكَ حقًا، وأرجو أن تكون عند حسن ظنّي.»
وسّع حازم عينيه بدهشة: «لستُ أفهم! هل قبلتني أم لا؟»
ابتسم عمران بجانبية: «أهلًا بكَ في شركتي مؤقتًا، كُن مستعدًا لبرنامجٍ تعليمي لفترة حتّى تثبت أهليتك ثم من بعدها أقرّر تثبيتكَ في الوظيفة أم لا.»
فغر حازم شفتيه مصدومًا، ثم صافح كفّ الآخر بكلا كفّيه منفعلًا بامتنان: «أشكركَ من قلبي، لا تعلم كم يعني لي هذا!»
شفاه عمران انفرجت بابتسامة عفوية: «أثبت لي أهليتك يا حازم.»
أومأ له: «سأفعل، ثِق بي يا سيدي. استأذنك الآن، سأتفقّد فِراس.»
أشار له صوب الباب متفهّمًا: «أجل لا بأس.»
«طاب يومك.» ثم غادر المكتب بابتسامة
هو يعلم أين يقع مكتب فِراس، والذي كان على الاتّجاه المقابل. رفع قبضته طارقًا على الباب برفقٍ ثم دخل حين سمع الإذن. كشر فراس حاجبيه حين رأى صديقه بمعالم لا تُفسّر، لينهض عن مضجعه منفعلًا ليرتدّ كرسي مكتبه للخلفِ بعنفٍ مرتطمًا في الجدار، ثم يتّخذ خطاه المهرولة صوبه.
«لِمَ وجهَكُ ممتقعٌ بهذا الشكل؟ أرفَضَكَ والدي؟» سأله على عجل
عقد حازم حاجبيه بابتسامة حائرة: «ماذا؟ وكيف استنتجت ذلك يا محقّق فِراس؟»
أشار له بكفّه: «إنّ معالملك المستفزة تنطق بالكثير.»
ضحك حازم نافيًا برأسه: «لقد قبلني مؤقّتًا حتّى أثبت نفسي...» رفع كفّيه في الهواء «ولا تسألني كيف، فحتّى أنا مصدوم!»
لم يكَد يُنهي قوله حتّى قام فِراس بضرب مكتبه عدّة قبضات متوسّطة من فرط الحماس وهو يتلفّظ بكلماتٍ تدلّ على نصره: «لا بدّ أنّك أثرت إعجاب والدي، فلا يستهويه أي شخص ويرفض أشخاصًا أكثر مما يقبل.»
ثم اندفع نحوه أكثر، كأنّ المسافة لم تحتمل حلاوة هذا الخبر. أمسك كتفيه وهزّه بخفّةٍ ضاحكًا: «أقسم لك أنّني لم أشكّ لحظة! كنتُ أعلم أنّك ستنجح...»
قهقه حازم وقد بدأ توتره يتناقص، وكلمات رفيقه أعادت له ثقته: «دخلتُ متوقّعًا أن أخرج مرفوضًا! الحمد لله.»
لاح فِراس بكفّه بمرح: «يبدو أنّك قلت شيئًا أثار إعجاب والدي، أو تصرّفت بطريقةٍ ذكية.»
ثم عقد ذراعيه ونظر إليه مصغّرًا جفنيه بفضولٍ مشوب بالفخر: «هيا، اعترف! ماذا فعلت؟ هل نمّقت كلماتك؟»
رفع حازم كتفيه ضاحكًا، وعيناه تلمعان بدهشةٍ صادقة: «والله لا شيء، كنتُ على سجيّتي، وأجبتُ بصدق فقط، ويبدو أنّ هذا ما يروقه.»
ابتسم فِراس ابتسامةً واسعة، ثم أشار بإصبعه نحوه مقرّرًا انتهاز سعادة صديقه ومزاجه الجيّد: «إذنّ ألستَ تظنّ أن أولويتكَ يجب أن تُصَبّ على حياتك وتدع عنك ترّهات آمال؟»
استحالت معالم حازم المنشرحة لأخرى حادّة ليبدو شخصًا مغايرًا، ثم أجابه ببرود: «أنتَ صديقي العزيز الذي لا أبدّله في هذه الدنيا، لكنّي أرجو منكَ ألا تلعب على أوتار عواطفي، فهذه قضية وتلك قضيّة أخرى.»
زفر فارس تنهيدة ضائقة: «فقط افهمني، إن قتلتها سوفَ تُعدَم، أتوسّل إليك التفت لعملك الجديد وعد لكنف والديك وانسى تلك الغبية، انساها وتابع حياتك.»
اصطكّت أسنان الآخر: «دمُها لن يُراق سوى على يديّ. أرجو منكَ إيقاف النقاش هنا.»
ثار فارِس خوفًا على صديقه، فصرخ به دون رحمة: «إنّها تعيش حياتها كالبهائم وقد نست وجودك، ونست وجود شخصٍ يدعى حازم عبد الصمد.»
ارتفعت زاوية شفاه حازم بابتسامة جانبية: «وأنا خرجتُ من السجنِ فقط لأذكّرها بوجودي. وإن ظنّت أنّي سأخرج بعد عام سأقتلها قبل أن تعلم بتخفيف حكمي.»
«افهمني يا حازم، لطف الله بكَ حين لم تُعدَم بالأخص أنّ تهمتك كانت قتلًا، ولطف الله بك حين خفّفوا عامًا من أعوام سجنك بسبب حسن سلوكك. أتوسّل إليك لا تبرهن للعالم أنّك مجرم، لا تثبت لهم ما قيل عنكَ وهو لا يشبهك...»
كان فراس يتحدّث بثقل بأنفاسه السريعة، مسح على جبينه مستطردًا: «أنتَ ستُعدَم وأنا من بعدك سأسمع كلامًا لم يروق لي، سأصيخ اتهاماتهم لك، وتشييدهم لسوء أخلاقك، وقلّة دينك. لماذا تسمح لمن حولك أخذ صورة لا تشبهكَ عنك؟»
نظر له حازم بلا مبالاة: «لستُ مهتمًا، فمن صدّق عنّي التهمة وأنا بريء لن يصدق مليون برهان.»
بقي فِراس على صمته يراقب صديقه، وكلّه ألمٌ على حاله، هو لا يريد أن يخسره في جريمة رغم معرفته أن آمال ظلمته ظلمًا لا تحتمله الجِبال، إنّه خائفٌ عليه إطاحة ما تبقّى من شبابه المسلوب.
«أنا من سيذوق العذاب يا حازم، ولن أسامحكَ على تفريقي عنك.» همس له ببرود
تلك الجملة بعثرت ما تبقّى من سكونٍ في قلب حازم، ليحدّق برفيقه وقد خانته لا مبالاته لأول مرّة. أهو يعني لفراس بهذا الشكل المستميت فعلًا؟ لدرجة أنّه لن يسامحه لو ساق بقدميه إلى الإعدام.
فِراس لم يكن يهدد...
إنّما كان يتشبّث بخيط الأمل الرفيع...
وحازم يدرك ذلك.
* * *
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.