وضع القراءة:

حضن

استيقظت رغد تمدد جسدها،
نظرت إلى الساعة لتفاجأ بكونها السابعة، والمسمّى بزوجها نهض قبلها.
لا شك أنها ستسمع توبيخات طويلة!
تنهدت بإرهاق، ثم اغتسلت لتنزل إلى الأسفل.
وجدت زوجها جالسًا على الطاولة، بينما السيدة سومين تضع الأطباق على الطاولة و فاليرو يساعدها.
_ صباح الخير جميعا، آسفة على التأخير.
قالت بصوت خافت متردد،
شزرها المدعو زوجها بعصبية، وقبل أن ينطق سبقه ابنه يحدثه عن إحدى قضايا الشركة.
ابتسمت ثم جلست
_لما لم تنزل مريم؟
سأل السيد أصلان بانزعاج؛ فهو لا يسمح بالتأخر عن الإفطار أو العشاء.
قطب فاليرو حاجبيه، ثم استقام قائلا قبل أن
يسرع نحو غرفة أخته
_سأتفقدها
طرق فاليرو باب غرفة مريم ثلاثا، ثم دخل.
شد قبضته بعنف قبال المشهد أمامه،
كانت مريم تجلس على سجادتها، مرتدية حجاب الصلاة.
حاولت مسح دموعها وإيقاف سيلان أنفها عند رؤيته.
وجهها المحمر جعل نفسه يضيق والدم يغلي في عروقه.
اعتاد تلبية طلبات أخته أيا كانت، لكن ماذا سيفعل الآن وهي تريد…رجلا؟!
جلس بجانبها، وقد أشاحت بوجهها محرجة منه،
_هل تبكين لأنك تحبينه؟ وماذا عنه؟ هل يبادلك؟
نطق فاليرو يخترقها بنظرة ثاقبة، والانزعاج واضح في نبرته.
_أنا لا أريد أن أحبه أخي، لا أعرف أخلاقه بشكل تفصيلي، كما أنني لن أتزوج غير مسلم.
بجمود مفاجئ نطقت
_إذا ما الذي تريدينه؟
سأل بهدوء
_أدعوا الله أن يزيل حبه من قلبي إن كان ليس نصيبي.
أنهت حديثها بخفوت كأنها تتمنى عكس ذلك
_حاولي شغل وقتك بشيء آخر، أخبريني ما الذي تريدين فعله؟
سألها باهتمام
_لا تزعج نفسك سأرسم وأظنني سأبدأ بتعلم الطبخ أيضا.
قالت بابتسامة ساخرة من نفسها فأكثر ما تكرهه هو الطبخ
أمسك فاليرو يدها موقفا إياها، ثم أنزلها للإفطار، دون حديث جانبي.
_صباح الخير
جلست على الطاولة بملامح محرجة، ولم يدّخر السيد أصلان جهدا الزيادة ذلك بقوله.
_هاتي هاتفك.
كانت قد وضعته على الطاولة عندما جلست،
أخذه،
وفورا ألقاه أرضا.
شهق الجميع، بينما تابع هو أكله ببرود ثم استرسل
_لا خروج مجددا، أحلمي التنفس خارجا.
ثم تمتم
_ فتيات هذا الجيل لا تنفع معهن الحرية.
ابتسم فاليرو لأخته محاولا طمأنتها، بينما قال الآخر آمرا
_سأعود متأخرا اليوم، انتظريني في الغرفة.
كان حديثه موجها لرغد،
ولم يخجل حتى من قول هذا أمام الجميع.
أحاطت نظرات الشفقة برغد التي شدت بقبضتيها فستانها تنزله أكثر،
عضت شفتيها بقهر،
استسلمت وأحنت رأسها تخفي دموعها.
تفرق الجميع بعد نهوض السيد أصلان، حيث تبعه فاليرو نحو الشركة، بينما شرعت سومين تجمع الطاولة.
اقتربت منها مريم بتردد، وقد أدركت أنها فاشلة في المواساة.
وجدت نفسها تحتضنها كأنها تحميها من الحزن، كما يفعل أخوها.
ومعا تمكنت الفتاتان من نسيان حزنهما، أو ربما تجاهله.
تمازحتا… طبختا… أحرقتا الأكل، وضحكتا كثيرا.
لكن حل الليل وانتهى العشاء، وها هي رغد تقف وحيدة تقابل غرفة عذابها.
هل عليها التجهز من أجله؟
ما الذي سيفعله لو رفضت تسليمه نفسها؟
وكأنه يمكنها!...
هل سيغتصبها فقط مجددا؟ يضربها؟ يطلقها؟
حسنا كل هذا سيئ، لكن ستغامر حملت وسادة وغطاء، وأسرعت بخطواتها نحو الدرج،
لكن نظرها ما زال معلقا صوب الغرفة الفارغة المغلقة،
كأن شبحا مخيفا سيخرج من هناك.
فجأة اصطدمت بصدر صلب،
استدارت والرعب يغمرها.
لقد كان فاليرو، رفع حاجبه يحاول لمح ما تهرب منه،
بينما نظرت هي خلفه، أدرك أنها تبحث عن والده فقال
_إنه في المطبخ يتناول العشاء.
ارتجفت حدقتاها، وأحست أن ساقيها تعجزان عن حملها.
وفي ثوان قليلة تعرقت كأنها مصابة بحمى.
لمح الآخر الغطاء والوسادة التي تحملهما فأفسح لها الطريق لتكمل هروبها.
لكنها لم تهتم،
كان الخدر يسيطر عليها والرعب يحتلها.
صارت تلك اللقطات والمشاعر من ليلتها الأولى تكرر في عقلها.
صرخاتها… بكائها… توسلاتها…
شعر فاليرو بالعجز،
ضغط على قبضته بغضب، وهو يرى الدموع تتلألأ في عينيها المترجيتين.
لكن ما عساه يفعل؟
أكمل طريقه، وفي كل خطوة…
يتخيل ما سيحل بها.
نظر خلفه، فتجلت صورة أخته أمامه،
هل ستكون له نفس ردة الفعل إن كانت أخته.
أغلق باب غرفته بعنف.
ألقى نفسه على السرير، بملابس العمل، بحذائه، لا يهم!
رفع الغطاء يخفي وجهه يمنع ضوء القمر المتسلل من نافذته من إزعاجه،
لكنه فشل في قمع الأفكار المتناحرة في رأسه.
أخذ نفسا عميقا، وذكر نفسه بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"
ما زالت في نفس موضعها على الدرج،
أنزلت رأسها، وبدأت شهقاتها تتعالى،
ليس لشيء، لكن كل هذه التراكمات لم تعد تتسع في دواخلها.
لا يسير أي شيء بخير في حياتها،
من حياة بائسة،
إلى حياة حقيرة مذلة،
كل شيء يخنقها.
ها هو جلادها يقابلها.
قبل أن تتاح لها فرصة الهروب، احتدت ملامحه وهو يلمح الوسادة التي تحملها.
_يفترض أن تستقبلي زوجك عند الباب.
اقشعر جسدها،
وقبل أن يضيف شيئا،
رن هاتفه.
أخرجه ثم أجاب فورا؛ مما جعلها تظن أنه من العمل
_ ما الذي يعني حذفت بيانات الشركة؟! أغلق أنا قادم حالًا.
أخذ خطواته مبتعدا،
لم تصدق رغد رحيله، إلا بعد صدور صوت إغلاق الباب.
ابتسمت قليلا، ثم توسعت ابتسامتها متحولة إلى ضحكة سعادة… ضحكة نجاة!
اختارت الاستمتاع ببهجة لحظية بدل التفكير في أنها زوجته...
في أنها تعيش معه…
وإن لم يلمسها اليوم سيفعل غدا!!
صدر طنين من هاتفه،
اعتدل على طرف السرير،
حدق في هاتفه طويلًا قبل أن يلتقطه،
قرأ الرسالة بعينيه.
_تم الأمر سيصل السيدة أصلان إلى الشركة، ولن تحل المشكلة قبل ساعات طويلة.
ألقى فاليرو الهاتف ببطء.
أسند رأسه إلى الحائط.
لم يشعر بالانتصار... بل شعر بشيء يشبه الهزيمة.
همس لنفسه بمرارة
_حتى عندما أحاول حماية مظلوم... أفعلها من وراء ظهره.
خفض بصره إلى الأرض.
_إلى متى سأظل أخاف مواجهته؟
شد قبضته بقوة.
"أنت جبان..."
كان ذلك الصوت يلاحقه كلما صمت أمام والده.
لأنه حتى وإن... أنقذها هذه الليلة.
هو يعلم أنه لم يحل شيئًا.
.
.
.
.
.
.
مر شهر كامل.
شهر من الليالي الطويلة على مريم العاشقة،
شهر من الليالي المليئة من التفكير والعمل على فاليرو،
شهر من الليالي المذلة الأليمة على رغد؛ بصفتها زوجة للسيد أصلان.
وها هي مستلقية كجثة بلا حياة في آخر الليل،
انتهت ليلتها ذلك اليوم بسلام…
لكن بعد أقل من يوم…لا مفر!
تتفهم وتحاول التقبل أنها زوجته، ولن يستطيع أحد منعه منها.
نهضت بجسد محطم متجهة نحو حمام الطابق.
وجدته معدا بالماء الساخن؛
ككل مرة من شخص مجهول لم تجد يوما الداعي للتفكير في هويته.
استحمت واتجهت كالعادة نحو غرفة مريم، دخلت مسرعة بدون طرق كونها شعرت بالبرد برداء الحمام.
قابلت مريم الجالسة في ركن رسمها؛
زاوية تملأ حائطها رسومات لمنزل ريفي بسيط من مختلف الزوايا،
تقابل لوحة جديدة لم ترها رغد من قبل.
توسط اللوحة شاب بشعر أسود ذي تسريحة تناسب بدلته الرسمية،
بدى التوتر والإحراج على مريم، وهي تقف تخفي الرسمة خلفها.
_قد تأخر الوقت لذا ظننت أن الليلة مرت بسلام.
أحست رغد بالإحراج أنها تضطر أن تزاحم مريم في غرفتها وخصوصياتها.
ارتدت ثيابها - التي أصبحت تتركها في غرفتها- على عجالة ثم قالت بابتسامة مطمئنة مصطنعة.
_سأعود إلى الغرفة.
قبل أن تعترض مريم، هتفت
_لا تقلقي، علي أن أتعود، ففي النهاية هو…زوجي.
أحست بمرارة في حلقها وهي تعترف بحقيقة أنه… زوجها
لكن طبعا لن يغمض لها جفن جواره، لذا جرت خطواتها تتجول في الطوابق.
مرت بجميع الغرف الزائدة ولحظها الرائع كانت الغرفة كلها مقفلة.
كآخر أمل صعدت إلى آخر طابق تجرب وهي متأكدة أنها مغلقة هي الأخرى،
لذا وضعت كل ثقلها على باب الغرفة التي بعد غرفة فاليرو.
ومجددا لحظها الرائع، فتح الباب،
سقطت مخلفة صوت اصطدام قوي.
حكت رأسها التي ضربته بألم،
رفعت رأسها تتفحص الغرفة،
فأدركت أنها غرفة رياضة لذا كانت مفتوحة، سمعت صوتا خلفها لتنزل رأسها خجلا.
لما عليه أن يراها دائما في مواقف محرجة؟! و مالذي تجيبه إن سألها ما الذي تفعله…
قطع أفكارها سائلا
_ما الذي تفعلينه هنا؟
وقفت تنفض ثيابها، بينما هو ينظر بعيدا غاضا بصره.
_لقد كنت أبحث عن غرفة… لا تهتم.
قالت وهي تسرع بالخروج.
_تعالي
قال وهو يقودها نحو آخر غرفة في طابقه فتحها بالمفتاح، ثم مده نحوها وقال.ل
_إنها نظيفة تحرص أمي على تنظيف الغرف كلهم أسبوعيا،
تصبحين على خير.
ختم حديثه عائدا إلى غرفته بدون انتظار رد.
دخلت رغد، وتدثرت فورا بالغطاء ضاربة،
متعبة هي، وترغب في النوم،
لكن الموقف المحرج ما زال يتكرر في رأسها،
الفراش بقبضتيها حاشرة وجهها بالوسادة صارخة
_هذا محرج!
.
.
.
.
_صباح ممل آخر.
فكرت بها رغد، وهي تتناول الطعام رفقة عائلتها بالقانون.
قطع الهدوء طرق على باب القصر.
توجه فاليرو لفتح الباب، بينما استولى شعور مريب على رغد،
وأحست بنغزة في قلبها.
لأول مرة يزور أحد القصر بوجودها.
_مريم
قال فاليرو من عند الباب لتصعد مريم للغرفة،
فكرت رغد في أنها إشارة منه لترتدي حجابها.
تذكرت أنها تتظاهر أنها محجبة في منزلهم لذا وقفت كي تصعد هي أيضا، لكن صوتاً مألوفاً جدا قاطعا
فجأة...
وجدت نفسها محشورة في حضنه…
في حضن سبب زواجها…
في حضن سبب تعاستها…
كان الحضن دافئًا،
وهذا ما جعله مخيفًا.
لأن جزءًا منها كاد يصدّق…
انتهى الفصل الخامس✔️
1415 كلمة
هل من ملاحظات أو توقعات حول الأحداث؟
من الضيف؟
ما حال مريم؟ هل سيكون الانفصال قبل الاجتماع أصلا محتوما؟
هل ترون فاليرو ضعيفا حقا أمام والده؟
وهل حقا انتهت حياة رغد، وطمست في منزل أصلان؟
رأيكم يهمني😭
اللّهمّ اِغفِر لِي مَا تَقدَّم من ذُنوبِي ومَا تأَخّر مِنهَا
لَا تُلهِيكم الرِّوَايَات عنِ العِبادَات💜
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.