أبوة؟
النجمةتدعمني للاستمرار🌟💜
استيقظت رغد على خيوط الشمس تتسلل عبر ستائر غرفة مريم.
تمددت بكسل، ثم التفتت حولها لتبتسم بخفة.
لقد نامت هنا الليلة الماضية... بعيدًا عن تلك الغرفة التي ما زالت تخشاها.
لم يدم ارتياحها طويلًا.
نظرت إلى ثيابها، ثم زفرت بضيق
لا تزال ترتدي نفس البيجامة من ليلة البارحة و لا ترتدي ملابس داخلية حتى!
كون ابن زوجها أحضر بيجامة فقط، فاضطرت لتدبر نفسها بها.
عضت شفتها وهي تفكر،
بحاجة هي إلى الاستحمام وتبديل ملابسها،
لكنها قطعا لن تدخل غرفتها وهو بداخلها.
إن كان يسمح لها أن تسميها غرفتها أصلا!
نزلت بهدوء إلى الطابق السفلي،
ساد الصمت أرجاء المنزل، إلا من صوت لوحة المفاتيح.
ترددت،
خطوة...ثم أخرى...حتى وقفت على بعد خطوات منه.
رفع رأسه عن الحاسوب بحجره، بمجرد أن شعر بوجودها، ابتسم ابتسامة هادئة.
_صباح الخير.
أجابت بصوت خافت
_صباح النور.
لاحظ ترددها، فأغلق الحاسوب قليلًا.
_هل تحتاجين شيئا؟
بابتسامة مطمئنة قال حديثه مشجعا الواقفة بقربه بتلبك.
_تستطيعين ذلك...
شجعت نفسها بهمس،
_فقط...أنا أريد الاستحمام... ووالدك في الغرفة...أحم..تعلم بشأن...
تعثرت الكلمات في حلقها، سكتت بعد أن فشلت في تكوين جملة مفهومة
مرّت ثوانٍ من الصمت،
حاول فهم ما تريده، لكنه لم يعرف ما هو بالضبط، لذا قال بابتسامة مريحة ولم يستعجلها،
_اجلسي أولًا.
دفع كوب الماء الموضوع على الطاولة قليلًا نحوها.
جلست بحذر، تاركة بينهما مسافة مقعدين،
ارتشفت قليلًا من الماء، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
فضّل عدم ارباكها بانتظار حديثها، لذا أمسك حاسوبه يتابع العمل بصمت .
ابتسمت ثم قالت بنفس واحد
_أريد أن أستحم... لكن أغراضي كلها في غرفة... والدك.
توقفت، ثم أضافت بسرعة وكأنها تريد إنهاء الموقف دفعة واحدة
_وأحتاج أيضًا إلى... بعض أغراضي الشخصية.
طوال حديثها كانت عيناها مغلقتان باحراج،
فبحق انها تطلب ملابس داخلية من رجل التقت به قبل أقل من يومين!!
فهم فورًا ما تقصده،
ولم يبدُ على وجهه أي حرج أو استغراب،
بل اكتفى بإيماءة بسيطة.
نهض بهدوء.
_حسنا سآخذك إلى غرفة مريم و اختاري ما شئت من الثياب، اتفقنا؟
قال بنبرة مطَمئنة مادَّا يده ليربت عليها ليطمئنها،
لكن يده توقفت في منتصف الطريق.
سحبها سريعًا وهو يشيح ببصره، مستذكرا
أنها ليست أخته و لا من محارمه و لا يجوز له لمسها.
بينما كانت متفاجئة من حركته، أغلقت عينيها تنتظر مسحه بتوتر.
أسرع خطواته باحراج لتتبعه رغد بصمت.
_تفضلي.
جملة اعادتها إلى وعيها، أشار لها بيده بنبل دخلت، وترك الباب مواربًا.
سألت رغد
_أين مريم ؟
_نعم ذهبتْ باكرا لتراجع في المكتبة مع زميلاتها.
تابع بفخر
_هي في سنتها الأخيرة من تخصص الشريعة الإسلامية، و اليوم آخر اختباراتها.
أومأت بفهم، ليشير لها نحو الخزانة مردفا.
_اختاري ما يناسبُك.
شكرته بخفوت ثم بدأت تبحث بين الملابس
_لقد أنهيتِ دراستك الثانوية صحيح؟
سألها بهدوء قاطعا الصمت المربك بينهما .
استدارت نحوه بابتسامة باهتة .
_نعم لقد اجتزت امتحان القبول قبل الزفاف.
تقوست شفتاها بحزن، ثم خرجت منها الجملة وكأنها تنهيدة
_ و متاكدة أنها كانت آخر مواصيلي الدراسية
انعقد حاجبا فاليرو،
لم يجد ما يقوله، لأنه يعرف والده أكثر من أي أحد.
وآلمه... شعوره بالعجز، فاكتفى بقول
_أسأل الله أن ييسر لك الخير حيث كان.
لم يكن جوابًا شافيًا،
لكنه كان أصدق ما يستطيع قوله.
أما رغد...
فقد فهمت صمته أكثر من أي كلمات.
_إذن خذي راحتك
قال منهيا الحوار يخرج من الغرفة يقفل الباب خلفه.
تسللت المرارة لحلقها فردت الفستان الصيفي ذو اللون الذي اختارته،
واكتفت بطقم بيجامة أسود.
.
.
.
.
.
.
.
.
في مقهى قريب من جامعة الشريعة الإسلامية.
تجلس مريم بحجابها الفضفاض بنفسجي اللون،
تطرق الطاولة بسبابتها بانزعاج بسبب تأخر صديقاتها.
أدارت كوب العصير بين كفيها وهي تنظر إلى الباب كل بضع ثوانٍ.
اليوم هو آخر امتحان في عامها الجامعي الأخير، وقد اتفقت مع صديقاتها على الاحتفال بانتهاء الاختبارات.
رن الجرس المعلق فوق الباب،
رفعت رأسها دون اهتمام...ثم تجمدت.
دخل نواه،
لم يكن مجيئه مفاجئًا تمامًا، فهذا مقهاه المفضل، لكنها لم تتوقع أن يأتي في هذا الوقت.
خلع سترته ووضعها على ذراعه، ثم طلب قهوته المعتادة، قبل أن يستدير، التقت عيناه بعينيها.
ابتسم...فخفضت بصرها بسرعة
منذ أكثر من عام...بدأ يلاحظها.
لم تكن الأجمل بين صديقاتها، لكنها كانت الوحيدة التي ترفض ركوب سيارته كلما أوصل أخته إلى الجامعة.
كانت تبتسم بخجل وتقول
_جزاك الله خيرًا... لكن لا يجوز.
وفي كل مرة كان يعود إلى سيارته مبتسمًا دون أن يعرف لماذا يشعر بالاحترام أكثر من الإحباط.
ثم بدأت أخته تتحدث عنها كثيرًا.
عن تفوقها، وعن أنها لا تغتاب أحدًا، حتى من أساء إليها.
كان يسمع...ثم يجد نفسه يبتسم دون قصد.
حتى جاء اليوم الذي طلب فيه من أخته حسابها على إنستغرام.
لم يكن بينهما شيء مميز.
يسألها عن دراستها، تجيبه باقتضاب.
يرسل تهنئة في الأعياد، فترد بدعاء
كل محادثاتهما كانت تنتهي بسرعة...
لكنه كان يعود إليها بعد أيام، فقط ليطمئن أنها بخير.
وكان هذا يكفيه.
فرغم أنه مسيحي وهي مسلمة لم يجد ما يمنعه من حبها ...بل لم يستطع منع قلبه من الخفقان لها!
حمل قهوته واتجه نحو طاولتها، وقف أمامها مبتسمًا.
_مرحبا مريم
رفعت رأسها، ثم بادلت ابتسامته بأخرى خجولة.
_السلام عليكم سيد كيم
أشار إلى الكرسي المقابل.
_هل أزعجك إن جلست؟
ترددت لحظة...ثم أومأت برأسها.
_تفضل.
جلس وهو يحاول أن يبدو هادئًا، بينما قلبه يخونه كالعادة.
قال مبتسمًا
_آخر امتحان، صحيح؟
أضاء وجهها.
_الحمد لله... انتهينا أخيرًا.
_إذن تستحقين الاحتفال.
ضحكت بخفة.
ابتسم وهو يراقب ضحكتها.
كم كان يتمنى أن يكون سببها.
ساد صمت قصير.
قطعته مريم قائلة برسميتها المعتادة
_هل العمل في إيطاليا متعب؟
رفع حاجبه ضاحكًا.
_ ما زلتِ تعاملينني كأنني مديرك.
احمر وجهها قليلًا.
_أنا... لا أرتاح كثيرًا في الحديث مع الرجال.
ثم أضافت بسرعة
_أقصد... غير المحارم.
لم يعرف لماذا شعر أن هذه الجملة أطاحت بكل المسافة التي بينهما، بدل أن تزيدها.
ابتسم وقال بهدوء
_أحترم ذلك.
ساد الصمت مجددًا، هذه المرة كان أطول.
نظر إلى كوبه...وهو يجمع شجاعته.
لقد قرر منذ أيام أنه لن يترك قلبه معلقًا أكثر،
إما أن يسمع جوابًا...وإما أن ينسحب باحترام.
و اعتبر هذه الصدفة حافز له.
رفع رأسه ببطء.
_مريم...
نظرت نحوه.
أخذ نفسًا عميقًا.
_أردت أن أقول شيئًا منذ فترة طويلة.
تسارع نبضها، ولم تعرف لماذا.
_أنا...
تلعثم، ثم سكت.
ابتسم بسخرية من نفسه،
فضحكت مريم بخفة لأول مرة دون تكلف.
وكانت تلك الضحكة كافية ليجد شجاعته!
رفع بصره إليها مباشرة.
_أحبك.
ساد الصمت،
لم تتكلم، لم تغضب، لم تبتسم،
فقط اتسعت عيناها بصدمة.
أسرع يقول
_أعرف أنك لا تدخلين علاقة محرمة، ولا أطلب منك جوابًا الآن.
ثم أكمل بصوت أكثر هدوءًا
_إن رفضتِ، فسأحترم قرارك ولن أزعجك بعد اليوم.
وقبل أن تنطق...
دوّى صوت غاضب خلفهما.
_مريم!
ارتجف جسدها كله.
عرفت الصوت...قبل أن تستدير.
والدها...
كان يقف عند باب المقهى، وعيناه تقدحان غضبًا.
وفي اللحظة التالية...اندفع نحوهما.
وقف السيد أصلان عند مدخل المقهى.
لم يرفع صوته، ولم يثر ضجة.
لكن حضوره وحده جعل الدم ينسحب من وجه مريم.
همست، بصوت بالكاد يُسمع صوتها
_أ... أبي.
التفت نواه، عقد حاجبيه باستغراب.
تقدم أصلان بخطوات ثابتة حتى وقف أمام الطاولة.
نظر أولًا إلى ابنته، ثم إلى نواه، ثم عاد بنظره إليها.
كان صمته أثقل من أي صراخ.
قال بصوت منخفض، لكنه حاد
_قفي.
ارتجفت ركبتاها وهي تنهض، حاولت أن تتكلم.
_أبي... الأمر ليس كما...
رفع يده قليلًا، فسكتت فورًا، لم يلمسها، ولم يصرخ.
فقط قال
_إلى السيارة.
كانت تعرف هذه النبرة،
إنها النبرة التي تسبق العاصفة.
استدارت بخطوات مرتجفة،
لكن نواه وقف أمامها.
_سيدي...
نظر إليه أصلان للمرة الأولى...ثم تجاهله كحشرة،
مما جعل نواه يشعر بقشعريرة تسري في جسده.
ومع ذلك لم يتحرك.
_أرجوك... سيدي سأشرح.
تقدم أصلان خطوة...حتى أصبحا وجهًا لوجه.
_هل أنت محاميها؟
ساد الصمت، لم يجد نواه جوابًا.
أكمل أصلان
_إذن لا تتدخل فيما لا يعنيك.
ثم تجاوزه، ممسكًا بذراع مريم، التي مدت يدها تلتقط هاتفها لتتصل على منقذها.
تأوهت بخفة من شدة قبضته.
ثم التفتت إلى نواه...لم تقل شيئًا،
لكن عينيها كانتا تستغيثان.
شعر أن قدميه التصقتا بالأرض.
لأول مرة في حياته...يعجز.
فتح فمه...ثم أغلقه.
ما الذي يستطيع فعله؟
إنه والدها.
ورغم أن قلبه كان يصرخ طالبًا منه أن يمنعها من الذهاب، فإن عقله كان يخبره أن أي تصرف متهور سيزيد الأمر سوءًا.
أُغلق باب السيارة، وانطلقت.
ظل نواه واقفًا مكانه،
ينظر إلى الطريق الذي اختفت فيه،
حتى لم يعد يرى شيئًا.
اقتربت منه أخته بخطوات مترددة.
كانت تراقب من دقائق لقاءهما الذي دبرته، ورأت كل شيء.
وقفت أمامه.
_نواه...
لم يجب،
قبض على يديه حتى ابيضت مفاصله.
قال بصوت مخنوق
_كنت سأطلبها حسب دينها...
ابتلع غصته.
_أقسم أن هذا ما كنت أنوي فعله.
سقطت دمعة لم ينتبه إليها.
_لكنني فقط...
رفع رأسه نحو الطريق.
_...وقفت أتفرج.
اقتربت أخته واحتضنته.
_لم يكن بيدك شيء.
نزل على ركبتيه يضرب الارض بقبضتيه حتى أدميت، هز رأسه ببطء.
_كان يجب أن أستطيع حمايتها...مريم
همس اسمها نهاية كلامه بخفوت
أغمض عينيه، يستذكر نظرتها الأخيرة نحوه.
ولأول مرة منذ سنوات...شعر بالعجز.
.
.
.
.
.
.
.
تجلس رغد في الصالة مع السيدة سومين التي كانت تقلب بين قنوات التلفاز.
رست أخيرًا على قناةٍ للطبخ، ثم تركت جهاز التحكم تتابع البرنامج باهتمام.
زفرت رغد بامتعاض، فأكثر ما تكرهه في الحياة هو الطبخ... طبعًا بعد زوجها!
همّت بالنهوض والصعود إلى غرفتها، لكن صوت فتح الباب جعلها تتوقف.
بعد لحظات، دخل فاليرو قائلًا
_السلام عليكم.
ابتسم لرغد ابتسامة خفيفة، ثم اتجه إلى السيدة سومين يقبّل رأسها وجلس بجانبها.
وما إن أخرج هاتفه ليرد على اتصالٍ وصله، حتى تبدلت ملامحه من الهدوء إلى الجزع... ثم إلى الغضب،
وقبل أن ينطق بحرف...
انفتح الباب بعنف.
دخل السيد أصلان يجرّ مريم خلفه، وتعالت شهقاتها تملأ المكان.
وفي لحظة، دفعها بقسوة حتى سقطت عند أقدام الجميع.
صرخ بغضبٍ هزّ أرجاء الصالة
_هذه هي الفاسقة التي أفسدها دلالك يا فاليرو! أتظن أن النساء يفهمن بالكلام؟ أنا المخطئ لأنني تركت أمرها بين يديك!
انتفض فاليرو من مكانه متجهًا نحو أخته ليساعدها على النهوض، لكن صوت والده أوقفه.
_لا تعرف ما فعلته، أليس كذلك؟ لقد وجدتها تجلس في المقاهي مع الشباب!
وأنهى حديثه رافعًا كفه ليصفعها.
شهقت مريم، وأغلقت عينيها بقوة.
لم تعد تملك الشجاعة حتى لتنظر في عيني أخيها.
كانت متأكدة أن والدها حرّف ما حدث، ومتأكدة أيضًا أن أخاها سيغضب...
لكنها كانت تؤمن بشيء واحد...
أنه لن يؤذيها.
لذلك زحفت بجسدها المرتجف حتى تشبثت بساقيه، كأنها تبحث عن الأمان داخله.
وقبل أن تهبط يد أصلان...
أمسك فاليرو بمعصم والده بهدوء وقال
_مهما أخطأت... فالضرب ليس الحل.
ضحك أصلان بسخرية، ثم دفعه بقوة.
_ليس عليك أن تلعب دور أخيها، أنت هنا لتكون ابني فقط.
تراجع فاليرو خطوة من أثر الدفعة، وظهرت علامات صدمة على وجهه.
بينما أعاد أصلان رفع يده من جديد.
كل ذلك كان تحت أنظار السيدة سومين، التي اجتمع في قلبها الغضب على مريم والشفقة عليها في آنٍ واحد.
أما رغد...
فلم تكن ترى مريم، كانت ترى نفسها.
ترى طفولتها...
وترى يد والدها وهي ترتفع بالطريقة نفسها.
دون أن تشعر، اندفعت إلى الأمام،
وقفت أمام مريم، تحجبها بجسدها.
أغمضت عينيها وهي تقول بصوتٍ يرتجف
_أنت لم تكن يومًا والدًا يحميها أو يفهمها... فلا يحق لك أن تؤذيها الآن بحجة الشرف.
ساد الصمت لثوانٍ.
نظر أصلان إليها بذهول، وكأنها المرة الأولى التي يسمع فيها زوجته ترفع صوتها عليه.
ثم اقترب منها ببطء.
قبض على خصلات شعرها بقوة حتى شهقت ألمًا.
وانحنى هامسًا قرب أذنها
_يبدو أنكِ أيضًا تحتاجين إلى تأديب... وسأفعل ذلك.
ارتجفت رغد، لكنها لم تتراجع.
وفجأة...شعرت باليد التي تمسك شعرها ترتخي.
رفعت عينيها لترى فاليرو يبعد يد والده عنها، وقد بدا أن هدوءه المعتاد بدأ يتصدع.
زفر ببطء،
ثم أردف بنبرة حاول أن تبقى هادئة احترامًا لوالده
_دع الأمر لي... كما اعتدت دائمًا.
توقف لحظة قبل أن ينطق آخر كلمة.
_...أبي.
رمقه أصلان بنظرة غاضبة، ثم نظر إلى رغد، وبعدها إلى مريم.
زمجر ثم قال بحدة
_لن يمر الأمر!
استدار وغادر، وأغلق الباب خلفه بقوة، حتى ارتجف جسد الفتاتين مع صوت ارتطامه.
ساد الصمت.
قطعته السيدة سومين وهي تنظر إلى مريم بخيبة
_لا أصدق أن هذا يصدر منكِ... لقد لطختِ شرف العائلة.
رفع فاليرو رأسه بسرعة.
ولأول مرة منذ سنوات...
ارتفع صوته في وجه المرأة التي يعدّها بمنزلة أمه.
_كفى!
ساد هدوء خانق في المكان.
أغمض فاليرو عينيه لثوانٍ، ثم فتحهما وقد بلغ به الغضب منتهاه،
تنفس بعمق ثم قال بصوتٍ متعب أكثر من غاضبًا
_ليس الجميع يملك الحق في لومها.
أشار إلى أخته التي كانت ما تزال متشبثة بساقه.
_هي أختي... وأنا أولى الناس بتوجيهها.
ثم تابع، وقد اختلط الغضب بالألم
_لأنني كنت لها أخًا، وصديقًا، وسندًا... وسأحاسبها إن أخطأت، لكن ليس بهذه الطريقة.
مرر يده على وجهه بقوة، وكأنه يحاول أن يطرد غضبه.
_أي شرفٍ هذا الذي يُبنى على الصراخ والضرب؟ أليس الإنسان يُنصح بالحكمة؟... أستغفر الله.
تنفس بعمق محاولًا كبح انفعاله، ولم يزد حرفًا بعدها.
نظر إلى مريم،
كانت تبكي بصمت، ودموعها تبلل سرواله وهي ما تزال تعانق ساقه.
تنهد بتعب،
شعر بوخزة في قلبه،
وخيبة لا توصف.
لم يكن يتخيل يومًا أنها ستبحث عن الأمان خارج البيت... وهو الذي أفنى سنوات يحاول أن يعوضها عن غياب والديها.
انحنى ببطء، وحملها بين ذراعيه،
وهي كانت تنتظر ذلك فقط...
تعلقت به فورًا، وأجهشت بالبكاء في صدره.
تبادلت رغد والسيدة سومين نظرة دهشة.
كلتاهما توقعتا أن يعاتبها أو يبتعد عنها...
لكنه احتواها أولًا.
أما الحديث...فقد قرر أن يؤجله حتى تهدأ.
تصرفاته الفريدة جعلت ابتسامة رغد تتوسع.
حنانه و معاملته الهادئة رغم الغضب الذي رأته يتوهج في مقلتيه....شيء خارق.
دخل فاليرو إلى غرفة اخته الماكثة داخل صدره و إلى الآن لم ينطق بحرف
وضعها برفق على فراشها، ثم استدار متجهًا نحو الباب.
_أخي...
قالتها مريم بصوتٍ متحشرج.
توقف مكانه، لكنه لم يستدر.
_سنتحدث لاحقًا...ارتاحي.
ارتجف قلبها،
كانت تعرف هذه النبرة.
لم يكن هادئًا...
بل هو يحاول ألا يقول كلامًا يجرحها .
نهضت بسرعة، ولحقت به تعانق خصره من الخلف، بينما تتعالى شهقاتها.
_أنت... لا تصدقه، أليس كذلك؟
أغمض عينيه للحظة،
استدار إليها بسرعة، ووضع يديه على كتفيها.
نظر مباشرة في عينيها، وكأنه يبحث عن الحقيقة فيهما.
_قولي لي ...هل كنتِ مع شاب في المقهى؟
تجمدت.
لم تستطع أن تكذب...ولم تستطع أن تقول نعم.
طال صمتها.
ثوان لتحتد ملامح وجهه مجددا؛ كأن شيئا ومض في عقله.
خفض فاليرو رأسه قليلًا، ثم قال بصوتٍ مكسور
_أنا... حقًا لا أعرف أين أخطأت معك.
ابتلعت مريم ريقها بصعوبة.
أما هو، فأكمل وعيناه لا تفارقانها
_حاولت أن أكون لك أخًا حين احتجتِ أخًا... وأبًا حين غاب الأب... وصديقًا كلما ضاق بك العالم.
صمت لحظة.
_فأخبريني... أين قصّرت حتى بحثتِ عن هذا خارجه؟
شعرت مريم أن حديثه سكاكين تجرح دواخلها،
صراخه أهون عليها من نبرته المخذولة.
بعد حديثه، اكتفت من هذا الحديث العقيم، و ستحكي له كل شيئ فحسب.
أمسكت بكفه، فترك لها حرية قيادته حتى جلسا على حافة السرير.
ظلت تحدق في حجرها قبل أن تتمتم
_أنا... لم أفعل شيئًا.
لقد التقينا صدفة، أقسم لك... صدقني.
راقب ملامحها بصمت، ثم سأل بحذر، وكأنه يخشى سماع الإجابة
_هل كنتما تتراسلان؟
أنزلت رأسها أكثر.
_نعم... لكن كانت رسائل عادية.
ثم رفعت عينيها إليه بسرعة وأضافت
_مجرد حديثٍ بين صديقين.
ارتفع حاجبه بعدم رضا.
أدرك أن في رأسها مفاهيم كثيرة تحتاج إلى تصحيح، لكنه أراد أن يفهم قبل أن يحكم.
لذلك سأل بهدوء
_وما شعورك نحوه؟
تسارعت أنفاسها.
كانت تعلم أنها لو أخفت عنه شيئًا فستخسر ثقته، لذلك واجهت عينيه وقالت بتردد
_أخي... أنا لا أخفي عنك شيئًا...
ثم همست، كأن خفض صوتها سيخفف ثقل الحقيقة
_أنا... أحبه.
ساد الصمت.
لم يعرف فاليرو ما الرد المناسب.
أيغضب؟
أيعاتبها؟
أم يحتويها حتى لا تخشى مصارحته مرة أخرى؟
اختار الصمت.
همَّ بالنهوض، يحتاج لوقت لمعالجة الأنر في رأسه،
لكنها أمسكت بكفيه بسرعة.
_أخي، صدقني... أحببته في قلبي فقط، ولم أتجاوز حدود الله معه أبدًا، لم أقرب الحرام.
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه، وربت على رأسها بحنان.
_أعرف... وأنا أصدقك.
ثم أضاف بنبرة أكثر حزمًا
_لكن هذا لا يعني أنك لم تخطئي.
أنزلت رأسها وقالت بصوت خافت
_أعرف... أخطأت عندما سمحت لهذا الشعور أن يكبر. سأفعل ما تطلبه مني.
تنهد، ثم أجلسها في حضنه كما اعتاد منذ صغرها.
_ليس هذا ما أقصده.
رفعت رأسها إليه باستغراب.
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
_الحب بحد ذاته ليس حرامًا.
اتسعت عيناها بدهشة، فأكمل
_هو شعور لا يملكه الإنسان، لكن ما يفعله بعده هو ما يُحاسب عليه.
صمت لحظة، ثم سألها
_برأيك... لماذا حرم الله العلاقات المحرمة؟
هزت رأسها نافية، فقال بهدوء
_لأن الله أراد أن يغنينا بالحلال عن الحرام، ويحفظ قلوبنا من الأذى.
ففي العلاقات المحرمة لا أحد يضمن نية الآخر؛ قد يكون صادقًا، وقد يكون عابرًا يبحث عن التسلية.
لذلك شرع الله الخطبة والزواج، حتى تكون العلاقة واضحة، ويكون مقصدها الحلال، وهذا ينطبق على الرجل والمرأة معًا.
ظلت تستمع إليه بصمت، ثم سألت بخوف وحيرة
_وماذا أفعل الآن يا أخي؟
نظر إليها طويلًا قبل أن يجيب
_ادعي الله في كل صلاة؛
إن كان خيرًا لك، فاسأليه أن يرزقك إياه بالحلال، وإن كان شرًا، فاسأليه أن يصرف حبه عن قلبك.
ساد الصمت بينهما.
لم يكن من السهل عليه أن يتقبل أن أخته أصبحت تحمل مشاعر لرجل آخر،
لكنه كان يعلم أن غضبه لن يداويها،
وأن واجبه الآن أن يرشدها لا أن يكسرها.
نهضت مريم، نزعت حجابها بعدما كانت ترتدي ملابس المنزل تحته، ثم ارتمت في حضنه تستمد منه الطمأنينة.
ضمها بصمت، وأخذ يمسد على شعرها حتى هدأت شهقاتها.
.
.
جلست رغد على الأريكة، بينما خيم الصمت على المنزل.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، يختلط فيها الإعجاب بشيء يشبه الحسد.
تمنت، ولو لمرة واحدة، أن يكون في حياتها شخص مثل فاليرو...
شخص يحتضنها حين تخطئ قبل أن يعاتبها،
وشخص يقف إلى جانبها، لا عليها.
قطع أفكارها صوت خطواته وهو ينزل الدرج بسرعة.
كانت ملامحه جامدة، لكن الغضب كان يشتعل في عينيه.
_بني...
استوقفته السيدة سومين.
أجاب دون أن يتوقف
_لن أتأخر يا أمي.
ثم خرج وأغلق الباب خلفه.
رفعت السيدة سومين يديها تدعو له بقلق حقيقي
_اللهم أنزل عليه رحمتك ولطفك... اللهم احفظه وأعده سالمًا.
وجدت رغد نفسها تردد الدعاء معها دون وعي.
.
.
حلّ منتصف الليل.
لم يُحضَّر العشاء أصلًا، فلم يكن لأحدٍ شهية للطعام.
دخلت السيدة سومين غرفتها منذ ساعات، وكذلك مريم، ولم تخرجا بعدها.
أما رغد، فكانت تجلس وحدها في الصالة، تقنع نفسها بأنها لا تنتظر أحدًا.
قطع الصمت صوت مفتاح يدور في قفل الباب.
دخل فاليرو بخطوات بطيئة، وكأن يومًا كاملًا يستند فوق كتفيه.
رفع بصره، فلمح هيكلها جالسة على الأريكة.
توقف لحظة، ثم سأل بصوتٍ متعب
_لِمَ أنتِ هنا؟
انتفضت على أثر صوته، وأسرعت تعبث بوسادة الأريكة تخفي ارتباكها.
_لا شيء... فقط لم أشعر بالنعاس.
ظل ينظر إليها لثوانٍ قصيرة، ثم قال باقتضاب خالٍ من أي انفعال
_تأخر الوقت... اخلدي إلى النوم.
لم ينتظر جوابها، واستدار صاعدًا الدرج بخطواتٍ ثقيلة.
تابعت ظهره حتى اختفى عن ناظريها.
تنهدت بخفة، ثم هزت رأسها تؤنب نفسها.
_ولِمَ بقيتُ أصلًا...؟
تمتمت بها بضيق، قبل أن تنهض هي الأخرى متجهة إلى غرفتها.
الفصل الرابع تم✔️
2953 كلمة
مارايكم في علاقة مريم و نواه؟
اللّهمّ اِغفِر لِي مَاتَقدَّم من ذُنوبِي ومَا تأَخّر مِنهَا
لَا تُلهِيكم الرِّوَايَات عنِ العِبادَات💜
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!