مُشوش/confundido
مُشوش/confundido
جزء 5 من 6

-:الفصل الثالث:-

«فقط فلتعترفي! أما زِلتِ تُنكرين مع كلّ هذه الأدلّة؟!»
تحدّث الشرطي أمامي بنبرة حادة ولاذعة. أنزلتُ رأسي دون أن أُبالي بكلماته، وبدأت أسترجع ما حدث لي خلال هذه الساعات القصيرة.
_عند الكوخ الخشبي.
ازدادت قبضته على كتفي حدة. لم أفهم لماذا ما زلنا نقف ولم يأخذوني للخارج بعد، لكنه سحبني بسرعة خارج الكوخ.
آهٍ، كم كانت كل خطوة مريرةً، كأنني أمشي على طريقٍ من الأشواك إلى مصير بائس، والهواء يخنق حلقي كدخان سام.
كان الخارج مليئًا برجال الشرطة، بأسلحتهم المشرعة بحذر. لقد اضطربت أعينهم الحادة للحظات عندما أطللت عليهم، لكنهم عادوا إلى جديتهم دون أن يُلقوا بالًا لمعاناتي مع الشخص الذي يشدد الخناق على معصمي، ويجرني بقوة كأنني دابة.
كل خطوة عميقة تُصدر صدى مع المطر والرياح. وكل ما حولي يجعل قلبي يخفق بلا رحمة، لكن جسدي ظل ساكنًا، كأني مجرد مراقبة لنفسي من بعيد، غير قادرة على التدخل.
اقتادوني إلى السيارة، وجلستُ في المقعد الخلفي، وأحسستُ بالبرد يلسع ظهري. كان المطر لا يزال يتلاطم على الزجاج، لكنه بدا أقل ضوضاءً من الدقات المتسارعة في صدري. لم أستطع التحدث، ولم أستطع التفكير، كل شيء بدا بعيدًا، مجرد فراغ أسود يبتلعني من الداخل.
وصلنا إلى مركز الشرطة، وأدخلوني مباشرةً إلى غرفة الاستجواب. كانت الحوائط رمادية، وضوء شديد يكشف كل زاوية من وجهي، ورائحة الهواء المكيف القوي مختلطة برائحة المطاط المعدني للمعدات. جلس أحدهم أمامي، بينما كان آخرون خلف ذلك الزجاج...
أسئلة متلاحقة، واحدة تلو الأخرى:«أين كنت؟ من ساعدك؟ لماذا فعلت هذا؟»
'لكن جدياً؟! إذا كنت أعلم، لم تكونوا لتروا ظلي حتى.'
سخرت داخلي متجاهلة كل شيء، لكنني أجبتهُم ببرود وتهكم بالغ:
"لا أعرف، ولم أتذكر أنني قمت بخرق القانون حتى، لذا لم أفعل شيئًا... تلك ليست أنا!"
خرجت جملتي الأخيرة بصوت ضعيف لا يكاد يُسمع، لكن ماذا؟ ها هي كلماتي تتناثر كأوراق متطايرة في عاصفة... لا أحد يُصدق ما أقوله.
ساعتان كاملتان… كل دقيقة تمر كانت تزيد من ضباب عقلي، وكل ثانية تزيد من شعوري بأنني أضحك على نفسي، أو أن الواقع يضحك عليّ.
المحيط حولي خانق، ولم أعد أجيب على أيٍ مما يقولون، فقد استمررت في الشرود في الفراغ.
لكن الشخص الذي أمامي فقط هو من فقد سيطرته ، ليضرب على الطاولة بقوة بينما يوجه إلي نظراته السامة:
_«سكوتكِ فقط يجعل جريمتكِ أكبر، والحكم سيكون مضاعفًا، لذا اعترفي حتى لا ينتهي أمركِ بالإعدام»
وكأن كلماته كانت ضربة حادة عصفت بإدراكي، وجعلتني أفقد رزانتي وأنهار تمامًا...
"أنا لم أقتل! لم أفعل شيئًا أبدًا! أخبرتكم، هذا لم يكن أنا!"
الشرطيون وقفوا مذهولين، وجوههم تعكس الاستغراب، وعيونهم تبحث عن أي أثر للصدق في كلماتي.
لكن هذا جعلهم يزدادون إصرارًا لجعلي أعتَرف بجرائم لم أرتكبها، تراجع الآخر من الغرفة وتركتُ وحيدةً لبعض الوقت.
الزمن بدَا لي متوقفًا لولا دخول أحدهم إلى الغرفة، هيئته المتماسكة، عيونه الهادئة، دفتر في يده، وذاك الرداء الأبيض أفصح لي عن هويته.
'طبيبٌ نفسي؟! أيظنون أنني مجنونة لإحضاره من أجلي؟! هم حتمًا المجانين هنا وليس أنا!'
سخطتُ بداخلي وأنا أشاهده يتخذ الكرسي المقابل لي. رأيته يلاحظ ملامحي المكشرة في وجهه، لكنه مع هذا حافظ على جمود وجهه ولم يُبدي أي رد فعل حين بدأت أهاجمه بكلماتي وشتائمي لجميع من حولي.
ظلّ يراقبني حتى انتهيتُ من التنفس براحة بعدما أبديت ضيقي الداخلي. شعرتُ بعدها بإحراجٍ من فعلتي والصمت الذي أطبق المكان، وكنتُ أشعر بأن عقلي يطفو بين الإدراك والجنون.
وفجأة، لمِحتُ انعكاسي على ذلك المصباح، كانت ملامحي مشوشة، لا أرى فيها سوى وحشًا مشوه، ارتَجفتُ شاعرةً ببردٍ يلتفُ حولَ قلبي، لأكسرَ الصمتَ ودون إرادة مني…ضحكتُ ضحكًا هستيريًا، وكانتا عيناي تتسعان، وصوتي يمتلئ بالجنون:
"نعم… أنا القاتلة! أكرههم جميعًا… كل الرجال… وكل واحد منهم يستحق هذا!"
كنتُ أعترف بكل شيء دون أن يرتسم الندم على ملامحي… مجرد فراغ داخلي يتدفق عبر الكلمات.
ثم… كما لو بهتت عيناي فجأة، عدتُ إلى هدوئي من جديد انكمشُ حولَ نفسي، بصمتٍ حارق بعد القنبلة التي ألقيتها، لكنني ولسبب ما لا أتذكر أي شيء مما فعلت قبل لحظات.
وضع الطبيب النفسي دفتره جانبًا، وهز رأسه، كأنّه فهم واكتشف حالتي التي لم أُدركها، ثم حين بدأ يدون شيئًا ما ويلطخ الصفحات البيضاء بالأسود، رفعتُ حاجباي باستغراب فأنا لم أفعل شيئًا يُذكر ليعرف ما بي.
خرجَ وبقيت لوحدي في تلكَ الحجرةِ الخانقة، ثم ولأيام أخرى استمر التحقيق معي، وتلكَ الجلسات المُتعبة مع ذاكَ الطبيب النفسي، حتى أتى ذلك اليوم، حينَ أنهى الجلسةَ خرجَ
ليخبر الشرطة بشيءٍ وصل إلى مسامعي بطريقة لا أعرفها، مما جعل عيناي تتسعان بذهول:
"لديها انفصام في الشخصية… حالة اضطراب حاد تجعلها تنتقل بين وعيٍ وآخر لا تتذكره."
أمسكتُ رأسي بيدَيّ واعتصرتُه بقوة، نفسي خرجَ حارًا، كأنّ نارًا أُضرمت بداخلي.
'أهذا ممكن؟! أأنا مجنونةٌ حقًا؟!'
احتُجزت مؤقتًا في زنزانة ضيقة، حيث كان الهدوء يضغط على عقلي، كأن كل جدار يهمس لي بأنني عالقة هنا إلى الأبد. حاولت النوم والتفكير، لكن الأصوات والظلال والذكريات تداخلت، كأن عقلي يتشبث باللاوعي والإدراك في نفس الوقت.
لمَ عادَ كل شيءٍ ليبدو مشوشًا؟
بعد فترة جاءوا لأخذي، لم أكن أدري إلى أين، كل شيء من حولي كان مجرد خطوات وأصوات ووجوه تتلاشى في الضباب، دخلتُ إلى المحكمة لأجلِسَ في مكاني المخصص.
اختنقتُ بلعابي بتوترٍ حينَ لمحتُ العدد المهول من الأشخاصِ حولي، أعيُنهم غريبة وكأنها تلتهمُ فريسةً ما،  والفريسةُ هنا هي أنا.
_«تم الحكم عليكِ… بالإيداع النفسي المؤقت… إلى أن يتم تحديد مدى مسؤوليتك عن الأفعال المنسوبة إليك.»
سمعتُ القرار، شعرت بدق عنقي المفاجئ، والرعب يتسرب في عروقي، ثم غمرني الظلام، غلف عينيّ، وابتلعني إلى ما لا أدركه.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
مساحة إعلانية

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.