-:الفصلُ الأول:-
تِك، تِك، تِك...
تتابع نقرٌ لا أعرفُ ماهيته يتسللُ إلى عقلي بهدوءٍ مثيرٍ للأعصاب. انكمشت ملامحي بانزعاجٍ ثم تمتمتُ بصوتٍ لا يكاد يُسمع، بينما اتململُ بجسدي، وعدمُ الارتياح غلبَ على رغبتي في النوم:
"آه، مُزعج! ألا يمكنني الراحةُ ولو للحظة؟!"
رفرفت أهدابي بخفةٍ حتى اتضحت رؤيتي، اعتدلتُ بجلستي على المقعد ورأسي ينبض بألمٍ شديد... فقدتُ إدراكي للحظاتٍ حتى اتسعت عينيّ في مفاجأةٍ، مع شهقةٍ ثائرة خرجت من ثغري.
'أنا على قيدِ الحياة!'
صحتُ بداخلي وكأنّني أطرحُ سؤالًا غير منطقي، هرعتُ لتفقد رأسي وجسدي، لأجد أنني دون إصابةٍ تُذكر. نبض قلبي بعنفٍ شديد، ورحتُ أعانق جسدي بلا تصديق...
'أنا حيةٌ ودون خدوشٍ حتى! إن هذه لمعجزةٌ حقًا.'
وبينما أعيشُ حالةً من الذهول، داعبت أنفي رائحةٌ قوية ومألوفة. توقفتُ لحظاتٍ عن جنوني وأركزُ على التعرف عليها... سرعان ما انفرج جفنايَ بخوفٍ حين أدركتُ مصدرها.
وقود السيارة يتسرب، وهذا يعني أنه في أي لحظة قد تنفجر وتُحرق كل شيء حولها... بما فيهم أنا داخلها.
ارتفع هلعي بشكل ملحوظ بينما كنت أبحث عن هاتفي الذي كان بجواري سابقًا. كان توتري يتصاعد مع كل لحظة أتنقل فيها وأبعثر الزجاج حولي لأجده. توقفتُ ابتلع ريقي بصعوبة... ليس هنا! ألم يجِد لحظة أخرى للاختفاء، وكأن الأرض ابتلعته دون أثر، وفي الوقت الذي كنت في أمسّ الحاجة إليه؟
ارتجاف يديّ وتعرُّقهما يزداد كل لحظة، فتحتُ الباب بصعوبة كونه تضرر من الاصطدام، ورفعتُ نظري لأشاهد محيطي.
السماوات اكتنفت رداء العزاء، وأُسدِلَ الظلامُ ليغلف كل شبر، الرياح خفتت حدتها، لكن الأمطار كانت تتلاطم على الأرض بغضب.
نبض عقلي بألم من فكرة خروجي من مركبتي، والبقاء بين أجواء كهذه، شددتُ قبضتي أعتصرها حتى غُرِزت أظافري في باطن كفي، دون ألم يُذكر...
طردتُ التردد من أعماق رأسي، ثم هممتُ بالابتعاد عنها، ملابسي التصقت بجسدي المبلل، وشعري القصير أصبح مُبعثرًا.
'ألا تكفي كل هذه الأشجار لحجب الأمطار؟ إلهي، ما هذا؟ كأن دلاءً من الماء ينسكب فوقي تلو الآخر!'
هممتُ بإبعاد خصلات شعري البنية الملتصقة على وجهي ورقبتي، وما إن ابتعدتُ مسافةً لا بأس بها حتى تردد إليّ صدى انفجارٍ قوي.
التفتُ بأنفاسٍ ثقيلة، أُشاهد النيرانَ تلتهِمُ كلَّ شيءٍ حولها. لم تتأثر أو تخمد حتى بالمياه التي تنسكب فوقها. لمعت عيناي وانعكاسُ البرتقالي يمتزج مع الأحمر يتراقص بين مقلتي.
'آه، بالكاد نجوت، كنتُ سأكونُ داخلها أصرخ ألمًا وجسدي يتآكل... ثم أتفحّم دون أن يعلمَ عني أحد!'
اقشعرَّ جسدي، والتفتُ أكمل طريقي متوغلةً إلى الداخل. عليَّ الابتعادُ قدر الإمكان، فمن يدري، فقد يجذب الضجيج العالي حيواناتٍ خطيرة، وأنا في غنى عن مواجهتها.
ولوهلة... خُيّلَ لي أنني لمحتُ شيئًا ما، اقتربتُ برعبٍ لأتأكد من صحة ما رأيت، ويا لدهشتي، إنه كوخ!
'هل ابتسم لي الحظ مرةً أخرى لأُكافئ بهذا الشكل؟
من كان ليتوقع وجود كوخ في مكانٍ منقطعٍ كهذا؟'
تجاهلتُ أفكاري الداخلية ووساوسي التي لا أريدها في هذه اللحظة بالذات؛ فالبرد يكاد يُهلِكُني، وإن بقيتُ لوقتٍ أطول حتمًا سأموت متجمدةً هنا.
واتجهتُ هرِعًا أفتَحُ بابه برويّة، كُسرَ عويلُ الرّياح برنةِ صرير البابِ الخشبي. سرعان ما دلفتُ ببطء ليلفح الغُبارُ وجهي، ورائحةٌ مُقيتة كانت كصفعةٍ حارّة استقبلتني.
كمشتُ أنفي بحسّاسية، ورَفعتُ يدي لأعصر عليه حتى لا تتجرأ رائحةٌ على اختراق رئتيّ.
تفقدتُ المساحة الخالية أمامي، لم يكن هناكَ شيء، لا أثاث، فارغٌ تمامًا... على الجانبِ كان هناكَ بابٌ واحد، تسللت من أسفلِهِ نورٌ خفيف.
تقدمتُ نحوه بجذعي، ملابسي المبللة تركت أثرًا خلفي، وضعتُ يدي على المِقبَض وترددتُ للحظاتٍ في فتحه.
فقط أتمنّى ألا يتواجدَ أحدٌ داخلها!
لوّيتُه ودفعتُ البابَ بخفّة، وبدأت تتوضّح لي معالمُها شيئًا فشيئًا.
حبستُ أنفاسي برهبة، وشعرتُ بوهنٍ عظيم يسكُن عظام قدمي، حتى خارت قواي ووقعتُ جاثيةً على الأرض، أرمق ما قابلني بوجهٍ مصفرّ.
يا إلهـ...!
أيّ مصيرٍ أوصلَ بي إلى هذا المكان؟ بل ما مصيبتي مع المشاكل اليوم...
دماءٌ جافّة تملأ الأرض، أدواتٌ حادة مبعثرة بعشوائية، و... جثةٌ مُعلّقةٌ تتدلّى من السقف.
عيناي بدأت تلسعاني بشدة، جسدي يرتجف وينبض بألم، أنفاسي مقطوعة بالكاد أستطيع أخذ شهيق... ثم، بعد لحظات، ارتفعت شهقاتي ونحيبي وتردد صداهما في أرجاء الغرفة.
انتفضتُ فجأة حين دوى الرعد على حين غرة، وازددت اضطرابًا حين تسللت إليّ أصوات خطوات قوية في الخارج.
زحفت بسرعة داخل الغرفة، وبوهن استطعت إغلاق الباب جيدًا، اتكأت عليه بجسدي، وتنهدت بغصة مؤلمة.
فجأةً ودون أي سابق إنذار، ظهرت صور على الحائط أمام عيني. التفت بتفاجؤ إلى جهاز العرض إلى يميني. ثم أعدت مُقلتاي للفيديو الذي بدأ يعرض مشهدًا حيًا للجريمة!
'مستحيل... أهذه؟!'
رفعت يدي لأكمم فمي بصدمة، وشعرت بأحشائي تتلوى وتعتصر بقوة. غثيان قوي داهمني، لينتهي بي الأمر أُفرغ ما بمعدتي، هذا أفظَعُ مشهدٍ قد شاهدتهُ عيناي... مريع!
ويبدو أن المفاجآت لم تكتفِ بهذا القدر، بل وجهت لي لكمة أخرى لأعصابي، وهذه كانت أقوى من سابقتها.
المُجرم أمام ناظري... ءء أنا أعرِفُه! هل فقدتُ عقلي مَع انفجار سيارتي، أم أنني أتوهم؟!
'إلهي، فليكن هذا كابوسًا ولا يكون ما أراهُ حقيقيًا!'
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!