-: المقدمة: بدايةً:-
«نوفيكم، أعزائي، بآخر الأخبار عن الجرائم المتسلسلة في الفترة الأخيرة، بفعل مجرم واحد يستهدف الرجال. حاليًا، أعلنت الشرطة المحلية عجزها عن إيجاد أدلة توصلنا إلى ذلك القاتل، وكان الرابط الوحيد بين الضحايا علامة الفراشة التي خلفها على الصدر الأيسر لكل قتيل، موضع القلب مباشرة.»
صدع صوت مذياع السيارة متماشيًا مع نقر قطرات المطر على زجاجها. زفرتُ باستياء بينما ارتشفتُ كوب القهوة بروية، ثم تمتمتُ بسخرية وأنا أغير القناة التي أصبحت مشوشةً بسبب انقطاع الطريق.
"جِديًا! ما فائدتهم إن لم يمسكوا بمجرمٍ خطيرٍ كهذا؟! حُبًا بالله، لولا استهدافه الواضح للرجال لم أكن لأتجرأ على الخروج اليوم."
عانقتُ جسدي حين أنهيتُ جملتي، والقشعريرة عبرت أوصالي... هدّأتُ نفسي بتربيتةٍ خفيفةٍ على ذراعاي، ثم أخذتُ قضمةً من الحلوى بجانبي علّها تُحسن من مزاجي.
أعدتُ انتباهي للقيادة، بينما مررتُ بنظري على الطريق أمامي، طريقٌ معبَد في المنتصف، الأشجار الكثيفة والعالية تملأ جانبيه... ما زالت أمامي مسافة طويلة لأصل إلى الأحياء البشرية، فهذا المسار خالٍ تمامًا من ذلك.
استندتُ بجسدي إلى الوراء على الكرسي، واستمتعتُ بأجوائي المفضلة، المعبقةِ برائحة البن العتيق، ثم رفعتُ يدي لتغيير قنوات المذياع عسى أن أجد شيئًا ممتعًا للاستماع إليه.
وبعد فترة قصيرة، بدأت تتسلل إليّ أصوات أخرى غير ذلك التشويش المزعج.
«... لذا نوصيكم الليلة بالبقاء في منازلكم حتى تنتهي العاصفة، ونود أن نقدم تحذيرًا أخيرًا... من المتوقع أن تكون هذه العاصفة أقوى من سابقاتها، ويحتمل حدوث انهيار للسد، مما قد يؤدي إلى فيضانات وسيول شديدة».
قطبت حاجباي باستغراب مما سمعت للتو.
عاصفة؟ لماذا لم يحذروا منها مسبقًا أو في وقتٍ أبكر؟ لا يزال أمامي مسافة طويلة لأصل إلى وجهتي، ماذا سأفعل إذا قطعت الطريق وعلقت في هذا المكان الخالي؟
مع هذه الفكرة توالت مزيدٌ من الأفكار السلبية في ذهني، وكلها تنتهي بفكرة أنني سأكون جثة في هذا الليل قبل أن تشرق الشمس. ارتجفت يداي على المقود، وأحسست بصعوبة في التنفس مع تزايد هطول المطر بعنف على الزجاج.
تنهدت بمرارة وهززت رأسي لأطرد كل ما يشتت انتباهي، ثم ركزت مرة أخرى على القيادة بحذر.
'أتمنى فقط أن أمضي قبل أن تزداد شِدتها.'
همستُ في قلبي بأملٍ واهن... ولكن هيهات، ما زادَ من سوء حظي سعالُ المحرك ككهلٍ يفارق الحياة. ثم صمتت مركبتي واحتكَّت العجلات بقوةٍ على الطريق، مُصدِرةً ضجةً عالية.
تراءت بين عينيَّ جميعُ الذكريات، من سيئها إلى أفضلها، وشاركَ صخبَ الأجواء قرعُ قلبي بسرعةٍ جنونية تُنافس البرقَ الذي ومضَ بين السحاب.
حبستُ أنفاسي حين باتت نهايتي وشيكةً، بل أمامي مباشرة.
أن أموتَ بحادث اصطدامٍ في شجرةٍ صغيرة كان آخر توقعاتي.
أنهيتُ عدّ أخطائي والتّحسُر على أشياءٍ فوّتها، تزامُنًا مع انتهاء ضوضاءِ حديد السيارة وهو يحتكُ مع الجذع السميك... ثم اندفاعُ جسدي ضد المقود وتناثر الزجاج حولي.
غلفت القتامة عينيّ مع شعوري بسائلٍ حار ينساب من رأسي حتى وجنتي، وطعم مُريع لصدأ الحديد استوطن ثغري.
"تبًا! إن طعم الدم مُقرف."
كان ذلك آخر ما تمتمتُ به قبل أن يسحبني الظلام، بعيدًا لأجلٍ لا أعرف نهايته... هل أستيقظُ أم أفارق الحياة؟
مساحة إعلانية
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!