وضع القراءة:

5

نظرت إليه ليلى وقد بدا الارتباك على وجهها:
– إذن... أنا لست بخير...
قاطعها كريس قائلًا:
– بل أنتِ في حال أفضل مما كنتِ عليه، وأظن أن الدواء بدأ يُعطي مفعوله.
أخفضت ليلى رأسها، وبقيت صامتة. لم تعرف ماذا تقول، أو كيف تتفاعل مع ما تسمعه.
تنهد كريس وقال:
– الآن وقد استيقظتِ، وأراكِ في حالة جيدة... أرجوك، اعتني بنفسك. لا تجعليني أضطر إلى إحضار شخصٍ آخر للاعتناء بك، فأنا لا أثق بأحد. أنا مضطر للخروج، لدي أمر مهم يجب أن أنهيه.
لم تجب ليلى، وبقيت على صمتها، بينما غادر كريس. جلست وحدها، تحاول أن تستوعب كل ما يجري معها، وكل ما قيل لها... لكن شيئًا في داخلها لم يكن مرتاحًا.
مرّت الأيام، ولم يحدث أي شيء جديد. بدأت ليلى تعيش حياة طبيعية، رغم أنها كانت تظل صامتة أغلب الوقت، تغرق في أفكارها. أما كريس، فكان كعادته يذهب إلى العمل ثم يعود دون أن يثير أي شكوك أو تغيّرات واضحة.
في يوم عادي، كانت ليلى ترتّب المنزل كجزء من روتينها المعتاد، ثم توجّهت إلى مكتب كريس لترتيب الأوراق المبعثرة. بدأت تنظم كل شيء وتضعه في مكانه، إلى أن لفت انتباهها شيء غير مألوف. وسط الأوراق، وجدت وثيقة زواج مؤرخة بسنة 2022.
توقفت لحظة. شعرت بالارتباك، لم تتذكر حتى في أي سنة يعيشون الآن. التفتت بسرعة لتجد يومية موضوعة بجانب المكتب، فتحتها لتتأكد، فإذا بالتاريخ يشير إلى سنة 2023. اتسعت عيناها. "مرّت سنة على زواجنا؟" همست لنفسها بدهشة.
عادت فجأة إلى كلمات العجوزة التي كانت تطاردها في كوابيسها: "جورجا اختفت منذ سنة... تزامنًا مع زواجك." شعرت بقشعريرة تزحف على جسدها. هل كل ما يحدث مجرد صدفة؟
واصلت البحث بين الأوراق بدافع لا تعرف إن كان فضولًا أو قلقًا، لتجد درجًا مغلقًا جزئيًا. سحبته لتجد داخله ملفًا يحمل اسمها. شعرت بالتوتر. "ما هذا؟ لا أذكر هذا الملف!" تمتمت.
فتحت الملف ببطء، لتسقط منه صورة. التقطتها وتمعّنت النظر فيها. كانت صورة لها، مع ماريا — شبيهتها — وكريس. كانوا جميعًا يبتسمون، يبدو عليهم الانسجام والسعادة. قلبها انقبض، لم تستوعب ما تراه. "متى التُقطت هذه الصورة؟ ولماذا لا أتذكر شيئًا منها؟"
قطع تفكيرها صوت جرس الباب. قفز قلبها من مكانه. أعادت بسرعة كل شيء إلى مكانه، وأغلقت الأدراج، ثم تنهدت بعمق في محاولة لاستعادة هدوئها. تقدّمت نحو الباب وفتحته ظنًا منها أنه كريس... لكن المفاجأة كانت أكبر من كل توقعاتها.
كانت شيتا المحققة ، وهي أيضا والدت ماريا
تبادلت عيناها النظرات مع ليلى، واتسعت ملامح وجهها بالدهشة، وقالت بصوت مرتجف ليلى :
– "أنتِ؟!"
قالت شيتا باستغراب وهي تراقب ملامح ليلى:
– "لم أظن أن حالك سيكون هكذا... حتى لو أردتِ الكذب، عيناكِ وحركاتك لا تكذب. أنتِ لا تتذكرينني... ولا تخاطبينني كما اعتدتِ. ماذا حدث لكِ؟ إلى هذه الدرجة نسيتي كل شيء؟ سأُفهم إن نسيتي الحادث، لكن أن تنسيني أنا... وكل من حولك؟"
وقبل أن تنطق ليلى بكلمة، قطع صوتهما صراخ حاد:
– "ليلى! ادخلي فورًا!"
كان كريس.
نظرت إليه ليلى، مترددة. كان صوته غاضبًا بطريقة لم تعهدها. دخلت المنزل بصمت، رغم رغبتها الجامحة في معرفة لماذا يمنعها دومًا من التحدث مع شيتا. لم تستطع سماع ما قاله كريس لتشيتا، لكنها شعرت بشيء مريب في نبرته.
بعد لحظات، دخل كريس وأغلق الباب خلفه. اقترب منها سريعًا وسأل بقلق ظاهر:
– "هل أنتِ بخير؟"
نظرت إليه ليلى، وقد بدأ القلق يتحوّل داخلها إلى شكٍّ يتضخم:
– "أنا من يجب أن يسألك... لماذا تعامل المرأة بهذه الطريقة؟ كلما رأيتني معها تبعدني، لماذا؟"
تنهد كريس، وكأن الأمر أثقل مما يبدو، ثم أجاب:
– "لأن هذا الأفضل. لن تضغط عليكِ. هي لا تهتم إلا بأن ترضي نفسها وتُقنع نفسها بأنها محققة بارعة. هذا ليس وقتها، خصوصًا وأنكِ... فقدتِ ذاكرتك. لن تفيديها بشيء."
نظرت ليلى إليه بعيون متشككة:
– "كل تصرفاتك تجعلني أشك فيك أكثر."
ردّ كريس ببرود متعمد:
– "كل ما أفعله هو لحمايتك، لكنكِ لا ترين ذلك. حسنًا... سأخبرك بما يمكنني قوله."
تقدمت خطوة منه، بنبرة بدأت تختلط بين الغضب والوجع:
– "لماذا لا تخبرني بكل شيء؟ لماذا كل هذا الغموض؟"
صرخ فجأة، وكأنه كسر حاجزًا داخله:
– "لأنني طبيبك، وأنا أعرف مصلحتك! تعرضتِ لفقدان ذاكرة بعد صدمة قوية. كما أخبرتك... بعد اختطافك، نسيتِ كل شيء. لذا أخبرك فقط بما لا يؤذيك أو يؤذي ذاكرتك."
قالت ليلى بذهول، وقد شدّها ما سمعته:
– "اختطاف؟! ماذا تقول؟"
أخذ كريس نفسًا عميقًا وبدأ يسرد، بصوت أثقل من قبل:
– "نعم... كنتِ مخطوفة. جورجا... لم تعاملْكِ يومًا كما ينبغي، عقلكِ حاول أن ينجو من الذكريات المؤلمة، فقام بمحوها بعد الصدمة. هكذا يعمل العقل، يفرم الذكريات السيئة لينقذ نفسه."
سألته ليلى، وقد بدأ الغموض يضغط على صدرها:
– "وما علاقة جورجا باختطافي؟ ولماذا نسيتها تمامًا؟"
تلعثم كريس، ثم قال:
– "لا أعرف بالضبط ما حدث أثناء اختطافك، ولا من فعلها... لكن هذا ما توصلنا إليه."
ردّت ليلى بإصرار:
– "ماريا كانت هناك يوم اختطافي، لماذا لا نسألها عمّا حدث؟"
ارتبك كريس، وعيناه اتسعتا بدهشة:
– "أنا... لم أخبرك أن ماريا كانت معك! كيف تعرفين؟!"
أجابت ليلى بتوتر:
– "تلك الفتاة... لا أتذكرها جيدًا، لكنها زارتني. قالت إنها كانت صديقتي وجاءت لتطمئن عليّ."
صمت كريس لثوانٍ، ثم قال وهو يقترب منها:
– "ليلى... لماذا لم تخبريني بكل هذا؟ أنا لا أريد أن أؤذيك. كل ما أردته هو حمايتك من الألم.
0 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق
الجزء السابق الجزء التالي

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.