3
تنهدت، ثم تابعت:
– أخبرني كريس أن أمي تزعجك، حاولتُ أن أجعلها تبتعد عن الموضوع، لكنّها قالت إن مادام الأمر مرتبطًا بي، وإنني ابنتها، فستتدخل. لكنني سأقوم بما يجب القيام به. أرجوك، انسَي أنني جئت إلى هنا... أنا أفسد كل شيء دائمًا.
كانت ليلى تنظر إليها باستغراب، لا تفهم ما تقوله، لكنها شعرت أن هناك رابطًا قويًا يجمعها بهذه الفتاة، فسألتها:
– توقفي... أنا لا أفهمك، عن ماذا تتحدثين؟!
لكن ماري غادرت، تاركة وراءها سيلًا من الأسئلة في رأس ليلى. كان الشيء الوحيد الذي استطاعت استيعابه أن هناك جزءًا مهمًا من ذاكرتها مفقود، وأن ذلك الجزء هو ما قلب حياتها رأسًا على عقب.
تنقلنا الأحداث إلى كريس، الذي كان حاضرًا في اجتماع مع مجموعة من الأطباء. وقف ليلقي خطابه عن تجربة يسعى لتطبيقها في المستشفى الذي يعمل به، وقال:
– يعاني بعض الناس من تجارب مؤلمة أو من أحداث مرّوا بها في مراحل مختلفة من حياتهم أثّرت على سلوكهم، كحادثة طريق مروّعة، أو اعتداء جنسي، أو التعرّض لانفجار أو كارثة طبيعية في مكان تواجدوا فيه. مثل هذه الأحداث تؤثر سلبًا على سلامة الجهاز العصبي.
أخذ نفسًا وأكمل:
– ومع أن البعض قد يتعافى من هذه الصدمات مع مرور الوقت، إلا أن آخرين لا يستطيعون تجاوزها. تبقى تلك الأضرار وتفاصيلها ودرجة الخوف منها تؤثر عليهم لأشهر، وربما لسنوات. هذه الحالة تُعرف باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD).
سكت لحظة وهو يمرر نظره على الحضور، ثم تابع:
– قمت ببعض الأبحاث حول إمكانية تحويل الآثار السلبية لذكريات ليس لها وجود حقيقي، بحيث يستطيع المريض مواصلة حياته بشكل طبيعي. أثناء جمعي للمعلومات، وجدت بحثًا لفريق من جامعة توياما في اليابان، حول الطريقة التي تسترجع بها أدمغتنا تجارب معينة دون غيرها. وقد توصّلوا إلى إمكانية محو الذكريات المؤلمة دون التأثير على الذكريات الأخرى.
ثم أضاف:
– نجحت الدراسة في محو ذاكرة معينة بين ذكريتين مؤلمتين. وكانت الصعوبة تكمن في كيفية محو ذاكرة واحدة ضمن النشاطات الحيوية دون المساس بالأخرى.
انتهى الاجتماع، ولم يكن في بال كريس سوى أمر واحد ، انه يجب ان يعود إلى البيت.
عندما وصل كريس إلى المنزل، وجد ليلى جالسة كالصنم، تحدق في الفراغ بعينين شاردتين. اقترب منها ببطء وقال بصوت حذر:
– ليلى... هل أنتِ بخير؟
ردّت ليلى دون أن تتحرك أو تنظر إليه:
– أليس من الصعب أن أراك بعينيّ، لكن لا أستطيع أن أتعرف عليك جيدًا... ولا على أي شيء من حولي؟ لماذا؟ ماذا يحدث لي؟ أريد شرحًا لما حدث طوال هذه المدة.
شعر كريس ببعض الراحة حين سمع صوتها:
– أخفتني عليكِ... لكن، لماذا تتحدثين بهذه الطريقة؟
التفتت إليه ليلى، ونظرت في عينيه قائلة:
– ألا تشفق عليّ؟ أخبرني، لماذا نسيتُ ما حدث قبل ثماني سنوات؟! إنها مدة طويلة لأفقدها بكل تفاصيلها.
حاول كريس أن يبرر الأمر بلطف:
– من الطبيعي أن تنسي، فقد تعرضتِ لخطر كبير...
صرخت ليلى بهستيريا:
– تتحدث وكأنني نسيتُ ما حدث في يوم واحد، أو وجبة تناولتها البارحة! لماذا تتعامل مع الأمر كأنه بسيط؟!
قال كريس بأسف:
– أنا آسف...
وفجأة، بدأت ليلى تحطم مزهرية كانت قربها وهي تصرخ بغضب:
– آسف على ماذا؟! ماذا حدث؟!
حاول كريس تهدئتها:
– عزيزتي، أنتِ لستِ بخير. يجب أن ترتاحي، لا تجهدي نفسك. ما تمرين به أمر طبيعي...
استدارت ليلى، ورأت مرآة مائلة إلى جانبها، التقطت شيئًا من الأرض ورمته نحوها. تشققت المرآة، وانقسمت صورتها فيها إلى أجزاء. كانت تلك المرآة تعكس تمامًا شعورها: ذاكرتها ممزقة، أجزاء منها اختفت، وشيء ما أخذ منها الكثير.
نظرت إلى كريس وقالت:
– إذًا... من أنا؟!
اقترب كريس منها وقال:
– أنتِ ليلى... محبوبتي.
لكن ليلى تكلمت بحزم:
– أريد أن أذهب إلى جورجا وأقابلها. قبل موت أبي، تركني هناك أعيش معها ومع أخيها جاي. يجب أن أتكلم معها، فهي مرتبطة بماضٍ نسيته.
ردّ كريس باستغراب:
– أنا لا أعرف أين هي جورجا، ولماذا آخذك إليها وأنتِ في هذه الحالة؟
صرخت ليلى بعصبية:
– لا أصدقك! أريد أن أذهب إلى منزلي القديم، حيث كنت أعيش مع جورجا!
كريس بغضب واضح:
– تريدين أن تعودي إلى منزل تلك المرأة، بعد كل ما فعلته بك منذ طفولتك؟ بعد تعذيبها لك؟
نظرت ليلى إليه مباشرة وقالت بمواجهة:
– في هذه الحالة... أجدها أكثر أمانًا منك. فأنا لا أتعرف على زوجي!
أمسك كريس بمعصمها بغضب، وسحبها إلى السيارة. كانت ليلى خائفة من نبرة صوته، وصمته المتوتر أثناء القيادة. وبعد مدة، توقف أخيرًا أمام منزل جورجا.
نزلت ليلى، وأخذت تنظر حولها. كل شيء بدا مألوفًا. كانت تعرف الطريق جيدًا، والمنزل... ذلك المنزل القديم الذي بدا من الخارج وكأنه مهجور منذ سنوات طويلة.
اقتربت ليلى من المنزل القديم، تلمس الجدران بعينيها، وتهمس لنفسها:
– عندما كنتُ أصغر، كنتُ أظن أن هذا المنزل كبير جدًا لثلاثة أشخاص فقط... لقد كبرتُ، بالفعل. إنه أمرٌ صعب أن أرى هذا المكان الذي كنتُ مسجونةً فيه. كنتُ أراقب الأطفال من النافذة وهم يلعبون، وأتنهد...
اقتربت من الباب، ووضعت يدها عليه، تتحسسه بشعور غريب. قالت بصوت خافت:
– أنا أعرف هذا المكان... لكن لا أملك أي ذكرى واضحة سوى أني كنت صغيرة... ومحبوسة... والأطفال يلعبون في الخارج.
طرقت الباب بهستيريا. لم يكن هناك أي رد. عادت لتطرقه مجددًا، أقوى... وأقوى، دون جدوى. ثم بدأت تصرخ:
– جورجا! جورجا!
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!