4
نظرت ليلى إليه مباشرة وقالت بمواجهة:
– في هذه الحالة... أجدها أكثر أمانًا منك. فأنا لا أتعرف على زوجي!
أمسك كريس بمعصمها بغضب، وسحبها إلى السيارة. كانت ليلى خائفة من نبرة صوته، وصمته المتوتر أثناء القيادة. وبعد مدة، توقف أخيرًا أمام منزل جورجا.
نزلت ليلى، وأخذت تنظر حولها. كل شيء بدا مألوفًا. كانت تعرف الطريق جيدًا، والمنزل... ذلك المنزل القديم الذي بدا من الخارج وكأنه مهجور منذ سنوات طويلة.
اقتربت ليلى من المنزل القديم، تلمس الجدران بعينيها، وتهمس لنفسها:
– عندما كنتُ أصغر، كنتُ أظن أن هذا المنزل كبير جدًا لثلاثة أشخاص فقط... لقد كبرتُ، بالفعل. إنه أمرٌ صعب أن أرى هذا المكان الذي كنتُ مسجونةً فيه. كنتُ أراقب الأطفال من النافذة وهم يلعبون، وأتنهد...
اقتربت من الباب، ووضعت يدها عليه، تتحسسه بشعور غريب. قالت بصوت خافت:
– أنا أعرف هذا المكان... لكن لا أملك أي ذكرى واضحة سوى أني كنت صغيرة... ومحبوسة... والأطفال يلعبون في الخارج.
طرقت الباب بهستيريا. لم يكن هناك أي رد. عادت لتطرقه مجددًا، أقوى... وأقوى، دون جدوى. ثم بدأت تصرخ:
– جورجا! جورجا!
ظلّت تصرخ مرارًا وتكرارًا، حتى بدأ المارّة والناس ينظرون إليها باستغراب. كانت تبدو فتاة غريبة، مضطربة.
نظرت إليهم ليلى وصرخت:
– ماذا؟! لماذا تنظرون إليّ هكذا؟ ألا تعرفونني؟! أنا الفتاة التي كانت محبوسة هنا... من طرف زوجة أبيها، جورجا! كنت أعيش هنا منذ ولادتي! فقط... أريد أن يخبرني أحد أين ذهبت جورجا!
سقطت على الأرض بانهيار، ودموعها تسيل، بينما بقي الناس متحيرين لا يفهمون شيئًا مما تقول. عندها، اقتربت منها امرأة عجوز، وسألتها باستغراب:
– ابنتي... ما كل هذه الضجة؟ هل تسألين عن جورجا؟
رفعت ليلى رأسها، بنظرة أمل، واقتربت منها محاولة أن تتأكد:
– نعم، سيدتي... أنا الفتاة التي كانت تعيش مع جورجا هنا. أرجوكِ، أخبريني... هل تعرفين أين ذهبت؟ هل قالت لكِ شيئًا؟
نظرت العجوز إلى المنزل، ثم التفتت إلى ليلى وقالت ببرود:
– تسألين عن تلك القذرة؟ تلك التي فرّقت بين كثير من العائلات؟! منذ سنة لم نعد نراها كثيرًا، ثم اختفت فجأة، وأصبح المنزل مهجورًا... الحمد لله، فقد كانت امرأة فاسدة. وأخيرًا، أصبح الحي أنظف بدونها. آخر ما سمعته، أن الشرطة تبحث عنها...
قالت ليلى بدهشة:
– الشرطة تبحث عنها؟ لماذا؟ ماذا فعلت؟
شعرت فجأة بوجع حاد في رأسها، وبدأت ملامح العجوز تتغير وتتشوّه، وأصبح كل شيء ضبابيًا. اختفى الناس من الحي، ثم نظرت العجوز إلى ليلى من جديد، وقالت بصوت بارد:
– ألا تتذكرين يا ليلى؟ لماذا تبحث عنها الشرطة؟ لأنكِ أنتِ السبب...
ظهر كريس فجأة، يقف خلف العجوز، ونظر إلى ليلى قائلاً:
– أنتِ السبب في بحث الشرطة عن جورجا، وتدّعين أنكِ لا تعرفين شيئًا...
ثم عاد الناس للظهور واحدًا تلو الآخر، يقتربون من ليلى، يرددون بصوتٍ واحد:
– أنتِ السبب في ذلك...
تحلّقوا حولها، يحاصرونها، وبدأت تشعر بالاختناق، لا تعرف إن كان هذا حقيقيًا أم كابوسًا...
ثم فجأة، فتحت عينيها. كانت في سريرها، تتنفس بصعوبة، تتصبب عرقًا. أدركت أنها كانت تحلم. كان كريس بجانبها، ممسكًا بيدها، لكنها سحبت يدها منه وابتعدت، وقد ارتسمت علامات الذهول على وجهها.
نظر إليها كريس باستغراب وسألها:
– أنتِ بخير؟
بدأت ليلى تتفقد المكان بعينيها، تبحث باستغراب، ثم سألت:
– أين العجوزة؟
نظر إليها كريس بدهشة:
– أي عجوزة؟
ردّت ليلى محاولة أن تشرح:
– العجوزة... ألا تذكر؟! لقد ذهبنا إلى منزل جورجا، وقالت لي إن الشرطة تبحث عنها، وأنني السبب، وأني يجب أن أتذكر ذلك!
ظهرت ملامح الاستغراب على وجه كريس، ثم قال بهدوء:
– نعم، ذهبنا إلى منزل جورجا، وأنا آسف... لم يكن يجب أن نذهب. لأنك، حالما وصلنا، بدأتِ تفقدين صوابك. ضربتِ باب المنزل، ثم أصابتك نوبة جديدة، ولم أستطع إبقاءك مستيقظة كما في المرات السابقة. أنتِ تعرفين، إذا أُغمي عليكِ، تفقدين الإحساس بين الواقع والخيال.
توقف لحظة، ثم أضاف:
– سقطتِ على الأرض وفقدتِ وعيك، ولم يكن أمامي سوى أن أعيدك إلى المنزل، وأن أبقى بجانبك حتى تستيقظي كعادتي. ولم نلتقِ بأي عجوز، كل ما رأيتِه بعد الإغماء... كان مجرد هلوسة أو حلم.
نظرت إليه ليلى وقد بدا الارتباك على وجهها:
– إذن... أنا لست بخير...
قاطعها كريس قائلًا:
– بل أنتِ في حال أفضل مما كنتِ عليه، وأظن أن الدواء بدأ يُعطي مفعوله.
أخفضت ليلى رأسها، وبقيت صامتة. لم تعرف ماذا تقول، أو كيف تتفاعل مع ما تسمعه.
تنهد كريس وقال:
– الآن وقد استيقظتِ، وأراكِ في حالة جيدة... أرجوك، اعتني بنفسك. لا تجعليني أضطر إلى إحضار شخصٍ آخر للاعتناء بك، فأنا لا أثق بأحد. أنا مضطر للخروج، لدي أمر مهم يجب أن أنهيه.
لم تجب ليلى، وبقيت على صمتها، بينما غادر كريس. جلست وحدها، تحاول أن تستوعب كل ما يجري معها، وكل ما قيل لها... لكن شيئًا في داخلها لم يكن مرتاحًا.
مرّت الأيام، ولم يحدث أي شيء جديد. بدأت ليلى تعيش حياة طبيعية، رغم أنها كانت تظل صامتة أغلب الوقت، تغرق في أفكارها. أما كريس، فكان كعادته يذهب إلى العمل ثم يعود دون أن يثير أي شكوك أو تغيّرات واضحة.
في يوم عادي، كانت ليلى ترتّب المنزل كجزء من روتينها المعتاد، ثم توجّهت إلى مكتب كريس لترتيب الأوراق المبعثرة. بدأت تنظم كل شيء وتضعه في مكانه، إلى أن لفت انتباهها شيء غير مألوف. وسط الأوراق، وجدت وثيقة زواج مؤرخة بسنة 2022.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!