الفصل الخامس : لحن النهايات
في الأسابيع التالية تكررت لقاءاتنا، وكانت زوجتك المستقبلية وتجهيزاتك للعرس هي محور أحاديثنا. بدأت أشعر بالملل، وأنتظر بفارغ الصبر إنهاء الحديث عن كل تلك الأمور المملة. وبرغم أنني كلما حاولت تغيير دفة الحوار إلى جانب آخر، كنتَ تحاول جاهدًا إعادتها إلى نفس النقطة، كنتُ أشعر أنك تتلذذ بإزعاجي أو ربما بإثارة غيرتي، لذلك كنت أحاول جاهدًة عدم إظهار انزعاجي من تلك الأحاديث، رغم أنني كثيرًا ما كنت أحلق بعيدًا في خيالاتي متظاهرة أنني أستمع.
في أحد أحاديثنا عنها أخبرتني أنه بعد زواجكما ستحدثها عني، فربما سنصبح صديقتين. أذهلتني طريقة تفكيرك، فقلت ساخرًة: لكنك ستحتاج إلى أعوام حتى تحدثها عن كل صديقاتك!
نظرتَ إليّ بغضب، ومع ذلك أجبت بهدوء: ومن قال إن لدي الكثير من الصديقات؟ فاسم الصديق لا يحصل عليه إلا قلة قليلة ممن دخلوا حياتي، ومع الوقت هم يتناقصون أيضًا.
أجبتك بابتسامة: أظن أنني حينها سأكون من أولئك المتناقصين.
سألتني باستغراب: أحقًا تريدين المغادرة؟
أجبتك بلطف: ذلك سيحدث أُجلاً أم عاجلًا.
أجبتني بتفكير: ولكن من يدري، ربما ستصبحن صديقتين مستقبلًا.
نظرتُ إليك نظرة تعرفها جيدًا، فصحت ضاحكًا: أرجوكِ لا تبدئي بالنصح والمواعظ يا صديقتي.
فأجبتك بحزم: إنها ليست نصائح ومواعظ، لكن دعني أخبرك: لو أن زوجي المستقبلي حدثني عن صديقاته أو الفتيات اللاتي تعرف عليهن قبل زواجنا، فأنا لن أكون سعيدة بذلك، ولن يحدث بأي طريقة أن أصبح صديقة لإحداهن.
أجبتَ باستفزاز: ولكنها لا تشبهك، إنها لطيفة ومتفهمة، ولن يزعجها ذلك.
ضحكتِ من كلماتك وقلتِ: إذن فليحمد الله كثيرًا على زوجة مثلها، ولا تحاول مضايقتها بسخافات كهذه. فمهما بدت المرأة لطيفة ومتفهمة، فإن أمورًا كهذه حتمًا ستضايقها، وإن حاولت جاهدًة عدم إظهار ضيقها.
أجبتني بإصرار: أنتِ لا تعرفينها جيدًا!
أجبتك بإصرار مماثل: بل أنت من لا يعرف النساء جيدًا.
علّقت متحديًا: ومع ذلك، يجب أن أكون صادقًا معها وأخبرها عنك، حتى لو لم تصبحا صديقتين مستقبلًا.
رددتُ عليكِ بمكر: إذا أردتَ أن تكون صادقًا معها وتحدثها عن كل صداقاتك ومغامراتك الفاشلة، فأقترح أن تحكي لها كل يوم حكاية، ربما ستنافس شهرزاد في “ألف ليلة وليلة” التي أمضتها في رواية القصص للملك شهريار.
سألتني بغضب: لماذا تتحدثين عني كزير نساء؟ تعلمين أنني لم أعرف الكثير من النساء، ومع ذلك فكل من عرفتهن لهن صفات ومنازل مختلفة، فمنهن من لا يرتقين لتحتفظ بهن ذاكرتي، ومنهن من تحفظهن ذاكرتي كزميلات، ومنهن الصديقات، وحتى الصديقات فإنهن ضمن مراتب، أقلها صديقات عابرات، وفئة قليلة منهن من ترتقي لتبقى في ذاكرتي طويلًا، وكنتِ في أعلى هذه القائمة، ولكنكِ تصرين على أن النزول منها يومًا تلو الآخر.
أجبتك منهيةً الحديث بمرح: أفضل النزول درجة تلو الأخرى على أن يأتي يوم أسقط فيه من أعلى السلالم وتنكسر عظامي.
هكذا مرت بضعة أسابيع، وأحاديثنا تصبح أكثر رسمية ومللًا، حتى جاء ذلك اليوم الذي انتهى فيه كل شيء، لقد كانت تلك القشة التي قصمت ظهر البعير.
كالعادة، وبين تلك الحوارات المملة والرتيبة التي أصبحت تكسو لقاءاتنا، نظرتُ إلى ساعتي، منهيةً أحد الأحاديث، وأخبرتك أن لدي موعدًا مع طبيب الأسنان ويجب ألا أتأخر.
أجبتني بلا مبالاة: وماذا لو تأخرتِ؟ ليس هناك مشكلة، بل ما رأيك أن تؤجلي موعدك ليومٍ آخر؟
أجبتك باندفاع: ولكنني أنتظر مواعيده بفارغ الصبر.
نظرتَ إليّ بتمعن وسألت: ماذا تقصدين؟
أجبتك بهدوء، محاولةً تفادي نقاش عقيم لن نصل من خلاله إلى نتيجة: ليس التأخر على موعدي يهم، كل ما في الأمر أنني أريد الذهاب، ولا أظن أن هناك حديثًا مهمًا يستدعي بقائي.
قلتُ ذلك وأنا أستعد للمغادرة، وكان ردك هذه المرة الصمت.
بعد ذلك اللقاء بيومين، حاولت الاتصال بك وأرسلت لك بعض الرسائل، ليس لشيء، فقط لأن صمتك أربكني. لم أعتد منك هذا الصمت؛ في العادة كنت ستغرقني بالأسئلة، ولكن في كل مرة كنت أتصل أجد هاتفك مشغولًا، ولا أظن أن رسائلي كانت تصلك أيضًا.
استبد بي القلق، وبدون تفكير اتخذت قرارًا متسرعًا، ووجدت نفسي أمامك. لقد ذهبتُ إلى مكان عملك، حاولت لوهلة أن تخفي تفاجؤك، ثم وبكل برود أجبتني: كيف بإمكاني مساعدتكِ سيدتي؟
نظرتُ إليك مطولًا أحاول أن أفهم ما يحدث دون جدوى، ثم أردفت متسائلة: ورد، هل أنت بخير؟ هل أنت متضايق مني؟
نظرتَ إليّ باستغراب قائلًا: من أنتِ؟ هل أعرفكِ سيدتي؟
مرت لحظات من الصمت حاولت فيها استيعاب ما يحدث قبل أن أجيبك قائلة: لابد أنني أخطأت، ظننتك شخصًا أعرفه، أنا آسفة.
مرت عدة أيام وأنا أفكر: ما الذي حدث؟ لماذا تغيرت بهذه الطريقة بدون سابق إنذار؟ راجعت أحداث آخر لقاء بيننا مرات عديدة دون أن أصل إلى نتيجة. وأخيرًا توصلتُ إلى قرار نهائي: أن من يتظاهر بعدم معرفتي، سأفقد الجزء الخاص به من ذاكرتي.
مرت بضعة أسابيع شعرتُ فيها، وللمرة الأولى، أنني تجاوزتك وأن كل شيء قد انتهى. لقد تعافيت من كل تلك الأمراض التي أصابتني، وحتى مواعيدي مع طبيب الأسنان بدأت تتباعد، ولم أعد أهتم كثيرًا، فأنا لم أعد بحاجة إلى ذلك المخدر الذي يضعه على القلوب. لقد قررت أن أعيش الألم حتى أتأقلم معه وأتعافى منه تمامًا، فالتخدير الوقتي لم يعد كافيًا. أحتاج إلى اقتلاع الألم من جذوره، ولن يكون ذلك سهلًا، ما دامت تدب الحياة فيه. يجب أن يجف ويضمر حتى يصبح من السهل اقتلاع جذوره اليابسة، فالوقت والتعايش كانا كفيلين بتجفيف تلك الجذور.
ولكنك لم تشأ أن تنتهي القصة هنا، لذلك قررت العودة. حاولت تجاهلك مرارًا، ثم استسلمت لسماع اعتذارك وتبريراتك. أخبرتني أنك شعرت بالغيرة، وأن تصرفك هذا ينم عن غيرة مفاجئة شعرت بها عند تمسكي بالذهاب إلى طبيب الأسنان. بل واستمررت قائلًا إنك قرأت في عيني أنه ليس مجرد موعد بين مريض وطبيبة، بل كان أكثر من ذلك بكثير. وأنك أردتني أن أستفسر أو أطلب شرحًا لتصرفك، ولم تتوقع أن أنهي كل شيء وأغادر ببساطة.
نظرتُ إليك في نفاد صبر وانتظرتك لتكمل قصة غيرتك المزعومة. ما زلت لا أصدق أنك تستمر في الحديث عن الغيرة وزفافك بعد بضعة شهور على فتاة قلبك وأحلامك. هل يحدث أن يحب القلب امرأتين معًا، أم أنك تقمصت الدور أكثر مما ينبغي؟
بعد أن انتهيت من سرد قصتك قلت لك: وما شأني بكل هذا؟ لنستمر من حيث بدأنا ويعود كل واحد منا من حيث أتى، وكأننا أصبحنا لا نعرف بعضنا.
نظرتَ إليّ برجاء واعتذرت بصدق، ووعدتني أنك لن تؤذيني، وطلبت مني أن نعود أصدقاء. رغم اقتناعي التام بأن من يتنكر لك لن يعود ليعتذر، ومن يقطع آخر حبال الوصال
لن يعيدها باعتذار، فإن ما انكسر بداخلي أعمق من أن يجبره اعتذار، وما أفسدته لا يمكن أن تصلحه الكلمات.
كما أدركتُ أيضًا أنك تعيش ذلك الصراع الداخلي، الذي وفي كل مرة يقرر فيها جزء منك المغادرة يستحثك جزء آخر على العودة. ولأنني أعرف هذا الشعور جيدًا وعانيت منه طويلًا، أخبرتك أنني سأحاول أن نعود صديقين رغم صعوبة الأمر، ولكن يجب أن نضع خطوطًا حمراء لا ينبغي لنا تجاوزها.
اعترضت بلطف قائلًا: لا يمكن ذلك، يجب أن نعود أصدقاء كما كنا سابقًا.
أجبتك بابتسامة أسى: لكن شيئًا لم يعد كما كان.
بعد عدة أيام أدركت أن هذه المرة لم تعد رغبة في العودة، ولا لصراع داخلي كاد يفتك بك. عدت لتضع النقاط على الحروف، لتأخذ بعض الإجابات، ولتوضح لي بعض الأمور، ظنًّا منك أنك من ينبغي أن يكتب الفصل الأخير في هذه القصة، دون أن تدرك أن النهاية قد كُتبت بالفعل، وأن هذا الفصل لم يكن إلا مراجعة لأحداث مضت وانتهت.
وفي حديثٍ آخر سألتني: من هو شخصي المفضل؟
أجبتك ببرود: أنت تعرف أنني لا أُفاضل بين الأشخاص، أنا أُفاضل بين الشخصيات.
رددّت: حسنًا، ما هي شخصيتك المفضلة؟
أجبتك بصدق: حتى هذه اللحظة لم أجد شخصية متكاملة، فكل شخصية لديها مزايا وعيوب، وحسب أيهما يرجح يتم الحكم على الشخصية.
نظرتَ إليّ بنفاد صبر وقلت بحدة وغضب: توقفي عن المراوغة، وصفي لي أفضل شخص أو شخصية قد وجدتيها! هل هو طلب أم أمر؟
سألتك باستنكار لهجتك: سألتني؟ أم تأمرني؟
أجبتني بابتسامة ماكرة: وهل ستختلف الإجابة؟
رددّت بحياد: إن كان أمرًا فلن أكلف نفسي عناء الإجابة.
فجأة بدأتَ بالضحك وقلت لي: أنا أطلب، أن تخبريني بذلك فحسب.
سألتك مستنكرة: ما الذي يضحكك؟
أجبتني بلطف: لا شيء، فقط تذكرت الفتاة العنيدة التي التقيتها قبل ثلاث سنوات.
لا أعلم ما ذلك الشعور الذي اجتاحني حينها، أشعر بألم في قلبي يصل إلى كل جزء فيّ. ابتسامتك تلك، نظرتك، كلماتك… كل ذلك أعادني إلى أول لقاء لنا. من المؤلم أن تصبح أوقاتك الجميلة مع أحدهم ذكريات مؤلمة وحزينة.
بعد لحظة صمت حاولت أن أعود إلى مسار الحديث وأجيبك بحياد: أحب أن يكون الشخص لطيفًا، مبادرًا، سريع البديهة، رحيمًا، عطوفًا، محبًا للآخرين، يساعدهم، يهتم بهم، يحترمهم ويقدرهم، يزرع الابتسامة على وجوههم، يعرف متى يتحدث ومتى يصمت، يعرف ماذا يريد، لا يخشى أن يُلام إن كان مُحقًا، لا يستسلم حتى يصل، تستطيع أن تثق به وتستند عليه، لا يعميه غضبه ولا تقوده الظنون.
سألتني في استنكار: وهل وجدتِ كل هذه الصفات في شخص واحد؟
أجبتك بيأس: مستحيل.
نظرتَ إليّ للحظات ثم أردفت: وكم من هذه الصفات تنطبق علي؟
أجبتك: ربما ثلاث منهن.
صحتَ في استنكار: فقط؟
أجبتك باستفزاز: وربما أقل.
سألتني في استغراب: متى أصبحتِ مستفزة بهذا القدر؟
أجبتك بابتسامة أكثر استفزازًا: لم أرتقِ إلى مستواك بعد.
أكملتَ بغيظ، محاولًا إعادة دفة الحوار: ومن برأيك يمتلك أكثر هذه الصفات؟
أجبتك ببرود: ليس من شأنك.
نظرتَ إليّ باستعطاف متسائلًا: ألا ينبغي للأصدقاء أن يكونوا صادقين مع بعضهم؟
أجبتك بسخرية: أخشى أن أجيبك فتفقد الذاكرة هذه المرة.
علّقتَ بنبرة حزن: لا تقلقي، لن يحدث شيء، فقد أدركتُ متأخرًا مكانتي بالنسبة لك.
سألتني في حوار آخر: لقد تجاوزنا ثلاث سنوات منذ التقينا أول مرة، فهل حدث وأحببتِني في فترة ما؟ أرجوكِ كوني صادقة ولو لمرة واحدة في هذا الأمر.
أجبتك بتأثر: تعلم أنني صادقة دائمًا معك. ربما في شهورنا الأولى كنتُ معجبة بك، ولكن سرعان ما أدركتُ مدى اختلافنا، وحاولت أن أتعامل معك برسمية وأنهي كل شيء. ولكن حدث صراع بين عقلي وقلبي، لذلك عقدا اتفاقية لتصبح صديقًا، لتثبت لي الأيام أنك
أصبحت أقرب صديق لي. وأعود في تشوش جديد بين قلبي الذي يريد أن يستمر في تلك الصداقة، وعقلي الذي يخشى تبعاتها ويقرر التخلي عنك.
وهنا، وبعد صراع طويل، يعقدان اتفاقية جديدة تصبح فيها أخًا. ولكن هذه الاتفاقية كُسرت في ذلك اليوم الذي سألتني فيه صراحة عن رأيي في الزواج منك. قررتُ يومها أن أنفذ كلام عقلي وأنهي كل شيء، ولكن قلبي استمر بتذكيري بالوعد الذي قطعته لك قبل ذلك النقاش بأن ما سنتحدث فيه لن يؤثر على صداقتنا.
وفي ذلك اليوم الذي أخبرتني فيه بأنك قررت بدء حياة جديدة وأنك لن تحدثني مجددًا، نظر عقلي إلى قلبي وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بسخرية قائلاً: هل رأيت؟ بسبب عدم سماحك لي بأن أخطو هذه الخطوة وتأجيلك لها، تم الاستغناء عنك. أما كان ينبغي لك أن تغادر بكرامتك قبل أن يتم طردك؟
ومنذ تلك اللحظة، والعقل هو من يتحدث ويقرر ويتصرف في كل شيء، ولم يعد لذلك القلب وجود قط.
سألتني: ولماذا وافقتِ على العودة بعد ذلك؟
أجبتك بحزن: تلك كانت الوصية الأخيرة لقلبي، أراد أن أسامحك إن حدث وعدت بأي عذر كان، وأحاول بالتدريج إنهاء صداقتنا المزعومة. ومع ذلك، كان ينبغي أن تلاحظ أن هناك شيئًا ناقصًا، هناك جزء فقدته إلى الأبد.
ابتسمتَ لي بأسى وقلت: فلتشكري ذلك الجزء بالنيابة عني، وأخبريه أنني آسف من أجله.
في حديثنا الأخير قلت لي: فلتعلمي جيدًا أنكِ لن تجدين شخصًا يحبك كما فعلت.
حاولت حينها أن أصطنع ابتسامة هادئة وأجبتك: لا داعي أن أجد شخصًا يحبني، يكفي أن يتقبلني كما أنا، ولا يسعى لتغييري، أن يفهمني، يدعمني ويفخر بي.
نظرتَ إليّ في غيظ قائلاً: صدقيني، ربما ستضحين وتتنازلين كثيرًا لأجله، وفي النهاية لن تحصلي منه على نصف الحب الذي كان بإمكاني أن أعطيه لكِ.
أجبتك ببرود: يكفي أن أجد الشخص الذي يستحق أن أحبه كل ذلك الحب، عندها لن أبالي بالتنازل والتضحيات.
رددْتَ بغضب: وهل كنتُ لا أستحق؟
أجبتك منهيةً الحوار: لقد استحقيت أن أكون صديقة جيدة لك، وهذا ما حدث. وأكملت على نفس السياق الذي بدأت به: وصدقني لن تجد صديقة رائعة مثلي، فلا تبحث عبثًا.
ابتسمتَ لي باستفزاز: لدي الكثير من الأصدقاء الرائعين، ولا مشكلة من فقدان أحدهم.
نظرتُ لك بحزن وأنا أستعد للرحيل قائلةً: معك حق، شخص واحد لا يُحدث فرقًا.
تبدلت ملامح الاستفزاز في عينيك وقلت لي مودعًا: ينبغي أن أشكركِ على كل الأوقات الجميلة التي حظيت بها معكِ، فالآن فقط أدركت كم كنت سعيدًا في الماضي برفقتكِ.
سألتك باستنكار: ولِمَ هذا الإدراك الآن؟
أجبتني بصدق: لأنني لم أعد أجدك. أنتِ لستِ تلك الفتاة التي كنت أستمتع برفقتها، لقد تغيرتِ كثيرًا. بقيت صورتها، لكن روحها غادرت. إنني أفتقدها رغم أنكِ هنا.
ولم نلتقِ بعدها مجددًا.
بعد اخر حديث لنا قررت ان ابدا من جديد بعيدا عنك، كنت قد قدمت في عدة معاهد للحصول على منحة مجانية لدراسة الغناء، فالغناء كان هواية ولكنني قررت ان ادعم هوايتي بالاسس اللازمة لاصبح ماهرة في هذا المجال، وكانت معاهد الموسيقى ومدارس الغناء هي الحل المثالي لتطوير هوايتي. حدث ذلك بعد ان استمعت لنصيحة طبيب الاسنان وفكرت اكثر في مساري المهني. ولحسن الاقدار جاءني الجواب بالقبول من احد تلك المعاهد في العاصمة في اليوم التالي للقائنا الاخير، فعزمت على البدء بداية مختلفة هذه المرة ولن اسمح لاحد ان يعكر صفو حياتي. انتقلت بعد ذلك بيومين وغيرت رقم هاتفي وبدأت اهتم بدراستي وبتكوين علاقة جيدة مع زملائي ومعلميني في المعهد من جهة ومع شريكاتي في السكن من جهة اخرى. انشغلت بالدراسة وبالتدرب اغلب وقتي، وبالتعرف على شريكات السكن والاستمتاع برفقتهن اوقات فراغي. لم اعد انفرد بنفسي كثيراً. ادركت ان كل ما نحتاجه احياناً لنتجاوز الاشخاص والافكار هو الانشغال، فاوقات الفراغ هي السبب في كآبتنا وآلامنا وحيرتنا. اشغل وقتك وحياتك بما يفيدك كي لا تقع في وحل الفراغ.بعد آخر حديث لنا قررت أن أبدأ من جديد بعيدًا عنك، كنت قد قدمت في عدة معاهد للحصول على منحة مجانية لدراسة الغناء، فالغناء كان هواية، ولكنني قررت أن أدعم هوايتي بالأسس اللازمة لأصبح ماهرة في هذا المجال، وكانت معاهد الموسيقى ومدارس الغناء هي الحل المثالي لتطوير هوايتي. حدث ذلك بعد أن استمعت لنصيحة طبيب الأسنان وفكرت أكثر في مساري المهني. ولحسن الأقدار جاءني الجواب بالقبول من أحد تلك المعاهد في العاصمة في اليوم التالي للقائنا الأخير، فعزمت على البدء بداية مختلفة هذه المرة، ولن أسمح لأحد أن يعكر صفو حياتي. انتقلت بعد ذلك بيومين، وغيرت رقم هاتفي، وبدأت أهتم بدراستي وبتكوين علاقة جيدة مع زملائي ومعلمي في المعهد من جهة، ومع شريكاتي في السكن من جهة أخرى. انشغلت بالدراسة وبالتدرب أغلب وقتي، وبالتعرف على شريكات السكن والاستمتاع برفقتهن أوقات فراغي. لم أعد أنفرد بنفسي كثيرًا. أدركت أن كل ما نحتاجه أحيانًا لنتجاوز الأشخاص والأفكار هو الانشغال، فأوقات الفراغ هي السبب في كآبتنا وآلامنا وحيرتنا. اشغل وقتك وحياتك بما يفيدك كي لا تقع في وحل الفراغ.
لا أنكر أنني كنت أتذكرك أحيانًا، ولأكون صادقة، كثيرًا، ولكنني كنت أشغل نفسي لتجنب التفكير فيك. صحيح أنني غيرت رقم هاتفي كي أقطع صلتي بك، لكنني كنت أطمئن على إيميلي من وقت لآخر، لأنني كنت أنتظر رسالة منك.
مرت الأيام والأسابيع وكل شيء يبدو بخير، كل شيء يبدو أفضل، قلّ تذكري لك، وقلّ اطلاعي على الإيميل الخاص بي.
مرت بضعة أشهر اخرى وأصبحت أيامي جميلة، ظننت أنك طيف مرّ وانتهت القصة، ولكن وصلت رسالة منك بعد هذه الأشهر، إنها دعوة لحضور زفافك. لم يكن الأمر بالبساطة التي توقعتها، لقد أصابني شيء غريب بعد استلامي للرسالة. قمت بانشغالي بتنظيف غرفتي في السكن، لم أستطع النوم تلك الليلة، وبقيت أتحدث مع شريكتي في الغرفة. أصبت بنوبة ضحك، بدأت أضحك لسبب وبدون سبب، استغربت شريكتي الأمر، ولكنها أُصيبت بعدوى الضحك أيضًا، وبدأنا نضحك كثيرًا. لا أعلم سبب ضحكي، ظنت شريكتي أن السهر والتعب هما السبب في حالتنا، كانت هذه هي الأسباب الظاهرة، ولكن يبقى هناك أسباب خفية لا يعلمها سوانا.
لقد صادف وصول دعوتك ويوم زفافك أسبوع إجازة في المعهد، فقررت أن أذهب لحضور زفافك وأعود قبل انتهاء إجازتي. وفي اليوم التالي جمعت بعض أغراضي وعدت إلى مدينتي الجميلة، وهناك التقيت بصديقتي المقربة أولًا، احتجت إلى أحد يشعر بي ويفهمني بعيدًا عن المظاهر والسطحية التي عشتها في الآونة الأخيرة.
تفاجأت برؤيتها، وأسرعت إلى عناقها بكل حب. اشتقت لحضنها، وكلماتها، وحنانها، اشتقت لها كثيرًا. لذلك لا أعلم أهو شوقي لها أم أن أثر دعوتك هو ما جعلني أبكي. بكيت في حضنها طويلًا، وبعد أن انتهيت أخبرتها بكل شيء، أخبرتها عن حياتي الجديدة وأيامي في المعهد، أخبرتها كم اشتقت لها، وأخيرًا أخبرتها بأمر الدعوة، واستمعت لي بكل حب وصبر، ثم سألتني: وماذا ستفعلين؟
أخبرتها أنه يجب أن أذهب إلى الزفاف، يجب أن ألبي الدعوة، فإن كنت تتحداني بهذه الدعوة، إن كنت تختبر قوتي، يجب أن أثبت لك أن كل شيء بخير وأنني قد تخطيتك، وأنني أقوى مما تظن.
نظرت إليّ بحيرة ثم سألتني: أتريدين أن تثبتي كل ذلك له أم لنفسك؟ أجبتها بحيرة مماثلة: لا أعلم!!
أخذت نفسًا عميقًا ثم أخذتني إلى المطبخ، قدمت لي بعض البسكويت وكأسًا من العصير، وقالت بلطف بعد أن جلسنا إلى الطاولة: عزيزتي سكرتي، سأقول لك شيئًا ربما تعلمينه جيدًا ولكنك تتجاهلينه. تعلمين أنك إن ذهبت ستتألمين من جديد، ألم تتحسني في هذه الفترة كثيرًا؟ لما تصرين على أن تصابي بانتكاسة؟ لما تختارين الأذى في كل مرة؟ لنفترض أنك ذهبت إلى هناك، ونظرتِ في عينيه وتعرفتِ على زوجته، وبكل قوة وتحدٍ استطعتي تجاوز الليلة، فماذا ستفعلين بعد عودتك؟
اعلمي أن الشخص القوي لا داعي أن يقول إنه قوي، الشخص الذي يتجاوز ليس بحاجة لإثبات أنه تجاوز الآخر، لستِ بحاجة لإثبات أن الأمور بخير طالما هي بخير. المحاولة الزائدة لتظاهر باللامبالاة ليست إلا مبالاة واضحة، كما تعتبر المبالغة في التجاهل مجاهرة بالانتباة ايضا
أجبتها باستسلام: ولكن قد يظن عدم حضوري دليلًا على أنني أتألم، وأنني لم أتجاوزه بعد، ولم أستطع رؤيته هو وزوجته!
أجابتني بمنطق: ألم تتجاوزي؟ ألم تتخطي؟ ألم تتعافي؟ إذن لا داعي لتثبتي شيئًا لأحد، نحن نحاول إقناع أحبابنا ومن يهمنا أمره، أما الغرباء فلا داعي لأن يقتنعوا بشيء، نحن لا نراهم أساسًا كي نقنعهم، نحن لا نهتم بإقناعهم، أليس كذلك؟ هل ستمشين في الشارع محاوِلةً إقناع كل غريب تصادفينَه بأنك لا تهتمين لأمره؟ فكري في الأمر بهذه الطريقة.
أجبتها باقتناع: معك حق، لقد قطعت شوطًا كبيرًا في رحلتي، ولن أضحي بكل تلك الأيام لأقنع أحدًا بشيء. والآن عليَّ الذهاب لرؤية عائلتي، ولتفكري كيف سنقضي يوم غدٍ، فيجب أن نستمتع بيومنا قبل أن أعود لدراستي.
بعد مرور أعوام، إنه يوم تخرجي من المعهد، ها أنا أصعد على المنصة، الجميع ينظرون لي؛ أبي، أمي، وإخوتي، صديقتي المقربة، وزميلاتي، الجميع يصفق بحماس بانتظار أدائي، سأقوم بالغناء على المسرح، اخترت أغنية جميلة تتناسب مع لحن الحياة لأقدمها في هذه المناسبة السعيدة. أنا سعيدة؛ فبعد شهور طويلة من تجنبي الاستماع للحن الحياة كي لا أتذكرك، قررت قبل تخرجي بأسابيع أن أغني أغنيتي في حفل التخرج على هذا اللحن، ظننت أن الأمر سيكون صعبًا، وأنني قد أتأثر باللحن بعد اغتراب طويل عنه، ولكنني وجدت التدريبات تمر بسلاسة لم أتوقعها، وها هو اللحن يصدح في القاعة وأنا أقدم أغنيتي بكل فخر وحب وسعادة.
وأنا أقف على تلك المنصة، تحت ضوءٍ دافئ شعرتُ به كأنه اعتذار الحياة المتأخر لي، كان اللحن لا يمرّ من حولي فقط… بل كان يمرّ بي، يخترقني هذه المرة.
كأن شيئًا قد تبدّل في الطريقة التي يتكئ بها الصوت على قلبي؛ لم يعد يجرّني إلى الخلف، ولا يفتح أبواب الذكرى في وجهي دفعة واحدة، بل صار يمرّ بهدوء شديد، كزائرٍ غريب يعرف تمامًا أن البيت لم يعد صاحبه كما كان.
في منتصف الأغنية، مرّ اسمي القديم —تلك النسخة المهزومة مني— في ذهني كخاطرة عابرة. لم يمرّ كجرح، بل كذكرى فقدت حدّتها تمامًا. لم أتلعثم، لم أبحث عن مخرج أهرب إليه، ولم تنكسر الجملة في حلقي كما كنتُ أخشى وأرتعب طوال الأسابيع الماضية.
واصلتُ الغناء بثبات.
وفي الصفوف الأمامية، كانت عائلتي تصفق لي بحرارة، وصديقتي تبتسم بتلك النظرة الدافئة، وكأنها ترى أخيرًا النسخة التي انتظرتها مني منذ زمن طويل؛ نسخة لا تقيس قوتها بما تحمّلته من ألم، بل بما اختارت أن تتركه خلفها بهدوء ومضت.
ومع آخر جملة في اللحن، شعرتُ بشيء يشبه الإغلاق الناعم لفصل طويل من حياتي… إغلاق لا ضجيج فيه، لا ادعاء انتصار، ولا مرارة هزيمة. فقط نهاية تليق بما كان، وبما لم يعد ضروريًا أن يستمر.
انحنى التصفيق في القاعة كأمواج خفيفة، لكن ما كان أثقل وأجمل من التصفيق، هو ذلك السكون الداخلي الذي حلّ في أعماقي أخيرًا، بلا أي مقاومة.
اقتربت مني صديقتي، وهمست لي وهي تبتسم ابتسامتها المعهود
هل شعرتِ به؟”
لم أسألها “بماذا؟”، لأنني كنتُ أعرف تمامًا ما تقصده. أومأتُ لها برأسي فقط، والابتسامة تتسع على وجهي.
في تلك اللحظة، لم يكن السؤال في عقلي عني، أو عنه، أو عن كل ما حدث بيننا ذات يوم… بل كان عني أنا وحدي:
هل انتهى الحب؟
أم انتهت النسخة التي كنتُ أحاول النجاة بها منه؟
أو ربما… لم يعد السؤال مهمًا أصلًا ولا يعني لي شيئًا.
لأنني عندما رفعتُ رأسي نحو الضوء مرة أخرى، كان هناك شيء بسيط وواضح يستقر بداخل صدري: أن الحياة لا تطلب مني أن أنسى، بل أن أكمل طريقي دون أن أعود في كل مرة إلى نفس المكان الذي يكسرني.
وخارج القاعة، كان العالم الخارجي كما هو، لم يتغير فيه شيء…
لكن شيئًا ما في داخلي، وللمرة الأولى والجميلة، لم يكن كذلك أبدًا.
تم اكتشاف أدوات المطور
لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.
طباعة المحتوى غير مسموحة
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
محتوى محمي بحقوق الملكية - منصة يورانس
التعليقات (0)
سجل دخول لتتمكن من التعليق
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!