لحن الحياة
لحن الحياة
جزء 4 من 5
وضع القراءة:

الفصل الرابع : لحن الحياة

هل تتذكر ذلك اللحن الجميل الذي صنعته كهدية لعيد ميلادي التاسع عشر؟ كان لحنًا جميلًا، صحيح أنني من طلبت تلك الهدية منك، طلبت منك أن تؤلف لي لحنًا لم يسبق أن عزفه أحد، لحنًا يصبح خاصًا بي. أخبرتني حينها أنك لست محترفًا، ولكنني أصررت عليك أن تصنعه لأجلي، ومهما كان ما ستقدمه لي سأحبه كثيرًا.
وقبل عيد مولدي بأيام قليلة سألتك إن كان جاهزًا، فأخبرتني أنه جاهز، ولكنك تنتظر يوم مولدي لتسمعني إياه. لقد رفضت حينها الانتظار وبدأت في إسماعي إياه، وأحببته كثيرًا. أخبرتني أنك استعنت بملحن محترف ليساعدك على تقديمه في أجمل صورة.
وأخبرتك أنني كنت سأحبه حتى لو لم يكن احترافيًا، يكفي أنك حاولت تقديم شيء جميل من أجلي. نظرت إليّ نظرة غريبة قائلًا: ماذا سنسمي هذا اللحن يا سكر؟
فكرت مطولًا، فقاطعتني قائلًا: ما رأيك بلحن الحب؟
في الحقيقة كان اسمًا جيدًا، ولربما كنت سأقبل بهذا الاسم لو كان من شخص آخر، ولكنني خشيت أنك تقصد شيئًا غير اللحن، فأجبتك مسرعة: لِمَ لا يكون لحن الصداقة؟
نظرت إليّ بانزعاج وقد فهمت ما أرمي إليه قائلًا: حسنًا، فلتسميه كما تشائين، إنه هديتك ويحق لك أن تسميه ما تشائين.
لاحظت الجو الذي بدأ يتعكر بيننا، فقلت ملطفة للأجواء: ما رأيك بلحن الحياة؟
صمت قليلًا ثم أجبتني بحياد: لا بأس، إنه اسم جيد.
ومن حينها كنا نسمع ذلك اللحن لنحيا من وقت لآخر.
ما زلت أتذكر عندما توفّي صديقك المقرب بحادث، لقد كنت في حالة يُرثى لها، ولأول مرة أراك على وشك الانهيار. أنت من تجيد لعبة الكلمات باحتراف، ولم تستطع أن تعبّر عن مشاعرك حينها، لقد فرت الكلمات منك، وكذلك تحجّرت الدموع في عينيك. فهناك ألم لا تستطيع أن تعبّر عنه بالكلمات، فمهما حاولت صياغة الكلمات لن تكفيك للتعبير، تشعر أن الحروف لا تكفي حتى وإن أضافوا لها مئات الحروف الأخرى.
نحن النساء نعبر بالدموع، فالدموع كفيلة بالنسبة لنا بأن تعبّر عن ذلك الشعور الذي مهما اجتهدنا لن نستطيع أن نعبر عنه بالكلام. ولكن لا أدري كيف بإمكانكم معشر الرجال أن تعبّروا، فحسب اعتقادكم أن البكاء لم يُخلق للرجال وأنكم أقوى من أن تبكوا، وفي حقيقة الأمر البكاء لا علاقة له بالضعف أو القوة، ليس له ارتباط خاص بالنساء، بل هو ترجمة لما لا يمكن للكلمات ترجمته. أعلم أنه ليس وقت الفلسفة، ولكنها الحقيقة، بإمكانك أن تجرب البكاء فربما سترتاح قليلًا.
لقد نظرتَ إليّ بغضب وطلبت مني المغادرة، فأنت تريد البقاء وحيدًا، لكنني كما أخبرتك سابقًا عرفتك أكثر مما يجب، وأدركت أن لسانك يقول تلك الكلمات، ولكنك بحاجة إلى صديق لا يتركك في هذه الحالة؛ صديق يربّت على كتفك، صديق تستطيع البكاء على كتفه، يتقاسم معك الأحزان ويحمل جزءًا منها عن كاهلك ليخف الحمل عليك، فالصداقات إن لم تقف مع بعضها في الشدة فلا حاجة لها في الرخاء.
لذلك لا أعلم ماذا حدث، ولكنني بدل أن أغادر وجدت نفسي أُطوّقك بذراعي. للحظة ظننت أنك ستدفعني أو ستحاول الابتعاد عني، ولكنك تمسكت بي بشدة لدرجة أنني شعرت وكأن أضلاعي ستنكسر، لحظتها باتت دقات قلبك مسموعة، وكذلك شهقاتك، شعرت بدموعك تبلل كتفي وبألمك يخترق قلبي، وبدأت دموعي تتساقط. فهكذا نحن، عندما يُصيب أصدقاءنا ضيق نشعر بالضيق معهم، وعندما يتألمون نتألم معهم، وحتى عندما يبكون نجد أنفسنا نبكي معهم.
بعد أن خفّت صوت شهقاتك وقلّلت من شدة تشبثك بي، استطعت أن أهمس لك ببعض الكلمات التي ظننت أنك بحاجة إلى سماعها.
انتِ تعلم أن صديقك الآن في مكان أفضل من هذا، إنه بعيد عن كل الأحزان والآلام، هو الآن في مكان للانتظار فحسب، لقد توقفت مؤقتًا عند هذا اليوم، إنه يومه الأخير في هذه الدنيا المرة. من الآن فصاعدًا لن تُسجَّل عليه المزيد من الأخطاء ولا حتى الأعمال الخيّرة، إنه ينتظر موعد الحصاد الذي سيجني فيه ثماره.
فإن كنت تحبه كثيرًا عليك أن ترسل له الكثير من الهدايا التي يستمتع بها في مكان انتظاره، ويشعر بالسعادة لأن لديه صديقًا مثلك يبعث له الهدايا. أنت تعلم أن حزنك عليه ليس من ضمن الهدايا التي ينتظرها، إنه ينتظر هدايا قيمة كالدعاء له وقراءة بعض الآيات من أجله، وأن تقدم صدقة على نيته أو تعمل أي عمل خير تنوي أجره لصديقك الراحل.
عليك أن تزيد عدد ثماره الطيبة كي تطغى على تلك الشجيرات الضارة التي توانى عن اقتلاعها وظلت تفسد مزروعاته، لا يجب أن تتأخر في إرسال الهدايا إليه، ليطمئن قلبه أن ثماره ستطغى على تلك الشجيرات الضارة.
كفكف دموعك قبل أن تبتعد عني، وكأنك ستشعر بالحرج لو تركتني أراها، وكأنني لم أستمع إلى أنين قلبك منذ لحظات، وودعتني على عجل قائلًا إنك لا تريد أن تتأخر بإرسال الهدايا إلى صديقك.
ما زلت حتى هذه اللحظة لا أدرك كيف تصرفتُ بذلك التهور، ما زلت عاجزة عن التفسير. ولكن عندما يتعلق الأمر بمن نحبهم نغلق نافذة عقولنا ونسمح لعواطفنا أن تقودنا لنرتكب تصرفات خالية من المنطق، ولاحقًا لا نجد تبريرًا لما فعلناه.
بعد حادثة صديقك بأسابيع، أخبرتني أن هناك أمرًا هامًا تريد أن نتحدث فيه، وأنه يجب أن نتحدث وجهًا لوجه. وعندما التقينا كنت تبدو أكثر إشراقًا وبهجة، وقد جعلتني أقطع لك وعدًا أنه مهما كان حديثنا اليوم فلن يؤثر على صداقتنا، وسننسى حديثنا هذا حتى حين.
بعد ذلك أخبرتني أن والديك يلحّان على تزويجك، وأنهما يضغطان عليك كثيرًا في الآونة الأخيرة. جاهدت كثيرًا لأمنع ضحكتي؛ فكثيرًا ما يحدث هذا الأمر مع الفتيات، وكذلك الكثير من الشابات يلجأن إلى هذه الحجة للضغط على الشبان الذين يحببن ليعرضوا عليهن الزواج ويتقدموا لهن رسميًا خشية أن يتزوجن غيرهم.
وأجبتك أن معهم حق، فشاب في عمرك يجب أن يتزوج، أنت لم تعد طفلًا أو مراهقًا، إنك على مشارف الثلاثين ويجب أن تبدأ في بناء حياتك الخاصة. ثم أردفتُ بمرح: وهل ستختار لك والدتك فتاة من مدينتك؟ أم أنكم ستبحثون عن فتاة من مدينة أخرى؟ أتعلم إن لم يُلزم اختيار فتاة تعرفها أمك فسأرشح لك بعض الفتيات، أتذكر عندما تعطلت بنا السيارة ونحن في إحدى المدن الغريبة، استضافتنا عائلة لطيفة لمدة أسبوع، لديهم فتيات ذوات جمال ودين وأخلاق، إنهن حتمًا رائعات.
نظرتَ إليّ مطولًا ثم قلت: ولِمَ لا تكونين أنتِ؟ ماذا سيكون جوابك لو أنني تقدمت لك؟ وماذا عن عائلتك أيضًا؟
لقد كنتَ جادًا للدرجة التي لم أستطع فيها أن أجعل الأمر يبدو كمزحة وأتعامل على هذا النحو. لقد كنتُ أخشى أن يأتي هذا اليوم، حاولت جاهدًة أن أبقي صداقتنا بعيدة عن هذا، ولكنها فجأة تتخذ منحى آخر، حاولت أن أطيل مداها، ولكنك بجملتك هذه جعلتها تحتضر. بعد سؤالك هذا سينتهي كل شيء، لا يمكننا أن نتعامل بعد اليوم كما كنا، ولا أعرف كيف لنا أن نتعامل مع بعضنا بعد الآن. لا أدري إن كنت جادًا أم أن الأمر التبس عليّ، ألا تظن أنك تسرعت في هذا الحديث؟ أنت تنهي صداقتنا إلى الأبد.
أعرف أن صداقتنا ستنتهي في يوم ما، ولكن ليس بهذه السرعة. أشعر بأن الدنيا بدأت تدور بي، وفجأة انتشلني صوتك من كل هذه الأفكار، ارتشفت رشفة من العصير الذي أمامي لعلّي أستعيد توازني، رددتَ سؤالك مجددًا: لماذا الصمت؟ قولي أي شيء!
حاولت أن أجيبك بنبرة محايدة: لا أظن أنك ستفعل ذلك.
أجبتني بتعجب: ولِمَ لا؟
عندها بدأت أشارك أفكاري قائلة: إن فعلت ذلك فستكون متسرعًا، وأيضًا ستكون غيّبت العقل والمنطق في قرار كهذا وسمحت للعاطفة أن تتحكم بك، ولا أظنك ممن يتصرفون بلا منطق.
تحولت نبرتك هذه المرة إلى صيغة الهجوم وأنت تسألني: وماذا يقول المنطق برأيك؟
حاولت الحفاظ على النبرة المحايدة وأجبتك: نحن لا نناسب بعضنا قط، أنت تعلم جيدًا أننا من مجتمعين مختلفين، ناهيك عن المجتمع، فنحن كشخصين بعيدين كل البعد عن بعضنا، لا نتفق في الأفكار والمعتقدات، لا مجال لتقارب وجهات نظرنا؛ ما أراه صحيحًا وجيدًا تراه أنت تمردًا وخطأ، وما تراه أنت صحيحًا ومناسبًا أراه أنا إجحافًا وظلمًا. أنت تعلم أننا نادرًا ما نتفق على رأي أو فكرة، فبالتأكيد لن نستطيع أن نبني حياة ونحن بهذه العقليات المتنافرة.
أجبتني قائلًا: كما نواجه مشاكلنا واختلاف أفكارنا وآرائنا سنحل كل شيء بالنقاش والتفاهم!
أجبتك في امتعاض: ولكننا غالبًا لا نواجه مشاكلنا، إننا نتهرب منها ونتجاهلها، ففي كل مرة نختلف في رأي أو فكرة نغلق هواتفنا ونتجاهل بعضنا، وبعد مدة نعود للحديث متناسين ذلك الاختلاف، ونبتعد عن الخوض في ذلك الأمر مجددًا كي لا يعود ذلك التوتر بيننا. فهل سنتجاهل أمور حياتنا ونغلق أبواب قلوبنا كما نفعل دائمًا مع مشاكلنا واختلافاتنا؟
سألتني برجاء: وماذا عن مشاعرنا؟
أجبتك بمنطقية: أنت تعلم أن المشاعر ليست كافية لبناء حياة. المشاعر تعتبر كالأسمدة التي تغذي التربة والنبات، وليست إحدى العناصر الأساسية لنموه. الحياة تحتاج إلى الرضا وقبول الطرفين ببعضهما دون أن يطلب أحد الطرفين من الآخر أن يتغير، وهذا عنصر أساسي كالتربة التي تحتاجها لتزرع النبات فيها. وتحتاج إلى تقارب في الأفكار والعقليات، وهذا عنصر كالهواء الذي يحتاجه النبات لينمو. وتحتاج إلى قدر من التفاهم لتسقي به زروعك، والكثير من الاحترام لتمد مزروعاتك بالضوء.
بعد لحظات من الصمت قلتَ بأسى: لا أصدق أن هذا الأمر يتكرر معي للمرة الثانية، إنها المرة الثانية التي أتقدم فيها لفتاة وترفضني. لا أصدق أنني وقعت في نفس الخطأ مرتين. أتعلمين أن هناك الكثير من الفتيات اللواتي طلبن مني أن أتقدم لهن ولم أوافق لأنهن لا يناسبنني، وفي المرتين اللتين أتقدم فيهما أنا أتلقى الرفض، لا بد أنها العدالة الإلهية.
وسرعان ما استعدتَ نفسك وأردفتَ بكبرياء وبلهجة محذّرة: لكنني إذا تعرضت للرفض لا أعود مجددًا.
حاولتُ أن أمنع نفسي من الصراخ في وجهك قائلة إنني لا أريدك أن تعود، أنا حقًا مقتنعة بكل كلمة قلتها، أنا مقتنعة أننا لا نناسب بعضنا إطلاقًا، ومع ذلك أخشى أنني قد خسرتك كصديق بعد هذا النقاش. وهناك الكثير من علامات الاستفهام في رأسي، فقد أخبرتني سابقًا أن الفتاة التي أحببتها قبل أعوام قد تزوجت ورحلت قبل أن تتمكن من عرض الزواج عليها، ولكنك الآن وفي لحظة صدق تقول إنك تقدمت لها ورفضتك.
رغم كل الأسئلة التي دارت في خلدي ابتسمتُ بهدوء وبنبرة محايدة: تمنيت لك السعادة، وأخبرتك أنك ستجد فتاة رائعة وتناسبك أيضًا.
ولكنني لم أستطع أن أكبح فضولي أكثر، وسألتك: ولكنك أخبرتني أنها قد تزوجت ورحلت بعيدًا!
أجبتني: إنها لم تتزوج ولن تتزوج، لكنها رفضتني ولهذا السبب لم أطلبها مجددًا.
سألتك باستنكار: هل أنت أحمق لتُعاني كل هذه الأعوام وهي في الجوار؟! هل كبرياؤك يستحق كل هذه المعاناة؟
أتعلم أن من يُحب لا يتخلى عن من أحب بهذه السهولة، لا ينبغي أن يضع كبرياءه حاجزًا بينه وبين من يحب، لا ينبغي أن يسمح للغرور والكبرياء أن ينهي حبه، إلا إن كان يستمتع بالمعاناة أو أنه لم يحب بصدق.
نظرتَ إليّ بسخرية قائلًا: من يسمعك يظن أنك خبيرة في هذا المجال، قبل أن تقدمي نصائح للآخرين قدميها لنفسك يا عزيزتي.
أجبتك بهدوء: أحيانًا قد نقدم للآخرين ما ينقصنا.
فرددّتَ بغضب: ولكن فاقد الشيء لا يعطيه.
نظرتُ إلى ملامحك التي لم أستطع أن أميزها، لا بد أنها خليط من الغضب والحزن والخذلان والخيبة أيضًا، لذلك حاولت إنهاء الحديث قائلة: حسنًا كما تشاء يا صديقي.
بعد ذلك النقاش ذهب كلٌّ منا في طريقه.
بعد غياب أسبوعين حاولنا فيها استجماع أنفسنا وشجاعتنا لنلتقي مجددًا، قلتَ لي بعتاب: لقد غبتِ طويلًا.
أجبتك: كانت فترة نقاهة، فترة راجعت فيها نفسي ورتبت أفكاري، ولولا ذلك الوعد الذي قطعته لك قبل آخر نقاش بيننا لما كنت سأعود، لأنني أدركت أخيرًا أنني سمحت لنفسي بالسقوط في حفرة سيصعب عليّ النهوض منها بسلام. ومع ذلك، يبدو أنني مشغولة يا صديقي.
فأجبتني بعدم رضا: ولكنها لم تكن تشغلكِ عني من قبل!
أجبتك ببرود: يبدو أنها ستفعل من الآن فصاعدًا.
سألتني بنبرة هجوم: ولِمَ كل هذا؟
قلتُ: لأن ذلك أفضل لكلينا يا صديقي.
لم يعجبك ردي، ثم اختتمتَ اللقاء بنبرة غامضة: حسنًا كما تشائين، وغادرت.
مرّت أيام ثم أسابيع على اختفائك هذه المرة. ظننتُ أنك تحاول أن تعاقبني، وأنك تريد أن تخبرني من خلال غيابك أنك متضايق مني. سأعترف حقًا أنني اشتقت إليك، وتمنيت لو لم يحدث كل هذا، ولكنه كان سيحدث في يوم ما، وما يؤلمني أنه حدث أبكر مما توقعت. ربما بالنسبة لك لم يكن باكرًا، فثلاث سنوات تعتبر وقتًا كافيًا، ولكنك لا تعلم أنني برفقتك لا أشعر بالزمان والمكان، عندما أكون معك يبدو لي وكأنه لقاؤنا الأول.
فكرت كثيرًا أن أبحث عنك وأعتذر إن كنتُ ضايقتك، لكن كبريائي في كل مرة يمنعني من أن أعتذر على خطأ لم أرتكبه.
من يخطئ يعتذر، وماذا لو لم تكن مخطئًا؟ يبدو أنك قد تعتذر أيضًا لتحافظ على الشخص الآخر. هذا ما يحدث أحيانًا؛ تعتذر لأنك أخطأت، ولكن غالبًا تعتذر ليس لأنك مخطئ أو لشعورك بفداحة أفعالك، بل لتحافظ على الود والمحبة بينك وبين أحدهم، وخوفًا أن تخسره، متناسيًا أنك باعتذارك تعطيه ورقة رابحة، تشعره أنك ما عدت قادرًا على الاستغناء عنه، ليتمادى في غروره وأخطائه ويقتنع بأنه مصيب في كل ما يفعله معك. وحتى لو شعر أنه مخطئ فهو يعلم أنك ستسامحه ولن تستغني عنه.
يستمر في ارتكاب الأخطاء دون مراعاة أنه يستنزف رصيد المحبة في قلبك، وسيأتي يوم وينتهي هذا الرصيد، وبدل أن تحمل رصيدًا من المحبة والذكريات الجيدة، يغادرك بعد أن استنزف كل شعور الحب داخلك وبدّله بالكراهية. لذلك ينبغي ألا تعتذر إلا إذا أخطأت، وكذلك ألا تسامح الآخرين قبل أن يشعروا بأخطائهم ويعتذروا منك.
ولأن عقلي في كل مرة كان ينتصر، فإنني تجاهلت غيابك أيضًا، حاولت التعامل وكأن كل شيء بخير، ولكن الحقيقة أنني لم أكن بخير. كل شيء في غيابك يبدو بلا لون، حتى الطعام أصبح بلا طعم ولا نكهة. احتجت إلى كميات كثيرة من السكر لأتذوق حلاوة الأشياء، ولكن دون جدوى، عدا عن بضع الكيلوغرامات التي أضافتها السكريات والشوكولاتة إلى وزني، فهي لم تضف أي حلاوة إلى حياتي، وكأن كل شيء أصبح رماديًا.
ولكن يجب أن أعتاد الحياة في غيابك، وأدركت أنك تعاقبني على خطأ لم أرتكبه، أو ربما جاء الوقت الذي ستغادرني كما تفعل مع كل الفتيات اللواتي عرفتهن في حياتك.
بعد شهرين تقريبًا شعرت أنني بدأت أتجاوز غيابك، ربما ليس تمامًا، ولكنني بدأت أعتاد. فجاءني اتصالك وأخبرتني أن هناك أمرًا مهمًا عليك أن تحدثني عنه، وأنك بعد هذا اليوم لن تستطيع محادثتي مجددًا.
لقد دارت كل الأفكار في رأسي، خشيت أن تكون مسافرًا أو ذاهبًا إلى الحرب، شعرت بالقلق والخوف عليك، ولكن الشيء الذي لم أتوقعه هو أن تأتي لتخبرني أنك اليوم ستخطب، وأن زواجك سيكون بعد بضعة أشهر.
شعرت وكأنك صببت كأس ماء بارد على رأسي. هل حقًا كنت قلقة وخائفة أن يصيبك مكروه وأنت تفكر بهذه الطريقة؟ هل ما أسمعه حقيقي؟ أنا التي ألوم نفسي مئة مرة في اليوم وأظن أنك متضايق ومنزعج بسببي، وأنت كنت تفكر وتخطط لزواجك.
هل شهران كانا كافيين لك لتتجاوزني وتمضي قدمًا؟ إن كانت هذه المدة تكفيك لتتجاوز الحب الذي كنت تزعمه تجاهي، فلماذا لم تكن كافية لي لتجاوز الصداقة التي كنت أزعمها تجاهك؟ يبدو أننا كلانا كنا مخادعين.
كنا نخدع أنفسنا وليس أي أحد آخر، ولكن ولأني ما زلت مستمرة في لعبة الخداع ذاتها سألت نفسي: نحن كنا مجرد أصدقاء، فما شأن صداقتنا بزواجه؟ ولماذا قد يكون آخر يوم لنا معًا هو اليوم الذي قرر فيه خطبة امرأة أخرى؟ هل يعتبرني ذنبًا
يجب أن يتطهر منه قبل الدخول في علاقة جديدة؟ وإن كان كذلك، أما كانت مغادرته وعدم عودته مجددًا كافية لتطهيره؟
استمرت فوضى الأفكار في رأسي حتى قاطعتني متسائلًا: ألا تباركين لي؟
أجبتك بغضب: مبارك لك، ولكن أخبرني ما شأن صداقتنا بزواجك؟ ولماذا قد يكون آخر يوم نتحدث فيه هو اليوم الذي ستخطب فيه؟ هل أنا إحدى عشيقاتك التي يجب أن تتخلص منها قبل الدخول في علاقة جدية؟ وإن كان كذلك، أليس الأجدر بك ألا تعود لتخبرني أنك ستغادر؟ أَلَم تكن قد غادرت منذ شهرين؟ لماذا عدت إذن؟
لم أكن أنتظر إجابة أو توضيحًا منك، قلت كلماتي وأنا أغادر المكان، فقد كنت مقتنعة أنك كوّنت نظرة خاطئة عني تكفي لإنهاء كل شيء، ومن جهة أخرى أنت أتيت اليوم لتنهي كل شيء، فليحدث ما جئت من أجله.
سمعتك تناديني، ولكنني استمريت في الركض. ما كنتُ سأتوقف لأن عينيّ قد اغرورقتا بالدموع، وما ينبغي لك أن تراني في تلك الحالة.
توجهتُ إلى منزل صديقتي فورًا، فهي الوحيدة المحقّة في كل ما حدث. لقد حذرتني مرارًا، ولكنني لم أستمع. لقد بكيت كثيرًا بين ذراعيها، ورغم كل توجيهاتها وتحذيراتها التي ألقيتها عرض الحائط، لم تلمني، بل استمعت لما حدث بكل لطف، ثم سألتني بحكمة: والآن أخبريني، هل أنتِ متضايقة لهذه الدرجة كونه لم يضعك في موضع الصديق الحقيقي، أم لأنه قد تخلى عنك واستبدلك بأخرى بهذه السرعة؟
أجبتها بأن كلا السببين قد مزّقا قلبي.
ابتسمت وقالت: حسنًا، إن كان على السبب الأول فما كان عليك أن تتضايقي، لأنه كان واضحًا معك أنك لستِ مجرد صديقة، وأنتِ تعلمين جيدًا ما كنتِ تعنين بالنسبة له. وإن كان على السبب الثاني، فصدقيني الشهران وقت كافٍ ليعيد المرء ترتيب أولوياته وتنظيم حياته، أم أنه كان يجب أن يبقى يرثي حاله ويحزن بسبب رفضك له مدة أطول؟ فإن كانت شهرين كاملتين لم تكفيك لتتجاوزيه، فإنه قد تجاوزك منذ اللحظة التي رفضتِه فيها. ألم يخبرك أنه لن يكرر عرضه مجددًا؟ أحيانًا نحتاج للصدمات لنتغير ونفكر بطريقة أخرى، ورفضك له كان تلك الصدمة.
لا تنسي أنك تضايقتِ من أجله في ذلك اليوم، ودعوتِ الله في صلاتك أن يرزقه الفتاة التي ستسعده وتنسيه كل أحزانه، فهل تبكين الآن لأن الله استجاب لدعواتك؟
ولكن لا تقلقي، الأيام حتمًا ستنسيك كل شيء. عليكِ الدعاء لأجلك هذه المرة، وصدقيني الله سيستجيب لكِ سريعًا، كوني واثقة بذلك.
مرت الأيام بطيئة، حزينة، كئيبة، بلا ألوان، عدا الألوان القاتمة بدرجاتها، وقد كان للأسود والرمادي السيادة. ظننتُ أن الفترة الماضية بعد أن رفضتُ عرضك كانت أسوأ أيامي، فقد كانت كئيبة ومؤلمة، لكنني أدركتُ الآن أن الأمور قد تصبح أسوأ. فإن كان الحزن والكآبة في الأسابيع الماضية يقتاتان عليّ، فهما يلتهمانني بشراهة هذه الأيام.
لا أعلم ما شأن حالتي النفسية بوظائفي الحيوية، ففي تلك الفترة القصيرة أصبت بتحسس في الصدر، وقرحة في المعدة، وحصوات في الكلى. لا بد أن جسدي يتواطأ ضدي هذه المرة.
ولكن من لطف الله بي أنني تعرفت على طبيب الأسنان المرح. فقد كنت بحاجة لشخص مثله في تلك الفترة من حياتي؛ فهو شخص لطيف، مرح، عفوي، يحب مساعدة الآخرين وكذلك زرع الابتسامة على وجوههم. هو لا يكتفي بمداواة الأسنان، بل يحاول جاهدًا مداواة القلوب ورسم الابتسامة على الوجوه.
لقد داومت في تلك الفترة على الذهاب بانتظام إلى عيادة الأسنان، ليس لأنني قد أعجبت بالطبيب كما لمّحتَ لي في يومٍ ما، ولكن لأنني كنت بحاجة إلى فسحة من الجو التعيس الذي أعيشه في تلك الفترة. صحيح أنه لا يستطيع مداواة القلوب، لكنه يضع لها مسكنًا أو مخدرًا للألم مثل ذلك الذي يُحقن به الضرس قبل اقتلاعه. فعندما تكون في عيادته بطريقة أو بأخرى يسعى إلى جعلك تبتسم، بل وتضحك ملء شدقيك، وتنسى كل همومك وأحزانك وتعيش لحظات بعيدًا عن تلك السوداوية التي أحاطت حياتك بها.
ولكن سرعان ما تعود إلى حالتك بعد الخروج من عيادته، لذلك ولحسن حظي زادت أيام مراجعتي للعيادة في تلك الفترة، وزادت معها الفسحات اللطيفة من ذلك الجو الذي كاد يخنقني.
في كل يوم كنت أذهب إلى المجمع الطبي كنت أعرّج إلى عيادة أسنانه، حتى وإن لم يكن لدي مراجعة هناك. كنت أستمتع بمعرفة طريقته المبتكرة في إسعاد الأطفال؛ ففي أحد الأيام ارتدى زي مهرّج ليسعدهم، وفي يوم آخر ارتدى زي بابا نويل ووزع الهدايا عليهم، كما أنه في إحدى المرات أخذ دور جنية السن. الأمر لا يقتصر على الأطفال فقط، فحتى المسنون العنيدون والمتجهمون يخرجون من عيادته بروح أخف وألطف، ربما كان ساحرًا يا صديقي.
تمنيت لو أن سحره هذا يعيدني تلك الفتاة اللطيفة المتفائلة التي كنتها قبل كل ما حدث، لكن ذلك قد يحتاج أكثر من السحر.
قال لي في أحد الأيام: ابتسمي ليشرق وجهكِ، ابتسمي لتستعيدي عافيتك، ابتسمي لتتألق روحك وتُحلّق من جديد. في تلك اللحظة تذكرتك عندما قلت لي: ابتسمي كي أزهر. لا بد أن كلماته كانت أكثر صدقًا، فأبتسامتي وحزني لا يؤثران في أحد غيري.
ولذلك قررت أن أتجاوزك وأعود إلى حياتي الطبيعية، ومهما كان ذلك صعبًا فهو ليس مستحيلًا، وبدأت أفكر أكثر في مساري المهني.
تفاجأتُ بك بعد بضعة أسابيع تقف أمامي، أخبرتني أنك تحتاجني في أمر طارئ. هكذا أنت، كل أمورك طارئة، وكل مواضيعك مهمة. وعندما أسألك بجدية عن الأمر الطارئ أو المهم، تجيب أن رؤيتنا لبعضنا وحديثنا معًا في حد ذاته أمر مهم، ولا أدري كيف كانت تلك الكلمات تجعلني مسرورة في السابق.
ولكنني وقتها لم أتحرك بصحبتك، وأخبرتك بصرامة أننا لم نعد صديقين مجددًا. نظرتَ إليّ برجاء وقلت إن هناك سوء تفاهم يجب أن نحله، وعلى الأقل الأصدقاء يستمعون لتبريرات أصدقائهم ولا يحكمون عليهم دون إعطائهم فرصة للشرح. نظرتُ إليك بضيق وانتظرتك لتشرح ما عندك.
بعد بضع دقائق استطعت أن تحل سوء التفاهم الذي حدث من وجهة نظرك، بعد أن بررت أنك كنت تريد مفاجأتي بالأمر لأنك تعرف أنني سأكون سعيدة من أجلك، وأن تلك ليست إلا طريقة مشابهة لمن يتعاملون مع صديقهم وكأنهم نسوا عيد ميلاده ثم يفاجئونه بحفلة رائعة. ومن ناحية أخرى خشيت أن أشعر بالغيرة أو الضيق لذلك وأقرر عدم الحديث معك مجددًا.
كنت أعلم أنك لست صادقًا، ولكنني لم أكن مستعدة لخسارتك تمامًا، فأنا وإن لم أتقبلك كحبيب، لا أنكر أنك رائع كصديق. ورغم شعوري أنني قد خسرتك، وأن ما يحدث الآن مجرد مسرحية هزلية، كان لكل منا دور فيها يجب تأديته باحترافية حتى نصل إلى نهاية المسرحية.
بعد ذلك تحدثتَ بعتب: لماذا لم تسألي عن الفتاة التي خطبتها، وما إذا كانت تلك الفتاة التي أحببتها منذ زمن أم لا؟
أجبتك بأن الأمر سيّان بالنسبة لي، سواء كانت هي أو غيرها. ليس هذا فحسب، بل إنني ما عدتُ قادرة على التفريق بين الحقيقة والأكاذيب. لقد قلتَ لي منذ أعوام إنها
أنشأت حياتها الخاصة ورحلت بعيدًا، ثم أخبرتني قبل بضعة أشهر أنها رفضتك وأنها ما زالت في الجوار. ولهذا السبب لم أفكر في سؤالك عن ذلك.
سألتني بغموض: أترغبين في معرفة لماذا لم أخبرك بالحقيقة قبل أعوام؟
أجبتك باقتضاب: تعلم أن الأمر لم يعد يهمني.
فأنا حينها لم أعد قادرة على الاستماع للمزيد من الأكاذيب، وكل ما أردته هو المغادرة. لذلك سألتك في نبرة استعجال قبل أن أغادر: إذن أفهم أنك قد خطبت تلك الفتاة بعد كل هذه الأعوام؟
أجبتني ونظرة مكر وتشفي تظهر من عينيك: نعم، والفضل يعود لكِ، فأنتِ سبب رئيسي في إتمام هذه الخطبة.
اصطنعتُ ابتسامة سعادة وقلت لك: هذا رائع، أتمنى لكما السعادة. أليس من الرائع أن تكون كلماتك سببًا في اجتماع شخصين بعد كل هذه الأعوام؟
نظرتَ إليّ بحدة وقلت: بل رفضكِ لي كان السبب، وليس كلماتك فقط، ثم إقناعكِ لي بالتمسك بحبي الأول وإعطائه فرصة أخرى.
أجبتك برجاء: توقف عن ذلك، فكلانا يعرف أن قلبك لم تستوطنه فتاة غيرها، ولا تجعل الأمر يبدو كأنه انتقام، لأن العلاقات المبنية على الانتقام غير سوية ولن تؤتي ثمارها.
تغيّرت ملامحك ونبرتك بشكل ملفت، وأنت تقول: معكِ حق يا صديقتي، لقد أحببتها كثيرًا، وهذا هو السبب الرئيسي. ومع ذلك فرفضكِ لي وكلماتك تلك كان لها دور ثانوي في إقناعي بالتمسك بحب حياتي.
7 قراءة
0 إعجاب
0 تعليق

التعليقات (0)

سجل دخول لتتمكن من التعليق

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

فصول الرواية

تعليقات الفقرة

سجّل دخول للتعليق

تم اكتشاف أدوات المطور

لحماية المحتوى، يرجى إغلاق أدوات المطور للمتابعة في القراءة.